islamaumaroc

خصائص النثر الفني عند الحاج محمد اباحنيني

  عبد الكبير العلوي المدغري

العدد 280 محرم الحرام- صفر الخير 1411/ غشت- شتنبر 1990


تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله، نظمت جمعية فاس سايس للتنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية ندوة حول : << المرحوم الحاج امحمد أبا حنيني، رجل الدولة والإبداع>> شارك فيها السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية ببحث قيم تحت عنوان <<خصائص الثر الفني عند الحاج امحمد أبا حنيني>> وفيما يلي النص الكامل لهذا البحث.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.
أقف اليوم لأتحدث عن خصائص النثر الفني عند الحاج امحمد أبا حنيني.
والنثر الفني هو الكتابة الأدبية الأنيقة المعبرة التي يهدف من ورائها الكاتب إلى نقل إحساس و معنى بطريقة فنية مع مراعاة مقتضيات الصنعة والقصد إلى الإبداع.
وهكذا يمكن القول بأنه ليس كل نثر يعتبر نثرا فنيا.
كما يمكن القول بأن النثر الفني وإن كانت له مقاييس علمية دقيقة فإن كونه تعبيرا وإبداعا لابد أن يؤدي إلى تفاوت في القيمة الأدبية واختلاف في الخصائص والمميزات، فأدب الجاحظ ليس هو أدب المعري، ونثر طه حسين ليس هو نثر حسن الزيات.
إلا أنه كثيرا ما يجتمع مجموعة من الأدباء تحت سمات معينة وملامح متشابهة وخصائص متقاربة فيكونون ما يسمى بالمدرسة الأدبية الواحدة، وتكون خصائص الأديب هي خصائص المدرسة الأدبية التي ينتمي إليها. وهكذا فمدرسة أبولو في الأدب العربي الحديث ليست هي مدرسة الديوان مثلا، ومدرسة الجاحظ في الأدب العربي القديم ليست هي مدرسة القاضي الفاضل، فهل يمكن اعتبار الحاج امحمد 
أبا حنيني من كتاب النثر الفني؟ وهل كان لنثره خصائص معينة ؟ وما هي المدرسة الفنية التي ينتمي إليها في النثر ؟
أما هل كان المرحوم الحاج امحمد أبا حنيني من كتاب النثر الفني؟ فيمكن القول بأنه كان من الأعلام الذين يعز نظيرهم في العالم العربي في هذا الفن بل أكاد أعتبره خاتمة الأعلام في هذا الباب. ولعل البعض يظن بي الميل إلى الإطراء والمبالغة فأبادر إلى القول بأن تساهل الناس في الكتابة وترخصهم في قواعد الصنعة واكتفاءهم بالأساليب الرائجة والعبارات الدارجة وجريهم وراء المعاني دون عناية بالمباني جعل سوق الكتابة الفنية الرفيعة في كساد، والمتعاطي لها ينعدم أو يكاد، والمهتم بها من القراء يقل، ومادتها تضمر وتضمحل، وأصبح صاحبها مثل صالح في ثمود، وزادت غربته واستفحلت عزلته بانشغال العلماء والأدباء بالمكاسب والدنيا رغم إعراضها عنهم وتعلقها بغيرهم، وعند فقدان الجمهور تكسد مادة الأدب وتبور. إلا أن الحاج امحمد أب حنيني رحمه الله استمر وفيا مخلصا لصنعته الأدبية ولكتابته المتأنقة، فكان لا يطمئن له بال بعد التهذيب والتشذيب والمراجعة والتقليب حتى يعيد انظر ثم يرجعه ثم يقلبه في ثنايا الجمل والألفاظ والحروف، بحثا عن الغاية والأناقة عن النهاية في البلاغة لا يكاد يهتم برواج البضاعة و كسادها، بل لا يلقي بالا لمستوى الجمهور، فحسبه أن يكتب كما يجب أن تكون الكتابة، وحسبه أن يبدع كما ينبغي أن يكون الإبداع، ولقد رأيناه يلقي خطبا أمام البرلمان بمناسبة مناقشة ميزانية وزارته، وهذا ظرف لا نحسبه وزيرا عاديا يذهب به الظن إلى أن المناسبة تستدعي نوعا من الإبداع الفني أو التأنق في الكلام، ومع ذلك نجد المرحوم الحاج امحمد أبا حنيني يأبى إلا أن يبقى وفيا لصنعته الأدبية فيخاطب البرلمان شاكيا ضعف الميزانية بقوله :
<< لو كانت الاعتمادات المرصودة لوزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية اعتمادات ضخمة طولا وعرضا لتجشمت الدفاع عنها ما وسعني الدفاع، ولألحت علي الحاجة إلى بسط المبررات والمسوغات، ولحاولت أن تفضي جهودي إلى الاقتناع والتسليم ولكنها اعتمادات من الضآلة والهزال بحيث لا تفتقر إلى دفاع يلتمس شد أزرها، ويهيب بالموافقة عليها دون مس بتعديل أو إضعاف بنقصان.
وما مثلها وهي ما هي عليه من نحافة ونحول إلا كمثل ذلك الشاعر المتيم العميد الذي يشكو الوهن والضمور، ويصف حاله بقوله :
ولـو أن مـا أبقيـت منـي معلـق       بعـود تمـام مـا تـأود عودهـا
ويوجه خطابا إلى المشاركين في الموسم الثقافي الأول لمدينة أصيلا 1978 فلا يتبدل موقفه ويبقى كالنبع الصافي الفياض الذي لا يتبدل بتبدل الفصول والمناسبات فيقول : في هذا الموقع الأخاذ، المستنيم إلى جلال البحر المحيط وجماله، المطمئن إلى لألائه وظلمائه، الباقي على تصرم الأيام بعد الأيام وتطاول الآماد بعد الآماد، تنبثق اليوم زهرة غضة ناضرة من تلك الأزهار التي ترمز إلى التعارف بين الناس على اختلاف طبائعهم، وتعدد مشاربهم وأجناسهم، وتوحي بأن هذا التلاقي حولها، وهذا التواصل على عبيرها مبعثها الأصيل وسببها الأثيل، ما يجذب فكرا إلى فكر، ويصل عقلا بعقل، ويربط شعورا بشعور، ويهفو بوجدان إلى وجدان.
وهذه الزهرة الغضة البهية التي يعتز وزير الدولة المكلف بالشؤون الثقافية بأن يشارك ولو من بعيد بالإعراب عن فرحه وتبريكه وأمله العريض جميع الذين وفدوا متطلعين إلى طلعتها، معجبين بالعمل الذي أفضى إلى انبعاثها وازدهارها، هذه الزهرة إن كانت اليوم في ميعة صباها وطراوة عودها، فإن النوايا التواقة، والإرادات المشرئبة ستتعهدها باتصال ما اتصلت الأيام والأعوام، بالعناية التي تستحيل بها الأرض المخصاب إلى حديقة زاهرة وجنة ألفاف "
وبنفس المستوى يحيي شاعرا من فطاحل الشعراء وأديبا من أعلام البيان بقوله : " وإذا كانت الأطواق هبة وحلية لأعناق الشاديات من ورق الحمائم فما كل مطوق صداح على فنن بحامل لبشرى ومشرع لمصراع الرجاء وواعد بالسكينة والاطمئنان ومساعد على الهموم والأشجان، أما الطوق الذي استحثه الشوق إلى وصالك وخف مبتهجا إلى عناقك فهو طوق شكر وحمد وتقدير، وإعجاب وتجلة وإخاء، وألفة بين الألاف والصحاب لم يسمك غفلا ولا حلاك عطلا بل صبا إليك وتعشق لقياك، وصيتك ذائع ونجمك متألق ساطع، وشدوك يتداول جرسه الأسماع والأصقاع وهديلك يوغل في أعماق الفكر والوجدان، ولغة القرآن في نشيدك وقصيدك برهان فوق برهان على ما يسر الله بها من خصب وثراء، واتساع لأدق المعاني وأحفل الخواطر والأفكار واستحقاق للبقاء والخلود " .
وبعد هذه النماذج المختصرة التي تبين منها مدى إخلاص المرحوم الحاج امحمد أبا حنيني لفن الكتابة، ومن مطالعتنا لما بين أيدينا من كتاباته يمكننا لمح الخصائص التي يمتاز بها فنه والملامح التي يتميز بها نثره، ويمكن اختصارها فيما يلي :
إنه ينسج على منوال النثر الفني العربي القديم فيختار الكلمات الفصيحة ويهتم بالجرس الموسيقي للكلمة والجملة، ويستعمل من أجل ذلك جميع الطرق التقليدية من سجع خفيف وجناس وطباق وغير ذلك، كما أنه يعتمد على حسن النظم لكلامه وهذا هو الأمر الذي يختلف فيه الأديب عن غيره، ويسمو به الكاتب المبدع فوق سواه. ذلك أن الكلمات العربية في متناول الجميع ميسورة متوفرة ولكن براعة البارعين تظهر في نظمها، وحدق الصانعين المبدعين يتجلى في تأليفها، ومقدرة المتفوقين تتألق في نسجها وصوغها، وبهذا يختلف كاتب عن كاتب في صناعة النثر كما يختلف صائغ عن صائغ في صناعة الحلي، وهم جميعا يشتغلون بذهب واحد لا يختلف طبيعة وجوده.
والحاج امحمد أبا حنيني في نثره مثل ذلك الرسام الذي يستعمل أدوات كثيرة في رسمه ويعتمد على التلوين المتنوع الخفيف حتى إن بعض الألوان رغم وجودها في أساس النسيج الفني للوحة لا تكاد تظهر إلا للعين البصيرة والنظرة الخبيرة، فعنده ألوان مقتبسة من القرآن الكريم في مثل قوله : " فليس هناك أيسر من الاعتصام بما يفيد التذكير ويدل على الاسترسال، وينم عن الواظبة، ولا أسلم من الاستواء على جودي الطريق المرسوم والخطة التي عجمت عودها الأيام وجلا محاسنها التجريب والاختبار ".
ففيه إشارة إلى قوله تعالى : << وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي >> هود 44، وقوله: (وتتابع تمجيدك لبطل التحرير وحامل لواء الاستقلال إلى أن وارته المنية عن العيون فعند ذلك فاضت نفسك عليه حسرات).
من قوله تعالى : << فلا تذهب نفسك عليهم حسرات >> فاطر 8 ص 58.
وعنده ألوان مقتبسة من الأمثال العربية في مثل قوله : " فأي مجال بعد هذا يستطيع أن يلجه الوزير المكلف بالشؤون الثقافية في هذه البلاد دون أن تسام بضاعته برد وإقصاء وتمنى بصد وهجران، ودون أن يسدى إليه النصح والإرشاد وأن ينتجع من بلاد الله لثمره أرضا يشط المزار بينها وبين أرض هجر " إشارة إلى المثل العربي " كحامل ثمر إلى هجر ".
وعنده ألوان مقتبسة من الشعر الذي كان ينزله على مواضع فيجيء وكأنما فيها قيل، وما ذلك إلا لغزارة محفوظه من الشعر ووفرة رصيده منه.
وعنده ألوان مقتبسة من فنون البلاغة والبيان والبديع كاد لا تخلو منها فقرة من كتابته، فخذ ما شئت من ضروب التشبيهات الجميلة والاستعارات اللطيفة والكنايات الشريفة والجناس الخفيف والسجع الأليف، ولو أسعفنا الوقت واتسع المجال لبسطنا القول في ذلك وشرحنا بتفصيل ما هنالك.
وباختصار فإن هذا الغنى في الألوان جعل لغة الحاج امحمد أبا حنيني سلسلة سهلة مطواعة قوية متينة رصينة، وزادتها براعة المداخل والمخارج تلطيفا غطى على ما في الإيجاز من ضيق، وجعلك تكتفي بالخطبة الوجيزة والكلمة القصيرة والمقال المختصر، وتشعر أن الكاتب أوفى بالمراد وبلغ الغاية في التعبير عما أراد.
وبعد هذه الجولة السريعة في رياض أدبه والنظرة الخاطفة على بديع إنتاجه أستسمحكم في طي العنان  للحديث عن المدرسة التي ينسب إليها وتربطه صلة الرحم والقرابة بأعلامها.
كان أستاذنا الحاج امحمد أبا حنيني رحمه الله شديد الإعجاب بأبي حيان التوحيدي،كثير القراءة لأدبه، وكان يتحدث عنه حديث الصديق الوفي عن صديقه.
وكان أبو حيان علي بن محمد بن العباس التوحيدي من أعلام الأدب العربي ببغداد في القرن الرابع الهجري متفننا في جميع العلوم من النحو واللغة والشعر والأدب والفقه والكلام.
ولقد كان تفوقه في العلوم وتبحره في المعارف سببا في تقربه من الأمراء والوزراء فصحب الرئيس ابن العميد وولده أبا الفتح والصاحب بن عباد والوزير ابن سعدان والكاتب البليغ أبا أسحق الصابي وغيرهم من الوزراء ومن في حكمهم من ذوي السلطان.
ولم يكن أبو حيان حسن الحظ بل كان بائسا فقيرا، ساخطا على الدنيا على الدنيا باكيا على حظه منها، ولم يرحمه أهل زمانه، فآذوه إذاية لا يصبر عليها أحد وقالوا فيه من الكذب والبهتان ما هو منه براء ورموه في دينه وكان معظم ذلك بتحريض من الصاحب بن عباد وأمثاله من الوزراء والرؤساء الذين أغراهم به كبرياؤه وإعجابه بنفسه وتنقيصه لغيره وما كان يتحدث به عن " أهل الدنيا وما يمرح فيه الجاهلون والمنقوصون ومن لا يساوي منهم شراك نعله، من الجاه العريض، والدنيا المقبلة، والحظ المواتي والسلطان الكبير، والنفوذ العظيم، ومقارنة ذلك بما هو عليه من البؤس والشقاء وشظف العيش، وتكفف الكريم، واستجداء البخيل ".
ولم يكن أبو حيان التوحيدي ضعيفا ولا جبانا فيستسلم، بل صمد في المواجهة بكل شجاعة، وجرد قلمه ليتفنن في وصف مساوئ خصومه، وخصوصا الصاحب بن عباد وابن العميد، وألف كتابه " مثالب الوزيرين " وأخذ يبحث عن آفاق في فن الكتابة لا تبلغها أجنحتهم ويحلق في سماوات لا ترتفع إليها أقدارهم قاصدا إلى الإعجاز والمبالغة فكان ذلك لا يزيدهم إلا حقدا عليه. ومازالوا به حتى أخملوا ذكره وغمروا اسمه حتى قال ياقوت : " ولم أر أحد من أهل العلم ذكره في كتاب ولا دمجه في ضمن خطاب وهذا من العجب العجاب ".
ويبلغ اليأس مداه بأبي حيان فيحرق كتبه ويعتزل الناس وتنطفئ تلك الشمعة البريئة بأفواه أهل الظلم والحسد، ولولا أن بعض كتبه انتقلت نسخ منها إلى جهات أخرى لما وصلنا شيء من تراثه.
ولعل القدر أراد أن ينصف أبا حيان بعد عشرة قرون على يد الوزير الأديب الحاج امحمد أبا حنيني الذي عرف قدر الرجل وأفرغ عليه من حبه وعطفه ما يعتبر عزاء لروحه.
وإذا كان بعض الناس من المنصفين لقبوا أبا حيان التوحيدي بالجاحظ الثاني، وإذا كان هذا يفيد أن مدرسة أبي حيان هي مدرسة أبي عمر بن بحر الحاحظ فإن لنا أن نقول : إن الحاج امحمد أبا حنيني لو تفرغ للأدب ولم تستنفذ طاقته أعباء الوزارة لرجونا أن يكون هو الجاحظ الثالث بلا منازع.
وبعد، فهذه إشارات إلى جانب مهم من جوانب شخصية أستاذنا المرحوم الحاج امحمد أبا حنيني، أرجو أن يلفت إليه طلاب الدراسات العليا بكلية الآداب على الخصوص، فيكتبوا عن أدب الفقيد العزيز وعن خصائص نثره الفني، وعن هذه المدرسة التي تبدأ بالجاحظ ومر بأبي حيان لتنتهي بالحاج امحمد أبا حنيني. وإن شعوبا أخرى لها أدباء لا يساوون شراك نعال بعض أدبائنا ويكتبون عنهم ويحاضرون ويقدمون الأطروحات والرسائل عن أدبهم، ويعقدون الندوات ومختلف اللقاءات للحديث عنهم. ونحن قلما تقع منا مبادرة مثل هذه المبادرة التي قامت بها جمعية فاس سايس مشكورة للتعبير عن وفائنا لأعلامنا ورجالاتنا والتعريف بأعمالهم والتنويه بأقدارهم.
لقد فقدنا أيها الأخوة في شخص الحاج امحمد أبا حنيني أديبا كبيرا من أدباء اللغة العربية، وإنني أقترح بهذه المناسبة إدراج نماذج من كتاباته ضمن النصوص الأدبية المقررة في مدارسنا واعتباره واحدا من أعلام الأدب العربي الحديث في المقررات الدراسية بكليات الآداب.
وفي الختام أوجه الشكر الجزيل لجمعية فاس سايس التي أتاحت لنا هذه الفرصة للتعبير عن وفائنا وحبنا لفقيدنا العزيز، وأهنئ رئيس الجمعية أخي وصديقي سيدي محمد القباج ورفاقه على نجاح هذا اللقاء وعلى جميع الأعمال الخيرة التي قامت بها هذه الجمعية في عدد من الميادين.
وأسأل الله تعالى أن يرحم تلك الروح الطيبة روح أستاذنا الحاج امحمد أبا حنيني وأن يجعلها في أعلى عليين مع أرواح الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here