islamaumaroc

رسول الإنسانية

  عبد القادر العافية

العدد 280 محرم الحرام- صفر الخير 1411/ غشت- شتنبر 1990

لعله ليس من قبيل المصادفة أن يختار الدكتور الأمريكي (مايكل هارت) سيدنا محمد (صلع) على رأس الخالدين المائة – لنه لا مجال للعاطفة عند أمثاله من علماء الغرب – وقد علل اختياره بقوله : << إن محمدا كان هو الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح في المجالين الديني والدنيوي، فقد أتم رسالته الدينية بنفسه ولم يتركها لغيره ليتممها، كما فعل المسيح مثلا، ولم يشاركه في إتمامها غيره، كما حدث مع موسى، ثم هو استطاع أن يحول رسالته الدينية إلى تنظيم اجتماعي تركه قائما ممثلا في دولة إسلامية لها كيان قوي تسهر عليه وتحميه، ولم يكن في فعله يتبع تنظيما مسبقا به كما فعل غيره، وإنما قد خلق تنظيمه خلقا...>> إلخ ما قال. إن مثل هذا الكلام لم يصدر عن الباحث الأمريكي إلا بعد قيامه بعملية استقراء واستقصاء لتاريخ الأمم والدول... وبعد تمعن ذكي فاحص توصل إلى النتيجة التي أعلنها للناس جميعا وهي : أن رسالة سيدنا محمد (صلع) تنفرد بمزايا لا توجد في غيرها من الرسالات السماوية والوضعية، والزعامات السياسية...>>.
ورب قائل يقول : <نحن المسلمين في غنى عن هذه التزكية من أجنبي لا يدين بديننا، وهنا نقول : شهادة الحق إذا جاءت على لسان غيرنا يكون وقعها أوقع على النفس.
ومهما يكن من أمر، فالذي لا جدال فيه هو أن سيدنا محمد (صلع) تميزت رسالته بمزايا لا حصر لها في مختلف جوانب الحياة وميادينها، وفي هذه العجالة نسلط الأضواء على بعض القضايا التي كانت قبل بعثته (صلع) غامضة، ومشوهة، مع أنها من صميم ما تجب معرفته ووضوح الرؤية فيه، فمن ذلك مثلا قضية التوحيد وهي قضية هامة، إذ التوحيد هو أساس العقيدة، والعقيدة عليها تنبني الطاعة والامتثال.... 
فالتوحيد قبل بعثة سيدنا محمد (صلع) كان قد أصيب بنكبة قاسية، حيث تلوث بأوهام الشرك، وخرافة تعدد الآلهة، كوثنية العرب في الجاهلية، ومجوسية الفرس، ووثنية هنا وهناك. وسادت مظاهر الشرك في مجتمعات ما قبل الإسلام، وتسرب الشرك لأتباع الدين السماوي، فالنصارى يقولون : <إن الله ثالث ثلاثة> ويقولون : < المسيح ابن الله>، واليهود يقولون : <عزير ابن الله> فالشرك قبل الإسلام كان سائدا بين أتباع الرسل وغيرهم، فجاء سيدنا محمد (صلع) بالتوحيد الخالص، التوحيد الذي أقرته الرسالات السماوية مع سيدنا آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى... عليهم السلام.
هذا التوحيد كان قد فقد مصداقيته وخبت جذوته في نفوس أتباع الدين السماوي فبالأحرى غيرهم.
ولذلك كانت بعثة سيدنا محمد (صلع) إحياء للإيمان بالله وتمجيدا لوحدانيته، وتعريفا بالتوحيد الحق فهو (صلع) باعث التوحيد ومعلمه، وجعل من ذلك وظيفته التي ثابر عليها وجاهد في سبيلها وواظب على أدائها... فبلغ التوحيد الحق للناس بلاغا ليس وراءه بلاغ، وبين لهم وحدة خالقهم ـجمل بيان، وكانوا قبل ذلك لا يعرفون التوحيد الحق، بل كل طائفة تنظر إلى الخالق والكون بمنظرها الخاص، وكان أتباع الأنبياء والمرسلين يكفر بعضهم بعضا.
ويعترف المنصفون من العلماء والباحثين بأن سيدنا محمدا (صلع) أحيى دين التوحيد الذي من أجله بعث الله أنبياءه ورسله، وبأن رسالته (صلع) تميزت بالدعوة إلى التوحيد الخالص وباستبعاد كل مظاهر الشرك والوثنية...
ويؤكد القرآن الكريم في غير ما آية على التوحيد، ومن ذلك قوله تعالى مخاطبا نبيه (صلع) <<فاعلم أنه لا إله إلا الله >> وأمره ربه عز وجل أن ينادي أهل الكتاب إلى التوحيد، قال تعالى : <<قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون >>.
وكأن الأنبياء والرسل يؤكدون لأقوامهم أن الله واحد وكلهم كان يخاطب قومه : <اعبدوا الله ما لكم من إله غيره> لكن ديانة التوحيد تلاشت في نفوس الناس، وكانت في أمس الحاجة إلى من يبعثها نقية صافية من كل شائبة زيغ أو انحراف...
فجاء سيدنا محمد (صلع) ليوحد الدين في أذهان الناس، وليشرح لهم معنى التوحيد وليقول لهم عن ربه عز وجل : << وما أرسلنا من قبل من رسول إلا يوحى إليه أنه  لا إله إلا أنا فاعبدون >>.
وليعلن لهم : << إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد... >> ويقول عز من قائل : << قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون >>.
ومن القضايا التي أوضحتها الرسالة المحمدية قضية وحدة الرسالات الإلهية وان الله تعالى هو باعث الأنبياء جميعا وإن إيمان المؤمن لا يتم إلا بالتصديق بالأنبياء والرسل كلهم.
قال تعالى : << آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله >>.
ومعلوم أن اليهود والنصارى لا يؤمنون بجميع الأنبياء، لقد كذب اليهود سيدنا عيسى عليه السلام   وكفر النصارى بما جاء به موسى عليه السلام.
فرسولنا محمد (صلع) أثبت للعالمين أن الرسل والأنبياء هم على دين واحد، هو دين التوحيد، وأنهم جميعا يهدفون إلى نشر رسالة الله بين الناس في الأرض، يقول تعالى : << شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه>>.
فنبي الإسلام وحد الدين في أذهان الناس، وبين لهم معنى النبوة والرسالة، لأن معنى النبي والرسول كان غامضا في أذهانهم.
وبين لهم أن الرسل والأنبياء كلهم على دين واحد وهو دين التوحيد، وعبادة الله وحده لا شريك له، إذا اختلفت الشرائع من نبي إلى نبي، فإن العقيدة واحدة، والتوحيد واحد، وجاء بعد الآية السالفة قوله تعالـى : << كبر على المشركين ما تدعوهم إليه، الله يجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه من ينيب... >>.
الذي يدعو إليه محمد (صلع) من وحدة الدين والعقيدة كبر على المشركين أن يتصوروه، ورأوه شيئا كبيرا، لأنهم لا يعترفون بوحدة الدين السماوي، ولم يدركوا أن الله تعالى يجتبي إليه من يشاء من الرسل، ويهدي إليه من ينيب، ويطيع من العباد.
ثم يقول تعالى : << وما تفرقوا إلا من بعدما جاءهم العلم >> أي أن أهل الكتاب تفرقوا على أنبيائهم، وكذب بعضهم بعضا من بعدما علموا أن الفرقة ضلال، ومن بعدما حذرهم أنبياؤهم من الفرقة، فكان هذا التفرق بغيا بينهم أي حسدا وطلبا للرئاسة، وسبب ذلك أنهم لم يدركوا حقيقة الرسالة الإلهية.
ثم يقول تعالى : << ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم >> أي لولا أن بعثتك يا محمد آيته لأهلكهم الله بسبب بغيهم، وعدم فهمهم لحقيقة النبوة والرسالة الإلهية.
ثم يقول تعالى : << وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب، فلذلك فادع، واستقم كما أمرت، ولا تتبع أهواءهم... >>.
<< الذين أورثوا الكتاب >> هم أهل الكتاب في عهد النبي (صلع) وهم في شك مريب من كتابهم، أي لا يؤمنون به حق الإيمان، حيث تعددت عندهم نصوصه، وكل نص يخالف الآخر.
فمعركة تثبيت الإيمان حامية الوطيس بين النبي (صلع) وبين المنكرين لتوحيد الحق، ولذا جاء التأكيد الإلهي يقول لرسوله الكريم : << فلذلك فادع، واستقم – على التوحيد – كما أمرت، ولا تتبع أهواءهم >>: أهواء أهل الكتاب وغيرهم من المشركين.
والقضية الثالثة :
رسولنا عليه الصلاة والسلام كما جاء بالتوحيد الخالص، وبالدعوة إلى الإيمان بسائر الأنبياء، لأنهم على منهج واحد من لدن آدم إلى سيدنا محمد (صلع) جاء بالمنظور الوحدوي إلى الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه.
لقد كان اليهود لا يصدقون إلا بما جاء في التوراة والنصارى لا يعترفون إلا بما كتبوه في أناجيلهم، وجاء سيدنا محمد (صلع) ليعلن أن الكتب المنزلة على الأنبياء كلها من عند الله، وأن الإيمان بها كالإيمان بالقرآن، فكما يكفر جاحد القرآن يكفر الجاحد بتلك الكتب.
وهذه الكتب بعضها مذكور في القرآن الكريم كالتوراة والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، والصحف الأولى... فالنظرة الإسلامية إلى الدين هي نظرة شمولية، قال تعالى مخاطبا نبيه : << وقل آمنتم بما أنزل الله من كتاب >>.
وفي حديث جبريل كان الجواب عن ماهية الإيمان : << أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله...>>.
فهذه النظرة إلى الكتب السماوية لم يعرفها المتدينون قبل سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.
والقضية الرابعة :
 وحدة أصل الإنسان، فالرسالة المحمدية تنظر إلى الإنسان نظرة سامية، وتقرر أن الإنسان في أصله واحد، وإن تباعدت به الأمكنة، وتباينت أفكاره وعقائده، وتعددت أجناسه وألوانه... يقول تعالى : << يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم >> وقال النبي (صلع) : << كلكم من آدم وآدم من تراب >>.
وبهذه النظرة إلى وحدة الإنسان تبطل دعاوي الذين يقولون : << إنهم شعب الله المختار >> أو من يقولون : إنهم يجري في عروقهم الدم الممتاز، وتبطل كل دعاوي الامتياز، والنخبوية المبنية على العرق والسلالة...
ونظرة الإسلام فيها تكريم له، وهي نظرة لم تكن سائدة قبل بعثة سيدنا محمد (صلع).
ويقرر الإسلام أن الإنسان هو أشرف المخلوقات أسجد الله له ملائكته، وجعله خليفة في الأرض، وحمله الأمانة الكبرى التي عجزت المخلوقات الأخرى عن حملها، يقول تعالى : << إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان >>.
فالملائكة المقربون لم ينالوا هذا المنصب الذي هو تحمل الأمانة، فالإنسان في الإسلام معزز مكرم، خلقه الله في أحسن تقويم، وزوده بمدارك ومؤهلات، وجاءت تعاليم سيدنا محمد (صلع) لتعلي من قدره، ولترقى به، ولتبث فيه الشعور والإحساس بقيمة الفضيلة، وعملت على غرس مكارم الأخلاق في نفسه ليكون جديرا بتحمل الرسالة الإنسانية، والأمانة العظمى.
فتعاليم سيدنا محمد (صلع) حررت الإنسان من عبادة غير الله، وحررته من الخرافات والخزعبلات، ومن التفاخر الكاذب والادعاءات المضحكة.
فاليهود يقولون : نحن أبناء الله وأحباؤه، وأهل الهند كانوا يزعمون : أن البراهمة ولدوا من فم الله، والراجبوت من عضده، والمنبوذون من رجله، والبون عندهم شاسع بين هذه الطبقات.
وكان الرومان يرون أن لهم وحدهم الحق في استعباد الناس واستخدامهم، وقسموا مجتمعهم إلى طبقات عالية، وطبقات سفلى، وإلى عزيزة وذليلة، ورفيعة ووضيعة... وعلى مثل هؤلاء يرد القرآن الكريم : << بل أنتم بشر ممن خلق >>.
ورسولنا (صلع) هو الذي أسى قاعدة المساواة بين الناس.
ومنه اقتبس الغرب ديمقراطيتهم الذين يتبجحون بها، فهو (صلع) يقول : << الناس كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي، ولا أبيض على أسود >> فأسلاف الغربيين من الإغريق والرومان قسموا الناس إلى عبيد وأحرار، وإلى من له الحق في المواطنة، وإلى من ليس له الحق فيها...!!
فجاءت تعاليم رسولنا محمد (صلع) تقول : لا فضل لأحد على أحد إلا بالعمل والتقوى، فالمواطنة الكريمة، والحياة الحرة مضمونة لكل واحد، ومدار قيمة الإنسان في الإسلام على ما يصدر منه من عمل صالح، وأخلاق فاضلة، قال تعالى : << إن أكرمكم عند الله أتقاكم >> وقال تعالى << ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون >>.
وبعدما ركز الإسلام على وحدة العقيدة ووحدة الدين وعلى وحدة الهدف من الرسالات السماوية، ووحدة المنهاج عند الأنبياء والرسل، ووحدة مصدر الكتب المنزلة من عند الله تعالى، ووحدة الأصل الإنساني، وأن كل إنسان مساو للآخر في إنسانيته... بعد أن ركز على هذه الدعائم، وأرسى قواعدها عمليا، وكان (صلع) هو الأسوة والقدوة، اهتم بقضايا الأخلاق والسلوك بين الناس، لأن الأخلاق الكريمة هي أساس التعايش بين الناس، وقد اعتنى الإسلام بهذا الجانب عناية كبيرة.

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here