islamaumaroc

الإمام ابن عبد البر في بعض مواقفه وآرائه.-1-

  عبد القادر العافية

العدد 281 ربيع 1-ربيع2- جمادى1 1411/ أكتوبر-نونبر-دجنبر 1990

استطاع العرب بالأندلس أن ينشئوا حضارة إسلامية ذات صيت بعيد، وذات سمات متميزة تألقت لفترة طويلة من الزمن، ولفتت إليها أنظار الناس شرقا وغربا، وتجلت مظاهرها في مختلف مرافق الحياة : في العلم والفن والمعمار، والزراعة والصناعة، ونظم الحكم، وميادين السياسة... حيث نبغ بالأندلس مجموعة من العلماء والأدباء، والفنانين والمفكرين... في مختلف ضروب العلم والمعرفة... وأصبحت بلاد الأندلس مبعث إشعاع حضاري بدد كثيرا من ظلمات الجهل في أوربا، واستفادت من إشعاعه مناطق عديدة في إفريقيا وحوض البحر المتوسط، وفي سائر أنحاء المعمور.
والحضارة الأندلسية ارتكزت منذ البداية على أسس إسلامية، واقتبست من مبادئ الإسلام في تقديس المعرفة، وإشاعة الوعي الحضاري.
وتفانى أهل الأندلس في اقتناء الكتب واستنساخها وإقامة المكتبات، وتنافسوا في امتلاك المخطوطات، وأحسن المؤلفات... وضرب أهل قرطبة في ذلك الرقم القياسي، وتميز العالم في الأندلس بمكانته المرموقة، وحظي بالتبجيل والاحترام، ومثل العالِم أصدق تمثيل أهل الحل والعقد، بل كان في طليعتهم، وإليه المرجع في أمور الدين والسياسة، وعرف أمراء الأندلس قدر العلماء، ومكانتهم الاجتماعية، ومبلغ تأثيرهم في المجتمع، فأولوهم المكانة اللائقة بهم.
وظهر الفقهاء الرواد الذين تلقوا معارفهم بالأندلس، ثم تاقت نفوس كثير منهم إلى الرحلة إلى المشرق لتمتين الروابط العلمية، ووصل السند وإعلائه... حيث درس عدد منهم على الإمام مالك بن أنس، وعلى من في طبقته، ونقلوا موطأ مالك بالسند المتصل، ومن هؤلاء : الغازي بن قيس، وزياد بن عبد الرحمن شبطون، وعيسى بن دينار، ويحيى بن يحيى الليثي... وهؤلاء يعدون من كبار علماء الأندلس، وعرف يحيى بن يحيى الليثي بحكمته ورجاحة عقله، وغزارة علمه، وهو ممن أخذ عن مالك ابن أنس، والليث بن سعد، وعبد اله بن وهب، وغيرهم... وعاد يحيى إلى الأندلس واحتل بها مركز الصدارة، رغم امتناعه عن تولية المناصب.
وعلى يد هؤلاء وأمثالهم انتشر مذهب مالك بالأندلس وتحلى العلماء بكثير من أخلاقه وسماته، وشمائله... فأعطوا بذلك للعلم مكانته وقداسته في نفوس الأمراء، ونفوس الناس جميعا، وعرف تلامذة مالك كيف يقيمون لأنفسهم مكانة معنوية، وسياسية واجتماعية دون أن يثيروا شغبا، أو مخاوف الأمراء، وذلك لرجاحة عقولهم، وصدق نواياهم... وابن عبد البر الذي يساق إليه الحديث جاء في مرحلة ازدهار مكانة الفقهاء الكبار، عاش من القرن الخامس الهجري ثلاثا وستين سنة. وعرفت الأندلس خلال ثلثي هذه المدة فتنا، واضطرابات، إذ أخذ صرح الخلافة الأندلسية ينهار لتقوم على أنقاضه إمارات ملوك الطوائف، واكتوى ابن عبد البر بهذه الفتن، مما حمله على مغادرة مسقط رأسه قرطبة فلجأ إلى كثير من جهات الأندلس شرقا وغربا، لكنه خلال هذه الفترة الحالكة من تاريخ بلاده لم ينقطع عن التدريس والتأليف وبث أفكاره بين طلابه، وعشاق مجالسه...
وابن عبد البر أشاد به كل من ترجم له، حيث وصف بغزارة الإطلاع، وكثرة المؤلفات، وروعة المنهج، وبالتفوق في ميادين متعددة من ميادين المعرفة والعلم، مما جعل ابن حزم يفخر به أيما افتخار في رسالته في فضل أهل الأندلس.
وبإلقاء نظرة فاحصة على بعض مؤلفات ابن عبد البر نجد أن فكره يتسم بالاعتدال والهدوء والرصانة، ويلاحظ أنه يبتعد عن التطرف، وعن الآراء البعيدة عن الاعتدال والوسطية... فهو على تضلعه في العلوم وإطلاعه على كثير من المذاهب والآراء داخل الأندلس وخارجها يرى المتتبع لأفكاره وآرائه أنه يسير في الخط الرصين الواعي البعيد عن التطرف. فهو قد وصل إلى درجة الاجتهاد، ومع ذلك ظل وفيا لمذهب مالك، ومشيدا بالاتجاه المالكي، وإذا ما اجتهد وخرج عن هذا الاتجاه – وقليلا ما يكون ذلك – فإنه يعلل مذهبه تعليلا منطقيا هادئا من غير أن ينقص أو سفه أو يشنع... وهو في مناقشته لآراء الآخرين يناقش بصدق وموضوعية، باحثا عن الحقيقة وملتمسا الصواب... وسنلاحظ هذا بجلاء من خلال بعض النماذج التي سنتحدث عنها في هذا الموضوع، إذ هناك مواقف كثيرة تتجلى فيها اعتدالية ابن عبد البر ورجاحة فكره، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر : موقفه من القياس.
وموقفه من الحديث المرسل
وموقفه من خبر الواحد
وموقفه من أقوال العلماء بعضهم في بعض
وموقفه من الخلاف في صفات الله تعالى
وموقفه من التعامل مع السلطة، ورجال الدولة
وموقفه من التقليد
إلى غير ذلك من آرائه ومواقفه التي تطالع القارئ أثناء قراءته لمؤلفات ابن عبد البر، وبخاصة منها كتابه : "جامع بين العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله" الذي جعلت نماذج منه أساسا لهذا الموضوع. والمتتبع لكلام ابن عبد البر في هذا الكتاب يلاحظ أن مؤلفه وضعه لتوعية طلبة العلم وإرشادهم وتوجيههم إلى ما فيه سلامة الاعتقاد، وسلامة المنهاج في التدين والسلوك...
وهو بهذا الكتاب يضع بين يدي طلبة العلم دستورا يستفيدون منه، ومنهاجا يسيرون على منواله، وبخاصة فيما يتعلق ببعض قضايا أصول العقيدة، وأصول الفقه، فهو بعدما اطلع على الآراء والمذاهب والنحل المختلفة وأدرك مراميها، وما تدعو إليه... جعل من أهدافه في كتابه هذا : التوجيه والتنبيه، وإنارة الطريق أمام طالب العلم حتى لا تتخطفه الأهواء والنزعات... مستدلا بالآثار وعمل السلف الصالح، وعاملا على الأخذ بيد طالب العلم خشية عليه من الأفكار المتطرفة والآراء الزائغة... واختار له في هذا الكتاب ما يطمئن إليه قلبه وينشرح له فؤاده. ومن أجل ذلك فهو لا يترك فرصة إلا وحثه فيها على التدبر، وإتباع الطريق السوي، والحفاظ على الوسيطة والاعتدال.
وفي عصر ابن عبد البر سواء المشرق أو بالمغرب كانت سوق الجدل والمناظرات حامية الوطيس، ففي الأندلس ظهر ابن مسرة ت : 318 هـ بآرائه وأفكاره المتطرفة، ومن بعده ظهر ابن عيسى الإلبيري، وابن العريف، وابن قسي قائد حركة المريدين على عهد المرابطين... وهكذا ظهرت بعض الآراء التي لا تلتزم بالاعتدال، والتي تدعو إلى هذا المذهب أو ذال... فجاء "جامع بيان العلم" ليرسم معالم الطريق الصحيح وليحذر من الزيغ والانحراف، ويدعو إلى الاعتدال وسلوك المنهاج القويم... وإذا كان الغالب على الجزء الأول من الكتاب الإشادة بطلب العلم، وما يجب عليه من الجدية في العمل والمثابرة عليه، وما ينبغي له معرفته من قواعد العلم، وقواعد السلوك... إذا كان الأمر هكذا بالنسبة للجزء الأول فإن الجزء الثاني من الكتاب يعالج موضوعات لها قيمتها وأهميتها في حياة العالم، والفقيه، والمفتي، وفي حياة من ينصب نفسه للتدريس والاشتغال بقضايا العلم ومسائله...
وتناوُلُ ابن عبد البر للموضوعات التي جعلها محور الجزء الثاني يجعله في مصاف الدعاة المهتمين بقضايا عصرهم المذهبية والفكرية والثقافية... وبخاصة منها ما يتعلق بالجانب العلمي المحض، والعقدي الصرف، فهو ابتداء من الفصول الأخيرة من الجزء الأول في توجيه طالب العلم إلى ما يجعل سلوكه سلوكا نموذجيا في مجتمعه، وفي حياته الدراسية، فيحذره من طلب الرئاسة، والتنافس على المناصب، ويحذره م أن يكون طلب العلم من أجل الحصول على المال أو الجاه... ويأتي بالحديث : "صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس : الأمراء والفقهاء". 1/184.
ويحذر ابن عبد البر العالم من الخروج عن جادة الصواب فيقول : "باب في ذم العالم الفاجر، وذم طلب العلم للمباهاة في الدنيا" ويورد الحديث الآتي : "هلاك الأمة عالم فاجر، وعابد جاهل" وإن في جهنم أرحاء تدور على علماء السوء، ويذكر بأن العلم ينسى بسبب المعاصي، وأن هذا النور لا ينسجم مع الانحراف عن جادة الصواب، ولا مع الطمع والشره... وبعد ذلك يركز على جملة من التحذيرات والتوجيهات... فيذكر أنه لا يحل لأحد أن يقول في شيء أنه حلال أو حرام إ بنص كتاب أو سنة أو إجماع معتد به، أو قياس بشروطه، ويوجه طالب العلم بقوله "إن الصحابة أعلم بما اختلفوا فيه" وهذا مبدأ أصيل من مبادئ أهل السنة ينسحب على المسائل الفقهية والسياسية والمذهبية... ثم يقسم العلوم، ويعطي رأيه فيها، وما له الأولوية  والأسبقية منها، ومن هو الشخص الذي يستحق أن يطلق عليه اسم عالم حقيقة لا مجازا، ومن يجوز له أن يتقدم للفتيا ومن لا يجوز له ذلك، ويؤكد على أن من سئل عما لا يدري وجب عليه، وتحتم أن يقول : لا أدري، من غير تردد أو التواء...
وهكذا يسترسل ابن عبد البر في توجيه طالب العلم وإيقاظ همته وشحذ عزيمته وتحذيره من الوقوع في المزالق والانحرافات، إلى أن نصل معه إلى رأيه في القياس.

موقف ابن عبد البر من القياس :
عندما أراد أن يثبت مشروعية القياس عنون كلامه عنه بهذا العنوان : "اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة" وهو بهذا العنوان يعطي الخطوط الرئيسية للقياس عنده، ثم ينقل بسنده نصوصا حديثية، وآثارا مروية عن اجتهادات الصحابة والتابعين، وأئمة الفقهاء كمالك والشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم... ينقل هذه النصوص ليؤيد وجاهة استعمال القياس، وأنه لا غنى عنه باعتباره مصدرا من مصادر التشريع... ومعلوم أن الدراسات الأصولية المتعلقة بالقياس هي دراسات كثيرة ومتعددة قبل ابن عبد البر وبعده، ولكن الذي يهمنا هو نظرة ابن عبد البر لموضوع القياس حيث نراه يمزج أحيانا بين الطريقة الجدلية، وطريقة الاستدلال بالآثار، إلا أنه يعتمد بالدرجة الأولى على الآثار حيث يستعرض جملة من الأدلة على استعمال القياس، أدلة من الكتب والسنة وإجماع أئمة الأمصار المشهورين، وهذه الأدلة هي عمدته وحجته، ولا يستعمل الطريقة الجدلية إلا نادرا.
ويلاحظ الباحث أن القرن الخامس الهجري الذي عاش فيه ابن عبد البر – أو عاش معظمه على الأصح – نلاحظ أن هذا القرن نشطت فيه الدراسات الأصولية بالمشرق والمغرب على السواء، ففي شرق البلاد الإسلامية ظهر علماء كبار اشتغلوا بالأصول، وألفوا فيها كتبا نفيسة، مثل : أبي إسحاق إبراهيم الاسفراييني ت : 413 هـ بمؤلفه الجامع فيأصول الدين، ورسالته في أصول الفقه، وأبي علي الحسين الصيمري (ت : 436 هـ) مؤلف "مسائل الخلاف"، وأبي إسحاق الشيرازي مؤلف كتاب "الوصول إلى مسائل الأصول" أو ما يسمى كتاب " اللُّمَع" والمتوفى سنة 476 هـ وهو أحد شيوخ أبي حامد الغزالي (ت:505 هـ) صاحب كتاب "المستصفى" و "شفاء العليل في بيان مائل التعليل" وغيرهم كأبي الحسن علي بن عقيل : ت : 513 هـ صاحب كتاب "الجد على طريقة الفقهاء".
وكان قد ظهر في القرن الرابع الهجري (محمد بن علي القفال) الشافعي (ت : 335 هـ) الذي يعتبر مؤسس الكلام عن الجدل الأصولي.
وقبل هؤلاء كان قد ظهر ابن الراوندي (ت : 297هـ) صاحب المذهب العقدي المشهور، وأبو منصور محمد الماتريدي (ت : 333هـ) صاحب مذهب عقدي ينسب إليه، وله كتاب "مأخذ الشرائع" وكتاب "تأويلات أهل السنة.
هؤلاء جميعا اهتموا بالمباحث الأصولية في شرق البلاد الإسلامية وغربها واحتجوا على وجوب استعمال القياس، وبأنه لا غنى للفقيه عنه، وجادلوا نُفَاتَه وناقشوهم...
وتتميز جماعة الأصوليين في القرن الخامس الهجري بدقة مباحثها، وبطول نفسها في الجدل الأصولي. وبرز في هذا الميدان أبو إسحاق المشار إليه آنفا، وهو مؤلف كتاب "الوصول إلى مسائل الأصول" أو ما يسمى "باللمع" أو بشرح اللمع، وله كتاب "القياس" لم يعثر عليه لحد الآن، وأبو إسحاق هذا معاصر لكبار الأصوليين بالغرب الإسلامي مثل : أبي الوليد الباجي (ت : 474 هـ) صاحب كتاب "المنهاج في ترتيب الحجاج" و "إحكام الفصول في أحكام الأصول" وابن حزم القرطبي الظاهري (ت: 456 هـ) الذي توفي قبل صديقه وشيخه ابن عبد البر، وله كتاب : "الإحكام في أصول الأحكام" وكتاب "التقريب بحد المنطق وإبطال القياس" وله "مراتب الإجماع"... وأتى بعدهما ابن العربي المعارفي (ت: 543 هـ) صاحب كتاب "المحصول في علم الأصول" و "الإنصاف في مسائل الخلاف" وغيرها.
وكل هؤلاء تحدثوا ضمن مباحثهم الأصولية عن القياس، وباستثناء ابن حزم فهم جميعا يؤكدون أن القياس أصل من أصول التشريع، وردوا على نفاته ومنكريه...
وابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله" اهتم ببعض المباحث الأصولية، منها كلامه عن القياس الذي يسميه أحيانا "الاجتهاد" ومن ذلك قوله "الاجتهاد لا يكون إلا عن أصول يضاف إليها التحليل والتحريم، وإنه لا يجتهد إلا عالم بها، ومن أشكل عليه شيء لزمه الوقوف، ولم يجز له أن يحيل على الله قولا في دينه لا نظير له من أصل، ولا هو في معنى أصل – أي القياس – لا حلاف فيه بين أئمة الأمصار قديما وحديثا فنتدبره..." (جامع : 2 : 55).
وهكذا يعطينا ابن عبد البر رأيه في القياس الذي هو عنده لا يكون إلا على أصل، والذي لا يقوم به إلا عالم بالأصول أي بالنصوص الأصلية من الكتاب والسنة، ويقرر ابن عبد البر أن من أشكل عليه شيء، ولم يستطع أن يقوم بالقياس على وجهه الصحيح... من كان كذلك لزمه الوقوف ولا يجوز له بحال أن يحيل على الله تعالى قولا في دينه لا نظير له في أصل من أصول التشريع، ولا هو في معنى أصل...
ومن أهم الأدلة التي استند عليها ابن عبد البر : حديث أنس عن معاذ لما بعثه رسول الله (صلع) إلى اليمن، وأتى برواية أخرى لهذا الحديث عن المغيرة بن شعبة عن أصحاب معاذ من الصحابة، ومن أهل حمص... ثم أتى بخبر عن الشعبي عن شريح أن عمر بن الخطاب كتب إليه : "إذا أتاك أمر فاقض فيه بما في كتاب الله، فإن أتاك ما ليس في كتاب الله فاقض بما سن فيه رسول الله، فإن أتاك ما ليس في كتاب الله، ولم يسن فيه رسول الله، فاقض بما أجمع عليه الناس، فإن أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يسنه  رسول الله (صلع) ولم يتكلم فيه أحد، فأي الأمرين شئت فخذ به". وفي رواية "فإن شئت أن تجتهد رأيك فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر". وبعد ذلك يستمر ابن عبد البر في إيراد النصوص المؤيدة لاستعمال القياس، وينقل بسنده عن سعيد بن المسيب عن علي (ض) قال : قلت يا رسول الله الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن ولم تمض منك فيه سنة قال : اجمعوا له العالمين أو قال العابدين من المؤمنين : اجعلوه شورى بينكم، ولا تقطعوا فيه برأي واحد". 
لكن ابن عبد البر ضعف هذا الحديث، ثم قال : "وعن عمر أنه لقي رجلا فقال : لو كنت أنا لقضيت بكذا، فقال : ما يمنعك والأمر إليك؟ قال : لو أردك إلى كتاب الله أو سنة رسوله (صلع) لفعلت ولكني أردك إلى رأيي، والرأي مشترك". فلم ينقض ما فعله علي وزيد".
ثم بعدما أتى بمجموعة من النصوص، قال : "وهذا كثير لا يحصى"(1) وقال بعد ذلك : "هذا باب يتسع في القول جدا، وكأنه يشير بهذا إلى المؤلفات الأصولية التي ظهرت في هذه الفترة بالمشرق والمغرب، ثم يقول: "وجاء عن الصحابة رضي الله عنهم من اجتهاد الرأي بالقياس على الأصول عند عدمها ما يطول ذكره" ونقل ابن عبد البر عن المزني قوله : "الفقهاء من عصر رسول الله (صلع) إلى يومنا هذا وهلما جرا استعملوا القياس في الفقه في جميع الأحكام من أمر دينهم، وأجمعوا أن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، ف يجوز لأحد إنكار القياس لأنه التشبيه بالأمور، والتمثيل عليها..."(2)
ويعطي ابن عبد البر أمثلة فيقول : "ومن القياس المجمع عليه : صيد ما عدا الكلاب من الجوارح قياسا لقوله تعالى : <<وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله>>(المائدة/4)
وقال عز وجل : <<والذين يرمون المحصنات>> فدخل في ذلك المحصنون قياسا، وكذلك قوله تعالى في الإماء : <<فإذا أحصن>> فدخل في ذلك العبيد قياسا عند الجمهور إلا من شذ ممن لا يكاد يعد خلافـا، - وهو يشير هنا إلى داود الظاهري، وابن حزم –
ثم قال : "وأجمعوا على توريث البنات قياسا على الأختين، وهذا كثير جدا يطول الكتاب بذكره...".
ويلاحظ الدارس أن أكثر الأدلة التي استعملها ابن عبد البر مأخوذة من عمل الصحابة، والتابعين، وأئمة الفقهاء.
ويرد ابن عبد البر على داود الظاهري الذي يخالف الجمهور من أهل السنة في كون الربا يقتصر عنده فقط على ما جاء في الحديث : "البُر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والذهب بالذهب، والورق بالورق، والملح بالملح إلا مثلا بمثل، ويدا بيد" ولم يقص عليها الحمص، والعدس وكل ما يؤكل ويدخر.
يقول ابن عبد البر : "وأما داود فلم يقس على شيء من المذكورات الستة في الحديث غيرها، ثم يقول ابن عبد البر : ورد عليه العلماء هذا القول، وحكموا لكل شيء مذكور بما في معناه، وردوا على داود ما أصل بضروب من القول...(3) 
ثم ينقل الأدلة التي اعتمد عليها داود ويفندها،ولم يسم ابن حزم، وإنما عندما يذكر داود يقول : "ومن وافقه أو اتبعه... وابن عبد البر يرى أن داود قلد النظام، وبعض المعتزلة، ثم قال ابن عبد البر : وتكلم داود في إسناد حديث معاذ ورده ودفعه من أجل أنه عن أصحاب معاذ ولم يسلموا..." إلى آخر ما قال، ويجيب ابن عبد البر : بأن حديث معاذ صحيح مشهور، رواه الأئمة العدول وهو أصل في الاجتهاد والقياس على الأصول... ثم يقول : المذموم هو القياس على غير أصل، والقول في دين الله بالظن، وأما القياس على الأصول، والحكم للشيء بحكم نظيره. فهذا ما لا يختلف فيه أحد من السلف... وذكر أن أئمة فقهاء الأمصار كلهم قالوا بالاجتهاد واستعمال القياس فمن (أهل المدينة) سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر... ومن أهل (مكة) و (اليمن) عطاء، ومجاهد، وطاوس، وعكرمة، وعمرو بن دينار..." ومن (أهل الكوفة) علقمة، والأسود، وعبيدة، وشريح القاضي، ومسروق، ثم الشعبي... ومن (أهل البصرة) الحسن، وابن سيرين... ومن (أهل الشام) مكحول، وسليمان بن موسى، والأوزاعي... ومن (أهل مصر) يزيد بن أبي حبيب وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، وعبد الله بن وهب... وسائر أصحاب مالك : ابن القاسم، وأشهب، وابن عبد الحكم... إلى أن قال : ومن (أهل بغداد) وغيرهم : أبو ثور، وإسحاق بن راهوية، وأبو عبيدة القاسم بن سلام... إلى أن يقول : وعلى ذلك كان العلماء قديما وحديثا "عندما ينزل بهم" – وعندما ينول بهم – كلمة لها مدلولها عند ابن عبد البر، لأنه وقع الخلاف هل يقاس مطلقا، أو عندما تنزل النازلة، فذهبت طائفة من العلماء أنه لا يجوز القياس حتى يكون ما يوجب ذلك، وتنزل النازلة.
ثم يقول ابن عبد البر بعدما عدد أسماء مجموعة من كبار فقهاء الأمصار يقول : "كلهم على إجازة القياس حتى حدث إبراهيم بن يسار النظام، وقوم من المعتزلة سلكوا طريقه في نفس القياس، ونفي الاجتهاد في الأحكام. وخالفوا ما مضى عليه السلف... وتبعهم من أهل السنة على نفي القياس في الأحكام داود بن علي بن خلف الأصبهاني، ولكنه أثبت الدليل، وهو نوع واحد من القياس...
ويحتاط ابن عبد البر في حكمه على داود بأنه اتبع المعتزلة، فيقول : "وداود غير مخالف للجماعة وأهل السنة في الاعتقاد، والحكم بأخبار الآحاد..." أي إنما اتبع داود المعتزلة في هذه المسألة فقط التي هي نفي القياس في الأحكام.
فرأي ابن عبد البر في القياس هو رأي جماعة أهل السنة المتسم بالاعتدال، وبالإقتداء بالسلف من الصحابة والتابعين. وهو يشترط لصحة القياس – كسائر فقهاء الأمصار – أي يكون القياس على أصل، وبأن تكون العلة واضحة في الأصل، وفي الفرع المقيس عليه، ويشترط كذلك أن يكون القياس لما نزل من الأحداث لا أن يقاس لشيء لم ينزل بعد، ويرى أن القياس يكون على الأصل، وما في معناه، وهذا ما ذهب إليه جمهور المالكية حسبما أكده ابن رشد الكبير قائلا : إذا علم الحكم في الفرع صار أصلا، وجاز القياس عليه بعلة أخرى مستنبطة منه، إلى ما لا نهاية، ويؤكد ابن رشد أن هذا ما اتفق عليه مالك وأصحابه، لكن ليصير الفرع في معنى الأصل، لابد من اتحاد العلة في الفرع المقيس عليه، مع الأصل الأول الذي هو الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أما إذا كانت العلة مختلفة فالقياس باطل".(4)
فمن خلال كلام ابن عبد البر عن القياس يتجلى أنه يلتزم بموقف جمهور الفقهاء المالكية، وأنه يعيب على من ينفي القياس ويبطله، لأنه يرى أنه لا مناص من استعماله، ويرى أن باستعمال القياس سوف لا نقف جامدين أمام المنصوص بل نقيس عليها بعد معرفة علة الأحكام فيها. وبذلك تلتحق الأشباه والنظائر بعضها ببعض... ويتعجب ابن عبد البر ممن لم يدرك هذه الفوائد الجليلة للقياس، فيعيب على النظام ومن وافقه من أهل السنة في القول بنفي القياس.
وابن عبد البر ينظر إلى القياس باعتباره حلا ضروريا لا غنى عنه، ويبدو من خلال كلام ابن عبد البر، ومن رده بحرارة على منكري القياس أن مدرسة أهل الظاهر كانت تعمل على بث أفكارها ببلاد الأندلس... ولذا فابن عبد البر يحذر طلاب العلم من إتباع ما يخالف رأي جمهور جماعة أهل السنة، وبالقراءة المتأنية لكلامه في هذا الموضوع يدرك القارئ مدى أبعاد المعركة التي خاض غمارها كثير من جهابذة العلماء لرد الناس إلى الجماعة وإلى الفهم القويم في أمور الدين.

(1)  جامع بيان العلم : 2 : 55-59.
(2)  نفس المصدر.
(3)  جامع بيان العلم: 2 : 63.
(4)  المقدمات لابن رشد : 21-22.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here