islamaumaroc

الأحداث أمام المحسوسات والمجردات

  دعوة الحق

32 العدد

يعرف علماء المنطق الإنسان بأنه حيوان ناطق، وهم يقصدون بذلك أنه قادر على استعمال لغة صوتية ذات مقاطع وكلمات وجمل للتفاهم مع غيره من بني جنسه، وتنقسم اللغة الصوتية عادة إلى نوعين . النوع الأول الانفعالي أو الوجداني. والثاني النوع الرمزي.
يعرف علماء النفس اللغة بأنها الوسيلة التي يمكن بواسطتها تحليل أي صورة أو فكرة ذهنية إلى أجزائها أو خصائصها. والتي بها يمكن تركيب هذه الصورة مرة أخرى في أذهاننا أو أذهان غيرنا بواسطة تأليف كلمات ووضعها في ترتيب خاص ولا يطلق على الكلام لغة بالمعنى العلمي إلا إذا أدى هذا الكلام وظيفته السيكولوجية وهي تحليل التصوري والتركيب، ويبين "تورنديك" في كتابه "الإنسان وأعماله" أن وظيفة اللغة لا تقتصر على التعبير فقط ولا إنها وسيلة لنقل أفكار المتكلم إلى السامع . ويعزى تفوق الإنسان الذهني لدرجة كبيرة إلى قدرة على استعمال اللغة الراقية. فهي الوسيلة التي تمكنه من استخدام ما عنده من قدرة على التفكير وعن الطريق اللغة يدرك الإنسان كما يعبر عن المكانية والزمانية والملكية والعلة والمعلولية والجمعية والاستثنائية.
ونريد الآن أن نقف عند المعنى اللغوي لنتبين المقصود من العبارة المطلوب الكلام عنها، وأعني "الأحداث".
أن المعنى اللغوي هو الفكرة والواحدة البسيطة التي تثيرها الكلمة في ذهن السامع أو القارئ سواء أكان ما يمثلها في الخارج شيئا محسوسا مثل ورق أو مجرد مثل الحرية، وكذلك الفكرة المركبة من مجموعة أفكار بسيطة، ولكي نعرف كيف المركبة من مجموعة أفكار بسيطة، ولكي نعرف كيف تنشأ الفكرة عند الإنسان نفترض طفلا رأى أباه لأول مرة في حياته أن هذه الرؤيا تصحبها عادة صرة بصرية إدراكية قد تكون غامضة أولا وغير محدودة وقد يستمر الطفل مدة من الزمن قصيرة أو طويلة لا يميز أثناءها أباه عند رؤيته ولكن بتكرار رؤية الطفل أباه وسماعه صوته وشمه رائحته وتنبيهه لمناغاته وملاطفته وهنهنته إياه تتكون في ذهن الطفل صورة أوضح عن أبيه.
فعند ما يرى الابن ويشعر أنه هو الشخص الذي رآه من قبل_ أي عندما يدرك أن ثمة تشابه بين هذا المدرك الحسي والصورة الذهنية التي عنده _ عند ذلك يكون قد كون فكرة عن أبيه فالشعور بالمماثل بين المدرك الحسي الجديد والصورة القديمة هو حجر الأساس في تفكيرنا كما يقول" وليم جيمز" في كتابه "أصول علم النفس" من هذا يتضح أن كل مرة يرى فيها الطفل أباه تترك في ذهنه صورة لهذا الأب. وتوضح الصورة التالية بعض ما غمض في الصورة السابقة حتى تتكون الصورة الذهنية الكاملة، أو يتكون عنده "المعنى والفكر" ولا أرى مانعا من ذكر القصة التالية لتلقي ضوءا على قيمة المحسوسات في تعليم الأحداث فقد جاء في كتاب "تقرير ومذكرات عن بدائي افيرون" انه حدث في سنة 1799 أن نشرت جلة المناقشة الفرنسية خطابا من أحد الفرنسيين يصف فيه صبيا متوحشا في نحو الحادية عشرة من عمره وجد في غابة بمقاطعة "افيون" وذكر الخطاب أن الصبي كان صورة من الإنسان البدائي وقد وجد هائما على وجهه في أطراف الغابة التي كان يعيش فيها، وقد أحضر هذا الصبي إلى باريس حيث عرض على الجمهور تسعة أيام. وكان منظره متوحشا حقا فهو لا يستطيع النطق ولا يعرف المشي المعتدل ويدمدم كالحيوان، ويجهل كل وسائل الحياة حوله وقد عهد الى طبيب شاب اسمه "ايطارد" وكان يشتغل في معهد للصم والبكم ليشرف على تربية هذا المخلوق الذي سمي "فيكتور وقد شخص "يطارد "  التأخر الذي عند الصبي وعزاه الى أنه حرم وسيلة التفاهم مع الناس وهي اللغة وشرع "ايطارد" في تعليمه اللغة وما يحيط به مدة خمس سنوات، ولنستمع الى "ايطارد" نفسه يحدثنا كيف علم هذا الصبي اللغة يقول الدكتور "ايطارد" وكان علي الان أن أتقدم بهذا الصبي الى مرحلة التجريد، وكنت أتقدم وأنا أخشى ان اسير فيها طويلا وان يصادفني ما لاقبل لي بالتغلب عليه ولكن لم اصادف شيئا من هذا، وكانت محاولتي هذه المرة تعليم الصبي امداد الاطوال والمساحات فأحضرت كتابين من مقياسين مختلفين وكان تجليدهما واحدا ثم أشرت إلى الأول ففتح "فيكتور" كناشته وأشار إلى كلمة كتاب التي فيها ثم أشرت إلى الكتاب الثاني فأشار الى نفس الكلمة مرة أخرى وكررت العملية فكرر الإشارة.أخذت الكتاب الصغير وأمسكت به أمام "فيكتور" وجعلته يلمسه بيده ويضع يده على غلافه كله فلما وضع يده غطت كل الغلاف، ثم طلبت إليه أن يضع يده على الغلاف الكتاب الكبير فلما وضع يده غطت كل الغلاف، ثم طلب اليه أن يضع يده على غلاف الكتاب الكبير فلما وضع يده لم تكد تغطي نصفه، ولكي الفت نظرة الى الغرض من هذه العملية نبهته الى الجزء ولم يستطيع أن يفعل هذا إلا بعد ان كشف عن جزء من الغلاف يعادل الجزء الجديد الذي غطاه، وبعد هذه التجربة التي حاولت بها أن يدرك"فيكتور" الفرق بين مساحة الكتابين سألته عن اسمها مرة أخرى فتردد" فيكتور" وشعر أن نفس الكلمة" الكتاب" لا يمكن إطلاقها على كل منهما بدون أي وصف مميز لما أدركه من فرق بينهما.
وقد كان همي أن أصل به إلى هذه النقطة عند ذلك كتبت على بطاقتين كلمة "كتب" ووضعت كل واحدة على كتاب ثم كتبت في بطاقة ثالثة كلمة "كبير" وفي رابعة "صغير" ووضعت كل بطاقة بجانب زميلتها في المكان المناسب على الكتاب .وبعد أن وجهت "فيكتور"الى التسمية الجديدة نزعت البطاقات وخلطت بعضها ببعض ثم اعطيتها له ليضعها على الكتابين فوضعها كما ينبغي، ولكن هل يكفي هذا للتأكد من أنه كون فكرة على كل من الكبير والصغير؟
لكي ازداد تأكد أحضرت مسمارين أحدهما كبير والثاني صغير وجعلته يلمس  الفرق بينهما ثم وضعت على كل منهما بطاقة تحمل كلمة" مسمار" وقدمت له بطاقتين أحدهما عليها كلمة" كبير" والثانية عليها كلمة "صغير" وسلمتهما له "فما كان منه إلا أن وضع كل بطاقة في مكانها الصحيح بطريقة تثبت انه فهم معنى الكلمتين.
ولعل هذا المثال أيضا يوضح لنا كيف أن الصبي "فكتور" لاحظ ووازن وأدرك الفرق والتشابه ثم جرد المعنى الذي يدل على صفة الكبير والصغير، وأخيرا عمم هذا التجريد بتطبيقه على حالات أخرى لم يكن له بها عهد كما فعل مع المسمارين.
وبهذه الطريقة أيضا يصل الطفل العادي إلى تكوين فكرة عن المجردات مثل الطول والقصر والخوف والغضب إلى أخره.
بعد ما عرفنا مبادئ عن تعليم اللغة وكيف يبدأ بالمحسوسات ثم ينتقل إلى المجردات لابد لنا من إلقاء نظرة على الإدراك ما دام هو الوسيلة للتعرف عن المحسوسات ومن تم المجرات لنتبين كيف تتم عملية الإدراك هذه في ميادين الحياة المختلفة .يطلق الإدراك اصطلاحا في علم النفس على العملية العقلية التي تتم معرفتنا للعالم الخارجي عن طريق التنبيهات الحسية كأن إدراك أن هذا الشيء الذي هو أمامي "كتاب " وأن لهذا الكتاب مميزات خاصة من لون ومن اتجاه في المكان ومن طول وعرض وسمك وبروز ومن وضع بالنسبة إلى وبالنسبة للمنضدة والى ما يحيط به من أشياء . ولا يقتصر إدراكي لهذا الكتاب على هذه الخصاصة الحسية بل يشمل أيضا معرفة استخدام هذا الشيء فان إدراك إن هذه الاشكاال السوداء التي تسمى الكلمات إنما هي رموز تفيد معنى من المعاني إلى ما هنالك . والإحساسات هي المواد الأولية التي لا يتم الإدراك دونها وهي تميز الإدراك ليست عملية منعزلة منفصلة بل هي الأساس الذي تقدم عليه سائر الوظائف العقلية وكما يقول "بارتلي" في كتابه" بداية علم النفس التجريبي"
 إنها الفرد بأجمعه وهو يعمل. فهي العملية الديناميكية التي بفضلها يتصل الفرد بالعالم الخارجي ويستجيب له استجابة مباشرة وحيث أن العالم الخارجي هو بالقياس إلى الإنسان عالم اجتماعي في معظم نواحيه فتصبح دراسات الإدراك عند الإنسان هي دراسة السلوك الاجتماعي . وعلى ذلك فان القيام والحاجات تؤدي دورا هاما في تنظيم الإدراك.
ومن التجارب الطريفة التي توضح اثر القيام والحاجات في كيفية إدراك العالم الخارجي نذكر تجربة العالمين" بروزوكمر" وملخص هذه التجربة انه عرض على مجموعة من الأطفال قطع من العملة يزداد حجمها بزيادة قيمتها مثلا فرنك وفرنكان من العملة يزداد حجمها بزيادة قيمتها مثلا طلب منهم بواسطة جهاز خاص أن يوسعوا أو يضيقوا فتحة دائرية مضاءة بحيث تكون مساحة الدائرة مساوية في تقدير الطفل لمساحة كل عملية. ثم طلب منهم القيام بالعملية ذاتها دون عرض العملة. ثم أجريت التجربة ذاتها على مجموعة أخرى من الأطفال ولكن استبدل بقطع النقود قطع من الورق المقوى الرمادي اللون كانت أحجامها مساوية لأحجام النقود . ولكن دون أن ترد في أثناء الحديث أي إشارة إلى النقود.
وبالمقارنة بين النتائج التجربتين اتضح أن الأطفال في التجربة الأولى بالغوا في تقدير أحجام النقود بنسبة تتراوح بين 15%و35% وكانت المبالغة تزداد بوجه عام كل ما زادت قيمة العملة. أما الأطفال في التجربة الثانية فإنهم قدروا أحجام الدوائر تقديرا لا يختلف إلا قليلا عن الحجم الطبيعي مع الميل الخفيف إلى تصغير الحجم.ومن الطريف أن نذكر أن تجربة النقود هذه قسم فيها الأطفال إلى مجموعتين الأولى من أبناء الأغنياء والثانية من أبناء الفقراء فكانت المبالغة ف التقدير لدى الأطفال الأغنياء تتراوح بين 10%و25% في حين ارتفعت هذه النسبة لدا الأطفال الفقراء فأصبحت تتراوح بين 25%و 50%
والان كيف يدرك الانسان ما حواليه ولنبدأ بادراك المسافات والابعاد والعوامل التي تساعد على ذلك هي عوامل بصرية وأول من أشار اليها هو"ليوزدزدافيي شي" من اكبر علماء عصر النهضة وفنانيها وقد سرد هذه العوامل البصرية على الوجه التالي:
أولا: التباين بين الضوء والظل
ثانيا: المنظور وهو أما خطى أو تفصيلي أوهوائي
ثالثا: سرعة الحركة
رابعا: تزيح البصريين أو اختلاف المنظر بالعينين
ثم العوامل العضلية وأول من أشار إلى هذه العوامل هو الفيلسوف الانجليزي "بركلي" سنة 1709 ويقول أن حاسة البصر لا تدرك سوى الضوء واللون وان إدراك الخصائص الهندسية للأشياء يتوقف على ارتباط اللمس بحركات الجسم ويذكر من هذه الحركات العضلية حركة تكييف العين لرؤية الأشياء القريبة والبعيدة وحركة التلاقي في حلة الإبصار بالعينين.
وهنالك الموضوعية لصياغة المدركات فان بعض الأشياء تفرض وجودها في ادر كنا دون سواها من الأشكال وإننا نرى الأشياء ولكن ل نرى ما بينها من ثغرات، وقد اهتمت إحدى المدارس الحديثة في علم النفس وهي مدرسة "الكيشطلت" والتي تسمى مدرسة الهيئات بهذا الموضوع اهتما خاصا.
وهنالك الخداع البصري الهندسي فالصيغة المدركة بكونها كلاله مميزاته الخاصة هي غير مجموع مميزات اجزائية . ويكتسب كل جزء كيفيته الخاصة تبعا لوضعه بالنسبة إلى الصيغة الكلية فقد يبدو اقصر أو أطول مما هو عليه في الواقع.
وهنالك الخداع الحركي والمقصود به إدراك حركة المكانية حيث لا توجد أشياء تتحرك. وبعد أن عرضنا موجزا للإدراك وعرفنا عوامله أرى إننا قد بلغنا شوطا نستطيع بعده أن نتكلم عن تلميذنا الابتدائي ونعني به الطفل من السابعة إلى الثانية عشرة لنرى كيف يجب أن نعمله وما نقطة البدء في تعليمه .كل ذلك ف ضوء علم النفس الحديث وتجاربه.
لا يحدث تغيير جوهري في الصفات الاساسية في قدرة الطفل على الإدراك في هذه المراحل عما كان سابقا فالحواس يكاد يكتمل نموها في السنة السابعة ولكنه مع ذلك يحدث تقدم مقطوع به في قدرة الطفل على التمييز الحسي للموضوعات الخارجية فنلاحظ مثلا أن أبصار الطفل يتحسن كما أنه يستطيع أن يمارس الأشياء القريبة من بصره .سواء أكانت قراءة عليها في سن مبكرة عن ذلك، كما أن الإدراك البصري الواضح لا يصبح مقصورا على الأشياء القريبة من العين، إنما يتعداها إلى ما هو بعيد عن مجاله البصري، كما نلاحظ زوال طول النظر الذي يصاب به حوالي80% من أطفال مدارس الرياض.
أما فيها يتعلق بالسمع فان دقة سمع الطفل تنضج في السابعة، ويلاحظ تقدم ملموس في قدرة الأطفال على تمييز الأنغام الموسيقية حتى الحادية عشرة.ونتوقع أن يتطور ذلك من اللحن البسيط إلى النغم المعقد هذا وان حاسة الطفل اللمسية في مرحلة أقوى منها عند البالغ فقد ثبت أن دقة التمييز اللمسي تقل بمقدار النصف تقريبا في سن السابعة عشرة عنها في سن السابعة، ونلاحظ إنها في سن الثامنة أقوى عند البنات منها عند البنين.
ونلاحظ تغييرا هاما في الحاسة العضلية وهي الحاسة التي تقدر بها الحركات والأوضاع في الأطراف كالايادي والأصابع، فقد دلت البحوث التجريبية على ان هذه الحاسة تتحسن من سن السابعة إلى الثامنة عشرة وذلك الآن الطفل في سن الثامنة عشرة يمكنه أن يميز فروقا في الوزن نصف تلك التي يمكن أن يميزها في سن السابعة. ودقة الحاسة العضلية عامل هام من المرحلة على وجه الخصوص لذلك يجب أن يعني بها في مرحلة التعليم الابتدائي لأنها وسيلة صالحة تساعد الطفل في اكتشاف جزء كبير من معرفته عن العالم الخارجي إذ أنه يولع ولعا شديدا في هذه السن بالاتصال المباشر بالأشياء عن طريق تجريبية إياها في الحركة ان تعرض وسائل الإيضاح التي تستعمل في دروس لا تتيح للطفل فرصة الإدراك البصري فحسب بل إياها. والذي نود أن نشير إليه هنا هو أن الميزة بالتربية والتعليم أن الطفل يتعلم فيها بواسطة الممارسة أي بادراك المحسوسات التي تعرض له في ممارستها عمليا.  
ونلاحظ أن الطفل في المرحلة الابتدائية يفكر بواسطة الصورة البصرية فهو بصري أولا وقبل كل شيء، لذلك يجب أن يراعي فيما يتقدم للناشئ في هذه المرحلة أن يكون واقعيا مصورا بصريا ولاشك أنه كلما صار الزمن بالطفل نحو دور المراهقة كلما ضعف فيه هذا التصور البصري ويحل محله ألفاظ وكلمات ولذلك يجب أن يتذكر المعلم دائما انه حينما يتحدث إلى الطفل في التاسعة من عمره إنما يتحدث إلى شخص يختلف تماما عنه في وسائل تفكيره. فبينما يستعين الكبار في تفكيرهم باللغة والكلمات نجد أن الأطفال في هذا السن أنما يستعينون بالصور البصرية. ولا يقتصر الأمر على طريقة الدرس بل على مادته أيضا إذ ينبغي أن نراعي في منهاج هذه المرحلة أن يكون ملتصقا، بشدة، بمحيط الطفل اليومي وخبراته المباشرة . ولاشك أن أكثر المواد تجريدا في هذه المرحلة هي الحساب لذلك يجب أن يقلل المنهج في هذه المادة إلى أقل ما يمكن وتحذف منه الكسور الاعتيادية والعشرية أو الكميات المطلقة لان الطفل لا يمكنه تصويرها تصويرا بصريا.
ويجب أن أشير إلى أن دراسة الحساب إذا ما نتجت من حياة الطفل اليومية كشراء ما يحتاج إليه في يومه أو الأشغال كان عمله في الحساب أقل تجريدا وأقرب إليه من العمل الأخر.
وبعد أن عرفنا صدق هذا المبدأ وهو أن الأطفال يدركون المحسوسات، أما المجردات، أما المجردات فهي بعيدة عن إدراكهم ولابد من الوصول إليها أن نتوسل بوسائل أخرى. هذا مع العلم بأنه لا يتم ذلك إلا بعد بلوغ مرحلة من النضج الكافي.فعلينا إذا أن ننظر إلى المواد الدراسية التي تقدمها إلى الطفل بمقدار ما تستوعبها مداركه فلا نقدم له من المواد الدراسية إلا ما هو ملائم ومشوق وباعث على الاهتمام فعلى المعلم والحالة هذه أن يربط المواد بميول الأطفال النامية ولا حاجة لنا إلى تبسيط وتحديد هذا المبدأ السابق  الذي وصلنا إليه على مواد الدراسة بل نكتفي بذكر نماذج محدودة.
ففي الجغرافية مثلا إذا اتخذت هذه المادة وسيلة التعرف الطفل بالدنيا والحياة وربطت بالحياة اليومية للطفل بالدنيا والحياة وربطت بالحياة اليومية للطفل بدلا من جعلها مجرد حقائق تحفظ من الكتب ثم تسمع أصبحت الجغرافية قريبة من إدراك التلاميذ يميلون إليها ويهتمون بها.
وليذكر المعلم أن الأطفال يهتمون عادة بمظاهر الحياة البدائية وكيف يعيش الأطفال في البلاد الأخرى وكيف تصنع الملابس وتعد .وهم فوق ذلك يميلون بوجه خاص إلى السياحات والرحلات .
أما في التاريخ فان الإلمام بتطوير الأمم والشعوب من أكثر الموضوعات تشوقا وخاصة إذا ارتبطت تلك المعرفة بحياة الطفل في العصر الذي يعيش فيه. 
ودراسة التاريخ لكي تكون مشوقة مجدية يجب أن تبدأ من الناحية الفرية الخاصة إلى الناحية الاجتماعية العامة
أما في دروس الإنشاء فيجب أن نتناول هذا الموضوع من وجهة نظر الطفل. أن هذا الجانب من الجوانب التعليم في كثير من الأحوال عمل بغيض للأطفال و لكي نستطيع أن نبث الحياة فيه ونجعله شائقا له وذلك بان نجعله تعبيرا عن حياتهم الداخلية وليذكر كل معلم أن التلاميذ يغتبطون بالإفصاح عن أنفسهم بالكتابة أن كان ما يكتبون جزءا حقيقيا من حياتهم . وأن المعلم الذي يرى تلاميذه معرضين عن درس الإنشاء قليلي الاهتمام به هو في الواقع علة هذه الحالة وأقوال يجب أن تكون موضوعات الإنشاء في القسم في أساسها من نوع الموضوعات التي من طبيعة الأطفال أن يكتبوا فيها. فإذا فرضنا أن الضباب كان يغشى المدينة صباح يوم وقد صعب السير وكثرت حوادث الاصطدام فهذا موضوع يلذ للتلاميذ وصفه والكتابة عنه فيبدأ بعض التلاميذ في وصف ما شاهدوه أو ما حدث لهم ووصف الأشياء التي لفتت انتباههم بوجه خاص. كل هذا والمعلم يشجعهم على المضي في هذا الحديث والاسترسال في الوصف حتى إذا وصل التلاميذ إلى نقطة الاهتمام والميل إلى الموضوع ودت الحماسة ظاهرة طلب إليهم أن يكتب كل منهم على حدة. 
وفي درس الأشياء نقول مبدئيا أن كل طفل يحب الطبيعة، أن دروس الأشياء هي دروس على الأشياء وبواسطة الأشياء ذاتها وهذا يعنى ان درس الأشياء لا يجوز أن يعطي بدون أشياء . أن  الأطفال يبدون عندما يصبحون قادرين على الحركة والكلام اهتماما كبيرا فيما يرون حولهم من الأشياء وفيما يلاحظون في الطبيعة ويسألون عن كل ما تقع عليه أعينهم لأنهم يريدون أن يتعرفوا عن الحياة . على المحيط الذي يعيشون فيه. وفي الواقع أن كثيرا من حوادث الطبيعة تثير دهشة الطفل وانتباهه، فالشمس والمطر والهواء والبرق وفقاعة الصابون. والطائرة..كل هذا يثير في الطفل كلمة لماذا؟
 من الواجب على المشرفين على تربية الاطفال ان يدربوهم على الملاحظة المستمرة النافدة لما يحتكون به وبذلك يكتسب التلاميذ معلومات ثابتة الان ما يقرأ عنه الطفل لا يبقى طويلا في ذاكرته بقاء الشيء الذي يراه ويلاحظه ويفهمه.فالطريقة الصحيحة العامة تنحصر في الملاحظة والاختبار ولهذا يجب أن يكون التدريس حسيا تجريبيا.
وفي تدريس الرسم نقول أن الفن فعالة لها قيمتها الكبرى في حياة الفرد. والطفل فنان صغير يفتش عن الجمال ويكتشفه في الأشياء المألوفة حوله.
فهو يستخدمه منذ الروضة والقسم التحضيري كوسيلة للتعبير عما يشعر به ويفكر فيه أكثر من استعمال اللغة للغرض نفسه ولهذا كان الفن في هذه الأقسام وسلية أساسية لتعليمه سائر المواد الأخرى.
وينبغي ملاحظة الطبيعية بأشكالها الحية وألوانها الساحرة وينبغي أن ترسم وتفسر مباشرة .دون اللجوء إلى الهندسة والأشكال الهندسية. لهذا كانت الطريقة الحديثة في الرسم أن يوضع الشيء ذاته أمام التلاميذ كي يرسموه لا أن يرسم المعلم على السبورة صورة سابقة لينسخها التلاميذ. فالطبيعة بغناها وبوجودها اللامتناهية العديدة ينبغي أن تكون النموذج الأبدي الذي ينبغي أن يرسمه التلاميذ ويتعاملوا به.
بعد هذه الامثلة  الانفة الذكر التي بنيت كيف يجب أن تقرب المادة الدراسية من ادراك التلاميذ الصغار على أن نشير الى الاتجاه التربوي الحديث في الوسائل التي يأنس لها التلاميذ الانها تشوقهم لى ازالة التجريد في التعليم وعرضه بصورة محسوسة.
إن المربين الحديثين يؤكدون على الوسائل الإيضاح وأهميتها في التعليم، تلك الوسائل التي بلغت من العناية بها حدا كبيرا أصبح مجالة تنافس مراكز وسائل الإيضاح في كليات التربية وفي كل بقعة من بقاع العالم المتمدن.
وبالنظر إلى تعدد الوسائل الإيضاحية صنفها المربون إلى صنفين أساسيين هما:
أولا: وسائل الإيضاح النظرية أو اللفظية كما يدعوها البعض وتشمل الوصف وضرب الأمثلة والقصص وسرد أساسيين هما:
ثانيا: الوسائل الإيضاحية البصرية وتدعى بالوسائل المحسوسة أو الملموسة، ومن طبيعة هذه الوسائل أن تساعد الحواس الخمس المعروفة في تقوية المدركات الحسية وجعل تعليم الأطفال أكثر اتقانا وهذه الوسائل على نوعين :
النوع الأول: وهو ما يسمى بالوسائل البصرية في القسم ويشمل.
أ‌- الصور الفتغرافية والصور الفنية وصور الفانوس السحري والصور السينمائية المتحركة والثابتة.
ب‌- الخرائط والرسوم والخطوط البيانية والسبورات ولوحات الإعلانات ولوحات العرض الأخرى.
ت‌- الأشياء والنماذج كالكرة الأرضية ونماذج الطيور والجبال والأنهار.
ث‌- العرض التمثيلي بواسطة الروايات التمثيلية الصغيرة التي تمثل عادة قوم من الأقوام وأسلوب معيشتهم وتمثل الأزياء المختلفة عند أمة من الأمم أو عند أمم متعددة.
ج‌- المختبرات والتجارب العلمية واستخدام الإذاعة اللاسلكية.
 أما النوع الثاني من هذه الوسائل الإيضاحية البصرية فهو السفرات والرحلات المدرسية التي يقوم بها الطلبة بصحبة مدرسيهم إلى الحقول والأنهار والجبال والبحيرات والى المعامل والمؤسسات التجارية والمتاحف والمؤسسات الحكومية والبلدية والمدنية والمحلات العلمية والتاريخية وما شاكل ذلك.
والآن وأخيرا عرفنا أن الدارسات النفسية أثبتت قصور الأحداث عن إدراك الحقائق المجردة واستعانت التربية الحديثة بوسائل الإيضاح المناسبة وأن يحسن طريقة استعمالها لتؤدي الغاية المطلوبة . وعلى القائمين بتعليم وتقويم عقول ناشئتنا أن ينهجوا النهج القويم الذي قررته ورسمته حسب ما مر في الصفحات السابقة و إلا فويل للتلاميذ مما يعانون من مشقة وصعوبة ونفور وويل للمعلمين من شبح المجردات المرعب . أن لدى الطفل حواسا يتصل بها بالعالم الخارجي فعليهم أن ينموها التنمية الصحيحة ليجعلوا الطفل يحس بالإحساسات الصادقة.
أن الشخص الذي تنشده التربية هو الذي يجمع بين المعرفة بنوعيها اعني العقلية والعاطفية، ولكن كيف يصل إلى هذه المعرفة؟
من الطبيعي أن صل إليها عن طريق الحواس المختلفة التي هي بمثابة وسائل أو أدوات تساعد على بناء وتوطيد الصلة بينه وبين الوسط الذي يعيش فيه.
فعلى قدر صلاحية الحواس وكيفية استخدمها تكون معرفة الفرد وصلته بالبيئة. فإذا كانت هذه الصلة هزيلة ضعيفة كانت المعرفة كذلك، أما إذا كانت الصلة قوية مدعمة فان المعرفة تكون أيضا مدعمة.
وبما أن التربية ترمي إلى تقوية المعرفة عند الفرد حتى يتسنى له حسن الانسجام مع البيئة فالحواس وكيفية استخدمها من أهم النواحي التي يجب العناية بها.
والعناية بالحواس تنحصر في كيفية استخدمها إذ أن السواد الأعظم من الأفراد يستخدمون حواسهم استخدما ذاتيا. فهذا الفرد لا يستعمل يديه مثلا
إلا عند ما يلمس الفاكهة التي يود شراءها . بل أن استخدام أكثر الناس لحواسهم أصبح موقوفا على تحقيق المآرب الذاتية والمنافع الشخصية كما يقول الأستاذ "إدمان" في كتابه "العالم والفنون والفنانون".
حقا أن من وظائف الحواس تحقيق الرغبات الشخصية ولكن ذلك ليس كل وظائفها لان وظائف الحواس أكثر واعم من هذا.
فالعين إلى جانب كونها وسيلة تساعد صاحبها على أن يتجنب الخطر إذا رآه لها وظيفة في حد ذاتها وهي الرؤية، واليد وظيفتها اللمس، والأذن وظيفتها السمع. فإذا احترمنا الحواس ووظائفها على هذا النحو كان استخدمنا لها استخداما موضوعيا.
وفي الختام لا يدرك الأطفال إلا المحسوسات فيجب أن نقوي حواسهم وندبهم تدريبا سديدا وان نتوسل بالوسائل الإيضاحية للتغلب على المجردات ليفهم التلاميذ ما يقدم لهم بكل شوق ورغبة.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here