islamaumaroc

برور محمد الخامس بأستاذه وإمام قصره

  أحمد مصطفى عاشور

العدد 280 محرم الحرام- صفر الخير 1411/ غشت- شتنبر 1990


منذ أرجع الفقيه العلامة القاضي النزيه(1) السيد الحاج محمد النصيري، إلى وظيفه(2) القديم، كمدرس بالقصر السلطاني، وإمام مسجده بالرباط،(3) وهو يعمل جادا ليتعرف على طبقات السكان، ويتودد إلى فضلاء العاصمة وأخيارها، عله يجد فيهم، ومن بينهم، من يستأنس به، في هذه الأرض الطيبة، التي أبت الأقدار الإلهية إلا أن يستقر بها، نهاية المطاف. هذا ويمكننا أن نتصور الأستاذ الإمام قد خرج صباح يوم من دار المخزن، وكان جمعة، بعد أن أنهى مهمته التربوية، فخطر بباله، وهو في الطريق، ن لا يقطع نهر أبي رقراق، على متن <البركاصة>(4) ليلتحق بمنزله في حي الحديقة بسلا، حتى يؤدي صلاة الفريضة برباط الفتح، وكان جامع أهل فاس أقرب المساجد إليه فقصده باكرا، عملا بوصية(5) الرسول (صلع) ولم يكن به ساعتئذ سوى بعض الشيوخ الموقرين، جلسوا هنا وهناك، يذكرون الله سرا، مستعينين بسبحاتهم، في أداء أورادهم، فانتهز الأستاذ الفرصة، فجدد وضوءه، وصلى ما وفقه الله له من نوافل، ثم اندمج بعد ذلك مع المؤمنين الذي شرعوا في كتاب تلاوة الله، متدبرا معاني الآيات، سابحا في فيض من الخشوع والخضوع، حركة مفاجئة، لفتت نظره قبيل وصول الجناب الشريف، ذلك أن مقصورة المسجد فتحت أبوابها فدخلها في تؤدة، رجل طويل القامة، شديد بياض الوجه والثياب، عليه سمة العلم والورع والوقار، وكان هو العلامة <الحاج محمد(6) عاشور> الإمام والخطيب السلطاني، ذلكم الإنسان الذي سمع عنه الشيء الحسن، وكان يتوق للاتصال به والتعرف عليه خصوصا، وانه قد سبق له أن ائتم به، واستمع إلى خطبتيه القصيرتين(7)الجامعتين البليغتين. فتأثر لوعظه وإرشاده، وأعجب بفصاحته وطريقة إلقائه. فرأى في ذلك اليوم، أن لا يبارح المسجد، إلا بعد أن يربط معه وشائج الأخوة، وأواصر المودة. فلما انتهت الصلاة، وتفرقت الجموع بقي الأستاذ الإمام قابعا في مكانه، يذكر الله كعادته(8) منتظرا خروج الإمام الخطيب. حتى إذا أقبل عليه، وقف الأستاذ وتقدم إليه في أناة وسكينة، وبش في وجهه، وحياه تحية إسلامية مباركة، فرد عليه صاحبه بمثلها، فتصافحا وتعارفا، وخرجا معا، وافترقا على موعد ضرباه بينهما. وكان من الطبيعي أن تنعقد بين الرجلين الكريمين لقاءات، وتتبادل آراء، وتتناقش موضوعات ونوازل، في رحاب دار المخزن، وعبر مكاتبها الفسيحة. ومع مرور الأيام، توطدت عرى الصداقة بينهما فأصبحا أخوين في الله، يجتمعان ويفترقان عليه، وكان تلقائيا أيضا أن يسر الأستاذ الإمام ذات يوم لصديقه، ببعض معاناته في الحياة، وبالخصوص إثر فقد رفيقة حياته زوجته الفاضلة، أم أولاده. فالتمس منه المساعدة ومد يد العون. وأعرب له صراحة عن رغبته، إذا كان ممكنا، مصاهرة بيت <الرشاي> الشهير بعاشور، الذي لا يخفى عليه حسبه ونسبه، وتراجم أعلامه الأفذاذ، ورجالاته السلفيين المصلحين، فوعده الإمام الخطيب خيرا، بعد أن أصغى إليه بسمعه(9) وقلبه، وتأثر لحاله، وعاهده حسب الاستطاعة على تحقيق أمنيته، وتلبية مطلبه. وهكذا كان... فقد <أنجز حر ما وعد>... مبرهنا ذلك عن وفائه وإخلاصه، فقد كانت له أخت نبيهة – بجانب إخوة وأخوات – تصغره بسنوات، دأب على تهذيبها وتوجيهها.(10) فلما بدا منها ما يسر ويبشر بالخير، جعل يستشيرها في بعض القضايا العائلية، والشؤون الهامة، وجلس إليها مرة بعدما انتهت عدتها، من ابن عم لها شقيق(11) وحدثها عن الصداقة التي ربطها مع العلامة النصيري، وأشاد لها بمكارمه وأخلاقه، وعلمه وجهاده في ميدان القضاء(12) وإعلاء كلمة الحق والعدل، والدفاع عن مكانة الدولة المغربية وهيبتها، ومقاومة تعسفات المراقبين المدنيين، وجشع الطغاة المعمرين،(13) وأذنا بهم المرتزقين، ولم يخف عنها في النهاية رغبة الأستاذ ورجاءه في مصاهرة الأسرة... وقبل أن يغادر الأخ الوقور مجلس أخته الحكيمة، ناشدها الله لتساعده على حل هذا المشكل، وتعالج أمره في جد وإيجابية. بل وتصوغ له جوابا ناجعا مرضيا. وقد خاطب الأخ أخته بهذه الطريقة، على ضوء الحديث النبوي الشريف الذي يبيح للثيب أن تعرب عن نفسها(14). وخلال يوم صحا طقسه، وأشرقت أنواره، وطابت نسائمه، وتعطرت أجواؤه، شاءت الأقدار الإلهية أن تزف المرأة المصونة بالله، أخت العلامة ج. محمد عاشور، عروسا على كتاب الله وسنة رسوله، إلى بعلها الفقيه المشارك ج. محمد النصيري بالضفة اليمنى، من نهر أبي رقراق، بمدينة سلا، الزاهية المغمورة بالخير والبركة والصلاح.(15) فشكر الأستاذ الإمام ربه على فضله واختياره، وحمده على نعمه وآلائه، وتقرب إليه آناء الليل وأطراف النهار، وقصد بيته الأصدقاء، القدماء منهم والجدد، مهنئين مباركين. داعين له وللأسرتين بدوام الصحة والسلامة. إلا أنه مع تعاقب الشهور وتوالي الأسابيع والأيام، حدث ما لم يكن بالحسبان. ذلك أن مرارة الغربة، حسب الظاهر لم يستطع أحد الاستمرار في احتمالها، وطول المسافة بين مقر العمل بالعاصمة ومدينة السكن، أضنت الأجساد، وكادت أن تدمي الأقدام، أما البعد عن تيار الأصهار، فقد ضاعف المحنة... فلم يسع الأستاذ الكريم، أمام كثرة النفقات – من جراء الذهاب والإياب والتنقلات – إلا أن يطالب الجهات المعنية بإمكان إسكانه برباط الجهاد والفتح. فقوبل ملتمسه بالترحاب والتنفيذ. وكان رحمه الله، لا يهمل طلبه، ولا يخيب له رجاء. وبعد استقراره نهائيا بالمشور السعيد، جوار مسجد أهل فاس، اشتهر صيته، وعم فضله، وشع في الأحياء علمه وصلاحه. فأقبل عليه طلاب العلم من كل حدب وصوب، متوددين له، مضاعفين لشخصه المتواضع التقدير والاحترام. وأصبح بذلك بيته الرحب كناد يلتقي فيه العلماء والفقهاء – وطلبة العلم الشريف، أولئك الذين كانوا يشكلون حلقاته العلمية بمسجد أهل فاس – تلك التي أصبح يعقدها، تطوعا فيفيد ويعلم، ويوجه ويرشد، حبا في تعميم المعرفة، ورغبة في تفقيه العباد وتنبيههم، الأمر الذي جعل الدروس النصيرية يبلغ صداها الطيب إلى الأوساط المعنية بالأمر(16) العتيقة. فتسارع بعض أبنائها إلى الانضمام إليها، والحضور فيها، للتحصل والاستفادة من معلوماتها. وكان من بين تلاميذها أولا أبناء العلامة النصيري الثلاث، السادة محمد وعبد السلام رحمهما الله، وابنه الأوسط أبو العباس، أحمد، ناظر الأحباس(17) سابقا، بمراكش الحمراء. وثانيا فقيها حيي تواركة العليا والسفلى. وثالثا أشخاص آخرون، كان من بينهم الحاج المعطي(18) عاشور وعمه الحاج عبد الحميد عاشور. وبالإضافة إلى نشاط العلامة النصيري المذكور – الذي كان يزاوله خارج دروسه بالقصر السلطاني – فقد كان أحيانا

في هذا الموقف الرهيب أتذكر فترة تاريخية عشتها بجانبك حينما تكالب علينا الاستعمار، مهددا لجلالتك متحديا لمهابتك يساومنا على أن نرضى بالدينة في وطننا ويراودنا على أن نرهن مصير الأمة في عبودية مستمرة مستعملا لذلك أنواع الوعيد... ومع ذلك لم يهن لنا عزم ولا ضعفت لنا قناة... إنك لا تزال أمامي يوم أن طوق القصر... وما زلت أتذكر وقد نظرت إليك نظرة إشفاق وأراك تبتسم مرددا : لا تحزن إن الله معنا>>.
                                                                           الحسن الثاني
                                                           (محمد الخامس - فكرة وعقيدة. ص 249)

ينزل إلى منزلة أصهاره بزقاق مسجد عطية، المحادي لزنقة القبة، بحي تحت (19) الحمام، وبعد تناول الغذاء، تنعقد تلقائيا ندوة علمية، تتطرق إلى كثير من المسائل والموضوعات، يساهم فيها الضيف الموقر، وصديقه الصدوق. فيستفيد منها الأبناء الحاضرون والسادة المدعوون. حتى إذا حل المساء، عاد الأستاذ الإمام إلى بيته الجديد بالمشور السعيد، مصحوبا بأبنائه، ومن بينهم صبي زوجته وابنه الروحي، وقد أولاه عناية خاصة، وأشرف على تربيته وإعداده وتوجيهه التوجيه الصالح، فكان يصحبه معه مرارا إلى مسجد القصر، ويجلسه أحيانا في حلقاته العلمية، رغم صغر سنه وعدم إدراكه، وذلك حسب رغبة والدته الحنون الواعية، ونظرتها البعيدة، وأفكارها البناءة، وأهدافها الصائبة، مخططة لذلك لفلذة كبدها، بمساعدة زوجها الإمام، النهج القويم، الذي يجب أن يسير عليه، إلى آخر نفس من حياته. كما كان أبناء الأستاذ وبناته، يعتبرون ولد زوجة والدهم كأخيهم، وواحد مهم، وينظرون إلى رفيقة حياة أبيهم، نظرة احترام ومحبة ووقار. مما دفع بالمرأة الصالحة، والأم الكريمة، أن تنزلهم بدورها سويداء قلبها، وتؤثرهم على نفسها، كما لو كانوا أبناء صلبها. 
والحقيقة أن العلامة النصيري، حين وفقه الله لاختيار كريمة المحدث أبي حفص ج. عمر بن محمد الرشاي عاشور، زوجة له، وسند عيشه ومحياه، بعد انتقال زوجته الأولى الفاسية الفاضلة، إلى جوار الله – كان على علم مسبقا بمكارمها ومحاسنها، وذلك حسب ما استخلصه من معاشرته لأخيها الإمام الخطيب. زد على ذلك أن <البلد الطيب يخرج نباته(20) بإذن ربه> والأصل تتبعه افروع.(21) يذكر بعض المؤرخين أمرين بارزين، الأول في حياة جد المرأة الصالحة، العلامة محمد – بفتح الميم- بن العربي الرشاي، قاضي الجماعة بمراكش ودفينها،(22) – ذلك الذي عرف بعلمه وورعه وزهده وصرامته في الأحكام، وتحريه الصواب(23) – انه حين توفي لم يوجد في ملكه رحمه الله، سوى خمس أوراق(24). والأمر البارز الثاني في ترجمة والدها أبي حفص عمر،(25) الذي اشتهر بتضلعه في الفقه والحديث والتصوف والكرم الحاتمي، أن المنية فاجأته وهو يطالع كتابا في الحديث،(26) كان دون ريب، يستعد لإلقاء درسه على طلبته ومريديه. ولقد علق صاحب <مجالس الانبساط>(27) على هذا الحدث بقوله : <سبحان الله! هذا مصداق قول النبي (صلع) : <يموت المرء على ما عاش عليه>. هذا وقد حيي الأستاذ النصيري رحمه الله ما شاء لـه برنه أن يحيا، وقضى أسامه في خدمة الدين والوطن والعرش، وميدان القضاء والعدل بين المواطنين، وفي مقاومة المستعمرين أيضا. ولم يشغله شاغل، ولا أغواه شيطان عن ذكر الله، حتى حينما ابتلي بداء السكري العضال، الذي نغص عليه صفو حياته وراحته، فصمد في وجهه بفضل الله، وبقي ثابتا إلى آخر نفس من حياته، مستعينا عليه بتلاوة(28) كتاب الله، وبترديد الأذكار النبوية وبتناول أيضا مادة <الحلبة>،(29) كعلاج شعبي تقليدي، وبآخر عصري. وكان أحد الأطباء الفرنسيين يقدم لـه الإسعافات الضرورية اللازمة. كما كان الطبيب الرباطي الشهير <عباس العوفيـر>(30) يعنى هو الآخر بصحته عن طري الأصهار، ويجد للتخفيف من مصابه، معتمدا في علاجاته لمرضاه، على تجاربه الخاصة، واجتهاداته الشخصية، ومعلوماته الجمة، التي استفادها وتلقاها من لدن عدة أطباء أحرار، اختاروا الإقامة في المغرب لممارسة أعمالهم الإنسانية، نظرا لما خص الله أرضه بطقس معتدل، وهواء نقي بليل، وامتيازات طبيعية أخرى قلما تتوفر عليها أصقاع وبلدان.
وحيث إن البيت النصيري كان يجتاز حالة استثنائية من جراء ما ألم بعميده العزيز، وفرد على أفراده كامل التجنيد والسهر على راحته، فإن ابن الزوجة الصالحة كان خلال هذا الظرف الكئيب، يمضي سحابة يومه في كتاب فقيه <تواركة التحتية>(31) وكان الإمام النصيري قد نقله إليه، ليستفيد أكثر من مؤهلاته الثقافية، ولا يعود منه إلا في المساء، ليجد الجميع ملتفا حول سرير الفقيه المبتلى.
كانت الزيارات الكريمة التي كان يتفضل بها <سيدي محمد بن يوسف> على شيخه الوقور، تترك أثرا حميدا في نفسه، وفي نفس الأسرة النصيرية، بل ويبلغ خبرها إلى علم <أهل المدينة> الأصهار الكرام، فيخفف من ألمهم، ويواسيهم فيما كانوا يعانونه بدورهم من جراء رؤية صهرهم المحترم طريح الفراش، وتمنى ابن الشيخ الروحي أن يحضر ولم مرة إحدى هذه الزيارات الثمينة، ليعاين ببصره ونفسه، ذلك السلطان المحبوب، صاحب الوجه الوضاء، والجلباب الحريرية البيضاء، الذي يستقبله أطفال كتابه، أثناء وقت قصير محدد، لا يتجاوز وبالأسف، سوى دقائق معدودات... وذات مساء، لم يتسن للأخ <محمد بن إبراهيم>(32) أن يرافقه إلى الكتاب، ليحميه في الطريق الطويل من الخطاطيف(*) التي كان يخشى طيرانها، وترهبه بتقلباتها ودورانها في الأجواء، فانزوى في غرفته القريبة من حجرة نوم المريض الموقر، ليستمع من نافذتها إلى كثير من الأحاديث، ويستعرض عدة وجوه وأشخاص من ذوي العمائم والجلاليب الصوفية الرفيعة، والبرانيس <البزيوية> كانوا يدخلون لعيادة الأستاذ مبتسمين، ويغادرون بيتهم وهم متأثرون. فلما أسدل الليل أستار ظلماته الحالكة على الوجوه، وضعت الزوجة الصالحة <لحافا>(33) حريريا مطرزا، تجاه فراش الفقيه الجليل، وأصدر <سيدي أحمد> نجله الأوسط أوامره للحارس ليلازم باب الدار في وقار، ولا يكاد هذا الأخير ينتصب في مكانه، حتى يفاجئه العاهل الكريم بدخوله في تواضع وهدوء وابتسام، يمشي على الأرض هونا، مفشيا السلام على كل من صادفه في طريقه، فإذا أخذ مكانه، أقبل الحاضرون على تقبيل راحته الشريفة، ثم شرع حينا في استفسار سيدي أحمد عن صحة الوالد، وعن مفعول آخر الأدوية التي أمر الطبيب بتناوله. في هذه اللحظات بالذات، ألقى الطفل من بعيد نظرته الخاطفة على العاهل العظيم، فتأكد لديه أنه حقا جلالة السلطان الذي يستقبله صبيان كتابه بألواحهم القرآنية، فجدد فيه نظرته، فبدا له بنفس الوجه الوسيم، ونفس الابتسامات التي تسر بها الأبصار، وتنشرح لها الصدور، وترتاح إليها الخواطر، وتطمئن إليها القلوب والنفوس. الهالة النورانية الملازمة لشخصه كانت ساعتئذ تحيط به وتشع من عينيه، وتنعكس على قسمات محياه، حتى الجلباب التي كان يرتديها هذا المساء، كانت تستمد نصاعتها من بياضه، ولمعانها من بريق عينيه، وأناقتها من رقته. ولم يفت الصغير أن يلمس أيضا أن لهجة الزائر المبجل المراكشية وأحاديثه العذبة، كانت عبارة عن أراجيز موسيقية، تمتع الأسماع، وتحرك النياط والأوتار، وتصل إلى أعمق الأعماق. وباختصار كل شيء في سيدي محمد الخامس، أوحى للناشئ بالثقة في الحياة، والإيمان بعظمة الله، والشعور بالطمأنينة، وخلال هذه الدقائق القليلة السعيدة من عمره، نسي، - وهو يتملى بالنظر إلى طلعة أمل الصغار ورجاء الكبار، والقائد المحنك – هموم جو الكتاب الجديد، و<فلقة>(34) الفقيه الضخمة، وسوطه(35) الجهنمي. وفي الوقت الذي كان أمير المؤمنين في حوار هادئ مع <سيدي أحمد> كان الفقيه يغط في نومه وبإلهام من المولى تعالى، يستيقظ، ويفتح عينيه قليلا قليلا، عند ذلك تخبره الزوجة الصالحة الساهرة في إخلاص على تمريضه، بالحضور المولوي، فيلتفت شيئا فشيئا نحو جلالته، ويهز إليه رأسه، مبتسما مرتاحا، وكأنه يعترف له بالجميل، ويشكره على ما يحيطه به من عطف وعناية وتوقير، ولكن السلطان المؤمن الرؤوف، يرفع كفيه إلى الله، مبتهلا إليه في خشوع، داعيا لأستاذه وإمام مسجد قصره بالرحمة واللطف، وكان الصبي المتتبع لهذه المواقف المؤثرة
يستعد للاندفاع نحو أمير المؤمنين، ليهوي أولا بالتقبيل على يده الشريفة، وثانيا، ليتلو على مسمعه الكريم بصوت منخفض، وبغنة مناسبة، قول الله تعالى : ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا)(*) ... ولكنه عند التنفيذ، تخور قواه، وتصطك ركبتاه، فيندس بين الكبار كحمامة صغيرة مغلوب على أمرها، ليكفي بلثم راحة الملك العظيم، دون أن يضيف شيئا، حامدا الله على ما حدث له. ثم يلوذ بالصمت التام، وفي نفسه ما الله به عليم. على أن طفلنا إن كان قد فشل أو على الأصح إن كان قد ارتبك في استقبال عاهله الممجد، بتصويت حصته القرآنية، فإنه من جهة أخرى، حظي من جلالته بنظرة صالحة، وابتسامة حلوة كبيرة، جعلتاه يرى الدنيا بالنسبة إليه، كأنها جنة النعيم. ويشعر بأنه أسعد مخلوق على وجه الكرة الأرضية. ثم يتصور ويتساءل بعد ذلك عما كان سيحدث له، لو غامر بمثل ما قرر أن يفعله في البداية، من غير أن يستأذن والدته الكريمة. كل ما في الأمر، كانت المرأة الصالحة، ستضطر لو حدث ذلك، إلى الاعتذار للملك الهمام، وتلتمس منه الدعاء لابنها الناشئ. بينما كان من المنتظر، أن يتعرض الجريء من طرف والدته إلى قرص لاذع، وربما إلى عقاب صارم، في اليوم التالي، على يد الفقيه الجديد، الله أعلم بخطورته وقساوته، ولكن مجودنا الصغير، بعد إخفاقه، تذكر وسر بما سمعه من كلام طيب، مفاده أن الله تعالى أراد به خيرا، حين سخره ليكون أنيس الأستاذ الإمام في  رواحه من المسجد، ورفيقه في تهجده، وملازما له في مجالس عليمه. وأن جميع المصلين متأثرون لتغيب إمامهم الراتب، مع طفله الهادئ الوديع.
واستمر سيدي محمد بن يوسف طيب الله ثراه، في بروره بأستاذه وشيخه، إلى أن التحق بجوار ربه (36) ولم ينس زوجته الصالحة وأبناءه البررة، وأصهاره الأخيار، فشملهم جميعا بعطفه وعنايته، وكلما استحضر صبي الأمس، روح والدته(37) الكريمة، ومربية العلامة ج. محمد النصيري رحمهما الله، إلا وتذكر من محمد الخامس،(38) العاهل المؤمن، قدس الله روحه، خلقه العظيم، وإكباره للعلماء، وتكريمه لشيوخ الوطنية الصادقة، واحتفاءه بالقضاء النزهاء، وتقديره للرجال الشجعان الأوفياء.
فرحم الله محمد الخامس الذي فتحنا أعيننا على رؤيته، وقلوبنا الفتية على محبته، وهتفنا كثيرا لبطولته في أيامه وأعياده وأمجاده، ومازلنا نقدره ونترحم عليه، كما نترح على أعز الأهل والأحباب. وندعو لخلفه جلالة الملك الحسن الثاني بالنصر والتأييد، والتوفيق في خدمته قضايا العروبة والإسلام، وحقوق الإنسانية جمعاء، في أصقاع المعمور.

(1)  قبيلة زعير قديما وحديثا، ج : ث. ص : 146 للأستاذ بنسودة المري.                                                                     
(2)  المصدر السابق ص : 174.
(3)  المصر السابق ص : 146
(4)  زورق عمومي ضخم وفسيح كان السكان يتنقلون عليه بين العدوتين وكان يسير بالبنزين، والكلمة مشتقة من اللغة الإسبانية.
(5)  في صحيح البخاري أحاديث كثيرة تتحدث عن فضل الجمعة والتبكير بها.
(6)  راجع في شأنه الاغتباط لأبي جندار ج : أ ص : 184، وأعلام الفكر المعاصر ج : ث ص : 160 للجراري.
(7)  أعلام الفكر المعاصر ج : ث للجراري ص : 161.
(8)  قبيلة زعير قديما وحديثا ج :ث ص : 147 لابن سودة المري.
(9)  وحلى من الخصال الحميدة التي يجب أن تتوفر في الإخوان والأصدقاء وقد أشار إلى ذلك أبو تمام بقوله :
وتراه يصغي للحديث بقلبه   *    ويسمعه ولعله أدرى به
(10)  بعد رحيل والدها العلامة أبي حفص ج. عمر الرشاوي عاشور.
(11)  هو والد كاتب السطور مصطفى بن عبد الله بن محمد الرشاني قاضي الجماعة بمراكش في عهد م. سليمان وم. عبد الرحمن رحمهم الله.
(12)  قبيلة زعير ج –ث ص : 147
(13)  نفس المصدر ونفس الصفحة.
(14)  وقد جاء في الحديث : البكر تستأمر وإذنها صماتها، والثيب تعرب عن نفسها.
(15)  صلاح رجالاتها الأبرار وفي طليعتهم القطبان الكبيران سيدي ج. أحمد بنعاشر، وسيدي عبد الله بن حسون رضي الله عنهم جميعا.
(16)  كان المستعمرون قديما يطلقون على المدينة المسورة تلك التي بنى جل منازلها وأحيائها أندلسيو الرباط، أما الأحياء التي كان يقطنها الأوربيون فكانوا يسمونها بالمدينة الأوربية أو المدينة الحديثة.
(17)  وكان مع السيد عبد الهادي الغربي يعملان في العهد البائد <بالإدارة الشريفة> ومن المتصلين بمحمد الخامس رحمه الله، ولازالا ولله الحمد  حيين يرزقان.
(18)  إمام مسجد باريس وخطيبه سابقا وهو ابن العلامة ج. محمد عاشور أما عمه فهو نجل أبي حفص العلامة ج. عمر.
(19)  أنجب هذا الحي رجالات في الفقه والأدب والتاريخ إلخ. راجع أعلام الفكر للمؤرخ عبد الله الجراري والاغتباط لأبي جندار والانبساط لدينية ورياض الجنة أو المدهش المطرب للعلامة المرحوم عبد الحفيظ الفاسي.
الدار الوحيدة التي كانت قريبة من باب جامع أهل فاس، قبل أن تطرأ عليه إصلاحات وتحسينات في عهد بطل التحرير سيدي محمد بن يوسف طيب الله ثراه
(20)  آية 58 من سورة الأعراف إلى قوله تعالى <يشكرون>.
(21)  كما قرر الأصوليون.
(22)  راجع ترجمة في الانبساط ج. أ للعلامة دينية ص : 167، والاغتباط للمؤرخ أبي جندار ج. أ. ص : 183.
(23)  نفس المصر.
(24)  الانبساط ج. أ. ص : 170
(25)  راجع ترجمة في الانبساط والاغتباط والأعلام.
(26)  الانبساط ج. 2 ص : 245.
(27)  المصدر السابق ص : 246.
(28)  مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم : <تداووا بالقرآن وبالمشي>
(29)  يذكر الطب أن الحلبة تحتوي على خمير يعين على امتصاص أصناف السكر.
(30)  كانت عيادته قرب روض الشريف سيدي عبد الكريم الوزاني الذي كان يعد من أندية الرباط الأدبية.
(31)  <الفقيه الحمار> وفقيه <تواركة الفوقية، السي لحسن رحمهما الله
(32)  ابن أخي الفقيه النصيري.
* كان يخشاها سائر الصبيان.
(33)  فراشا صغيرا ككرسي رفيع
(34)  الفلقة : عصا غليظة أثبت على جانبيها حبل متين لربط الأرجل، كان الفقهاء قديما يستعملونها وكذا الحكام لإرهاب الصغار والكبار وهي طريقة تتنافى مع كرامة الإنسان.
35  أو قضيب السفرجل.
*  آية 1 من سورة الفتح.
(36)   توفي العلامة النصيري سنة 1953 بالرباط.
(37)  التحقت بجوار الله سنة 1971.
(38)  والتحق بالرفيق الأعلى سنة 1961 وخلفه على العرش ولي عهده جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here