islamaumaroc

مدينة المحمدية الحديثة ومدينة المحمدية القديمة

  دعوة الحق

32 العدد

على بعد سبعين كيلومترا جنوب غربي الرباط عاصمة المغرب الإدارية، تقع مدينة صغيرة عرفت في تاريخ المغرب القديم تحت اسم فضالة، لكنها أمست اليوم تحمل اسم" المحمدية" وهي تستعد لمستقبل اقتصادي زاهر باستئثارها - من بين سائر المغرب- بأكبر معمل لإنتاج النفط وتكريره، تابع لشركة "سمير" المغربية الايطالية فماذا يمكن أن نعرف عن فضالة أو المحمدية الجديدة؟
إن المصادر التاريخية التي نتوفر عليها تتضافر على أنها من الأماكن القديمة، وأن ميناءها الحصين والمهم كذلك قصد منذ أيام بني مرين أي حوالي القرن الرابع عشر والخامس عشر الميلادي، فلقد حلت به على هذا التاريخ فئة من التجار المسيحيين الذين وردوا عليه من إيطاليا أي مدينة جنوة ومدينة فونيز، وردوا عليه عن طريق البحر الأبيض المتوسط، ونزلوا المرسى حيث استوردوا القمح والشعير وبعض الفواكه الجافة ( الزبيب والتين).
ويعتقد بعض المؤرخين الإفرنج أن هذا الميناء احتل من طرف بعض الدول الأوروبية بعيد ذلك أيام الغزو البرتغالي لبعض الشواطئ المغربية، وخاصة مدينة أنفا (الدار بيضاء) سنة 874( 1469/1470)، واستمر هذا الاستيلاء- يقول المصدر الإفرنجي- زهاء قرنين من الزمن، بيد أن الذي تؤكده الأصول التاريخية المغربية أن فضالة ظلت بعيدة عن كل استيلاء أجنبي، وكل ما في الأمر أن عاهل المغرب على ذلك العهد- ويتأكد لدي أنه من الوطاسيين- أذن لنفر من التجار بمباشرة نشاطهم الاقتصادي في مقابلة عوض، وأعطاهم الحرية في إقامة بعض البناء داخل القصبة العربية، ولعل في هذه الفترة تم تشييد البناية البرتغالية التي تحتفظ المدينة بأثرها إلى الآن. وفي القرن الحادي عشر الهجري (السابع الميلادي) جهز الميناء في بعض الظروف سفنا من أجل شن الغارات والقرصنة كذلك.
ولدى شهر رجب 1186(سبتمبر أكتوبر 1872) اتجهت أنظار السلطان سيدي محمد بن عبد الله إلى مدينة فضالة، ونحن نعلم سلفا طموح هذا العاهل لاستغلال خيرات البلاد، وهكذا نراه- بعد أن يزود المدينة بمسجد لإقامة الشعائر الدينية- يتجه إلى السوق التجاري ليشيد دكاكين فسيحة يزاول فيها التجار المسيحيون واليهود كذلك نشاطهم التجاري. ومن الوقوف على ميزانية الدولة على عهد هذا الملك العظيم نعرف أن الجبايا كانت تبلغ- من ميناء فضالة فقط- في هذه الأيام خمسة الألف وثمانمائة وثمانية وسبعين ريالا واثنين وثمانين جزءا. بيد أن هذا النشاط لم يلبث أن تقهقر موقتا بعد وفاة السلطان محمد الثالث هذا.. تلك هي فضالة بالأمس أو المحمدية العلوية، فماذا تكون المحمدية القديمة؟
لقد عنيت الوثائق التي تهتم بأمر النقود القديمة بتحديد الأماكن الجغرافية للمعامل التي ضربت فيها تلك النقود، وكانت هذه العناية دون شك باعثا لرجال البحث على تتبع الأمور على ما يجب، وقد كان مما أثار الانتباه في هذا الصدد وجود قطع نقدية أربعة تحمل جميعها اسم "المحمدية".
الأولى ترجع لتاريخ 1002 هجرية (1593/1594) وقد نقش عليها: "الحمد لله رب العالمين.ضرب المحمدية حاطها الله عام اثنين وألف. أبو العباس أحمد المنصور بالله".
والثانية ترجع لنفس التاريخ بيد أن بعض ما نقش عليها لا يتحد مع جميع ما نقش على الأولى، لقد كتب فيها: "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. بسم الله الرحمن الرحيم عبد الله الإمام أبو العباس أحمد المنصور بالله ابن الإمام أبي عبد الله محمد الشيخ المهدي بن الإمام القائم بأمر الله.
ضرب بحضرة محمدية حاطها الله عام اثنين وألف".
أما القطعة الثالثة فتحمل تاريخ 1006هجرية (1597/1598)، وقد نقش عليها ما يلي: "إنما يريد الله ...الآية. بسم الله الرحمن الرحيم. عبد الله الإمام أبو العباس أحمد المنصور بالله أمير المومنين ابن الإمام أبي عبد الله محمد الشيخ الخليفة ابن الإمام القائم بأمر الله الشريف الحسني. ضرب بالمحمدية حاطها الله عام ستة وألف".
وتحمل الرابعة رقما ضائعا بعد الألف، وقد نقش عليها ما يلي: (بسم الله الرحمن الرحيم. عبد الله الإمام أبو العباس أحمد المنصور بالله أمير المومنين ابن الإمام ابن عبد الله محمد الشيخ المهدي ابن الإمام القائم بأمر الله  الشريف الحسني. إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس، الآية .. ضرب بالمحمدية حاطها الله عام ...وألف)
فأين تقع "المحمدية" السعدية؟ لقد كانت هي بالذات مدينة تارودانت التي تقع جنوب الرباط على بعد خمسمائة وستة وأربعين كيلومترا، والتي ظلت نحوا من عشرين سنة عاصمة للسلطان محمد الشيخ مؤسس الدولة السعدية، ولقد أكد هذا علماء تارودانت بصفة لا تحتمل الشك، بل وإن كتب التاريخ تحتفظ برسالة مؤرخة في 11 ربيع الأول 1011 (فاتح سبتمبر1602) تنص على اسم الحضرة المحمدية التي يقصد بها- بكل تأكيد - مدينة تارودانت التي جعل منها المرينيون عاصمة لبلاد السوس، والتي عن طريقها عزز المغرب - في الماضي - صلاته التاريخية بممالك السودان.

 


  

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here