islamaumaroc

دراسة حول موضوع: دور الاجتهاد في مواكبة المستجدات بالنظر لمقاصد الشريعة الإسلامية

  محمد حمود

العدد 280 محرم الحرام- صفر الخير 1411/ غشت- شتنبر 1990

انطلاقا من هذا المحور أقسم دراستي لقسمين رئيسيين :

القسم الأول : مفهوم مقاصد الشريعة
لقد جاءت الشريعة الإسلامية رحمة للإنسانية ومنارا لها، تهديها الصراط المستقيم وتنير لها سبل الخير والعدل والحق المبين، ولأجل ذلك توجهت أحكامها وقواعدها التوجهات الثلاثة الآتية :
التوجه الأول : تربية الفرد حتى يستطيع أن يكون منبع خير للجماعة التي ينتمي إليها، وذلك بفضل العبادات التي يمارسها منذ بلوغه سن الرشد والتكليف كالصلاة والصوم والزكاة والحج، فهذه العبادات التي تطهر النفس وتسمو بها نحو الكمال الجسمي والروحي تخلق من الفرد عضوا نافعا لنفسه ولمجتمعه، كما تجعل منه عضوا منتميا لجماعة المسلمين يذود عن حماها ويذب عن أهدافها ومصالحها، إذ تربطه وإياها روابط الأخوة ووشائج القربى في العقيدة ووحدة الأهداف والآمال << إنما المؤمنون إخوة >>.
التوجه الثاني : إقامة العدل في الجماعة الإسلامية فيما بين أعضائها ومع غيرها من الجماعات، ومجال العدل هو القضاء والشهادات وجميع المعاملات.
واتجهت الشريعة للعدالة الاجتماعية فجعلت الناس متساوين أمام القانون والقضاء لا فرق بينهم من حيث مستواهم الاجتماعي والاقتصادي والعرقي، فالكل خاضع لقاعدة المساواة العامة << كلكم لآدم وآدم من تراب>>.
ولتحقيق العدالة الاجتماعية أوجب الله تكريم الإنسان وأتاح له فرصة العلم والعمل، كما أوجب مكافأة العامل على قدرة عمله وإنتاجه، وجعل الحقوق متكافئة مع الواجبات، سواء في ذلك النساء والرجال <<ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف >>.
التوجه الثالث : للشريعة الإسلامية والذي يبرز في جميع الأحكام الإسلامية هو المصلحة، ويراد بها المصلحة العامة لا الخاصة، كما يراد بها أيضا المصلحة الحقيقية والمتمثلة في المحافظة على الدين والنفس والمال والعقل والنسل، فبحفظ هذه الأمور الخمسة تتوفر للإنسان الحياة الكريمة ويجتمع له خير الدين والدنيا << ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا...>>.
فالدين يسمو بالإنسان عن درك الحيوان ويحرره من كل عبودية سوى عبادة الله، وقد حرصت الشريعة الإسلامية على ضمان حرية التدين ونهت عن الفتنة فيه، وشرعت مختلف العبادات حفظا للدين واستمراريته في الوجود والنفوس.
ويتمثل حفظ النفس في المحافظة على حق الحياة الكريمة وحمايتها من الاعتداء عليها بالقتل أو القذف أو الحد من نشاطها المادي والفكري، ولذلك ضمن الإسلام حرية العمل وحرية الفكر وحرية الإقامة وغيرها حتى يتمثل المسلم وجوده في مجتمع حر وكريم.
واعتبرت الشريعة حفظ العقل لدى المسلم واجبا أساسيا على الجماعة الإسلامية حتى لا يكون العقل المريض مصدر شر وأذى للناس والمجتمع، ولمنع هذه الآفة وحفظا لسلامة عقول الأفراد والجماعة منع الإسلام شرب الخمور وتناول المخدرات وكل ما يذهب بفاعلية الفكر السليم ووضع عقوبات صارمة على المخالفين.
وعملت الشريعة أيضا على المحافظة على النسل، لأن في حفظه ضمانا لاستمرار النوع الإنساني، فنظمت الأسرة ورابطة الزواج والحياة الزوجية ومنعت الاعتداء عليها بجميع الوسائل، كما نظمت المجتمع الإسلامي بشكل يتفق وهذه المصلحة العامة.
وأخيرا اعتبرت الشريعة من المصلحة العامة حفظ المال وصيانته ومنع الناس من الاعتداء عليه بالسرقة والغصب ونحوهما من أكل أموال الناس بالباطل وبغير حق، وفي هذا الصدد نظمت التعامل بين المسلمين على أساس العدل والرضا وتنمية المال بالطرق المشروعة وتوزيعه بين الناس توزيعا عادلا.
هذا وقد اتفقت الشرائع السماوية على حفظ هذه الأمور الخمسة، كما عملت القوانين الوضعية على تحقيقها، ولقد قال في ذلك الإمام الغزالي (المصطفى ج 1، ص 287) :
" إن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم، وأنفسهم وعقلهم ونسلهم، وحالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول الخمسة فهو مفسدة ودفعها مصلحة ".
وحسب رأي الإمام الغزالي فإن هذه المصالح على مراتب، وفي أعلى السلم مرتبة الضروريات وهي ما لا تتحقق المصلحة المذكورة إلا بها، مثلا فالضروري بالنسبة لحفظ النفس هو المحافظة على الحياة. والمرتبة الثانية مرتبة الحاجي وهو الذي لا يكون الحكم الشرعي فيه لحماية أصل من الأصول الخمسة بل يقصد به دفع المشقة أو الحرج كتحريم بيع الخمر لكيلا يسهل تناولها، وتحريم الصلاة في الأرض المغصوبة حتى لا يعتدى على مال الغير...
والمرتبة الثالثة مرتبة الكماليات وهي الأمور التي لا  تحقق أصل هذه المصالح ولا الاحتياط فيها ولكنها ترفع المهابة وتحفظ الكرامة وتحمي الأصول الخمسة. ومن ذلك بالنسبة للنفس حمايتها من الدعاوي الباطلة والسب وغير ذلك مما لا يمس أصل الحياة ولكن يمس كمالها ويثنيها، ومثال التحسيني بالنسبة للمحافظة على النسل تحريم خروج المرأة في الطرقات بزينتها في قوله تعالى : << وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهرمنها...>> ومن التحسينات التي تمس العقيدة بالنسبة لحفظ الدين منع الدعوات المنحرفة التي لا تمس أصل العقيدة ولكنها تخلق شكا في النفوس وبلبلة في الضمائر، وبالنسبة لحماية العقل منع المدمنين من الشرب العلني للخمر وبيعها في أوساط المسلمين.
إذن فمن البين أن المصالح متفاوتة من حيث قواعدها الكلية، فالضروري منها مقدم في الاعتبار على الحاجي، والكمالي متأخر عنهما).
وقد بحث الأصوليون في بيان التفاوت في الأحكام التكليفية بالنسبة للمصالح، ومن ذلك تقسيم عز الدين عبد السلام المصالح إلى ثلاثة أنواع :
النوع الأول : مصلحة أوجبها الله تعالى لعباده وهي منقسمة إلى الفاضل والأفضل، والمتوسط بينهما، وأفضل المصالح ما كان شريفا في نفسه رافعا لأقبح المفاسد، جالبا لأرجح المصالح، وهذا القسم واجب الفعل.
والنوع الثاني : ما ندب الشارع عباده إصلاحا لهم، وأعلى رتب الندب دون أدنى رتب مصالح الواجب.
والنوع الثالث : مصالح المباح. ذلك أن المباح لا يخلو من مصلحة أو دفع مفسدة، وتتميز مصالح المباح بأنها عاجلة بعضها أنفع وأكبر من بعض... ولا أجلا عليها.
وإذا كانت المصالح هي مقصد الأحكام التكليفية يلاحظ أن تكون مصلحة الفرد لها اعتبارها ولا تترك إلا إذا كانت معارضة لمصلحة معتبرة، ولهذا فقاعدة الضرورات تبيح المحظورات مقيدة بعدم المساس بحق الغير وبقيود أخرى مثل ارتكاب أخف الضررين.
ويلاحظ أن الإسلام في تكاليفه يأمر الناس بما يستطيعون القيام به حتى تستمر تعاليمه دونما مشقة أو حرج، ولهذا رفع الله الحرج بالرفض حتى يمكن الاستمرار << وما جعل عليكم في الدين من حرج >>، << يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر >>. وقد وردت أحاديث كثيرة في موضوع التيسير وتجنب التعسير، ومن بين هذه الأحاديث :
قال النبي صلى الله عليه وسلم : "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل".
قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط لكل ذي حق حقه".
وقوله صلى الله عليه وسلم : لن يشادّ أحد هذا الدين إلا غلبه، ولكن سددوا وقاربوا".
ومن هذا المنظور للمصالح ومقاصد الشريعة الإسلامية استمد فقهاء المسلمين قواعد كلية لتحقيق هذه المصالح وتيسير أسباب الطاعة وسبلها، ومن هذه الكليات: الضرر يزال، الضرر الخاص يحتمل في سبيل دفع الضرر العام، دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة، المشقة تجلب التيسير، ولهذا تكون معرفة مقاصد الشريعة ضرورية للاجتهاد في الأحكام الشرعية.

القسم الثاني : الاجتهاد ودوره في مواكبة المستجدات
أولا : التعريف بالاجتهاد والمجتهد
إن الاجتهاد في اللغة هو استفراغ الوسع لتحقيق أمر من الأمور مستلزم للكلفة والمشقة، وفي اصطلاح أصول الفقه " هو بذل الفقيه وسعه لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ".
والمجتهد هو الفقيه المستفرغ وسعه في تحصيل الحكم الشرعي، ولا يكون الفقيه مجتهدا لمجرد الدعوى أو الهوى وإنما يجب أن تتوفر فيه شروط لابد منها ليصل إلى درجة الاجتهاد وهذه الشروط هي كالتالي :
1) البلوغ والعقل
فيشترط في المجتهد المفتي إلى الأحكام الشرعية أن يكون بالغا عاقلا لأن الصبي وإن بلغ رتبة الاجتهاد وتيسر عليه إدراك الأحكام، إلا أنه لا ثقة بنظره فلابد من بلوغه حتى يعتمد قوله كما لا يعتد باجتهاد المجنون لأنه ليس له تمييز يهتدي به الصواب.
2) العدالة
كما يشترط في المجتهد أن يكون عدلا ثقة، إذن فالفاسق لا يعتد باجتهاده وإن أدرك الأحكام وعرف طرق الاستنباط.
3) فقه النفس
وهو الذي يصير الفقه سجية ملازمة له يستطيع بواسطتها استنباط الإحكام وإدراكها.
4) العلم بالقرآن
ويشترط في المجتهد أيضا أن يكون عالما بالقرآن لأنه هو عمود هذه الشريعة ومصدرها وأصل الأحكام كلها وأساس معرفة الحلال والحرام. ولا يكفي المجتهد أن يعرف من القرآن لغته ومعناه الإجمالي فحسب ب يجب عليه أن يحصل لنفسه علما حقيقيا يستطيع بواسطته تصور ونذكر آيات الأحكام.
وليس المراد أن يكون المجتهد حافظا لهذه الآيات بل المراد أن يكون عارفا بمواقعها ليرجع إليها عند الحاجة. وعدد هذه الآيات كما قال الغزالي وابن العربي هو خمسمائة، وذلك إذا كان المراد بالآيات التي تدل على الأحكام دلالة صريحة، وإلا فالآيات القرآنية التي يمكن استنباط الأحكام منها هي أكثر بكثير. ونظرة سريعة في كبت المفسرين المتبحرين تجعل الإنسان يكتشف العجب العجاب مما يحتويه القرآن.
ومن جملة ما يجب على المجتهد معرفته من القرآن :
أ- الناسخ والمنسوخ : فيعرف الآيات المنسوخة حتى لا يعمل بها والآيات الناسخة يمكنه استنباط الأحكام منها.
ب- العام والخاص : فيعرف الآيات العامة والآيات الخاصة، والعامة التي دخلها الخصوص، والعامة المراد بها الخصوص، ليحمل العام على الخاص بالشروط اللازمة لذلك.
ج- المطلق والمقيد : إذ عليه أن يعرف الآيات المطلقة والمقيدة ليتمكن من حمل المطلق على المقيد عند قيام دواعيه أو يبقي كلا منهما على ما هو عليه عند ?
عدم الدواعي.
د- أسباب النزول : وعلى المجتهد أيضا أن يكون على دراية بأسباب نزول القرآن إذ بذلك يتضح المراد من الآية ويقطع بدخول صورة السبب في الحكم ويمتنع تخصيصها.
5) العلم بالسنة
وعلى المجتهد أيضا أن يعرف بالسنة مثل ما يعرف من القرآن، ويكفيه الرجوع إلى الرجال المشهورين في هذا الفن ومصنفاتهم فيه، فيرجع إلى الأمهات الست وهي البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة وغير ذلك من السنن والجوامع والمصنفات والمسانيد، كسنن البيهقي والدارقطني وغيرهما. ولا يكفي المجتهد الاقتصار على سنن أبي داود أو الصحيحين فقط، لأن هذه الكتب وإن جمعت كثيرا من الأحاديث المتعلقة بالأحكام إلا أنها لم تستوعب كل الأحكام. وليس المراد بمعرفة السنة حفظ أحاديثها عن ظهر قلب بل المقصود الإشراف عليها والاطلاع على مراجعها.
ومما يجب على المجتهد معرفته في السنة ما يلي :
أ- الصحيح والضعيف : إذ يجب عليه أن يعرف الحديث الصحيح من الضعيف ليقدم الأول على الثاني  وينزل كل حديث منزلته.
ب- التاريخ والرجال : ويجب أن يعرف ما تمس الحاجة إليه من تاريخ وأحوال الرجال والرواة ليتوصل به إلى معرفة الصحيح من الضعيف والمقبول من المردود.
ج- أسباب الجرح والتعديل : ومن واجبه أيضا معرفة أسباب الجرح وأنواعه ومتى يقدم على التعديل حتى تتم له معرفة الصحيح من السقيم.
6) معرفة وسائل الإجماع
ويجب على المجتهد أن يكون عارفا بمسائل الإجماع حتى لا يفتي بخلافه ولا يكون خارقا له. ومواضع الإجماع هي أصول الفرائض وأصول المواريث والمحرمات التي جاء بها القرآن وجاءت بها السنة. ويجب على المجتهد أيضا أن يكون على بينة من اختلاف الفقهاء ويقارن بين الآراء فيعرف الصحيح وغير الصحيح، والقريب من الكتاب والسنة والبعيد عنها.
7) معرفة أصول الفقه
ويجب عليه أن يكون عارفا بأصول الفقه وكيف تمكن علماؤه من نصب الأدلة على مدلولاتها، ويتقي مباحث القياس وشرائطه المعتبرة وشرائط العلة الصحيحة ومسالكها وقواعدها ليسلم قياسه وتصح أحكامه.
8) معرفة اللغة العربية
كما يجب عليه أن يكون على علم باللغة العربية، لأن القرآن مصدر هذه الشريعة نزل بكتاب عربي والسنة كذلك، وقد حدد الغزالي القدر الذي تجب معرفته في العربية للمجتهد : " إنه القدر الذي يفهم به خطاب العرب عاداتهم في الاستعمال حتى نميز بين صريح الكلام وظاهره، ومجمله وحقيقته، ومجازه وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيده ونصه وفحواه، ولحنه ومفهومه ".

ثانيا : مواكبة الاجتهاد للمستجدات

من الملاحظ أن المجتمع الإسلامي منذ العصر النبوي حتى الآن يعرف، ولا يزال، تطورا متلاحقا ومستمرا كما يعرف تجديدا مذهلا في نظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولاشك أن النصوص التشريعية الأولى كانت ملبية لحاجيات عصرها ومجتمعها، إلا أنها كانت كذلك تحتوي على المبادئ العامة لبناء المجتمع الإسلامي على مر الحقب والقرون، ومن هنا بدت ضرورة الاجتهاد مما أدى إلى ظهور مدارس ومذاهب فقهية يتميز بعضها عن بعض بما سلكته من طرق وأدلة للاجتهاد، ومن هنا أيضا انطلق علم الأصول ليكون زاد المجتهدين ووسيلتهم لفهم مقاصد الشريعة الإسلامية وأسرارها. ولذلك إذا توفرت للفقيه المسلم اليوم معرفة مقاصد الشريعة وشروط المجتهد أمكنه أن يجتهد ويدلي برأيه فيما يعرض عليه من مستجدات العصر مما لا يوجد فيه نص صريح من الكتاب والسنة ولا إجماع.
أما القول بإغلاق بابا الاجتهاد فمتجاوز في عصر من أهم سماته التطور المتلاحق في كل مجالات الحياة، سيما وأن حكم الاجتهاد هو فرض عين على كل شخص قادر عليه متوفر على شروطه، وفرض كفاية على الأمة الإسلامية جمعاء حيث تعد أطرا كفأة ومؤهلة تأهيلا علميا رفيعا يخول لها ممارسة الاجتهاد وقد قامت المعاهد الإسلامية الكبرى في شرق العالم الإسلامي وغربه بإعداد العلماء المبرزين في علوم الشريعة الذي أمكنهم القيام بهذا الدور خير قيام، كما أنشئت مؤسسات قطرية وأخرى على صعيد العالم الإسلامي للقيام بالبحوث الإسلامية والاجتهاد في النوازل التي لم يسبق لعلمائنا الأولين أن أدلوا برأيهم فيها.
والمجتهد كإنسان قد يصيب وقد يخطئ، فإن اجتهد وأصاب فله أجران، وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد كما جاء في الأثر، وهذا دليل على تشجيع حركة الاجتهاد في العالم الإسلامي.
وقد يختلف المجتهدون في بعض الأحكام الشرعية العلمية اختلافا بينا، فهل يعتبر كل من الرأيين صوابا أو أن أحدهما صواب وثانيهما خطأ؟ اتخذ العلماء موقفين متعارضين، الأول يقول : إذا اتفق رأي المجتهد مع حكم الله تعالى في النازلة فهو مصيب، وإذا لم يتفق مع حكم الله كان مخطئا، والثاني يرى أن كلا الرأيين صواب.
وعلى أي حال، فلمواكبة الاجتهاد لمستجدات العصر لابد من التيقن من توافر شروطه لدى علمائنا المعاصرين، وهذا ما أكده الشيخ مصطفى المراغي شيخ الأزهر سابقا بالنسبة لبعض معاصريه إذ قال : " إن معظم الشروط تشتمل عليها ثلاثة فنون : الحديث واللغة وأصول الفقه، وقد جمع العلماء آيات الأحكام في غير ما كتاب، وجمعوا أحاديث الأحكام في غير ما كتاب، وجمعوا الناسخ والمنسوخ في غير ما كتاب، وأصبحت الأحكام مدونة في كتب الفقه وفي شروح الحديث وكتب التفسير إلى أن قال : ليس الاجتهاد ممكنا عقلا فقط، بل هو ممكن عادة، وطرقه أيسر مما كانت في الأزمنة الماضية، أيام كان يرحل المحدث إلى قطر آخر لرواية حديث، وأيام كان يرحل الرواة لرواية بيت من الشعر أو كلمة من كلمات اللغة. وقد توافرت مواد البحث في كل فرع من فروع العلوم : في التفسير، والحديث، والفقه، واللغة، والنحو، والمنطق، وجمع الحديث كله وميز صحيحه من فاسده وأصبحت هذه الفنون تضمها مكاتب للأفراد والحكومات في كل قطر من الأقطار الإسلامية. وهذا لم يكن ميسورا لأحد في العصور الأولى، ومذاهب الفقهاء جميعهم مدونة، وأدلتها معروفة، ويؤكد ذلك بقوله : " إن الزمن لم يغير خلقة الإنسان، فالعقول لم تضمر والطبيعة باقية في الإنسان كما كانت في العصور الماضية. وهاهم علماء الأمم يحدوهم الأمل إلى بلوغ أقصى ما يتصوره العقل البشري ويصلون إليه بجهدهم واجتهادهم ويصرح بعد ذلك : " بن في علماء المعاهد الدينية في مصر من توافرت فيهم شروط الاجتهاد ويحرم عليهم التقليد ".
كما أن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر أكد في قرار مؤتمره الأول المنعقد بالقاهرة بتاريخ مارس 1964 على ما يلي : " إن الكتاب الكريم والسنة النبوية هما المصدران الأساسيان للأحكام الشرعية، وإن الاجتهاد لاستنباط الأحكام منها حق لكل من استكمل شروط الاجتهاد المقررة، وإن السبيل لمراعاة المصالح ومواجهة الحوادث المتحددة هي أن يتخير من أحكام المذاهب الفقهية ما يفيد بذلك، فإن لم يكن في أحكامها ما يفي به كان الاجتهاد الجماعي المذهبي، فإن لم يف كان الاجتهاد الجماعي المطلق وينظم المجمع وسائل الوصول إلى الاجتهاد الجماعي بنوعيه ليؤخذ به عند الحاجة ".
ويرى الدكتور زكريا أن تنظيم الاجتهاد الجماعي في لعصر الحاضر يتطلب ما يلي :
1) أن يكون أمر تحديد الشروط التي يجب تحققها في المجتهدين واختيارهم من أهل الذكر والاختصاص والعلم، موكولا للدولة وولي الأمر مع العناية والدقة والتحرر في هذا الاختيار.
2) أن يكون بجانب المجتهدين مستشارون وخبراء من علوم الحياة وفنونها للرجوع إليهم في حدود اختصاصهم إذا اقتضى الأمر ذلك.
3) أن تقوم بذلك كل دولة إسلامية على انفراد، أو مجموعة من الدول تيسر تعاونها واجتماعها، في انتظار جمع شمل الأمة الإسلامية.  
4) أن يؤخذ عند اختلاف آراء المجاهدين برأي الأكثرية لأنه الأقرب إلى الصواب.
5) أن يأمر الحاكم الأعلى باتخاذ إجراءات تنفيذ هذا الرأي في المسائل الاجتماعية العامة حتى تكون له الصفة القانونية الملزمة، لأنه من المقرر في الشريعة الإسلامية أن حكم الحاكم تشريعا أو قضاء يرفع الخلاف بين العلماء.
والخلاصة أن الفقيه إذا توفر لـه فهم مقاصد الشريعة الإسلامية والمصالح التي يهدف إلى تحقيقها، وتوفرت فيه شروط المجتهد كما تطرق إليها علماء أصول الفقه، ونال ثقة الجماعة الإسلامية التي ينتمي إليها، أصبح مجتهدا وفتح باب الاجتهاد على مصراعيه أمامه، وبذلك يصبح دور الاجتهاد هو مواكبة المستجدات وملاحقة ما يعرفه المسلمون من تطورات في ميادين الاقتصاد والسياسة والاجتماع وشؤونهم العامة والخاصة، والله الموفق للصواب.

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here