islamaumaroc

في التاريخ الدولي للمغرب: رسالة هامة من السلطان مولاي إسماعيل ملك المغرب إلي الأمير سعد بن زيد أمير مكة والمدينة (بداية القرن 12 ه، أواخر القرن 17م).

  عبد الهادي التازي

العدد 282 شعبان 1411/ مارس 1991

بالرغم مما يواخذ به المغرب من تفريطه أحيانا في سجلات تراثه القديم، فإن الخزانة المغربية تحتضن عددا من الوثائق الهامة التي تترجم ما كان يتمتع به هذا المغرب من مركز دولي مرموق منذ أن تقلد رسالته التاريخية...
وإنه بالإشارة إلى ما أوردنا بعضه في موسوعتنا للتاريخ الدبلوماسي للمغرب، نذكر أننا في بداية المجلد التاسع الذي يؤرخ للدولة العلوية الحاكمة المجلد التاسع الذي يؤرخ للدولة العلوية الحاكمة وجدنا أنفسنا أما منجم – إذا صح التعبير – منجم ثري مهم اضطررنا معه لفتح آفاق أخرى أمام القارئ نلتقي معه فيها مع عدد كبير من "الملاحق" التي نجعلها تذييلا للموسوعة...
وهكذا فإلى جانب رسالة حملها السيد الحاج على الذيب تتحدث عن الصلات المشرقية المغربية أيام السلطان مولاي رشيد، وتتحدث كذلك عن الأمير زيد المرحوم بكرم الله... إلى جانب ذلك، نجد عددا من الملاحق اخترنا منها هذه الرسالة الهامة التي بعث بها السلطان مولاي إسماعيل ملك المغرب إلى الأمير سعد بن زيد أمير مكة والمدينة في بداية القرن الثاني عشر الهجري أواخر القرن السابع عشر الميلادي، وهي تؤكد على نحو عدد من الوثائق المشابهة، أن المملكة المغربية ظلت غير معترفة بالوجود التركي في الإيالات الإسلامية التي استولت عليها...
ولا بد أن نشير في البداية إلى الظروف التي كانت وراء إرسال هذا الخطاب... فإننا نعلم أن حكم مكة والمدينة كان بيد من كانوا يعرفون تحت اسم "أشراف الحجاز" الذين كثروا جدا وكثرت نتيجة لذلك مشاكلهم ومتاعبهم !
لقد تولى شرافة مكة عام 651=1253 رجل يعد من مشاهير الأشراف وصلحائهم هو أبو نمي الأول الذي طالت مدة شرافته نحو خمسين عاما بعد أن خلف ثلاثين ولدا كلهم كان يطمح للشرافة، الأمر الذي نرى أثاره في الصراع الذي كان يلهبه أيضا وقوف مصر إلى جانب دون الآخر الذي تسنده بغداد مثلا، وهو ما وصلتنا نحن في المغرب أصداؤه وآثاره عندما وفد على السلطان أبي يعقوب يوسف ثاني ملوك بني مرين، بعض أولئك الأشراف، وعلى رأسهم لبيدة بن أبي نمي يطلبون عون بلادنا بل ويقدمون بيعتهم للعاهل المغربي على ما ذكرناه في المجلد السابع من "التاريخ الدبلوماسي للمغرب"...
وفي عام 931=1525 تولى شرافة مكة أبو نمي الثاني الذي نال حظوة كبيرة لدى السلطان العثماني سليمان القانوني، وقد دامت شرافته بمكة مدة تزيد عن الستين عاما.. ويعتبر أبو نمي هذا المؤسس الحقيقي للشرافة وهو جد الأسرة التي ظلت محتفظة بالشرافة إلى أن استولى آل سعود على الحكم...
ومن المهم أن نعرف أن النزاع بين الصفويين (الفرس) وبين العثمانيين (الأتراك) الذي حدث في العراق منذ القرن العاشر الهجري كان له أثره في الحجاز، ففي موسم الحج من عام (1042=1632) ورد إلى مكة أمر من السلطان العثماني في اسطانبول يمنع العجم (الفرس) من الحج والزيارة !
وكان الذي يتولى شرافة مكة في ذلك الحين زيد بن محسن بن حسين بن الحسن بن أبي نمي الثاني الذي أعلن تحوله من المذهب الزيدي إلى المذهب السني: لمذهب الإمام أبي حنيفة، وقد انتشرت بين سكان مكة إشاعات ضد الفرس والشيعة وصدق بعض الناس تلك الشائعات كما هي العادة عند استفحال التعصب الطائفي لديهم وتعرضت البلاد لسلسلة من القلاقل والفتن...
وفي خضم تلك الظلامات والاضطرابات كنا نشهد عددا من الانقلابات والثورات التي تذهب ببعض الأمراء وتفضي بهم إلى الهجرة ومغادرة الأوطان حيث يتجرعون مرارة الغربة والحرمان وذلة الإيواء عند الآخرين...
وقد كان من أولئك الذي تعرضوا للامتحان الشريف سعد بن زيد بن محسن... (1052-1116-1642-1705).
وقد ولد هذا الشريف في مكة ووليها بعد وفاة أبيه سنة 1077=1666-1667، وكان أشرك معه في الإمارة أخاه سنة 1080=1683- 1684، ولم يلبث أن شبت بين الأخوين وبين الأشراف الآخرين فتن على نحو ما اعتاد الأشراف عليه ! و في هذه الأثناء بلغهما أن أمراء الحج ينوون القبض عليهما في منى...
وهنا قصد الأميران بلاد الروم (تركيا) سنة1082=1671-1672، ووليا هناك أعمالا، ثم تمكن أحمد بن زيد سنة 1095-1683-1684، من العودة إلى مكة قبل أخيه سعد فولى إمارتها إلى أن توفي عام 1099=1688 فاستولى على الحكم ابن عمه الشريف أحمد بن غالب بن محمود من مسعود بن الحسن بن أبي نمي في نفس السنة، ولم يلبث أن وقع بينه وبين الأشراف من أبناء زيد بن محسن خلاف انتهى بتغلب هؤلاء عليه فاعتزل الإمارة سنة 1101=1689-1690، وهاجر إلى اليمن ثم إلى بلاد الروم.
تلك نظرة خاطفة عن الجو المحموم الذي كانت تعيشه تلك البقاع المقدسة التي هي مهوى الأفئدة: أفئدة المسلمين والمؤمنين في كل مكان...
وإذا أضفنا إلى هذه اللقطات المقلقة، والمنافسات والمواجهات الملتهبة بين الأشراف وما يقوم به الأتراك الذين يخلو لهم الجو نتيجة لتلك الاصطدامات، فيستغلون مواسم الحج لاستنزاف المؤمنين واستغلالهم والتضييق به مما ورد وصفه عند الوزير المغربي الإسحاقي الذي رافق ركب الأميرة خناتة بنت بكار زوجة السلطان مولاي إسماعيل عام 1143=1731.
فقد تحدث الإسحاقي عن امتهان الولاة الأتراك للحجاج وإذلالهم عند ورودهم وصدورهم، والاستحواذ على أموالهم وأمتعتهم وقبض الخراج منهم عن يد وهم صاغرون ! قال: وقد شاهدناهم وكلوا على مماكسة الحجاج على أحمالهم يهوديا من اليهود... ! وقبض من الناس مرتين...وربما احتاج – لعنه الله – إلى كشف بعض الخيام بل إلى الحرم لاستخراج ما عسى أن يكون فد غاب من الأحمال التي يثبت أعدادها في ديوان المكوس...
ويكفيهم مهانة وقلة ديانة – يقول الإسحاقي – اتخاذهم بيت الله الحرام سببا للمعيشة الحرام بما يتساقطون عليه ويتهافتون عليه عند ولاتهم وأكابر مجرميهم من طلب التولية على الأعمال المكسية التي يزعمون أنها قوام كسوة الكعبة المرضية".
أكثر من هذا حكى الإسحاقي عن منع الأتراك للمغاربة من الماء، وقد بلغ الحد إلى أن الإسحاقي، وقد أشفق على صبي يلتوي من العطش أن يطلب له شربة ماء في مقابلة دينار ذهبي... وكان كل هذا وراء تزكيته قولة من قال من علماء المغرب والأندلس: بسقوط الحج عن أهل المغرب، إلى آخر مذكرات الإسحاقي.
وهنا وجب موعد سعد بن زيد فعاد سنة 1103-1691-1692، حيث ولي إمارة مكة قبل أن يقصى عن الحكم مرة أخرى عام 1105=1693-1694، فوليها الشريف بن عبد الله بن هاشم ، فقاتله سعد وظفر به عام 1106=1695، واستقر في الإمارة ثم نزل عنها لابنه سعيد عام (1113=1701-1702)، فثار الأشراف على سعيد فقاتلهم في المحصب، إلى أن طعن ثلاث طعنات، مات في أعقابها بالعابدية عام 1052-1642.
تلك النظرة خاطفة عن التنافس المستعر بين الأشراف في بلاد الحجاز... وهو ما يفسر لنا تعبيرا ورد في رسالة سابقة من مولاي محمد بن مولاي الشريف (الملك محمد الأول في الدولة العلوية)، هذا التعبير هو قوله: "...وأقسم بالله العظيم ونسب النبي الكريم والزمزم والحطيم إن لم تنتهوا عند حدكم لأغمدن فيكم سيف جدكم...!".
لقد أخذنا فكرة عن الأجواء التي كانت تعيشها تلك البقاع...وعرفنا عن الظروف القلقة التي عاشها الأمير سعد بن زيد في إمارته الأولى وإمارته الثانية والثالثة... ولا شك أننا سنقرأ من بين تلك السطور ما كانت عليه مواقف بعض الأمراء الذين كانوا أصحاب حاجة، وصاحب الحاجة أعمى كما تقول الحكمة المأثورة، وهم أكثر من عمى لا يسمعون ولا يتكلمون... !
وهنا نورد مضمون "الرسالةّ العاجلة" التي بعثها السلطان مولاي إسماعيل إلى الأمير سعد بن زيد فور وصول الأخبار إلى العاهل المغربي بواسطة الشيخ الحسين أمير ركب الحاج المغربي لعام 1102- 1103= 1691-1692 والذي سيعوضه علي جسوس...
لقد كان في جملة ما حمله الشيخ الحسين من بٌشريات بالنسبة لمولاي إسماعيل عودة سعد – وهو عزيز على السلطان مولاي إسماعيل – عودته لشرافة مكة، لقد أدخل ذلك الخبر سرورا كبيرا على السلطان، الأمر الذي جعله يقرر إرسال سفارة عاجلة خلال ثلاثة أيام من وصول الوفد المغربي، تحمل معها رسالة هامة تستهدف تقديم النصح للأمير سعد حتى يعرف موضع قدمه، وحتى لا يتعرض مرة أخرى لما تعرض له... !
ومن المهم أن نجد السلطان مولاي إسماعيل يقوم في هذه الرسالة بتقديم السفير الذي اختاره لهذه المهمة، والذي لم يكن غير الحاج أحمد... الذي يعرف البلاد المشرقية كثير المعرفة نتيجة لتجوله في تلكم الأقطار، وتردده سفيرا عليها، وساعيا بين تجارها نحوا من ثمانية عشر عاما.. عرف فيها تلك النواحي، واعتاد على طرقها برا وبحرا... يضاف إلى هذا أن الحاج أحمد هذا من الملازمين للأعتاب الشريفة... ولذلك فهو رجل ثقة، وسند فيما يبلغه من معلومات،وما يتلقاه كذلك من أخبار...
ويظهر من "الرسالة العاجلة" أن العاهل المغربي ولو أنه كان على صلة بالشريف أحمد بن غالب الذي كان متربعا على الحكم قبيل عودة الشريف سعد بن زيد... إلا أنه أي مولاي إسماعيل، لم يكن يشعر بتجاوب مع الأمير أحمد ابن غالب، فلقد كان ركب الحاج المغربي يتردد كما هي العادة على ذلك المقام الشريف بما يصحبه معه من هدايا سنية سخية، توزع على مختلف طبقات الأشراف هناك... ابتداء من أهل الينبوع، أجداد إسماعيل، إلى أهل بدر، إلى أشراف مكة وأشراف المدينة.
وفي إحدى المرات السالفة، عندما قصد تلك البقاع عام 1101=1689 الأمير مولاي المعتصم نجل السلطان مولاي إسماعيل رفقة الأميرة ست الملك يصحبهما أبو علي الحسن اليوسي، حدث أن وقعت ألفة بين مولاي عمر بن هاشم العلوي ابن عم السلطان مولاي إسماعيل وبين الشريف أحمد بن غالب، الذي اغتنم هذه الفرصة ليحمل مولاي عمر عددا من الرسائل للعاهل المغربي الذي كان يتقبل هذه الخطابات ويجيب عنها، ولكن أجوبته تقتصر على رد السلام أكثر من رد السلام، أي إنها
بلغة العصر الحديث رسائل بروتوكولية لا تشعر فيها بما تشعره وأنت تقرأ رسالة مولاي إسماعيل للأمير سعد من صراحة في القول، وصدق في النصح، وتطوع مخلص في إغناء الأمير بما اعتبره السلطان مولاي إسماعيل ضروريا لحفاظ سعد على مركزه في الحرمين الشريفين...
وبكل ما عهدنا في السلطان مولاي إسماعيل من جرأة وصلابة في التعبير عن رأيه، نجده يذكر بوضوح بأن الولاية على الحرمين الشريفين ليست كالولاية على البقاع الأخرى... إن للمكان حرمة لا تعدلها حرمة، ولذلك فإن للمتولي على ذلك المكان أن يعرف بالدرجة الأولى موضع قدميه... !
لقد استهل العاهل المغربي رسالته الهامة بالتذكير بما يجمع أسرته بأسرة شريف مكة من لحمة النسب الغالية...وهو الأمر الذي يبرر توجه السلطان للأمير بهذا الخطاب، يضاف إلى هذه الآصرة... مبدأ أقره الإسلام، ونادى به في كل المناسبات، ألا وهو ضرورة مؤازرة المؤمن للمؤمن...
 و يظهر من الرسالة أن مولاي إسماعيل إذ يتأسف على بعد الشقة بين المشرق والمغرب، وهي تحول دون تقديم العون المادي للحفاظ على الاستقرار في تلك البقاع، إلا أنه مع ذلك سيكتفي بالمساهمة في تقديم النصح وهو أضعف الإيمان...
ولا يفوت العاهل المغربي وهو يمهد لمخاطبة أخيه وعزيزه، أن يذكره بما كان تعرض له عندما عزل عن الحكم وغرب عن البلاد، فإن الإنسان بحاجة إلى أن لا ينسيه البذخ والرفاه ما عرفه بالأمس من ذل وحرمان، وخاصة بين قوم لا يعرفون لغته، وهم فوق هذا وذاك، لا ينظرون للعرب بنظرة تبعث على الارتياح...ومن غير يشعر مولاي إسماعيل بأي حرج قال للأمير زيد: إنه إذا كان التناصح واجبا بين المسلمين، فهو لمن ولي تلكم الديار أولى وأجدر، وكأنه يقول له: إنها بيت الجميع، ومن الواجب الأكيد على ذلك الجميع أن يساهم بما يستطيع في تقويم ذلك البيت...وضمان الاستقرار والاستمرار له، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وبسعة خاطر، ورغبة في الإسهاب والإطناب، ذكر السلطان مولاي إسماعيل أحد عشر مبررا، تجعل المدينة تحتل كذلك مرتبة جليلة عند المسلمين، فهي دار الهجرة، وبها منازل الوحي، وفيها أكمل الله الدين، وفيها كانت البعوث والسرايا والغزوات لإعلاء كلمة المسلمين، ومنها أظهر الله الدين وأعز الإسلام، وفيها قبضت روح النبي الأمين، وفيها روضته، وبها جُمِعَ القرآن الكريم، ومنها استقامت الخلافة، وانطلقت الفتوحات في المشارق والمغارب، ومنها اجتثت قواعد الدول الكبيرة الفارسية الكسروية والرومية القيصرية والتركية الخاقانية والديلمية والحبشية والبربرية.
وتتلخص الرسالة لأهمية الخلافة في قاموس الإسلام... وهنا يشير إلى أن جعل الخلافة في قريش – يعني أن تزجى آيات الشكر والامتنان لله على ذلك...ولن يكون هناك تعبير صادق عن الشكر إلا بأن يكون الحكام في مستوى الولاية...
أي أنهم يقومون بحماية مصالح الناس، ومنع مفاسد الفجار، وإعلان كلمة الجهاد، وإنصاف المظلوم من الظالم...
وهو يستدل بهذا البيت لتأييد أطروحته:
لولا الخلافة لـم تأمن لنا ســبل      وكان أضـعفنا نهبا لأقوانا!
وبعد أن يركز على دور الحاكم في إقامة العدالة الحقيقة بين الناس، يؤكد مرة أخرى على فكرة " أن من نعم الله عليه بولاية الحرمين الشريفين، واجب على كل من يحبه، أن يهنئه وأن يقدم له النصح...
ويخشى السلطان مولاي إسماعيل من أنه ربما كان قد بالغ في النصح، فيذكر الأمير بأنه إذا كانت التذكرة والتبصرة من أهل بيت واحد، كانت أوقع في النفوس، سيما وقد أودع الله في قلوبنا من المحبة لذينك الحرمين الشريفين ما لا يكيف، وجبلنا على الشفقة بسكانهما ما لا يوصف. ويتمنى مولاي إسماعيل – من خلال كلماته – أن لا يكون الأمير من أولئك الذين يستكبرون عن سماع الموعظة، فهو يردد قول النبي صلى الله عليه وسلم:  " لا تؤتوا الحكمة غير أهلها، فتظلموها، ولا منعوها أهلها فتظلموهم"!
وهنا يذكر مولاي إسماعيل أمير مكة بهذه الكلمات:
"وقد كنت قبل هذا في ولاية تلك الأماكن الشريفة... ثم كان من قدر الله ما كان، فأقمت سنين عديدة في غير أرضك ووطنك، وأصبحت مفارقا لأهلك وأولادك وسكنك، فليعتبر ابن عمنا بما فات عليه...ووالله ما أنجزنا إليك هذه الرسالة إلى حيث علمنا وتحققنا أنها تنفعك وتقع منك إن شاء الله كل موقع، ولو كان غيرك ما كانت تطيب أنفسنا بمخاطبته بمثل هذا الخطاب..." وبعد هذا، يسوق الخطاب الإسماعيلي طائفة من المبادئ:
" ولا تأخذ في الحق لومة لائم، وكن على أهل الباطل فظا غليظا، وعلى المستضعفين والمساكين وأهل الخير شفيقا رفيقا، وتراعي الله عز وجل وحرمه وحرم رسول الله، وأي حرمة كحرمة من الوجوه ملحدا... وأن تحب الضعفاء والمساكين الواردين على تلكم المعالم والمشاهد بقلب شائق وحب صادق...
ويقدم مولاي إسماعيل نصيحة قد تكون محل استغراب من الذين لا يمارسون الحكم ولكنها منهم مبدأ من المبادئ الأساسية، قال:
وأنصح إليك أن تنصب من يوصل إليك حاجات الناس لقوله صلى الله عليه وسلم: "أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغ حاجته، فمن ابلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبت الله قدميه على الصراط يوم القيامة..."
ويستمر مولاي إسماعيل يخاطب سعد:" وانصر الله ينصرك...وأعرف أنك مسؤول عن رعيتك..."
وفي معرض التأكيد عليه بتجنب الاغترار والغرو، يطلب إليه أن يحافظ على مصدوق الآية الشريفة: (الذين إن مكانهم في الأرض أقاموا  الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر...) واتق دعوة المظلوم... وانظر لما وصى به لقمان الحكيم ابنه...وصل رحمك...
ومن المهم أن نجد العاهل المغربي يعود مرة أخرى للتذكير بأهمية مركز الحرمين على صعيد العالم الإسلامي، ومن أجل ذلك عظمت مسؤولية الولاة على الحرمين... "...ولا يخفى على سيادتك ويقول مولاي إسماعيل لسعد بن زيد – ما كان عليه السلف الصالح في تلك الأماكن الشريفة، فاستقامت لهم الدنيا والدين، وصلحت بصلاح أحوالهم أمور جميع المسلمين، فالعدل – يؤكد مولاي إسماعيل – حسن من جميع من ولاه الله، وإذا كان من بيت النبوة كان أحسن وأحسن، والعدل مطلوب ومستحسن في جميع الأقاليم وبقاع الأرض كلها، وهو في الحرمين الشريفين أشد استحسانا وأكثر غبطة... !!
إن ولاية يوم وليلة في ذلك الحرم يعدل الإنسان فيهما، أحب إلى من نور الله بصيرته، من كل ما يهواه ويتمناه، فنحب منك أن نأخذ بطريق العدل والحزم وحسن التدبير في جميع أحوالك، وتكون ضابطا محتزما في كل ما هنالك، والكيس من دان نفسه، وفي كلام الحكمة: "تعاقب الأحفاد بما فعلته الأجداد" فينظر أخونا وابن عمنا لنفسه وولده، ويعمل بما يرضي ربه في بلده، وقد حملتنا محبة ذلك الحرم الشريف على تذكرتك ونصيحتك، وقد عودنا الله سبحانه التذكرة والنصيحة لجميع من عرفناه من المسلمين ووجدناه..."
تلك هي الرسالة المستعجلة التي استحقت من السلطان مولاي إسماعيل أن يخصص لها سفيرا على حدة، ولا ينتظر بها موسما جديدا أو مناسبة لاحقة، وهي تتحدث بنفسها عن الاهتمام الكبير الذي يوليه المغرب لقضايا المشرق في كل زمان، وهي أي الرسالة في حاجة ماسة لدراسة أشمل وأكمل لرجالها واحدا بعد الآخر، وفي حاجة لتخريج أحاديثها وإبراز عناصرها، وأخيرا الحديث المفصل عن أبعادها وما تعنيه الأفكار التي تتضمنها.

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here