islamaumaroc

متى يتقاعد الشاعر ؟

  أحمد عبد السلام البقالي

العدد 280 محرم الحرام- صفر الخير 1411/ غشت- شتنبر 1990


يمكن أن تقدم لأصدقائك وزيرا على أنه وزير سابق، وكذلك البطل الرياضي، ورئيس الشركة المتقاعد، ولكن هل جربت قط أن تقدم لصديق شارعا على أنه شاعر سابق ؟ اللهم إلا إذا أردت أن تكون هدفا لقصيدة هجاء عصماء لاذعة ورادعة ! وكأنك قلت عنه : إنه <<إنسان سابق !>>. في الحضارة الغربية عموما، والأمريكية التي تطبعها السرعة والتغير، على الخصوص نجد أن الشاعر، والمطرب، والممثل، إذا اختفى إنتاجهم أسبوعا واحدا فقط، أو لم يظهروا للناس على شاشة التلفزيون أو السينما، فإنهم غالبا ما تلحق بأسمائهم كلمة <سابق>.
                                                         ****
ملكة الشعر تتكون من عنصرين أساسين : الموهبة والطاقة. ولا غنى لإحداهما عن الأخرى.
الموهبة : هي القدرة الفنية، والحاسة الموسيقية التي تجعل الشاعر يميز بين ما هو شعر، وما هو مجرد كلام، وهي مهارة الشاعر في ضبط الإيقاع، واصطياد المعاني الجميلة، وسبكها في أسلوب رشيق بحرا..حواس الطرب والانفعال عن الناس.
والطاقة : هي القوة العاطفية التي تحرك جهاز الموهبة، وتعطيه الحرارة التي ترفع إنتاجه عن مستوى الكلام العادي، وهي طاقة كسائر الطاقات البشرية الأخرى. فهناك الطاقة العضلية التي تجعل من الفرد رياضيا، والطاقة الغرامية أو (الليبيدو) التي تدفع الناس، بقوة غريزية، إلى الحب والزواج، والمحافظة على النوع، وهناك الطاقة الفكرية التي تجعل من الشخص مفكرا أو فيلسوفا.
وإذ كانت الشاعرية طاقة كسائر الطاقات، فلابد أن تنضب يوما، ويخمد أوارها، كما يخمد أوار بطارية الراديو، فيسكت عن التغريد.
وتكون طاقة الشاعرية في عنفوانها في ميعة الشباب، وما تزال تستهلك مع الأيام حتى تقل حرارتها في الكهولة، وينضب معينها تماما في سن الشيخوخة وهذه حكمة الله، وحتمية نواميس من الطبيعة.
وحين تشرف الطاقة الشعرية على النضوب، يظهر ذلك واضحا في شعر الشاعر، وخصوصا الغزلي منه، فيصبح صناعيا، متكلفا لا حرارة فيه ولا صدق، ولا مصداقية لقائله، حتى ولو بقيت لـه الموهبة الشعرية كاملة غير منقوصة. ويصبح الشاعر كالمغني العجوز في الأعراس المحلية، يردد أغاني العشق والهيام، بصوت أنهكه الزمان، وهو يفتعل الانفعال، ويحاول التعبير بملامح وجهه المتعب عن اللوعة ووجد الغرام، فيصير هدفا لتندر الصبايا والحسان. والأدهى من ذلك، أنه يفسر تغامزهن عليه، إعجابا بفنه، ووقوعا في حبائله !
ورغم أن شعر الشباب قد تنقحه تقنية الصناعة، ومهارة التمرس، فإنه يعوض عنهما بحرارته وصدقه، ودخوله المباشر إلى القلوب. استمع إلى هذه البدوية المحترفة غراما، وهي تبيع كبدها المحروق للحجيج بمكة:
ولـي كبـد محـروقـة مـن يبيعنـي
               بهـا كبـدا لـيـسـت بـذات قـروح 
أباهـا علـيَّ الـنـاس لا يشتـرونهـا
               ومـن يشتـري ذا عـلـة بصحـيـح؟
فرغم أن البيتين خاليان من كل تحليق في الخيال، أو رشاقة في العبارة، فإنهما يحتويان على شحنة عاطفية صادقة تحرك الوجدان.
ومثلها قول الشاعر البدوي :
سـل المفتـي المكـي هل فـي تـزاور
            وضمـة مـشتـاق الفـؤاد جـنـاح؟
فقال :
مـعـاذ الله أن يـخـرق الـتـقــى
            تلاصـق أكـبـاد بـهـن جـراح
وقول العاشق العباسي الذي وقع في غرام جارية في سوق (بغداد)، فتبعها إلى أن دخلت قصر الخليفة، فأخذ يدور بالقصر وينشد :
يـا مشـرع المـاء قد سـدت موارده
               أمـا إليـك سبيـل غير مسـدود
لحائـم حـام حتـى لا حـراك بــه
               مشرد عن طريق المـاء مطـرود
وغنى العاشق أبياته هذه حتى سمع به الخليفة فأرسل في طلبه، وحين سمع قصته رثى لحاله وأهداه الجارية.
ومثلها قول الشاعر :                                                                            
وإنـي لـتعرونـي لذكـراك هـزة
               وحـرقة ليلـى في الفـؤاد كما هيـا!
وإن كنت لا أعتقد أن قيسا قال هذا البيت في شيخوخته، فهو يلتهب بحرقة الشباب، وأظنه قاله في صيغة الماضي وهو يعني المستقبل، مبالغة في اليأس والأسى.
وإذا طبقنا هذه النظرية على شعرائنا الأحياء، فلن نجدهم يشذون كثيرا عن القاعدة، فإذا قارنا غزليات (نزار قباني) القديمة بالتي نظمها في كهولته، نجد الفرق واضحا، فالمتأخرة، رغم رشاقة عبارتها، وجدة معانيها، وبعدها عن المستنسخات المستهلكة، لا حرارة فيها ولا كهرباء!
وحتى الأشعار الوطنية الحماسية مثل قصيدته الأخيرة، والجميلة عن (أطفال الحجارة) لا ترقى إلى وطنياته النارية السابقة.
وقد قل شعر (عبد الوهاب البياتي) مؤخرا كتعبير عن خمود الجذوة التي كانت تنضجه. وكذلك الشاعر الرقيق (أحمد عبد المعطي حجازي).
وكلاهما ملأ الدنيا في شبابه، وشغل الناس. وقد حول (حجازي) طاقته إلى البحث والتنظير في الشعر بنجاح، وأفلت من لعنة مطاردة الشهرة، والتعلق بشمس الشعر الغاربة.
أما (أدونيس) فهو حالة خاصة في التشبث بالشباب، وبالزعامة الشعرية بأي ثمن! فقد انفصل عن رعيله، وركب موجة الحداثة المستوردة من فرنسا، دون أرضية عربية ترتكز عليها، فانتهت به وبأتباعه إلى درب مسدود، واختار التنازل عن شروط الشعر الصعبة، بما فيها الموهبة، في مقابل الشعبية بين الناشئين الذين تقف أدنى قواعد الشعر، بما فيها الإيقاع، سدا منيعا بينهم وبينه.
وقد صدر (لأدونيس)، هذه السنة، ديوان جديد بالمغرب، يكفيك عنوانه بتعرف ما وصل إليه الشعر على يد هذا الشاعر الفحل (سابقا) من تردي، فإذا كنت مستعدا لسماعه، فها هو : <<شهوة تتقدم في خرائط المادة>>!! وإذا كنت قد تماثلت من الصدمة، فإليك بعض أبيات الديوان، واصبر معي، لوجه الله، وفي سبيل المعرفة، ولن أبحث عن أضعف ما في الديوان، كما يفعل المغرضون، ولكني سأقرأ لك أول قصيدة هنا مؤقتة في انتظار مصطلح أنسب! إسمع إذن :
حدث هكذا-/ سكاكين تنزل من السماء/ الجسد يركض إلى الأمام، والروح تتجرجر وراءه. <انتهي>.
هذا هو المقطع الأول من القصيدة. و والله ما أنا هازل! فهل أزيدك؟ إليك المقطع الثاني :
حدث هكذا-/ مطارق حدادين يعملون داخل الجمجمة / خرس، وانقراض سلالات : الكتابة حمض إيديولوجي، والكتب زيزفوليات <انتهى>.
وأرجوك ألا تنزعج، فلن أزيدك!
مثل هذه الحالات الداعية إلى الرثاء، تطرح سؤالا ملحا هو : <ماذا على الشاعر أن يفعل حين تنفذ طاقته، وتخمد حرارته؟ وانتظار الإلهام الذي لا يأتي، ويظل معذبا في ظل شهرته الغاربة، يجتر ماضيه، ويكتب أشباح قصائد لا روح فيها ولا دفء، أو يعلن إحالة نفسه على المعاش ويتقاعد؟
     وماذا يكون سلوك جمهوره إزاءه؟ هل يستمر في مجاملته، وإيهامه بأنه ما يزال الفحل الذي لا يشق له غبار، أم يكون صادقا معه، فيقيم له حفل تكريم، يخطب فيه الخطباء، وينشد الشعراء كل ما يمكن أن يقال في تأبينه، ثم يقدمون له ساعة وقلما، الساعة ليتنبه إلى أن ساعة سكوته قد أزفت، والقلم ليبدأ في كتابة مذكراته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here