islamaumaroc

الحضارة المادية

  دعوة الحق

32 العدد

لم تدع فلسفة اسطوا لإتباعها مجالا للإيمان بالغيب بعد ما قررت فناء الروح بفناء الجسم ونفت صيرورة هذا العالم إلى الفناء وبعث الإنسان بعد الممات مقررة خلود الحياة البشرية على وجه الأرض باعتقادها" أن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين"  وعلى هذا الأساس وضع اسطوا علم المنطق الذي يفضي بالإنسان إلى إنكار كل حقيقة عجز فكره عن إثباتها أو تعليلها والى أبطال شعوره وإهمال هذه .والى وقف إيمانه بالوجود على عالم الشهادة يعني على الكائنات الواقعة مباشرة تحت إدراكه.
وكانت فلسفة أرسطو النواة التي نشأت عنها فلسفة ديكارت ولم يستطيع هذا الأخير التخلص من تأثيرها رغم محاولته التجرد من سائر العقائد والمسلمات.وعن فلسفية والاجتماعية التي قامت على قواعدها الحضارة الإنسانية العصرية على اختلاف أنظمتها ومظاهرها وألوانها والتي تبعث الفرد والجماعة على البحث عن السعادة في إرضاء الشهوات والمطامع الأنانية بدلا من التماسها في التصرف بالجمال.
وهكذا رغم إيمان أرسطو وديكارت بوجود الله انشأ كلاهما فلسفة كانت مصدرا لمذاهب مادية ملحدة تتجاهل وجود الله وتمهل روح الإنسان وتقصيه عن الإيمان بالمثل العليا انتشرت في شعوب أوروبا وأمريكا وبعض شعوب أسيا وكيفيت حضارة أممها وصبغتها حتى أصبح من المستحيل على الشعوب الإفريقية خاصة والشعوب الإسلامية بصفة عامة أن تأخذ بهذه الحضارة المتصلة بها اتصالا وثيقا من دون أن تتخلى عن جانب كبير من جمالها الخلقي ومن دون أن تضحي عاجلا أو أجلا بقيمها الروحية التي كانت في وقت من الأوقات منشأ عزتها ورفعتها ومنبع قوتها وسيادتها والتي أكسبتها شخصية مستقلة ثم صانت هذه الشخصية من الاندماج في شخصية المحتل. لكن هل حققت هذه الحضارة للإنسان غايته منها بل وغايته من الحياة كلها أل وهي السعادة؟ لا أخال إنسانا واحدا سليم الفطرة يستطيع أن يزعم أن مجموع سكان إحدى البلدان المتحضرة ينعمون بحياة سعيدة بل ولا نصفهم ولا حتى ثلثهم ولا أن ثمة ما يبشر بوقوع ذلك في مستقبل قريب أو بعيد.
ولماذا لم تنجح هذه الحضارة في إسعاد أقوامها؟ أتراها عدمت الأسباب المادية اللازمة؟ إن الفرد البسيط أصبح بفضل هذه الحضارة يملك من وسائل الراحة وأدوات الرفاهية ما لم يتوفر على بعضه جل الملوك والمترفين في العصور السابقة ، انه بإشارة خفيفة من بنانه أو يده أو رجله يستطيع إن يقضي جل مأربه في أيسر وقت وبغير ما كلفة وأن يطلع على ما جريات الحوادث في سائر بلاد العلم ويتتبعها وان يتصل بإخوانه من الجنس البشري في مختلف إنحاء الأرض اتصالا شخصيا مباشرا وبواسطة البريد والاثير. وباختصار فان هذه الحضارة أتاحت للإنسان أن يكون أكثر قوة وأكثر قدرة وأوفر علما منه في أي وقت مضى.
فاذا ما ظل هذا الانسان رغم ذلك كله بعيدا عن الشعور بالسعادة وبالراحة النفسية فلان كسبه من هذه الحضارة كامأن يكون ماديا صرفا ولان طاقته المادية هاته قد اكتسبها على حساب طاقته الروحية. ولانه تبعا لذلك اسلس قيادة للعامل الاقتصادي في المستوى الفردي والجماعي وتركه يتحكم في طريقة حياته وتفكيره وعلاقاته ومعاملاته الانسانية، فلا غرو اذن ان يعيش هذا الانسان أثرا أنانيا خائفا مترقبا متوليا كبره في حيرة دائمة وفي شك مريب من جداية ما ياتي وما يذر يهدم اليوم مابناه بالامس ، ويبني اليوم ما يعود غدا الى هدمه.
وسيبقى الفرد بعيدا عن السعادة ضالا عن سبيلها مادام رائده في الحياة هو الكسب المادي وما دام العامل الاقتصادي يوجه سياسة دولته ويكيف الحياة العامة في بلاده مهيمنا على مختلف مرافقها وأنظمتها
.وسيظل القلق والاضطراب يسودان العلاقات الدولية وسيلبث الخوف مستوليا على الشعوب وسيمكث شبح الحرب يهدد الامن في كل حين مادامت مختلف دول العالم تنصاع لحكم العامل الاقتصادي تستوحيه سياستها الخارجية ويحدد علاقاتها الدولية ويملي عليها جميع مواقفها وتصرفاتها.
وأنا لم أزد على التذكير بحقيقة نادى بها بعض قادة الفكر الاسلامي الحديث أخص منهم بالذكر المرحوم الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه "حياة محم" الذي اورد منه مقتطفا هم أبلغ تعبيرا في الموضوع واوفى بالمقصود.
قال الدكتور رحمه الله:
"في اعتقادي أن حضارة تجعل الحياة الاقتصادية أساسها ، وتقيم قواعد الخلق على أساس هذه الحياة الاقتصادية ، ولا تقيم للعقيدة وزنا في الحياة العامة، تقصر عن ان تمهد للإنسانية سبيل سعادتها المنشودة.
بل ان هذا التصوير للحياة لجدير ان يجر على الإنسانية ما تعانيه من محن في هذه العصور الاخيرة، جدير أن يجعل كل تفكير في منع الحرب وفي توطيد أركان السلام في العالم قليل الجدوى غي مرجو الثمرة.فما دامت صلتي بك أساسها الرغيف الذي اكل أنا وتأكل انت وتنزعنا عليه ونضالنا في سبيله، قائمة بذلك على أساس القوة الحيوانية في كل منا، فسيظل كل منا يرقب الفرصة التي يحسن فيها الاحتيال للحصول على الرغيف صاحبه، وسيظل كل منا ينظر الى الاخر على أنه خصمه لا على أنه اخوه ، وسيظل الاساس الخلقي الكمين في النفس أساسا حيوانا بحتا، وأن بقي كمينا حتى تدفع الحاجة الى ظهوره، وستظل المنفعة وحدها قوام هذا الاساس الخلقي ، على حين تنزلق عليه المعاني الانسانية السامية والمبادئ الخلقية الكريمة ، مبادئ الايثار والمحبة و الاخوة، فلا يكاد يمسكها ولا تكاد تعلق به.
" وما هو واقع في العالم اليوم خير مصداق عملي لما أذكر .فالتنافس والنضال هما المظهر الاول للنظام الاقتصادي، وهما لذلك اول مظهر لحضارة الغرب. وهما كذلك في المذهب الفردي وفي المذهب الاشتراكي على سواء .في المذهب الفردي ينافس العامل العامل. وينافس رب المال رب المال، والعامل ورب المال فيه خصمان يتنافسان.وأرباب هذا المذهب يرون في هذا التنافس وهذا النظال كل خير للانسانية ولتقدمها. فهما عندهم الحافز للاتقان والحافز لتقسيم العمل، وهما المعيار العادل لتوزيع الثروة.اما المذهب الاشتراكي فيرى في نضال الطوائف، نضالا يفنيها جميعا حتى يرد الامر كله للعمال، بعض ماتحتمه الطبيعة.ومادام التنافس والنضال على المال هما جوهر الحياة ، ومادام النضال بين الطوائف طبيعيا، فالنظال بين الامم طبيعي كذلك، وللغاية التي يقع من أجلها نضال الطوائف .من ثم كانت فكرة القوميات أثرا محتوما بحكم الطبيعة لهذا النظام الاقتصادي.أما ونضال الامم في سبيل المال طبيعي، أما والاستعمار لذلك طبيعي أيضا ، فكيف يمكن أن تمتنع الحرب ويستقر السلام في العالم؟ لقد شهدنا في هذا القرن المتم للعشرين المسيحي ومانزال نشهد البينات على ان السلام في عالم هذا اساس حضارته حلم لا سبيل الى تحقيقه، وأمنية معسولة ولكنها سراب مكذوب.
" تقوم الحضارة الاسلامية على أساس هو النقيض من أساس الحضارة الغربية فهي تقوم على أساس روحي يدعو الانسان الى حسن ادراك صلته بالوجود ومكانه منه قبل كل شيء.فاذا بلغ من هذا الادراك حد الايمان ، دعاه ايمانه الى أدمة تهذيب نفسه وتطهير فؤاده، والى تغدية قلبه وعقله بالمبادئ السامية: مباذئ الاباء والانفة والاخوة والمحبة والبر والتقوى. وعلى أساس هذه المبادئ ينظم الانسان حياته الاقتصادية.هذا التدرج هو أساس الحضارة الإسلامية كما نزل بها الوحي على محمد.فهي حضارة روحية اولا.والنظام الروحي فيها هو اساس النظام التهذيبي وأساس قواعد الخلق. و المباذئ الخلقية هي أساس  النظام الاقتصادي، فلا يجوز أن يضحي بيء من مبادئ الخلق في سبيل التنظيم الاقتصادي.
" هذا التصوير الاسلامي للحضارة هو في يقني التصوير الجدير بالانسانية الكفيل بسعادتها ولو انه استقر في النفوس وانتظم الحياة انتظام الحضارة الغربية اليوم اياها ، لتبدلت الانسانية غير الانسانية، ولانهارت مبادئ يؤمن الناس اليوم بها، ولقامت مبادئ سامية تكفل معالجة ازمات العالم الحاضر على هدى نورها."
" والناس اليوم في الغرب والشرق يحاولون حل هذه الازمات دون ان يتنبه أحد منهم، ودون أن يتنبه المسلمون أنفسهم، الى أن الاسلام كفيل بحلها، فأهل الغرب يتلمسون اليوم جدة روحية تنقذهم من وثنية تورطوا فيها، وكانت سبب شقائهم وعلة ماينشب من الحروب بينهم، تلك عبادة المال. واهل الغرب يتلمسون هذه الجدة في مذاهب الهند والشرق الاقصى على حين هي قريبة منهم، يجونها مقررة في القران ، مصورة خير صورة فيما ضربه النبي العربي للناس من أثناء حياته".
ذلك ما كتبه الدكتور هيكل رحمه الله منذ ما يزيد على خمس وعشرين سنة ولم يزد مرور الايام والأعوام كلامه الا رجاحة وصدقا ، فما من يوم يمضي الا وتثبت فيه الوقائع وهن هذه الحضارة القائمة على أساس اقتصادي ويقوم الدليل على فشلها في تمهيد سبيل السعادة للانسانيبة بل وعلى سوقها الانسان الى هاوية الشقاء الابدي ثم  انه ليتجلى بوضوح يوما عن يوم ان خلاص الانسانية من مشاكلها القائمة وتحقيق سعادتها هو تطبيق تعاليم الاسلام الروحية والعمل بمبادئه الخلقية السامية.
لكن دعوة الانسانية الى تنظيم حياتها الاقتصادية على مبادئ خلقية باسم الدين محكوم عليها سلفا بان تكون صيحة في واد سواء كانت الدعوة باسم الديانة الاسلامية أو المسيحية أو الموسوية ذلك للسببين الاتيين:
1. أن الدين صار بفعل عوامل كثيرة ومختلفة من ضعف السلطان وقلة النفوذ والتأثيرات بحيث لايقوى على تصحيح المعوج من الاوضاع القائمة فبالاحرى على تغيير الأسس التي يقوم عليها المجتمنع العصري وتوجيه علاقات الشعوب وتكييف الحياة الدولية.
2. على فرض نجاح الدعوة باسم دين من الاديان الثالثة فان الاستجابة ستنحصر بطبيعة الحال في الشعوب المنتمية الى الدين الذي قامت باسمه الدعوة اذ لا يحتمل ان ينقاد لاحكام دين ما غير أتباعه، أما بقية البشر فسيبقون بعيدين عن هذه الاحكام .
ولدلك ارى ان الدعوة الى الاخد بتعاليم الاسلام في نطاق عالمي تكون ادنى من النجاح واحرى بالانتشار اذا قامت باسم الجمال مجردة عن كل صبغة دينية تقليدية.
 ان العقيدة الجمالية هي الصعيد الوحيد الذي يمكن أن تتحقق عليه الوحدة في الشعور والنزوع والعمل بين من يسمون أتباع الديانات السماوية الثلاث، وعلى صعيدها كذلك يمكن أن يرجى تحقيق نوع من الوحدة في الانظمة والحياة الاجتماعية لمختلف شعوب العالم.
ينبغي ان تساند الدعوة الجمالية العالمية حركة اسلامية اقليمية شعبية وحكومية تستهدف احياء العمل بتعاليم الاسلام وأحكامه في كل شعب اسلامى بالروح التي كانت تطبق بها هذه التعاليم والاحكام على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين.
فلا يخفى على أحد ان المسلمين ظلوا يبتعدون عن جوهر الدين الاسلامي في حياتهم الخاصة والعامة شيئا فشيئا على ممر الاجيال والقرون حتى لم يعد لكلمة "مسلم" من مدلول عملي غير تعريف جنسي اذ اتسع مفهومها فشمل المارقين من الاسلام المعرضين عن اقامة اركانه وحدوده بل وشمل حتى الملحدين الذين لا يومنون بوجود الله ولا بالبعث وتراهم " من الذين امنوا يضحكون واذا مروا بهم يتغامزون واذا انقلبوا الى اهلهم انقلبوا فاكهين واذا راوهم قالو ان هؤلاء لضالون".
ان كلمة "مسلم " تطلق اليوم على كل متنسل من سلالة المسلمين بقطع النظر عن ادائه لفرائض الاسلام فاصبح معظم المسلمين لايقيمون الصلاة والتي لايتم اسلام المرء بدونها ولايصومون رمضان وان كان الكثير منهم يمسكون عن الطعام في النهار وفشت فاحشة الزنى وشرب الخمر وتعددت المناكر على اختلاف الأشكال والألوان.
هذه حالة المسلمين عموما في سائر العالم الاسلامي، ومما ساعد على وجدها وتفاقمها تسلط الاستعمار على معظم البلاد الاسلامية وحيلولته بين المسلمين وقوام دينهم بشتى الاساليب المادية والفكرية فلقد نجح الى حد بعيد الاستعمار الاوربي في رسم فلقد نجح الى حد بعيد الاستعمار الاوربي في رسم صورة شوهاء نكراء للدين الاسلامي في عقول الكثير من المسلمين واقناعهم بان لا مكان للدين الاسلامي في هيكل الحضارة العصرية.
هذا من جهة ، كما نجح من جهة اخرى في فصل شباب مستعمراته الاسلامية عن روح الاسلام وثقافته وهكذا تسنى له أن يضرب على عقولهم حصارا يحول بينها وبين معرفة حقيقة دينها وتراثها القومي النفيس وأن يغزوها بمبادئ فلسفته المادية الضالة عن سبيل الحق والخير الضالة عن سبيل كمال الجمال.
ولم ينسحب المستعمر من البلاد الاسلامية المستقلة حتى خلف فيها من أهل اللبلاد الاسلامية المستقلة حتى خلف فيها من أهل البلاد جيشا يناصر فلسفته المادية بكل مااوتي من قوة فكرية وعتاد مادي لا يومن لا بما امن به المستعمر ويكفر بما وراءه فنتج عن ذلك أن البلاد لاسلامية المتحررة أخدت تعتمد في نهضتها على دعائم الحضارة الاوروبية الامريكية وتبني هيكل دولتها ونظامها على نفس الاسس وتقيم حياة مجتمعها على قواعد الحياة الاجتماعية في بلد المستعمرين ولو كره الاسلام وانكر الدين.
فما هي وسائل الإصلاح ؟ وما هي الطريقة العملية الكفيلة بفضل بلاد الاسلام عن ركب الحضارة المادية وتوجيهها وجهة الحضارة الاسلامية الروحية.
 أرى أن نقطة الابتداء هي ان ينهج كل بلد اسلامي في الميدان الاقتصادي سياسة الاكتفاء الذاتي وذلك بان يكتفي كل قطر من هذه الاقطار بمحصوله الوطني مهما كان إنتاجه ضئيلا وامكانياته ضعيفة فيقتصر بادئ ذي بدء في مطعمه وملبسه ومسكنه على استهلاك محصولاته المحلية فلا يستورد من مواد الغداء واللباس والاثاث والسكنى والزينة  والرفاهية شيئا بتاتا ولو ادى به الحال الى خصاصة وحرمان ثم يسعى ويجد في التصنيع حتى يتمكن من كفالة نفسه بصناعة كل ماتتوقف عليه حياة انسانية كريمة راقية فيستغني حينئذ عن استيراد عتاده الفلاحي واجهزته الصناعية ومختلف الالات والادوات الضرورية.
أما وسائل الاصلاح والاسس والقواعد التي تقوم عليها حضارة روحية جديدة مغايرة للحضارة المادية الحالية ففي اتلقران ذكرها وبيانها، وقد أسهبنا فيها ضمن الفصول السابقة من هذا الكتاب أما خطة العمل فتتخلص في أخد كتاب الله بقوة والعمل بأحكامه وتعاليمه بغض النظر عن كل اعتبار ومع الاعتقاد الجازم باستحالة وجود أي مبرر أو مسوغ لما يخالف هذه الاحكام والتعاليم وبأنها ليست غير مناقضة للحضارة فحسب بل وانها هي دعائم الحضارة الصحيحة.
وتنفيذا لهذه الخطة يتعين أولا وأخيرا على رجال الدولة والسلطة في البلاد الاسلامية أن يقيموا حدود الله باقامة الحد على الزاني والزانية عملا بقوله تعالى:" الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخدكم بهما رأفة في دين الله ان كنتم تومنون بالله واليوم الاخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين"
ولا يحق لهم تغيير عقوبة الجلد التي فرضها الله ولا أحلال عقوبة الجلد التي فرضها الله ولا أحلال عقوبة السجن أو الذعيرة أو غيرها من العقوبات مكانها لان ذلك حكم الله القائل سبحانه وتعالى :" ومن لم يحكم بما أنزل الله فاوائك هم الكافرون".كما يتعيم عليهم اقامة الحد على كل شارب خمر مثلما كان يقيمه رسوله الله صلى الله عليه وسلم واقامة الحد على السارق عملا بقوله تعالى:"والسارق والسارقة فاقطعوا ايدهما جزاء بما كسبا نكالا من الله "ولا يحق لهم احلال عقوبة السجن على السارق بدلا ن تنفيذ حكم الله فيه كما لايحق لهم التغاضي عن انتهاك حرمات الله ولااعفاء أي وجيه من الحد فالزاني مثلا يجب ان يجلد على مشهد من الناس مهما كان كبيرا وزيرا أو اميرا أو رئيس حكومة أو دولة.
ثم إنه يجب ان لا يتولى منصبا من مناصب الدولة ولا شأنا من الشؤون العامة غير مسلم يقيم الصلاة ويؤدي فرائض الاسلام ويخاف مقام ربه بعد أن يكون بقدر الامكان كفؤا للمأمورية المعهودة اليه اذ انه لايحل للمسلم أن يولي أموره إلا مسلما مقيما لحدود الله فقد قال : تعالى" انما وليكم الله ورسوله والذين امنوا الدين يقيمون الصلاة ويتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين امنوا فان حزب الله وهم الغالبون"
وكل رجل من رجال السلطة وكل موظف من موظفي الدولة ينبغي أن يكون حقيقة مسؤولا أمام رؤسائه عن كل انتهاك لحرمات الله يقع في نطاق نفوذه وحدود مأموريته وان يحاسب على تقصيره في منع الخروج عن الآداب والأخلاق الإسلامية وعن تهاونه في زجر كل مخل بالتعاليم الدينية ولو كان باسم التطور  والرقي والمواضة ويلزمه أن يجعل نصب عينيه دائما إن سيسأل أمام الله عن ذلك كله.
وعلى الدولة يقع واجب تصحيح مفهوم الحضارة والرقي لدى الشعب، وتعديل الصورة المرتسمة في عقول رعاياها للإنسان المتمدين والتي تجعلهم يرون في الأوربي والأمريكي المثال الأوحد للرجل الراقي ويعتقدون كل خروج عن سنة الحياة  الأوربية أو الأمريكية وكل مخالفة لسلوكها الفردي وتصرفهما الاجتماعي إنما هو ابتعاد عن المدينة والرقي، فيلزم رجال الدولة أن يسخروا جميع الوسائل والإمكانيات لإبراز محاسن ومساوئ الحضارة  ومجالي سموها ورفعتها فيتعين عليهم أن يبعثوا أجهزة الإذاعة والصحافة والسينما والمسرح للتبشير بهذه الحقائق ولإفهام المواطنين وإقناعهم بان الرجل الراقي ليس هو كل من يسكن مسكنا فاخرا ويلبس لباسا أنيقا ويمتلك سيارة من آخر طراز ويرتاد السينما والمراقص والمحافل والملاهي فان هذه الأشياء كلها تتيسر لكل ذي مال وان المال قد يؤتاه السافل والمجرم والخائن ومن يفسدون في الأرض ولا يصلحون، كما يتعين عليهم أن يبينوا لهم بكامل الوضوح أن الإنسان الراقي هو الكثير الإحسان إلى غيره على اختلاف صور الإحسان وتعدد وجوهه التي تجمعها عبارة التصرف بالجمال ولا يجزئ الدولة أن تقتصر على تسخير وسائلها إمكانياتها بل أنه لمن واجبها أيضا أن تفرض رقابة صارمة على الصحافة والأفلام والكتب وجميع النشرات المحلية والأجنبية متوخية منع رواج كل ما يتنافى مع حركتها الإصلاحية هاته.
فيوم يتم ذلك للدول الإسلامية يومئذ تسترجع البلاد الإسلامية حريتها في العمل والتقرير ولا تبقى مجرورة خلف البلاد الأوربية والأمريكية، وبدلا من أن تظل مجرد حلقات في السلسلة التي تدور على عجلات مدفعية الحضارة المادية المخربة تتمكن يومئذ من أن تكون فيما بينها سلسلة تدير عجلات محراث يحرث سعادة الإنسان الخالدة محراث يحسن "حرث الآخرة".
هذه دعوة أو جهها الى كافة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها والى رؤساء الدول الإسلامية بكيفية خاصة مهيبا بكل ذي نفوذ وسلطان وبكل موظف مسلم في البلاد الإسلامية أن يتبع تعاليم الدين الإسلامي وان يعمل على إقامة حدود الله في دائرة اختصاصه وأخاطب ضمائر أرباب الأقلام أن لا ينحوا منحى كتاب الحضارة المادية المستهترين بالأخلاق متوجها على الأخص إلى كتاب القصص والى الشعراء والأدباء ومنتجي الأفلام السينمائية أن لا يزينوا الفاحشة مذكرا إياهم بأنهم يحملون أوفر نصيب من الوزر المترتب على الانحلال الخلقي في البلاد العربية، أنه لا يجمل بأحدهم أن يثير الغريزة البهيمية ولا أن يغري باقتراف الزنى تحت قناع الحب والغرام ولا أن يسعى في حمل المحصنة على أن تصبح عشيقة رجل ثان فهو عندما يفعل شيئا من ذلك يخون الأمانة وينقض العهد فان رسالته على عكس ذلك تقتضيه أن يجعل من العشيقة خطيبة ومن الخطيبة زوجة صالحة وان يستدرج الزانية إلى أن تصير محصنة كريمة وأما رؤوما.
وما كان ليصرفني عن توجيه هذه الدعوة ولا ليصدني عن الجهر بها وتكرارها ما قد يجد فيها بعض الناس من بساطة وسذاجة أو رجعية فما كان الحق إلا بسيطا وان كانت الرجعية تعني الرجوع الى الله فأنا أول الرجعيين.
هذا علوة أنني لا ابتغي بهذه الدعة جاها ولا مالا ولا سمعة ولا شيئا من عرض هذه الحياة الدنيا حتى اهتم قليلا او كثيرا لأراء الناس فيها او أتملق بها حكمهم على، فغايتي الأولى والأخيرة من هذا الكتاب كله هي توجيه هذه الدعوة استكمالا لديني ولن يردني إسلامي لا يتم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهل يسوغ لمن يغض طرفه عن المناكر التي يخم بها وسطه وعصره أن يعد نفسه مومنا وهو يقرأ تعريف المومنين ضمن قوله تعالى في سورة التوبة:" والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويوتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله أن الله عزيز حكيم". ويتلو تعريفا آخر للمومنين ضمن قوله تعالى في نفس السورة: "التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المومنين" ثم يتلو قوله تعالى:"كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله" ثم أخيرا يتلقى أمره تعالى: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون» .

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here