islamaumaroc

النسر الأبيض محمد بن يوسف كما رأيته

  أحمد حسن الباقوري

العدد 280 محرم الحرام- صفر الخير 1411/ غشت- شتنبر 1990

نشرت مجلة الهلال المصرية في عددها الصادر في شهر أبريل 1956، مقالا قيما للأستاذ أحمد حسن الباقوري، وزير الأوقاف المصري سابقا تناول فيه شخصية جلالة المغفور له محمد الخامس وعظمة هذا الملك الذي كان مثالا للجهاد والنضال، ورمزا للبطولة والتضحية، من أجل حرية وطنه، واستقلاله، وكرامة شعبه. وذلك تحت عنوان : النسر الأبيض : محمد بن يوسف كما رأيته.
وقد حلي غلاف العدد المذكور بصورة لجلالته قدس الله روحه، أعطت للعدد مغزاه العميق، ومرماه البعيد، كما استهلت مقال الأستاذ الباقوري بديباجة جاء فيها :
<<اعتصم هذا النسر الأبيض بالعزة والكرامة، فاحترمته فرنسا، ونزلت عند إرادته، واعترفت باستقلال بلاده وحقها في تأليف جيش مراكشي مستقل، وتمثيل دولته دبلوماسيا في الخارج.
وقد سبق لوزير الأوقاف الأستاذ أحمد حسن الباقوري أن قابله بعد عودته من المنفى، وهو يرسم بقلمه البليغ شخصية هذا الملك العربي العظيم>>.
ويسر دعوة الحق بمناسبة الذكرى السابعة والثلاثين لثورة الملك والشعب، أن تنشر هذا المقال على صفحاتها في هذا العدد، لما له من صلة وارتباط بهذا الحدث الجليل، وقيمة فكرية تاريخية تبرز جوانب من شخصية المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه.
وفي ما يلي النص الكامل لهذا المقال :
                                                **-**-**-**-**
لست أدري كيف كان شعوري لو أني التقيت بالسلطان محمد بن يوسف قبل منفاه، وقبل أن يدخل في هذه التجربة القاسية التي وطن عليها نفسه، واحتملها راضيا صابرا.. فإنه ما من شك في أن هذه التجربة قد كشفت عن شخصية هذا الرجل وأبرزت الكثير من صفاته التي كانت تختفي وراء هدوئه، وصمته، وتواضعه، ولاشك أن هذا كله قد جعل له مكانا خاصا في نفوس العرب والمسلمين جميعا وأكسبه مزيدا من العطف والتقدير والاحترام في نفوس الأحرار وطلاب الحرية في كل مكان.              
والواقع أن السلطان محمد بن يوسف قد سما في جهاده وتضحيته بمقام الجهاد والتضحية، حين آثر الكرامة والحرية لشعبه على ما بين يديه من جاه، ومال، وسلطان، وحين تحدى بإيمانه وعزمه سلطان القوة، وبطشها واستبدادها، وحين استقبل النفي وتهيأ للموت هو وأهله فلم يطف بنفسه طائف من الجزع و الندم، ولم يعط المستعمر المستبد إلا أذنا صماء لكل ما ألقى على مسامعه من ألوان الوعد والوعيد.
وعلى أي حال فقد التقيت بالسلطان محمد بن يوسف بعد عودته من منفاه بأيام، ورنات الفرح لا تزال تملأ أرض مراكش وسماءها، ولا تزال صحف العالم ومحاط الإذاعة تردد قصة هذا البطل الذي عاد من المنفى كما يعود القائد المظفر من المعركة الفاصلة.
ولا شك أن هذه المعاني كلها قد تواردت على نفسي وأنا مزمع على لقاء السلطان، ثم وأنا في الطريق إليه، ثم وأنا في اللحظات الأولى من أول لقاء معه. فلقد كانت هذه المعاني تتجمع في خاطري وتدور في نفسي، وترفع لعيني صورة مهيبة رائعة في مقام العظمة والمجد لهذا الرجل العظيم، وكنت أحسب هذا الإحساس الذي سيبقى إلى لقاء السلطان سيؤثر على رأيي فيه، وتقديري له، ووزني لشخصيته، ولكني حين لقيت الرجل، وتحدثت إليه أخذ هذا الإحساس يزايلني قليلا قليلا، وبدأت تلك المعاني تنسحب من نفسي شيئا فشيئا، وتحتل مكانها إحساسات ومعان جديدة غير تلك الإحساسات والمعاني التي ارتبطت بجهاد السلطان وتضحيته، واتصلت بتجربة النفي وما كشفت عنه من جرأة وشجاعة.
فلقد رأيت في السلطان حين التقيت به عقلا ورأيا، ورأيت فيه فهما، وعلما، وقدرت أنه لو لم يكن سلطانا لكان عالما له في مقام العلم منزلة رفيعة، ومكان مرموق، وكان طبيعيا أن يأخذني السلطان إلى هذا الجانب من شخصيته ويلقاني بعقله، وفهمه، وعلمه، فيجري حديثنا في هذا السبيل، سبيل العلم، والمعرفة، وما يتصل بالعلم والمعرفة، ثم يتصل الحديث بيننا في هذا المجال، وما كان من حديث في غير كلمات التحايا التي تقام في مثل هذه المناسبات.
كان حديثي إذن حديث علم ومعرفة وما يتصل بالعلم والمعرفة مع السلطان العالم العارف، وكان ذلك شيئا عظيما نافعا، هو خير عندي من حديث السياسة وما يتصل بالسياسة، فما في كل حين يلقى الإنسان سلطانا فهما عالما، والعهد بالسلاطين الذين يتلقون الحكم والسلطة عن طريق الوراثة، العهد بهؤلاء أن يتصلوا بكل شيء وأن يحصلوا على كل شيء إلا العلم والمعرفة، فما أضيعهما في دنيا الملوك وما أهون شأنهما عندهم.
وقد يبدو غريبا أن ألتقي بالسلطان محمد بن يوسف وأحداث السياسة تتتابع من كل جانب، وأعاصيرها تهب من كل جهة، والموقف في مراكش، وبلاد المغرب وفي الشرق وفي الغرب موقف دقيق منذر بكثير من الأحداث والأخطار، يبدو غريبا أن تكون الحال كذلك وألا يجري بين السلطان وبيني حديث في السياسة يتناول هذه الأحداث... يجمع أشتاتها، ويرصد مجراها، ويكشف عن نتائجها...
ولكن هكذا كان الأمر بيننا... فما فتحنا أبواب السياسة، ولا أدرنا الحديث في شأن من شؤونها، ومع هذا فإنه يمكن أن يقال بأنه قد جرى بيننا حديث طويل في السياسة وما يتصل بالسياسة، حديث تلقاه الشعور عن الشعور، ووعاه القلب عن القلب، فمان كان بنا من حاجة إلى العبارات والألفاظ لتترجم عن أوضاعنا السياسية، وموقفنا من هذا العالم، وواجبنا في هذا الوقت، وثقتنا في الحاضر وأملنا في المستقبل... ما كان بنا أبدا من حاجة إلى العبارات والألفاظ ليفهم حدنا عن الآخر هذه الأمور المتصلة بكياننا، المقررة لمصيرنا، فإنا جميعا على وجهة واحدة فيها، وحظ مقسوم بيننا من الخير والشر على السواء.
لقد فهمت عن السلطان وفهم عني كل هذه المعاني، بما بيننا من وحدة الأماني، واتحاد الغايات التي وحدت شعورنا، ورسمت طريقنا، وحددت أهدافنا، فما كانت ثورة مصر على الطغيان والاستبداد والاحتلال إلا المعركة الأولى من معارك التحرير للأمة العربية. وما كانت ثورات مراكش وتونس والجزائر، إلا جزءا من هذه المعركة وامتدادا لها في تلك الميادين، نحن نؤمن جميعا بهذا، ونؤمن أن أي نصر في أية معركة من هذه المعارك إنما هو نصر للأمة العربية جميعها. كما أن أية هزيمة تقع هنا أو هناك إنما هي هزيمة للعرب جميعا. وفي حساب النصر والهزيمة في كل ميدان من تلك الميادين تتقرر المعركة الفاصلة بين الحرية والاستبعاد، بين العرب وأعداء العرب، فإنه لن ينفعنا نصر في ميدان واحد، ولا يغني عنا شيئا تحرير جانب من جوانب الوطن العربي، إنه جسم واحد، يسري في كيانه روح واحد، فلا يخلص من الأذى إلا بخلاص كل جزء فيه، ولا يتحرر من الاستعمار إلا بتحرير كل جانب من جوانبه.
قد يغفل بعض الأفراد منا هذا المعنى، وقد ينعدم فيه هذا الإحساس بالعروبة أو يضعف عنده الإيمان بالبعث العربي، فتلبسه الحيرة، ويأخذه الشك، فيجعل وجهه إلى كل وجهة العرب وما يتصل بالعرب، جريا وراء سراب خادع وأمل كاذب. قد يكون فينا أفراد على هذه الشاكلة ممن لم تجر في عروقهم دماء عربية، وغلبت عليهم عناصر غربية ليس بينها وبين العرب رحم ولا مودة، أو طغت عليها شهوة في جاه أو سلطان.
مثل هؤلاء يمكن أن نتحدث إليهم في شؤوننا السياسية، لنكشف لهم معالم الطريق أو نوقظ فيهم أحاسيس القومية العربية، أو نلفتهم إلى أمجاد العرب وما يتهدد العروبة من أخطار، قد يفهم لحديث "وكان يوم العودة هو يوم الأربعاء 16 من نونبر 1955 يوم حملتنا الطائرة إلى الوطن وكان أبي يجاهد نفسه ليضبط مشاعره وبعد أن سمعني أقرأ آية من كتاب الله تقول : (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربي لغفور شكور) طفح وجهه بالابتسام".
الحسن الثاني ملك المغرب : (التحدي ص، 103)
السياسة معنى مع هؤلاء وأمثال هؤلاء، أما الحديث في شؤوننا السياسية مع من يحملون هم العرب ويؤمنون بالعروبة، ويعيشون لها فلا محل له، وإن كان له شيء من هذا فليس مع السلطان محمد بن يوسف، لأن هذا الرجل قد فرغ من دور الكلام وبدأ دور العمل الصادق لتحرير هذا الجزء العربي الكبير. هكذا كان شعوري بعد اللقاء الأول للسلطان محمد بن يوسف... فلقد وقع في يقيني بعد لقائه أن زعامة جديدة قد طلعت في الأفق الغربي من آفاق العروبة، وأن الله قد صنع للعرب حين أظهر هذه الزعامة في إبانها أنها تساند زعامة الشرق في مصر، وفي غير مصر، وتؤذن الاستعمار بزوال دولته وانقشاع سحبه.
وكنت أحب أن أطمئن إلى هذا الشعور الذي ملأ قلبي راحة وسكينة بمطلع هذه الزعامة في محمد بن يوسف لولا همسات متناقلة وهواجس عابرة تتردد هنا وهناك على شفاه بعض المعنيين بالوطن العربي، وتدور في أنفس بعض المتشائمين من أبناء العروبة ممن خبروا أساليب الاستعمار، وعرفوا خططه في إلواء الشعوب عن غاياتها، وإطفاء جذوة الحماس المتوقد فيها. ومن يدري فإن كيد الاستعمار خلق الزعامات خلقا، حين يتنبه وعي الشعب وتثور ثائرته للخلاص من قبضة المستعمر. لقد مثل هذه المأساة أكثر من مرة، وفي أكثر من قطر من الأقطار العربية... إنه يقدم بين يدي الثورات الشعبية زعيما يتخيره ويأخذه، في مظاهر الأمر وحسب خطة موضوعة، بألوان من التعسف لتتجه ثقة الشعب إلى هذا الزعيم وتتعلق به كل آماله، وحينئذ يتولى الزعيم بنفسه إخماد الثورة، وإدخال الطمأنينة على الشعب الذي تخير زعيمه الذي لا يمكن أن يهادن الاستعمار أو يفرط في حق من حقوق الوطن.
ونعم، قد جاء الاستعمار بكل هذه الألاعيب، واستطاع أن يكسب بها وقتا طويلا وأن يؤجل المعركة الفاصلة بيننا وبينه وأن يذيق بعضنا بأس بعض، ولكني أعتقد أننا نسرف في الظن، ونبعد في التشاؤم حين نعتقد أن مثل هذه الأساليب المفضوحة قد بي لها دور تقوم به في الوطن العربي، فلقد شب العرب عن الطوق، واستيقظ الوعي القومي، وأصبح من العسير أن ينطلي هذا الزور على الجماهير.
وأيا كان الأمر، فإنه إذا صح أن يكون لمثل هذه الرواية مسرح تظهر فيه فلن يكون مراكش مسرحها ولن يكون محمد بن يوسف بطلها... إن مراكش أيقظته الأحداث، وصقلته المحن، وهيهات أن ينام... وإن محمد بن يوسف رجل عربي، خالص العروبة، مؤمن صادق الإيمان، يرتكز إلى خلق كريم، ويستند إلى أرومة عريقة في الآباء والأجداد... وإن الرجل الذي يعيش في إهاب هذه المعاني ويجمع تلك الأمجاد جميعها لن يسقط أبدا.
وأعود إلى قلبي أتحسس فيه مواضع الطمأنينة إلى زعامة السلطان محمد بن يوسف بعد هذه الهمسات والهواجس فأجدها حيث نزلت منه عند أول لقاء لـه، إني واثق في الرجل صادق الفراسة في إيمانه ورجولته... ولن يخذله الإيمان أو تتخلى عنه الرجولة إن شاء الله.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here