islamaumaroc

الاجتهاد والتقليد

  دعوة الحق

32 العدد

لــو أننا أمعنا النظر فيما نصت عليه مبادئ الإسلام في الاجتهاد والتقليد لرأينا أن الإسلام أعلن استقلال الفكر والحرية والرأي بشرط أن لا يخرج كل منهما عن دائرته المشروعة_ إذ كل ما زاد على حده انعكس إلى ضده _ وهذا المبدأ احترم العقل وقرر اعتباره والرضوخ لإحكامه الصحيحة_ كما دعا الى استقلال الفهم وحرية الرأي بعد أحكام النظر ، وأعمال الروية ، وأجاده التفكير ، ونفاذ البصيرة ، مع البعد عن الطيش والهوى ، وسلطان الوهم ، والانقياد الأعمى لحكم الهوى والخيال.
جاء الإسلام والفطرة البشرية لا منظم لها ولا مهذب لنزعاتها: إذ أن الرسالات السابقة على رسالة سيدنا محمد (ص) قد ضاعت نصوصها الصحيحة، ودخل عليها ما ليس منها بفعل الأحبار والرهبان مما كان مدعاة إلى سيادة مذهب التسليم وسيطرة رجال الدين على نفوس البشر ، فلم تكن المسيحية ولا اليهودية في الأرض إلا مذاهب مستضعفة تضطهدها الوثنية العربية واليونانية والرومانية والفارسية، وتمحق شرائعها مفاسد أحبار الديانتين، فوجه البشر إلى حياة اجتماعية راقية تلاؤم طبيعية فطرتهم ، ونظم بشرائعه الدينية معاملاتهم وآدابهم وعلاقاتهم، وهذب بعباداته من حيوانيتهم، كما ارتقى بواسطة العبادات بملكاتهم الروحية، ووضع لكل ارتقى بواسطة العبادات بملكاتهم الروحية، ووضع لكل ناحية من مرافق الاجتماع البشري مناهج تلتئم مع الغرائز الفاضلة، وأخص هذه ما يتناول النواحي التشريعية والأدبية والعلمية ، وكل ما تنشده الفطرة البشرية السليمة من وسائل الطمأنينة الاجتماعية، وارتقى بالنوع البشري كافة من أمنوا به ومن جحدوه،وغزت شرائعه أفكار المشرعين في سائر الأمم ، فتغلغلت روح تلك الشرائع في مرافق الحياة لأكثر الأمم، حتى صارت بعض هاتيك الأمم اقرب إلى روح الإسلام و آدابه من كثير من الأمم الإسلامية في هذه العصور.
ولم تكن غاية الإسلام من ترقية الملكات الروحية غاية تعبدية فحسب: وإنما هي أجدى من هذا: أنها غاية انشاء مجتمع فاضل اركانه الاساسية هي الالفة والمحبة والايثار والبر والتقوى، ولن تجد بدا من كمالات أخلاقية تحصل بغير هذه المبادئ المثالية ، ومتى قامت هذه الأخلاق الروحية ابنتي عليها كمال الخلق الاجتماعي ، ومتى تحقق هذا الكمال قامت المعاملات والعلاقات والآداب والحياة الاقتصادية على نهج كفيل بإسعاد الذين يعيشون في ظله.
وأضاف الإسلام إلى هذه العوامل عاملا أكبر.هو: وحدة التعاليم والقوانين، فشرع من الأحكام مالا يمكن أن يعيش المجتمع في ظل المدينة الواعية إلا بإتباعها والتزام العمل بها، فهي قوام سعادته، وهي الكفيلة باجتلاب المصالح له ودرء المفاسد عنه.
وشرع أحكام الرخص دفعا للحرج والمشقة في حالات الضرورة عملا بقوله تعالى: ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقوله: (وما جعل عليكم في الدين من حرج).
وهذا النوع نمن الأحكام من باب التشريع الاستثنائي الذي لا يسوغ التوسع فيه.
وليس في تعاليم الإسلام ما يشق ويرهق ، وفيها من المقاصد والمبادئ والمقومات ما يرقى بالنوع الإنسان إلى ذروة الكمال، حيث أفسح له المجال في التفكير والحريات الطبيعية، والعلاقات بين الأفراد والجماعات في النطاق الذي تتحقق فيه الفائدة، و يندرئ معه الضرر والعدوان.
وحارب الإسلام الشهوات الباغية،/والعادات الذميمة التي يأباها الخلق والفضيلة والمصلحة الظاهرة.
وحقق الإسلام لبني الإنسان الحري في مختلف صورها وتباين ألوانها، وعنى بتكوين الجماعة ورعايتها والعمل على كل ما يكفل لها الترابط القوي والمحبة الأكيدة والمودة الصادقة و الألفة الحميدة لتستطيع الإحساس بالسعادة و الإدراك لمعنى الحياة الصحيحة، فالفرد في نظره وحده تكرر في الجماعة، أو بعبارة أخرى لا يهتم بأمره ولا يوص بشأنه ، ولا يشغل بتربيته وتهذيبه إلا ليكون لبنة صالحة في بناء المجتمع  المثالي المنشود ، ولهذا جرى القران الكريم في خطابه له إجرائه للحديث معه أن يناديه بكلمة إنسان ليفهمه أن لا يقدره إلا بهذا العنوان ، ولا يعتبره إلا بتلك الصفة والإنسان كما يؤذن الاشتقاق ينتسب إلى الإنسانية ويمت لها بإقدام الصلات ، فهو أن لم يكن هذا في معاملته للناس، وسلوكه في الحياة، ومعاشرته لمن يعرف ومن لا يعرف يكون عيشة معهم من قبيل المصادفات التي لا تسره والفرص التي  تتحول إلى غصص يؤدي بوجوده، ويؤلم بمجرد حضوره، ويشيع التنقيص والأوجاع ظله المنتقل ، وطيفه الذي يخطر بالخيال ويمر بالذهن.
ولا يكفي أن يظهر الإنسان بمظهر العابد الناسك، ولا الورع المتعفف، ولا المتبتل الخاشع، ولا الزاهد العي وف، مادام لا يضفي على الناس من عدله الشامل وظله الوارف ، وبره السابغ، وبركته الملموسة.
وجعل الإسلام للعقائد المستنكة في القلوب تأثيرا على الأعمال ، وهي وان كانت شيئا معنويا غير محسوس فتأثر الحواس بها أمر مشاهدة ملموس، فهذه الأعضاء الظاهرة من لسان ناطق، وعين مبصرة، وإذن واعية، ويد باطشة ، وغيرها ، تتأثر بالعقيدة القبلية، ولن يصدر عن الإنسان فعل من أفعاله إلا وفقا لعقيدته، وبدافع من يقينه، وباعث من داخله، فالحواس مسيرة بالعقائد ، ومسخرة لها، ومعلنة عنها ، فإذا رأيت أمة متماسكة البنيان ، متحدة على الخير ، قوية في الحق ، سلاحها العدل، ومبدأها الرحمة، وأمرها شوري بينها، فاعلم أن سر نجاحها هو عقائدها السليمة من الضعف، الخالصة من الخرافات والأوهام.
وإذا رأيت امة مفككة مبعثرة، مختلفة ، متنافرة، جبانة في الحق، جريئة في الباطل، شجاعة في الإثم ، سلاحها الملق والظلم، وعدتها التذلل والعبودية، أمرها لغيرها، الغرم فيها على أبنائها، والغنم للدخيل عليها ، اعلم أن سبب انحطاط هذه الأمة عقائدها الضعيفة، وعلة تأخرها فساد عقائدها الممزوجة بعبادة الحياة والشهوات الصارفة لها عن صفاء الدين، والحاجة لها عن نور العلم، والمبعدة لها عن هداية العقل، ولهذا كانت دعوة الرسل كلهم إلى الله منصبة على العقائد أولا، وما من رسول ولا نبي إلا  وبدا دعوته بالعقيدة الخالصة، يدعو إليها ويشقي في سبيلها، ويحارب من أجلها. ولو أن العقائد الإسلامية تمكنت من قلوب المسلمين لنهضوا في كل فن، ولتقدموا في كل علم ، ولصلحت الإدارة والنظم والقوانين والمعاملات، ولمحت الرحمة وانتشر الدين والسلم.
ولعل ابرز ما كلفه الإسلام لكافة الناس من ضمانات هو تلك الحرية الطليقة التي تعترف بالقيود والحدود وهذه الحرية تنتظم صورا متعددة، وأنواعا شتى، وقد عنى بها الإسلام جميعا فكلفها للفرد، قررها للجماعة قبل أن تخلق الديمقراطيات الحديثة بأجيال وأجيال وأجيال، وأعلن أن لا يحارب الحرية، ولا يضطهد أصحابها والداعين إليها، بل أنه على النقيض من ذلك يتيحها للناس ويندبهم أن يكونوا أحرارا طلقاء في تفكيرهم وعقائدهم وفي كل ما يتصل بهم من أسباب الحياة، وذهب بالأخذ بها كمبدأ من المسلمين على أساس الشورى وتبادل وجوه الرأي، يرشد إلى ذلك قوله تعالى: "وأمرهم شورى بينهم" وقوله "وشاورهم في الأمر" وهذا ما جعل خلفاء المسلمين وأمراءهم إذا حزبهم أمر أو عرض لهم حادث يتصل بأمن الدولة وسلامتها، ولم تكن ثمة شواهد يمكن الأخذ بها، أو سوابق يرجع إليها، أو قواعد يمكن تطبيقها عليه ، فإنهم كانوا حينئذ يفزعون إلى الاستفتاء العام، فعلى هذه الأسس الديمقراطية ولي الحكم جميع الخلفاء الراشدين، وعلى هذه السياسة الرشيدة مضى خلفاء المسلمين وحكامهم لا يبرمون أمرا ذا بال، ولا يقررون حكما ذا خطر إلا إذا راجعوا فيه إلى المسلمين يسألونهم الرأي ويبادلونهم المشورة.
وجاء التوحيد فحرر العقل من ربقة التقليد الأعمى وسلطان الأوهام ، وأطلق الفكر ن عقاله يجول في ملكوت السموات والأرض، وما خلق الله من شيء، ويطارد بنوره الساطع ظلام الجهل، ويبدد بأشعته الوهاجة سحب التضليل والخرافات والسخافات.
وقد جني العالم من غرس هذه المبادئ القويمة تمار الحكمة والاتزان واعتدال الرأي، وسلامة الفكر، وعلو الهمة، وكمال الإيمان، وفتح باب الاجتهاد على مصراعيه لمن فيه أهلية الاجتهاد وتصريف الواهب والقوى لما خلقت لأجله.
ولهذا فن الإسلام دين الفطرة السليمة والحرية الكاملة والعقل الصحيح والمدنية الفاضلة والمبادئ السامية والأحكام العادلة الصالحة لكل زمان  ومكان ، وإذا وعينا هذا أدركنا عناية الإسلام بشخصية كل فرد وكيف طالب كل إنسان بإبرازها وتنميتها والمحافظة عليها، لأنه مظهر الكرامة  الإنسانية وعنوان ما في الإنسان من حيوية ورجولة وقوة إرادة.
وشخصية كل فرد هي مجموع ما فيه من استعداد وقوة وأخلاق، وهي وليدة ما لديه من ثقافة وعلوم وتجارب ، فمن الجناية على الإنسانية أن يتنازل أي فرد عن شخصيته ويفنى في شخصية غيره، بل من الإجرام أن يمسخها بالتقليد الأعمى لسواه، وبتعطيل ملكة التفكير فيه، ويشل إرادته وخاصته التي ميزته عن الحيوان الأعجم، ومن الإساءة إلى الدين أن يكون المرء امعة ورجلا لا رأي له ولا استقلال عنده فيما يجري بين يديه، وفيما يقع تحت سمعه وبصره وحسه، وفيما يعرض له من شؤون الحياة وحوادث الوجود، ومظاهر الكون بحيث يتابع كل واحد على رأيه ، ويلغي وجوده، ويرض أن يكون صدى لغيره.
فرسول الله (ص) حين يقول (لا تكونوا إمعة)  ينهي كل فرد مكلف عن أن يكون تابعا لكل ناعق، وذيلا لكل رأس، ومتلونا بلون المجتمع.
وإذن فقد نهى النبي(ص) عن ذلك وأمر كل مكلف أن يثبت وجوده وأن يكون مستقلا في إبداء رأيه، وأن يحافظ على شخصيته ويظهر إرادته، ويستعمل عقله، وان يصبح احد رجلين فقط ولا يكون الثالث فيهلك، كما جاء في الأثر: (اغد عالما أو متعلما ولاتكن امعة) فهل رأيت أبلغ في الزجر وأروع في النعي على التقليد ومحو الشخصية من هذه الجملة الذهبية.
ولا ريب إذن في أن موضوع الاجتهاد من الموضوعات الجديرة بالعناية، والتي ينبغي أن يكثر العلماء من بحثها وتقليب النظر فيها للوصول إلى نتيجة صحيحة، ذلك لان الشريعة الإسلامية لم تصب بالعقم، ولم يلحقها هذا الذي يسميه الناس جمودا.ولم يشع الاعتقاد بين الخصوم بعدم لياقتها للعصر الحاضر، وعدم كفايتها لحاجات الناس ، ولم يصبها كل هذا إلا عند ما شاع الاعتقاد بين العلماء بإغلاق باب الاجتهاد، وعدم تيسير أسبابه لأحد مهما حاول في هذه العصور ، فأوجدت هذه العقيدة يأسا من تحصيل هذه الفضيلة.
ومن الغريب أن يكون الرأي الشائع، والاعتقاد الراسخ هو استحالة الاجتهاد في فروع الشريعة الإسلامية مع النص في كتب الاعتقاد على وجوب الاجتهاد في العقيدة، ومع اختلاف في صحة إيمان المقلد.
وقد نص الإمام الغزالي في بعض كتبه على أن الشخص عند ما يصل إلى سن البلوغ يجب عليه وجوبا شرعيا أن يجدد إيمانه إذ كان إيمانه الأول إيمان تقليد، وهو مكلف أن يؤمن إيمان نظر واجتهاد.
ولعمري كيف يكون الاجتهاد في الإيمان مع ماله من الشأن العظيم ومع الخطر الزلل اليسير منه لازما، وفي الصالة والصوم وغيرهما من الفروع حراما.
بل كيف يكون في الأول ممكنا حتى لعامة الناس وفي الثاني غير ممكن ولو لخاصتهم.
وليس من حجة يصح أن يحتج بها هذا الزعم سوى أن شرائط الاجتهاد ووسائل الوصول إليه لم تتوفر لأحد من الناس في هذه العصور المتأخرة، ولم أر حجة أو هي من هذه الحجة، ولا ابعد بينها وبين نتيجتها، فان عدم توافر هذه المسائل، وتلك الشروط لأحد من الناس عرضا لا يفيد عدم إمكانها لمن يطلبها من الناس، بل استطيع أن أزعم أن شرائط الاجتهاد أقرب منالا، والوصول إليه أيسر سبيلا في هذا العصر، ومعلومات البشر في الكون قد تضاعفت، وقد أصبحت فلسفة الفلاسفة الماضين وحكمه حكمائهم من بدائه العلوم، فمن غير المعقول أن يكون العقل البشري الذي حل كثيرا من الغاز الكون، واجتاز كثيرا من صعاب الحياة ، وابتدع ما يعد في عرف الأولين سحرا، فمن غير المعقول أن يكون هذا العقل غير مستعد لما استعد له عقل الأولين، أو أن يعجزه الوصول إلى ما وصل إليه احد السابقين.
ثم ما هذه الشروط التي يعدها أنصار التقليد معجزة الزمان؟
هي التبحر في علوم اللغة ومعروفة الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، والإحاطة بعلوم السنة، وغير ذلك من العلوم التي تجعل المرء قادرا على الاستنباط، عارفا بأخذ الفروع من الأصول.
ولا نكران أن هذه العلوم مازالت حية ، وسبيل تحصيلها ممهدة، حتى لقد يدهشنا ما نسمعه عن بعض المستشرقين من علمهم الجم واطلاعهم الواسع على علوم لغتنا ، وإحاطتهم بأسرار شريعتنا، فأية عقبة بين إنسان أتاه الله من حسن الاستعداد، وذكاء الفطرة، ونور البصيرة ما يكفل له الوصول بهذه العلوم إلى مرتبة الاجتهاد.
حقيقة واقعة لابد من الاعتراف بها، وهي ندره وجود المجتهد في زماننا هذا بل ربما نقول فقدانه بتاتا، ومرد ذلك إلى فتور الهمم وضعف العزائم، وشيوع الاعتقاد الذي أشرنا إليه، والذي لم يحاول احد من العلماء بسببه أن يطرق هذا الباب العظيم، باب الرحمة الواسعة والفضل العميم، مع ما وراء هذا الباب من خير لو أتيح لأحد الوصول إليه لتباهت به الشريعة الإسلامية المطهرة، ولما كانت هناك الحكومات الإسلامية على شعوبها ، وترفض شريعتها يأسا من صلاحيتها في بعض الشؤون.
فأنصار التقليد في حقيقة الأمر يجنون على الشريعة، ويجعلون الشك في لباقتها يقينا، والشريعة لا ينقصها سوى المجتهدين الذين يفهمون أسرارها، ويزنون أحكامها بميزان العقل والتدبير كما كان السلف الصالح بارزا بها.
وفضلا عن أن التقليد جناية على الشريعة الإسلامية فهو جناية على العالم نفسه إذ يميت فيه قوة الاعتماد على النفس ، وشعور الاستقلال بالرأي ويوحي إليه العجز عن التفكير ، وعدم القدرة على الاحتجاج حتى في ابسط الأشياء ، فيكون أقوى حججه أن يقول: وهذا هو المنصوص ، وهكذا قالوا.
ومما لا ريب فيه أن الشريعة الإسلامية هي أو في سياج لمجتمعات البشر، وقانون الإسلام أسمى من أن تتناول مثله العقول بدليل استيفائه لحاجة البشر في أمور المعاش والمعاد، واشتماله من أحكام الحقوق والسياسة والعقوبة والقصاص على ما يضمن راحة الأمم ، ويحفظ كيان الدول، هذا باعتبار الأصول التي تفرعت عنها تلك الأحكام، غذ ليس من شأن الشارع البسط في كل علم أفادنا إياه من العلوم ، بل ذلك موكول إلى إفهامنا في إرجاعها عند الحاجة إلى مأخذ تلك العلوم من الكتاب والسنة، ولما كان من الضروري وجود الأحكام بإزاء الحوادث التي لا تتناهى في جانب الترقي والاجتماع ، ولما أراد الشارع من تمام الخير والتيسير للمسلمين كما يشير إليه قوله تعالى "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر"  فقد وسع عليهم باستنباط الأحكام من أصول الشريعة وتطبيقها على الحوادث التي تحدث للبشر بمقتضى سنة الترقي والانتقال، وذلك بتجويز القياس والاجتهاد في المسائل التي لا يكون بإزائها نص صريح على شروط مقررة عند أهل العلم.
وجواز الاجتهاد كما ذكره علماء الأصول مأخوذ من قوله تعالى "فاعتبرا يا أولي الألباب" ومن قوله رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أرسل معاذا إلى اليمن : بماذا تحكم يا معاذ..؟ قال بكتاب الله، قال : فان لم تجد..قال بسنة رسول الله...قال: فان لم تجد، قال اجتهد برأيي.. فقال عليه الصلاة وسلام : الحمد لله الذي وفق رسوله لما يرض به رسوله.
ولهذا توسع الأئمة في استنباط الأحكام السياسية والقوانين الاجتماعية من أصول الشريعة الإسلامية، فأحاطوا بسائر لوازم الدول في حياتها السياسية، فوضعوا كتبا مخصوصة تشتمل على القوانين الشرعية والقيود المرعية للوزارة والاحتساب، وكتابة الجيش ، والخراج، ودواوين العطاء والترجمة ونحو ذلك مما تحتاجه الدول الإسلامية في قيامها ويتكفل بسلامة كيانها، ولهذا لما بسط الإسلام جناحيه على الشرق والغرب لم يدع الأرباب الأثرة من الرؤساء وسيلة لتنويع السلطة بحكم قوم بما لم يحكم به آخرون ، فشمل العدل سائر لخاضعين لسلطان المسلمين، فأقبل الناس أفوجا للدخول في هذا الدين و التناصر بين أساس التحابب، وقوام الملك والعمران، وداعية التناصر بين أصناف الإنسان الخاضعين لأية حكومة وسلطان.
وكان الرأي والاجتهاد عند الفاروق رضي عنه اعتبار كبير،ويشبهه في ذلك عبد الله بن مسعود الذي كان يسلك طريقته، ويتعصب لمذهبه ، حتى قال: (لو سلك الناس واديا وشعبا، وسلك عمر واديا وشعبا لسلكت وادي عمر وشعبه)
ويظهر لمتبعي التاريخ الإسلامي أن الإسلام كان في ناحيته الشرعية أقوى منه في نواحي الأخرى، فقد خلقت الشريعة الجديدة من القبائل العربية مجتمعا متماسكا، واستبدلت العرف وحكم الأهواء بقوانين حكيمة تستند في روحها إلى أقوى مبادئ الطبيعة البشرية ومشاعرها، فكانت الشريعة الإسلامية مصدرا من مصادر القانون لوفرة أبحاثها، وتغنى أفكارها ، وليس بخاف على الناس عامة وعلى رجال القانون خاصة ما أوردته هذه الشريعة خاصا بالمعاملات والتصرفات من بيع وإيجار، وهبة، وميراث ، واثبات.
ولو رجعت إلى قوله "يأيها الذين أمنوا إذا تداينتم بدين إلى اجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ، ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه، ولا يبخس منه شيئا فان كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أم لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل" لرأيت وجوب إثبات الدين ولخرجت من الآية بكل ما يتعلق بالقوام والوصاية من قواده وحكمة في التشريع، ثم قوله تعالى "واستشهدوا شهيدين ن رجالك فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل احدهما فتذكر احدهما الأخرى" فنظم الشهادة وأوجب في أية أخرى أداءها ورتب الجزاء على كتمانها فقال "ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فانه أثم قلبه".
وكانت الشرائع التي تحكم العالم المعنوي أشد ما تكون أثرا، وأعظم ما تكون فوزا إذا ألمت في أحكامها بنواحي التفكير، ووجهات العواطف في المجتمع الذي تسن له، وهذا ما روعي في أحكام الشريعة الإسلامية مراعاة شديدة، وما جعلها مدى القرون قانونا سياسي واجتماعيا لكثير من الدول والمجتمعات الإسلامية، بل هذا هو السر في كثير من المجتمعات الإسلامية المتمدنة مازالت في عصرنا تحتكم إلى الأحكام والنصوص التي وضعت منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا.
وكان التشريع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يقوم على الوحي من الكتاب والسنة، وعلى الرأي من النبي ومن أهل النظر والاجتهاد من أصحابه بدون تدقيق في تحديد معنى الرأي وتفصيل وجوهه، وبدون تنازع ولا شقاق بينهم.
ومضى عهد النبي عليه الصلاة والسلام وجاء بعده عهد الخلفاء الراشدين فاتفق الصحابة في هذا العهد على استعمال القياس في الوقائع التي لا نص فيها من غير نكير من أحد منهم ، وفي هذا العهد أخذت تبدو الصورة الأولى من صور الإجماع بما كان يركن إليه الأئمة من مشاورة أهل الفتوى من الصحابة ، وكان أهل الفتوى من الصحابة يومئذ وه المعتبرة، في الإجماع قلة لا يتعذر الاتفاق بينهم في حكم من الأحكام ، ولم يكن يفتي من الصحابة إلا حملة القران الذين كتبوه و قرأوه وفهموا وجوه دلالته وناسخه و منسوخه، وكانوا يسمون (القراء) لذلك ، تميزا لهم عن سائر الصحابة بهذا الوصف الغريب في أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب. 
ثم كان عهد بني أمية، فتكاثر الممارسون للقراءة والكتابة من العرب ودخلت في دين الله أمم ليست أمية فلم يعد لفظ القراء نعتا غريبا يصلح لتميز أهل الفتوى ومن يوخذ عنهم الدين، وهنالك استعمل لفظ العلم للدلالة على حفظ القران ورواية السنن والآثار، وسمي استنباط الأحكام الشرعية بالنظر العقلي فيما لم يرد فيه نص كتاب ولا سنة ، وسمي أهل هذا الشأن الفقهاء فإذا جمع امرؤ بين الصنفين جمع له اللفظان أو ما يرادفهما.
وقد توصل علماء الإسلام إلى أن يستخرجوا من مجموع نصوص الشريعة الإسلامية وأحكامها قواعد عادة، فاستخراجهم قاعدة_ الضرر يزال_ من مثل قوله عليه الصلاة والسلام (لا ضرر و لا ضرر)
ويتفرع على ذلك أحكام لا تحصى في الفقه والقضاء ، وان القواعد شانها أن تؤخذ من موارد متعددة في الشريعة الإسلامية ، ولهذا كانت في نفسها قطيعة.
وقد يرى واضع القانون الضرر الصغير في الواقعة فيمنعه، ويبيحه الشارع لأنه وقاية من ضرر كبير، ومن هذا نشأت قاعدة_ ارتكاب اخف الضررين –ومن أصولها "أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا" فان عيب السفينة ضرر أخف من أخدها غصبا
ومن قواعد التشريع الإسلامي قاعدة(العادة محكمة) أي أنها تجعل حكما في إثبات الأحكام إذا لم يعارضها نص، وابتنى قولهم( الممتنع عادة كالممتنع حقيقة) وقولهم (المعروف عرفا كالمشروط شرطا) وقولهم ( التعيين بالعرف كالتعيين بالنص ) وقولهم (لا ينكر تغيير الأحكام بتغيير الزمان)
أي أن الأحكام التي كانت مبنية على عرف طرأ عليه التغيير تتغير بتغير ذلك العرف، فتبنى دائما على العرف الذي لا يخالفه نص.
فالقواعد كما قلنا مأخوذة من النصوص، والنصوص لا تأتي إلا للمصلحة العامة، والمصلحة العامة تتمشى دائما مع الفطرة الإنسانية وسعادتها.
وعلى ما تقدم من هذه الأسس قام الإسلام على نوعين من الأحكام ،أحدهما أحكام ثابتة يجب الإيمان بها، ولا يسوغ الاختلاف فيها، وليس من شانها أن تتغير بتغير الزمان ولمكان، وتلك هي القطيعة في روايتها ودلالتها وهي لأساس الذي اوجب الله على المسلمين أن يبنها عليه صرح وحدتهم إلي متنازعين ، وربط به عزهم وهيبتهم في أعين خصومهم والمتربصين بهم.
والنوع الثاني أحكام اجتهادية نظرية مرتبطة بالمصالح التي تختلف باختلاف ظروفها و أحوالها، وراجعة إلى الفهم والاستنباط اللذين يختلفان باختلاف العقول و الإفهام، أو واردة بطريق لا يرقى إلى درجة العلم واليقين، ولا يتجاوز مرتبة الظن والرجحان.
والاختلاف في هذا النوع أمر طبيعي العقول تتفاوت، والمصالح تختلف، والروايات تتعارض، ولا يعقل في هذا النوع أن يخلو مجتمع من الاختلاف ، ويكون أفراده جميعا على رأي واحد في جميع شؤونه، وهذا النوع من الاختلاف غير مذموم في الإسلام مادام المختلفون مخلصين في بحثهم باذلين وسعهم في تعرف الحق واستبانته، بل غنه ليترتب عليه كثير من المصالح وتتسع به دائرة الفكر، ويندفع به كثير من الحرج والعسر، وليس من شانه أن يفضي بالمسلمين الى التنازع والتفرق، ويدفع بهم إلى التقاطع والتنابذ.


مبلغ زهد النبي في الدنيا والتقلل منها
عن أبي هريرة (رضي) قال جاء رجل إلى النبي(ص) فقال إني مجهود فأرسل إلى نسائه قلن كلهن: لا والذي بعثك بالحق ما عندي الإماء؟ قال (من يضيفه الليلة رحمه الله؟) فقام رجل من الأنصار فقال أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحلة فقال لامرأته هل عندك شيء؟ قالت الاقوت صبياننا، قال فعليهم بشيء فادا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى سراج حتى تطفئيه قال فقعدوا فأكل الضيف فلما أصبح غدا على رسول الله (ص) فقال ( قد عجب الله من صنعكما بضيفيكما الليلة) متفق عليهما. وفيهما وقربى للضيف ما عندك قال فنزلت الآية( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) وفي البخاري: ضف رسول الله (ص) لا ندخر به شيئا ، وفيه إذا أرادا الضيف العشاء فنوميهم.فيه إن من سئل شيئا قام به أن أمكنه و إلا سال له لكن ليس في الخبر سؤال معين، وفيه ما كان عليه النبي( ص) من الزهد في الدنيا والتقلل منها، وفيه الاحتيال والتلطف بإكرام الضيف على أحسن الوجوه، والخبر محمول على انه لم يكن بالأنصاري و أولاده حاجة إلى الأكل بحيث يحصل الضرر بتركه وإلا لوجب تقديمهم شرعا على حق الضيف وفيه الإيثار ممن لم يتضرر بأمور الدنيا.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here