islamaumaroc

صورة اعتناء الموحدين بسجلماسة مهد الشرفاء العلويين في عهد الخليفة المرتضي

  إدريس العلوي البلغيثي

العدد 280 محرم الحرام- صفر الخير 1411/ غشت- شتنبر 1990

تقع سجلماسة (1) في منطقة الواحات بتافيلالت، وهي أحد أبواب الصحراء(2) ومهد الشرفاء العلويين. أسسها مدرار بن عبد الله من الخوارج الصفرية(3) سنة 140 هـ/757 م، وأصبحت قاعدة للملك، ومركزا حضاريا هاما، يزخر بعدة مظاهر عمرانية، هذا فضلا عن مركزها الفلاحي والتجاري، فقد كانت غنية بثرواتها الفلاحية، كثيرة الفواكه، تربطها علاقات تجارية بالشرق والغرب المسيحي(4). وقد وصفها كثير من المؤرخين والرحال، وذكروا فضائلها ومفاخرها، وأخص بالذكر منهم ذا الوزارتين لسان الدين بن الخطيب، الذي قال في حقها في كتابه <معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار>(5) : <<تلك كورة(6)، وقاعدة مذكورة، ومدينة محمودة مشكورة، كانت ذات قديم، ودار ملك قديم، وبلد تبر وأديم، ومنمى تجر ومكسب عديم(7). معدن التمر، بحكمة صاحب الخلق والأمر، وتتعدد أنواعه فتعي الحساب، وتجم بها فوائده فتحسب الاقتناء والاكتساب، قد استدار بها – لحق السور – الأمر العجاب، والقطر الذي تحار في ساحته النجاب، فضب منه على عذارها الحجاب(8)، باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب(9)، يحيط بها مرحلة راكب، ويصيرها سماء مخضرة ذات كواكب، فمنازلها لا تنال بهوان، وفدنها ودمنها تحت صوان، ونخلها تطل من خلف الجدار، وتتبوأ الإيمان والدار، وحللها مبثوثة بين الدمن، وضياعها تتملك على مر الزمن، وسوائمها آلفة للسمن، موجودة بنزر الثمن. وفواكهها جميمة، ونعمها عميمة. وسورها حصين مشيد، وجسرها يعجز عن مثله معتصم ورشيد(10)، وسقيها بخص دار الملك بحظ معلوم، ويرجع إلى وال يكف كل مظلوم.
وهي أم البلدان، المجاورة لحدود السودان، فتقصدها – بالتبر – القوافل، وتهدي إلى محرابها النوافل، والرفاهية بها فاشية، والنشافي(11) الحلية ناشية(12). لكنها معركة غبار، وقتيل عقربها جبار(13)، ولباسها خامل، والجفاء بها شامل، والجو يسفر عن الوجه القطوب، والمطر معدود من الخطوب، لبناء جدرانها بالطوب، والقرع برؤوس هلها عابث، والعمش(14) في جفونهم لابث، والحصا يصيبهم، ويتوفر منهم نصيبهم>>.
إنه وصف دقيق حي لسجلماسة وأهلها في ماضيها وحاضرها، يعتمد على المشاهدة، والنظرة التاريخية، في قالب فني رفيع يعكس شخصية ابن الخطيب الأدبية الفذة.
وإذا كان هذا الوصف قد كتبه صاحبه في عصر المرينيين، أي بعد انقضاء عصر الموحدين – الذي هو بيت القصيد في هذا المقال – وأفول شمس دولتهم العظمى، فإنه ينطبق في معظمه، على ما قبله وما بعده : فقد كانت سجلماسة مركزا إشعاعيا في العصر المرابطي، وقاعدة عسكرية يستعين بها المرابطون في الحرب والمواجهة(15).
وبلغت سجلماسة شأوا عظيما في المجد والرفعة في العصر الموحدي، الذي يعتبر من أزهى عصور الفكر والأدب في مغرب الوحدة(16)، وخصوصا في عهد ولاية الأمير أبي الربيع سليمان(17)، حيث غدت كعبة يحج إليها أساطين الفكر وجهابذة اللغة والأدب، من كل حدب وصوب، للمشاركة في المجالس العلمية والأدبية التي كانت تنظم بحضرته، والتي كانت تجري فيها عدة مساجلات ومطارحات طريفة، يدلي فيها الأمير بدلوه، فبدت بذلك بعض حواضر الإسلام في المقام وذيوع الصيت، وكان كبار الإعلام الذين يردون على حضرته مسترفدين، يصدرون عنها وألسنتهم تلهج بالمدح والثناء(18).
وحسبه فخارا ما وصفه به جامع ديوانه محمد بن عبد الحق الغساني(19) : <<من حلي بمحاسنه عاطل الدهر، وفخر بجميل مناقبه وكريم ضرائبه لسان الزمان والعصر، الذي أحيى من العلوم ما كان مواتا، ونشر منه ما أعاده الإهمال رفاتا، وطلقه الناس بتاتا>>.
واستمر اعتناء الموحدين بحاضرة سجلماسة إلى نهاية مطاف دولتهم وفي أعسر الأوقات، وأصعب الظروف، حيث كانوا يجتازون دورة عصيبة بسبب ضعف نفوذهم السياسي في الداخل والخارج، وظهور تباشير دولة بني مرين في الأفق.
ولعل خير ما يمثل هذا الاعتناء المخاطبة الجمهورية التالية في تقديم عامل وناظر في المجبى بسجلماسة وما إليها، وهي مقتطفة من مجموع رسائل ديوانية مخطوطة(20) بالخزانة الحسنية العامرة بالرباط، ونصها(21) : 
<<إلى الأشياخ والأعيان والكافة من أهل سجلماسة وأعمالها وقبائلها وسائر من يرجه إليها – وأدام الله كرامتهم بتقواه، وأنام عيونهم قريرة في قرار الأمن ومثواه – وإنا كتبناه – كتب الله تعالى لكم إقبالا – على الشأن الذي يصلح أعمالكم وينجح آمالكم، واستقبالا على الخير الذي يسدد أحوالكم، ويهد جلالكم، والمحافظة من وظيفة دينكم، على ما يزلفكم لديه، وأن تعلموا أن أهم ما نجيل فيه الخاطر ونعمله، وآكد ما نواليه من النظر ونصله، هو ما يعود على البلاد وأهلها بالحماية، ويفي لها من إقامة المصالح بالكفاية، ونوفيها قسط التهمم بشؤونها والعناية، وإذا اشتركت الأقطار لدينا في هذا المذهب، وكنا لا تعدل في التوالي لمهامها وتوالي التعهد لخاصها وعامها عن هذا المهيع الأنجب، فلبلادكم منا مزيد تعهد وتفقد في كل الآناء، ولنا في تمهيد أرجائها وتأمين دهمائها قصد لا ينثنى عنها بحال عنان الاعتنان، وبموجب هذا القصد الذي في جوانبكم اعتمدناه، وبمقتضى إيثاركم بأحسن ما للرعايا نتولاه، ألقينا الآن بأزمة أموركم فيما يعود بالصلاح على خاصتكم وجمهوركم، لمن وثقنا بغنائه واكتفائه، واستنهنا إلى سداد مقاصده وانحائه، ووقف منا عليه الاختيار بمنصبه الذي بذ فيه كافة نظرائه، ذلكم فلان – وصل الله أثرته وميرته ووالي خطوته ومكانته – وهو السابق بذاته وسلفه في أشياخ هذا الأمر العلي، والميز في حزب التوحيد بالمحل السني والمكان الحظي، والذي لم يزل في خدمتنا سالكا على السنن السوي الجلي، وقد تلقى وصاياه لنا بتقوى الله في كل متصرفاته أجمل تلق، ووادعنا على أن يثني فيكم عن عدل ورفق، وأن يمشي مصالح كلها على ما للحق والشرع من وفق، وامرناه(22) وان يمهد بلادكم بما يعمله من عزم يحسم عنها الأدواء ويطهر بكم من اشتداد يمحق الغي والاعتداء، ويرهب بها كل من جانب الاعتدال والاستواء، حتى يرتدع عن الفساد من اعتاده، ويتدع في كنف الأمان من لزم من استقامته وسداده، ومن لج في ارتكاب هواه، وأطاع شيطانه فيما إليه استهواه، وتمادى في الإصرار على قبيح الآثار تمادي من أضله وأشقاه، فالسيف منح مريح، والشرع لسفك دمه مبيح، وبالشدة على أهل الشر تصلح أحوال الرعية وتحسن، وبكف العادية عنا تأمن وتسكن – بحول الله تعالى – وجعلنا له أن ينظر في أشغال المجبى – ثمره الله – مع من يتعين لها نظرا ضابطا لقليله وكثيره، عائدا بتوفيره وتثميره، وان لا يقع دونه انفراد فيه بتنفير أمر أو توقيفه، ولا يخرج عنه شيء إلا بعد مطالعته وتعريفه، والإذن منه في إخراجه بمقتضى المصلحة وتصريفه، فإذا وافاكم – بمعونة الله تعالى – فانقادوا إليه كل الانقياد، وتعاونوا على ما يتولاه في مصالح بلادكم ومنافعها من الإصدار والإيراد، ويديمه من الذب عنها لأهل الفساد والعناد، والحماية لها ن كل باغ وعاد، والتأمين لكل رائح عليها من أهلها وغاد... واقدروا قدر إيثارنا لكم منه بمن لا يعدل فيكم عن سديد قضاء وجميل مراد، ولا تزال محاولاته كلها فيكم واقعة منا موضع استحسان وإحماد إن شاء الله تعالى>>.
فالمخاطبة في الأصل رسالة ديوانية، موضوعها تعيين عامل وناظر في المجبى بإقليم سجلماسة، وهي عارية من اسم المرسل، والعامل المعين، والتاريخ، وكل ما ورد ذكره بها هو اسم المرسل إليهم، وهم : <الأشياخ والعيان والكافة من هل سجلماسة وأعمالها وقبائلها وسائر من يرجه إليها>.
وبعملية البحث في <مجموع الرسائل> السابق الذكر، اتضح أن الرسالة صادرة عن الخليفة المرتضـى(23) من حضرة مراكش، بيراع كاتبه أبي الحسن الرعينى(24).
وبالرجوع إلى المصادر التاريخية نجد أن العمال الذين تقلدوا شؤون سجلماسة في خلافة المرتضى هم : الشيخ أبو محمد عبد الحق الجنفيسي، والقطرائي، والفقيه القاضي أبو عمر بن حجاج.
فأيهم المقصود بالتعيين في هذه المخاطبة؟ الغالب على الظن نه أولهم : الشيخ أبو محمد عبد الحق الجنفيسي، الذي قدمه الخليفة المرتضى على سجلماسة و<أسند له أمرها وأمر درعة وغيرها>(25).
ولعل ما ورد في الرسالة عن سجلماسة : <أعمالها وقبائلها وسائر من يرجع إليها> وعن أوصاف العامل المعين : <وهو السابق بذاته وسلفه في أشياخ هذا الأمر العلي، والمتميز في حزب التوحيد بالمحل السني السوي الجلي> ينطبق تماما على العامل المذكور.
وبتمعننا في الرسالة نجد أنها تتضمن صراحة اعتناء الخليفة المرتضى بسجلماسة وشؤونها الخاصة والعامة. ويتجلى ذلك في المظاهر التالية :
1- مخاطبة الأشياخ والأعيان والكافة وأهل سجلماسة : < وأن تعلموا أن أهم ما نجيل فيه الخاطر ونعمله وآكد ما نواليه من النظر وفصله هو ما يعود على البلاد وأهلها بالحماية ويفي لها من إقامة المصالح بالكفاية، ونوفيها قسط التهمم بشؤونها والعناية>،  ومثله أيضا : <فلبلادكم منا مزيد تعهد وتفقد في كل الآناء، ولنا في تمهيد أرجائها وتأمين دهمائها(26) قصد لا ينثني عنها بحال عنان(27) الاعتناء>.
2- الإخبار بتعيين العامل الجديد : < ألقينا الآن بأزمة أموركم فيما يعود بالصلاح على خاصتكم وجمهوركم>.
3- وصايا الخليفة له : <وان يمشي مصالحكم كلها على ما للحق والشرع من وفق>.
4- الأوامر الموجهة إليه : <أن يمهد بلادكم بما يعمله من عزم يحسم عنها الأدواء>.
5- إبعاد المتمادين في الضلالة والظلم : < وبالشدة على أهل الشر تصلح أحوال الرعية وتحسن، وبكف العادية(28) عنها تأمن وتسكن>.
6- النظر في شؤون المجبى(29) ومراقبته : <والإذن منه(30) في إخراجه بمقتضى المصلحة وتصريفه>>.
7- التوصية بالعامل خيرا : <وتعاونوا معه على ما يتولاه في مصالح بلادكم، ومنافعها من الإصدار والإيراد، ويديمه من الذب(31) عنها لأهل الفساد والعناد، والحماية لها من كل باغ وعاد، والتأمين لكل رائج عليها من أهلها وغاد>.
يبين لنا من كل هذه المظاهر، وبكل وضوح، اعتناء الخليفة الموحد المرتضى بشؤون سجلماسة الاجتماعية والاقتصادية، والذي خول للعامل الجديد سلطة واسعة شملت معظم مصالحها، وامتدت إلى درعة(32)، ومنح للولاية نوعا من الحكم اللامركزي.
وقد خالف الخليفة المرتضى، كأسلافه على الآصرة الروحية التي طالما ربطت بين الحاكم والمحكومين، والتي تقوم على مبدأي العدل والطاعة : عدل الخليفة ورفقه برعيته وتعهد مصالحكم الخاصة والعامة، وامتثال الرعية وطاعتها للخليفة.
وتظل ظاهرة اعتناء الخليفة المرتضى بسجلماسة صورة مصغرة عن اعتناء الخلافة الموحدية بها. وسيستمر ذلك في عهد المرينيين الذي صادف مقام جد الشرفاء العلويين المولى الحسن الداخل بن القاسم بن محمد(33) في أحضانها، وكان قد قدم إليها في حدود سنة 664 هـ/1265 م، واستقر بها إلى أن توفي إلى رحمة ربه سنة 676 هـ/1277 م.
وسيمتد هذا الاعتناء إلى عهد انبلاج الدولة العلوية الشريفة، حيث بلغت ذروة مجدها بفضل تعهد ملوكها الأماجد لشؤونها الخاصة والعامة.

1)  هي الريصاني حاليا، تبعد عن أرفود بحوالي 21 كلم، والراشدية 74 كلم، وعن الرباط بحوالي 556 كلم.
2)  الأستاذ عبد العزيز بن عبد الله، معلمة الصحراء، ملحق 1، ص : 62.
3)  عبد الرحمان بن خلدون تاريخه : ج : 6، ص : 267.
4) ذ. عبد العزيز بن عبد الله، معطيات الحضارة المغربية، ج 2، ص : 55.
5)  تحقيق : الدكتور محمد كمال شبانة، ص : 180-181.
6)  كورة :  مدينة وصقع، والجمع : كور.
7)  أي لا نظير له.
8)  كتابة عن السور المحيط بالمدينة، والذي قيل إن طوله أربعون ميلا.
9)  اقتباس من قول الله تعالى : <يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا، انظرونا نقتبس من نوركم، قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا، فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب> سورة الحديد أية 13.
10)  من أشهر خلفاء بني العباس : حكم هارون الرشيد (170/193 هـ)، والمعتصم (218/227 هـ) وهو يبالغ في تعظيم شأن الجسر المؤدي إلى المدينة.
11)  النشافي الحلية : الأحجار ذات التخاريب، تستعملها النساء في الحمامات.
12)  ناشية : ذات رائحة طيبة.
13)  جبار : هدر وذهب دم القبيل جبارا، أي لم يؤخذ له بالقصاص ولا بالدية
14)  ضعف الرؤية مع سيلان دمع العين في أكثر اوقاتها، فهو أعمش، وهي عمشاء.
15)  ابن عذارى، البيان المغرب (قسم الموحدين) ص : 19، والحلل الموشية، ص : 131.
16)  الأستاذ محمد المنوني، العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين.
17)  الدكتور عباس الجراري، الأمير الشاعر أبو الربيع سليمان الموحدي.
18)  الأستاذ عبد الله كنون، النبوغ ص : 168.
19)  مقدمة الديوان.
20)  توجد الدراسة التحليلية التي قدمتها عنه في مجلة <دعوة الحق> الغراء العدد : 272، السنة 1409 هـ/1988 م، ص 150-166.
21)  ص 30-31.
22)  تعرض السطر الأخير من صفحة : 30 لعبط الأرضة وهو : <<عن عدل... وأمرنا>> وقد اجتهدت في ترميمه حسب بقايا بعض الحروف، واستقامة المعنى.
23)  هو عمر بن أبي إبراهيم بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، يكنى أبا حفص، خلافته : (646/665 هـ).
24)  هو علي بن محمد بن علي بن محمد بن عبد الرحمن بن هيثم، يلقب : ابن الفخار، ولد بإشبيلية سنة 592 هـ وتوفي بمراكش سنة 666 هـ.
25)  البيان المغرب (قسم الموحدين) ص : 411.
26)  أهلها.
27)  غاية.
28)  الظلم.
29)  الخراج.
30)  الضمير يعود إلى العامل.
31)  الدفاع.
32)  جاء في وصفها بمعلمة المدن والقبائل <مدينة مندرسة يظهر أنها كانت تقع على نصف الطريق بين عكة والريصاني، وربما بالقرب من زاكورة> الموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضارية، ملحق 1 ص : 195.
33)  محمد الضعيف، تاريخ الدولة السعيدة. ص : 5-6. محمد الوقراني، نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي ص : 287-291.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here