islamaumaroc

أحمد اباحنيني المثقف النموذج

  أحمد ابن سودة

العدد 280 محرم الحرام- صفر الخير 1411/ غشت- شتنبر 1990

ها نحن نلتقي في هذه المدينة المجاهدة بدعوة كريمة من جمعية فاس سايس في ندوة علمية أدبية عن الحاج محمد أبا حنيني رحمه الله، عن الوطني، المثقف، المسؤول، المربي، الأديب، الفنان، إنها العناوين أو المحاور التي حددتها جمعيتكم لهذه الندوة لتحيط بحياة الفقيد، ومكانته، وأثره وتأثيره.
فأي رجل تراني سأتحدث لكم عنه ؟
وأقول : <إن هذه المحاور ما هي إلا عناوين لفصول في كتاب عنوانه : <<نموذج المثقف المغربي>> وإن شئتم : الحاج امحمد أبا حنيني الرمز الثقافي الوطني.
عن هذا الشخص، هذا الرمز والنموذج سأتحدث واسمحوا لي أن أصرح في البداية أن حديثي لن يكون بحثا أكاديميا خالصا، ولا دراسة تعتمد مناهج في التحليل والاستقراء دقيقة وصارمة، تتوخى قبل كل شيء إقرار وإثبات الحقيقة العلمية التي هي في بعض الحالات كنتائج الكشف الطبي تتعامل مع الظواهر، وقد تخفى عنها بعض السرائر.
حديثي عن الحاج امحمد أبا حنيني الرمز الثقافي، ونموذج المثقف المغربي، هو حديث عن قيم وطنية تشخصت في رجل، وعن رجل ارتفع بثقافته وفكره إلى مستوى تجسيد تلك القيم في تميزها وأصالتها الثقافية الحضارية.
وإذا كان الحاج امحمد أبا حنيني، نموذج المثقف المغربي، لم يترك لنا آثارا مكتوبة تدخلنا إلى عالمه الفكري، فإنه هو بحياته، وسيرته، بسلوكه، بمواقفه، يشكل أثرا حيا، أثرا لفكر ثقافي، لنموذج ثقافي لشخصية ثقافية، للمثقف الذي يربط الماضي بالحاضر، للمثقف المغربي الذي كان المغرب في حاجة إليه ولازال، ليقوم بتلك المهمة الحضارية العظيمة، مهمة المحافظة على ما في الماضي من عناصر القوة والعبقرية والإبداع، ووصله بالحاضر، والتطلع الرصين، المتمكن إلى المستقبل، مهمة الانتقال من الجمود إلى التجديد، من الضعف إلى القوة، من النكوص إلى الحركة... مهمة الوصل واللقاح الحضاري.
ها أنا ذا أفصح عن الفكرة الجوهرية لحديثي معكم.
وهذه الفكرة أيها السادة هي خاصة تجربة، وعلاقة، ومعاشرة للفقيد، مثلما في حصيلة استقراء لأحداث ووقائع تاريخية تصب في اتجاه ذلك الصراع الذي خاضه الوطنيون ولازالوا، دفاعا عن الهوية الثقافية الوطنية ضد عدوين : الجمود، والجحود.
   أفتح إذا كتاب الذكريات ...
ففي هذه المدينة، فاس، وفي سنة 1944، سنة تقديم عريضة الاستقلال، سنة العنفوان الوطني، كانت هذه المدينة على موعد مع معركة أخرى من المعارك المجيدة التي ميزت تاريخها النضالي، فاندلعت مواجهة طيلة شهر كامل، أعادت إلى الأذهان صورة أيام فاس الدموية سنة 1912 بعد أيام قليلة من فرض الحماية، وبين المناسبتين وشيجة تشابه عميقة الإيحاء والدلالة، تتصل اتصالا وثيقا بالفكرة التي نحن بصددها.
ففي سنة 1912 خرجت فاس غاضبة ثائرة ضد عقد الحماية، ذلك العقد الذي كان مكتوبا ومحررا باللغة الفرنسية، لغة المحتل.
وفي سنة 1944 خرجت فاس مؤيدة مناصرة لوثيقة المطالبة بالاستقلال التي كتبت وحررت باللغة العربية، لغة القرآن، لغة الحضارة، لغة الأمة.
وفي كلتا المناسبتين قدمت فاس المجاهدة الشهداء دفاعا في سنة 1912 عن الشرف والكرامة، وانتفاضة سنة 1944 من أجل استعادتهما.
كانت اللغة إذا حاضرة في المناسبتين حضورا ممتزجا بعاطفة الكبرياء والاعتزاز والنخوة والمشاعر الفياضة.
وكما تمخضت حوادث فاس سنة 1912 عن بروز قادة وثوار ومناضلين تصدوا للاستعمار في البوادي والمدن وسلموا الأمانة للجيل الذي تربى في أحضانهم، كذلك تمخضت حوادث فاس سنة 1944 عن بروز قادة وثوار ومناضلين شكلوا الجيل الثاني للحركة الوطنية السلفية، جيل أسميه جيل القنطرة، لأنه بعد عملية الاضطهاد التي شنها الاستعمار 1937 وألقى بقادة الحركة الوطنية في غياهب السجون والمنافي، تحمل ذلك الجيل رسالة الكفاح، تنظيما، وتأطيرا، وتوجيها واستعدادا للمعركة.
وهكذا وفي حمأة أحداث فاس سنة 1944 ألقى الاستعماريون القبض على أكثر من سبعمائة من أبناء المدينة من مختلف الشرائح الاجتماعية : علماء، مثقفون، تجار، صناع، طلبة، مناضلون معروفون في الأحزاب الوطني، وانتصبت المحكمة العسكرية في برج النور وأخذت تصدر الأحكام، ولأن عدد المعتقلين كان كبيرا فقد انتصبت محكمة عسكرية أخرى في مدينة مكناس، وانتقت المحكمة أحد عشر شخصا اعتبرت أنهم المحركون والمدبرون والمخططون لما حدث، وهم : محمد الرغاي، الحاج أحمد أبا حنيني، عبد القادر العلج، امحمد بن سودة، عبد الوهاب الفاسي،، محمد الغزاوي، محمد الفاسي، عبد الكبير الفاسي، علي العراقي، أحمد الحمياني، أحمد ابن سودة.
التقينا نحن جماعة الأحد عشر في سجن برج النور حيث قضينا به سنة كاملة، منعزلين منقطعين عن العالم داخل أسرار ذلك السجن الكئيب المظلم، لا يتصل بنا أحد، لا أهلنا ولا أصدقاؤنا، وكانت الفرصة الوحيدة التي تتاح لنا لنتبادل الحديث مع بعضنا هي حينما نخرج من زنازيننا لقضاء حاجتنا ولتنظيف الزنزانة، كنا نعرف أن سجاننا قد وضعوا داخل زنازننا أجهزة تصنت، فكنا نجد في باحة السجن متنفسا لنا لنتحدث بما نريد، هناك وفي تلك اللحظات بساحة السجن تعرفت على الحاج أحمد أبا حنيني أخي الفقيد، رحمه الله، كنت ألتقي بالرفقاء الآخرين في السجن، ولكن رابطة خاصة قوية جمعتني بالحاج أحمد أبا حنيني، وأقول إنها جاذبية عاطفية أدبية وجدانية كان الشعر والأدب وشاحها وظل شجرتها الوارفة. لم يكن عندنا كتاب، وإنما كانت حافظتنا وذاكرتنا هي كتابنا، كان كل واحد منا يقرأ للآخر ما يحفظه ويستظهره من الشعر. هنا اكتشفت أن ابن القرويين، وجها آخر لمثقف من خارج أسوار القرويين، بل من خارج الكتب والدواوين والمصنفات العتيقة، مثقف ثقافة فرنسية، متعلم في مدارس لا تفترش الحصر، وتدون الدروس في دفاتر أنيقة، وتتأبط محافظ جلدية، تلبس البنطلون، وتتنعل حذاء يربط بخيوط، ومع ذلك فإن هذا المثقف يحفظ ما أحفظه من شعر، ويتقن قواعد اللغة، ويعرف المتنبي والجاحظ، وأبا تمام وأبا حيان التوحيدي.
وأتوقف بكم لحظة، مع الاكتشاف لأقول بأن جماعة برج النور، جماعة الأحد عشر سجينا كانت مزيجا من مدرستين أو تبعين ثقافيين : محمد الزغاري، أحمد أبا حنيني، محمد الفاسي، عبد الكبير الفاسي، امحمد ابن سودة، وأحمد الحمياني، متعلمون تكونوا في المدارس الجديدة، أو حسب ما كنا نطلق عليهم : أبناء الكوليج، وعلي العراقي، وأحمد ابن سودة من أبناء القرويين، والآخرون رجال أعمال وتجار.
بعد سنة كاملة في برج النور، وفي بداية سنة 1945 حينما بدأت السياسة الاستعمارية تميل نحو الانفراج بعد رحلة جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه إلى فرنسا نقلنا إلى سجن العدير، وأخذوا يعاملوننا معاملة السجناء السياسيين، وفتح باب السجن لزائرينا، كان الحاج امحمد أبا حنيني رحمه الله من أوائل من زارونا في سجن العادر، وكان أول لقاء وأول تعارف بيني وبينه، لازلت أتذكر هيأته، ووجهه المخضب دوما بابتسامة صافية، جسمه المستقيم المستريح خلف جلابته الأنيقة، خطواته الوئيدة، إنه الحاج امحمد أبا حنيني، كما عرفته وعرفتموه هادئا هدوء الأنهار الزاخرة أعماقها بالحياة والتدفق، حينما تقف معه أو تجلس إليه يرغمك بهدوئه ونبرات صوته وانسياب أفكاره على الأناة والتدبر، على الإنصات والتفكر، وتمحيص الكلمة قبل الإدلاء بها، يسحبك إلى عالمه، عالم الهمس والحوار والأفكار، عالم الحماسة يجري بها القلم قبل اللسان، والبلاغة الجميلة الأنيقة تتسرب إلى نفسك فتدفئ الوجدان وتحرك الجنان.
حدثه أخوه عني، حدثه عن جلساتنا ومطارحاتنا وكيف كنت كتابا له وكان ديوان شعر لي، لقد عرفت فيما بعد أنه قال : إن صديقي هذا ديوان حماسة في الوطنية، في الإباء والشهامة. وهكذا أصبح الحاج امحمد أبا حنيني حينما يزورنا في سجن العادر يجلس إلي، ويفتح صدره، ويشرع أبواب الحديث عن الأدب والشعر. ولقد كانت دهشتي كبيرة حينما وجدت أنه يحفظ ما يحفظه أخوه، وكأنهما قرآ من كتاب واحد، كان يحفظ كثيرا، وكان معجبا بالعقاد. ولم تقتصر جلساتنا على الرواية والاستظهار، وهنا اكتشفت وجها آخر لهذا المثقف الفريد. ذات يوم وكنا نتحدث عن الشعراء العرب وما تركوه في أذهاننا من صور عن نفسياتهم ومواقفهم وتصرفاتهم فسألني :
- من هو في نظرك أكرم الشعراء نفسا من بين هؤلاء الثلاث : أبو العلاء المعري، أبو فراس الحمداني، والمعتمد بن عباد ؟
كنت أحفظ شيئا غير قليل من شعر الحمداني، وكنت أهيم بشعر المعري فقد وجدته أقرب إلي حينما قاسيت ظلام الزنزانة في سجن برج النور، وكانت معلوماتي عن المعتمد بن عباد متواضعة.
فما هو وجه المقارنة بين هؤلاء الثلاث ؟ وكل واحد عاش في زمان ومكان مختلفين، وفي بيئة اجتماعية وظروف تاريخية متغايرة ؟
تساءلت وأنا أحاول البحث عن جواب، ابتسم الحاج امحمد أبا حنيني وقال لي :
إن المعتمد بن عباد الأسير سجين أغمات كان أكرم نفسا من أبي العلاء ومن الحمداني. كان ذا خلق كريم، ونفس أبية، وهمة عالية، يجب الخير للجميع، متفائل سموح، نبيل، أبو فراس الحمداني قال : (إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر). فهو لا يحب إلا نفسه، لا يهمه غيره، فإذا ظمئ فليمت الآخرون عطشا حتى وإن نزل القطر. أما أبو العلاء المعري فيقول :
فـلا هـطـلـت عـلـي ولا بـأرضـي       سـحـائـب لـيـس تـنتظـم الـبـلادا
فهو يريد الخير للناس جميعا ولا يريد أن ينفرد به.
أما ابن عباد الأسير السجين في أغمات فقد برهن على انه من معدن أصيل، فهو وإن كان يكابد هول الوحشة والوحدة ولا يرى بصيص أمل في الخروج منهما، فإنه يفرح ويسعد لغيره من المحزونين، فقد علم أن سجناء مثله، كانوا معه في أغمات وهم مدينة فاس قد أطلق سراحهم بمناسبة عيد الفطر فأنشأ قصيدة فقال فيها :
أما لانسكـاب الدمـع في الخـد راحــة       لقـد آن أن يفنـى ويفنـى بـه الخـد
هبـوا دعـوة يـا آل فــاس لمبتـلـى            ممـا منـه نجـاكـم الصمـد الفـرد
تخلصتـم من سجـن أغمـات والتـوت        علـي قيــــود لـم يحـن فكهـا بعـد
إلى أن يقول :
فهـنئتـم النعـمـى ودام لجمـعـكـم           سلامتـه إن كـان قـد خانني السعـد
فهو لا يقول ما قاله المعري أو أبو فراس الحمداني، بل يفرح ويطرب لحرية الآخرين وخلاصهم، ويهنئهم ويطلب منهم أن يدعوا له بالنعمى التي خانه السعد فلم يدركها.
كان هذا التحليل الذي قدمه الحاج امحمد أبا حنيني وهذه المقارنة باعثا لي على اكتشاف الشخصية العلمية الأدبية الغنية فيه، هذه الشخصية التي هي مزيج من الأصالة والتحرر والانفتاح، ذلك أننا في القرويين كنا نعتمد في فه النص الشعري أو النثري على القواعد المتبعة، من بلاغة وبيان، ولغة لا نتعدى ذلك إلى التعمق في معرفة ما ينطوي عليه، أما الحاج امحمد أبا حنيني فقد مكن مما تمكنا منه حفظا واستظهارا، واستعان بما كسبه في دراسته باللغة الفرنسية من مقاييس ومناهج جديدة في التحليل.
إن الحاج امحمد أبا حنيني رحمه الله كان نتاج وثمرة بيئة ثقافية اجتماعية وطنية من جهة، وتفاعل تطور تاريخي من جهة أخرى.
فعلى المستوى الأولي فإن البيئة الثقافية والاجتماعية الوطنية التي أثرت في تكوينه، وتطور ونضوج مشاعره، وتحديد اتجاهه تتجلى في عناصر ثلاثة :
- العنصر الأول : يتعلق بوسطه العائلي، فهو بن الفقيه العد، ابن أسرة من تلك الأسر التي كان لها في المجتمع المغربي احترام خاص تستمده من المكانة العلمية والاجتماعية لرب الأسرة، فتربى في كنف الاحترام الذي كان يتمتع به والده، وكان مثالا للاستقامة والتهذيب والنباهة.
- العنصر الثاني : إن الطفل امحمد أبا حنيني، كان بيته في المدينة الجديدة، أو فاس الجديد حيث مقر القصر الملكي والسلطان، فكان يسمع كل صباح ومساء موسيقى الخمسة والخمسين، ويرى الموكب الملكي لصلاة الجمعة ومظاهر الملك من حرس وهالة وتقاليد. وفجأة، وهو طفل يختفي كل ذلك، فتسكت الموسيقى، وتقفل أبواب القصر، وينتقل الملك إلى الرباط. ويتساءل الطفل ماذا جرى ؟ فلا يحير جوابا ولا يسعفه أحد بجواب.
- العنصر الثالث : ويتعلق بالبيئة الوطنية، فالحي الذي كان يسكنه كان حيا مليئا ببيوت العلماء والنبهاء فكان من بين عائلات هذا الحي عائلة الحمياني، وكنون، وابن بوشتى، وغيرهم كثير، وكان هذا الحي المحيط بالقصر الملكي يعج بالموظفين والمقربين للقصر وللملك، وبسبب هذه العلاقة المكانية والروحية بالملك والملك، فإن سكان هذا الحي كانوا أكثر من غيرهم إحساسا وإدراكا واطلاعا لما يحيكه الاستعمار من مؤامرات تستهدف الكيان الوطني والسياسي والحضاري للمغرب ممثلا في العرش وفي ملك البلاد. وفي سنوات الطفولة الأولى للحاج امحمد أبا حنيني، كان على قيد الحياة عدد كبير من الرجال والنساء الذين عاشوا عصر ما قبل الاحتلال، وأدركوا حياة وجهاد الملوك العلويين الذين نافحوا وكافحوا لصد الهجمة الاستعمارية الصليبية على المغرب خاصة بعد احتلال الجزائر، وبصفة خاصة جهاد المولى الحسن الأول. وكان هؤلاء يروون قصص البطولات ويستحضرون صور الأمجاد، يحكون ذلك لأطفالهم وأحفادهم. ووسط هذا الجو كان الطفل امحمد يسمع ويختزن، ويرى ما يجري حوله في حيه المفتوح على الزوار الجدد الذين جاءت بهم موجة الاستعمار، من ضباط وجنود ومعمرين، وكان حي فاس الجديد بمبانيه وطرقاته والحياة الاجتماعية التي بدأت تتشكل فيه صورة مصغرة عن ذلك العالم الجديد الذي بدأ يزحف على المغرب التقليدي، عالم لا مفر من استقباله، ولا سبيل إلى رفضه. وبين هذا وذاك قرر والد الحاج امحمد أن ينشئ ابنه تنشئة تؤهله ثقافيا وتربويا ووطنيا لمواجهة تحديات ذلك العالم، وفهمه، وسبر أغوار مقوماته ومكوناته، وفي نفس الوقت ليتسلح بثقافة وأصالة بلده وتاريخ بلده وتراث بلده. فبعد حفظ القرآن الكريم والتزود بالمعارف والثقافة العربية الإسلامية، ألحقه بالمدرسة الفرنسية لينهل من ينابيع المعرفة الجديدة، لا ليتشبه بالفرنسيين أو يسلم قيادة نفسه وعاطفته لثقافتهم ولكن ليكون ندا لهم، يقاومهم بسلاحهم. وكان الطفل امحمد عند حسن ظن والده، فأقبل على العلم والتعلم، جامعا بين طرفي : التليد والجديد.
هذه العناصر الثلاث كان لها تأثيرها البين والعميق في رسم وتحديد الطريق التي سار فيها الحاج امحمد كمثقف نموذج.
من جهة أخرى، كان الحاج امحمد أبا حنيني نتاج وثمرة تفاعل تطور تاريخي، فهو بكل المقاييس يمثل النموذج الذي كان المغرب في حاجة إليه لإنجاز النقلة الحضارية الثقافية.
الحاج امحمد أبا حنيني هو نموذج ذلك العالم المثقف المشارك المسؤول الذي كان المغرب في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن يتطلع إلى أمثاله، لربط الماضي بالحاضر، والامتداد الرصين المتمكن إلى المستقبل. هذا النموذج هو الذي يقوم بتلك المهمة الصعبة في تاريخ الشعوب العريقة، مهمة الانتقال من الجمود إلى التجديد، من الضعف إلى القوة، من النكوص إلى الحركة، مهمة الوصل واللقاح الحضاري.
هذا النموذج كان قد اختفى من الحياة الوطنية والعلمية والثقافية في المغرب لمدة طويلة، فتوقفت عجلة التجديد والتطوير، وأصيب الفكر بالشلل والجمود، وتحجرت المعرفة ففقدت حيوية التحصيل والاجتهاد، فنضب الماء وشح الزاد.
كانت الهوة العلمية والثقافية تتسع بين المغرب وشعوب عرفت كيف تستثمر وتطور الرصيد العلمي والحضاري الذي ساهم المغرب في نشره في العالم الجديد، ولكن المغرب ظل قويا بدولته التي حفظت سيادته وهيبته، وقويا بذلك الرصيد العظيم من الأمجاد.
إنني كما قد تلاحظون أشير باختصار شديد إلى عصور مثقلة بالأحداث والتطورات، وليس بوسعي أكثر من الإشارة التي أتلمس لها الظروف والخلفيات التي أردت إلى ميلاد فجر اليقظة الوطنية التي كان الحاج امحمد أبا حنيني رمزا بارزا من رموزها على المستوى الثقافي. ولابد هنا من ذكر حدث ذي دلالة متميزة وخاصة، وأعني به تلك الثورة العلمية والثقافية الجريئة التي أقدم عليها الملك الصالح المجاهد المولى الحسن الأول طيب الله ثراه، والتي حاول من خلالها نقل المغرب بقوة إلى عصر التقدم العلمي وردم الهوة التي تفصله عن الدول والشعوب المتقدمة، حيث أرسل بعثات طلابية إلى عدد من بلدان الغرب في نفس الوقت الذي أرسلت فيه اليابان بعثات مماثلة للتزود بالمعرفة واكتساب الخبرة وقطف ثمار التقدم العلمي في جميع الميادين الصناعية والعسكرية بلغات تلك البلدان ومناهجها، والاقتباس مما هو مفيد وصالح من قوانينها وأنظمتها، والتعرف على أسرار قوتها، وتحصيل علومها، جنبا إلى جنب مع الاحتفاظ بمقوماتنا وحضارتنا وشخصيتنا وتقاليدنا العريقة، ولست أريد هنا الإطالة في سرد الصعوبات والمشاكل التي اعترضت تلك المحاولة الجريئة، ولم تثمر في إنقاذ المغرب من الحصار الثقافي والعلمي والسياسي الذي ضربته حوله القوى الاستعمارية التي كانت تتربص به الدوائر، وفي الوقت الذي كان الإحباط مصير تلك المحاولة الجريئة، كانت المحاولات اليابانية أوفر حظا، وكانت بحق بداية بناء قوة اليابان، إن المقارنة هنا بين المحاولتين تكتسي أبعادها من التشابه الكبير بين البلدين، المغرب واليابان على مستوى العراقة الحضارية. فاليابانيون عرفوا كيف يمتلكون أسرار وخفايا القوة العلمية، ويمسكون بناصية التقدم العلمي دون أن يفرطوا، لحد الآن، قيد أنملة في شخصيتهم وتقاليدهم، بل إنهم طوعوا كل شيء وطبعوه بشخصيتهم وعبقريتهم، وجعلوا لغتهم التي ليس في قوى وإشعاع اللغة العربية لغة العلم والتقي في بلادهم، وحافظوا عليها في تخاطبهم وتعليمهم، أغنوها ولم يفقروها، كرموها ولم يهينوها، وحافظوا على تقاليدهم وأسلوب حياتهم، على لباسهم وآدابهم، على مدرستهم الأخلاقية في التعليم والتربية.
من هنا تبرز قيمة وأصالة بل وعظمة النموذج الذي كان يمثله الحاج امحمد أبا حنيني، كمثقف وعالم.
وسنرى أن الحاج امحمد أبا حنيني هذا النموذج، كان من نتاج اتجاه وسياسة واختيار، ولم يكن فلتة خارجة عن مدار الجاذبية الحضارية للأمة المغربية.
فحينما خر الاستعمار بكلكله على بلادنا كانت تلك الصدمة التي أطاحت بكثير من المفاهيم والمواقف والأفكار التي عفا عليها الزمن، وسرعان ما تدارك الوطنيون الأسباب الحقيقية للتصدع، فجعلوا من أولى أهدافهم إصلاح التعليم وتطويره ونشره، ومعرفة لغة العدو وصولا إلى معرفة أسرار قوته عملا بالمثل الذي: <<من علم لسان قوم أمن مكرهم>>.
وهنا تأتي مبادرة الحركة الوطنية بإنشاء شبكة من المدارس الحرة يتلقى فيها أطفال المغرب العلوم الحديثة، ويتعلمون اللغات الجديدة من فرنسية وإسبانية لغة المحتل، إلى الإنجليزية وغيرها، تأكيدا للمعركة التي ستخوضها الحركة الوطنية لوضع حد للحجز الثقافي والعلمي على المغرب والمغاربة.
وكانت مدرسة مولاي إدريس بفاس في طليعة المدارس التي كونت جيلا من الوطنيين البارزين المكونين المتعلمين المتقنين للغة الفرنسية، وكان الحاج امحمد أبا حنيني، أحد تلامذتها. كانت هذه المدرسة حصنا من حصون الوطنية على خلاف ما حاول الاستعمار ليجعل منها أداة لتكوين طليعة من المتفرنسين لغة وعاطفة.
وهنا نرى أن الحركة الوطنية، وفي معركتها الشاملة التي خاضتها على جميع الجبهات، قادها، ومنذ الأيام الأولى، وإلى عهد الاستقلال، فريقان من الرجال، فريق تلقى تعليمه في جامعة القرويين وفي غيرها من مؤسسات التعليم الأصيل، وآخر تلقى تعليمه في المدارس الحديثة وحتى في المدارس الفرنسية والإسبانية وفي جامعات باريس ومدريد.
وسواء الفريق الأول أو الثاني فإن كل واحد سعى بجهد وحماسة ليأخذ ما عند الآخر، ففريق القرويين أخذ الكثير من أفراده بأسباب الثقافة العصرية وانكب على تعلم اللغة الفرنسية والإسبانية، والفريق الثاني بذل نفس الجهد وبحماسة ليتشبع بأكبر قدر ممكن من العلوم الفقهية والأدبية واللغوية، فالتقى الفريقان على صعيد واحد، هو إثبات الشخصية المغربية الأصيلة المتفتحة، وأقول إن الفريقين كانا طليعة النهضة المغربية الحديثة، وطليعة الكفاح الوطني وطليعة الانبعاث والتجديد.
لقد كان هذا الجيل مثاليا بمعنى كل الكلمة، ومما يذكر هنا أن الزعيمين الكبيرين، علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني، ضربا كلاهما المثل في تلك المثالية، فقد تعلم الأستاذ علال الفاسي اللغة الفرنسية في السجن، وانكب الأستاذ محمد بن الحسن الوزاني على إتقان العربية في السجن أيضا. وفي غياهب السجن اقتحمت عالم اللغة الفرنسية وتعلمتها، كذلك الشأن لعدد آخر من المكافحين. ومما ينبغي الاستدلال به هنا أن أول مجلة أصدرتها الحركة الوطنية كانت ناطقة باللغة الفرنسية وهي مجلة <المغرب> التي كانت تصدر بباريس والتي كانت لسان الكفاح الوطني، ودليل الناطقين بالفرنسية للتعرف على حضارتنا وآدابنا وتاريخنا المجيد.
وهكذا قيض الله للمغرب جيل من الرواد المكافحين المثقفين المتحررين المتنورين المتفتحين، وقيض الله لهذه النهضة المغربية الجديدة ملكا صالحا مجاهدا أعطى من نفسه المثال الحي للمغرب الذي يصل ماضيه بحاضره ويشق الوعر من الطرق لاختراق مجاهل المستقبل بثقة واطمئنان.
في سياق هذا التاريخ تبرز شخصية الحاج امحمد أبا حنيني، مثالا كاملا متكاملا للعالم، للوطني، للمثقف المغربي الذي جمع بشكل مثير للإعجاب بين نبعين ثقافيين في شخصه، نبع الثقافة الإسلامية العربية بمكوناتها ومقوماتها وأركانها تملأ قلبه وتسبح في أجوائها روحه، ونبع الثقافة الأخرى، ثقافة الغرب بأركانها ومقوماتها، متمكن منها لسانا وفها، إدراكا وإتقانا، فكان بذلك مثال المثقف الذي كان المولى الحسن الأول يريده ويعمل على تكوينه، ليقود سفينة الحضارة المغربية في محيط متلاطم بأمواج تزمجر بها حضارات الغرب والشرق. فكان أحد الأعمدة التي اعتمد عليها حفيده جلالة الملك المغفور له محمد الخامس، مربيا، وأستاذا، وكاتبا، ووزيرا، وجعله حفيده جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله أستاذا لأبنائه، ووزيره، وحكيم كل الحكومات التي شارك فيها.
فكان الحاج امحمد أبا حنيني قطبا من أقطاب النهضة المغربية الحديثة، نهضة يريدها جلالة الملك جامعة من طرفي الأصالة والانفتاح والمعاصرة.
إن مكانته في هذه النهضة تماثل مكانة أولئك الخالدين الرواد الذين ارتبطت أسماؤهم بعصور النهضة في الماضي والحاضر.
ففي الماضي، وفي فجر الإسلام الأول، عندما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وانخرطت في الإسلام الحنيف شعوب ذات حضارات وثقافات ولغات وتراث زاخر، في تلك الفترة دخلت عالمية الإسلام مجال الحضارة والعطاء الحضاري، فانكب العلماء المسلمون على فحص ما أنتجته الحضارات الأخرى، وأحاطوا بها وبلغاتها وآدابها، واقتبسوا وانتقوا ودونوا وكتبوا وسجلوا، فأنتجوا حضارة إسلامية فريدة، أصيلة، وبنوا دعائم تقدم علمي باهر، فابتكروا وأضافوا، وخاضوا غمار البحث والاجتهاد، وأسسوا حضارة جديدة تنتسب إلى أمة الإسلام، مطبوعة بعبقرية الإسلام.
هؤلاء الرواد كانوا بالنسبة لعصورهم نماذج فريدة، متميزة، نماذج على شاكلة الأستاذ امحمد أبا حنيني، وهو على شاكلتهم.
وتمضي الأيام وتبرز في العصر الحديث نماذج أخرى من رواد النهضة العلمية والثقافية الجديدة في العالم الإسلامي، فنرى رجالا كالحاج امحمد أبا حنيني نهضوا بعبء التجديد، من بينهم طه حسين، والعقاد، والمازني، وقبلهم بقليل، محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، ونجد أحمد أمين وغيرهم. والسمة المشتركة بينهم أنهم علماء مثقفون أحاطوا بثقافة وعلوم أمتهم، وأتقنوا وبرعوا في علوم ولغات وثقافة الغرب، فبنوا تلك القنطرة الواصلة بين الأصالة والتجديد، بين التراث والانبعاث.
وفي المغرب أجد أن الأستاذ الحاج امحمد أبا حنيني، ومن غيرهم ما شطط في الأحكام أو مبالغة في التقييم، أجده صرحا شامخا من صروح النهضة المغربية الحديثة، فهو يمثل جوهرها ويجسد فلسفتها، ويرمز إلى إشراقها.
والذين عرفوا الحاج امحمد أبا حنيني عن كثب وعايشوه عرفوا كم كان رحمه الله غيورا على ثقافة وحضارة بلده وشعبه، وكان أشد ما يكون حزينا حينما يسمع أحدا يرطن بالفرنسية ولا يفقه لغته الوطنية.
وكلكم تعرفون أية أناقة كان يتحلى بها أسلوبه حينما يكتب، إنك أمام أسلوبه المرصع، المتدفق، كالناظر لعقد اللآلئ الجميلة، كل لؤلؤة في مكانها، تعلن عن جمالها وتكشف عن لمعانها. ودائما كان يذكرني أسلوبه بصاحب الوزارتين، لسان الدين ابن الخطيب، وقد كان بالفعل لسان الدين ابن الخطيب عصره وأيامه، أعاد للعربية جمالها وأناقتها وقوة تعبيرها وإشراق معانيها. كان يكتفي بالكلمة والجملة احتفاءه بجلابته الأنيقة، نعم كان الحاج امحمد أبا حنيني نموذج المثقف العالم المغربي، في لباسه، في أناقته، في وداعته، في أدبه. وليس صدفة أنه ظل محافظا على لباسه الوطني طيلة حياته، لقد كان يبدو فيه بهيا، مهيبا، باعثا على الاحترام، وإن ربطة العنق تبدو من فتحتي جلابته عند صدره وكأنها إشارة إلى التجانس الذي يمكن للمثقف والإنسان عموما، أن يحافظ عليه بين الأصالة والمعاصرة، بين الشخصية الوطنية القوية والانفتاح المنتقى المنضبط.
هكذا كان الحاج امحمد أبا حنيني، وهذا ما ترمز إليه حياته، فلم يكن مجرد إنسان عادي، بل كان نموذجا. وإني إذ أؤكد على هذا الجانب من شخصيته كرمز، أقول مرة أخرى، أنه كان وطنيا أيضا على مستوى ما يمثله ثقافيا وأدبيا وعلميا.
أيها السادة :
يحضرني بيتان من الشعر ربما كان قائلهما فقهيا من فقهائنا الذين دونوا الحكم وحتى الأحكام في أشعارهم، والبيتان هما :
حـفـظ اللــغــات عـلـيـنـا        فـرض كـحـفـظ الـصـلاة
فـلـيــس يـحــفــظ ديــن         إلا بـحـفــــــظ اللــغــات
وفي الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم انتدب الصحابي زيد بن ثابت رضي الله عنه ليترجم له ما يرد عليه من الكتب من الأعاجم، وقال عليه الصلاة والسلام : <<تأتيني كتب لم يعلمها أحد فهل تستطيع أن تتعلم السريالية، فقال : نعم، فتعلمها، وكان يترجم للرسول صلى الله عليه وسلم من الفارسية والرمومية والقبطية والحبشية>>.
وأريد بهذا أن أؤكد حقيقة قد لا يعرفها القاصرون في العلم، وهي أن تعلم اللغات يكاد يكون من قبيل الواجبات على كل مسلم قادر على ذلك. ولكن تعلم اللغات وإتقانها والإحاطة بواسطتها بالمعارف المختلفة شيء، وإحلالها محل اللغة العربية شيء آخر، فاللغة العربية هي لغتنا دينا وحضارة، وجدانا وفكرا، فإذا كانت الصلاة تبطل بغير لغة القرآن، إلا في حالات نادرة متعلقة بمن يستحيل عليهم تعلمها، فإن الهوية الوطنية، والشخصية القومية لا تصح ولا تثبت إلا بلغتها، نطقا ومعاملة، كتابة وتخاطبا، تفكيرا وشعورا، وإذا كنت لا أستطيع إخفاء ما أشعر به من ألم وأنا أرى ما تلاقيه العربية
من امتهان وتهميش، وما أشاهده من تعجم ألسنة بعض الناس، فإني واثق ومؤمن بأن اللغة العربية ستخرج بإذن الله عالية الرأس من هذه الفتنة التي أصابت القلوب والأفكار، وهي فتنة تشبه في آثراها ما تلحقه المواد السامة من دمار بالطبيعة وبالبيئة. وثقتي هذه نابعة، وبلا حدود، من أن لهذا البيت ربا يحميه، ويذود عن حرمته ومقدساته وحضارته، ألا وهو أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله وحقق أمانيه، فهو الحريص في كل مناسبة على التذكير والتحذير والتوجيه والتنوير، ويكفي المتفرنسين لكي يتعظوا، أن يروا المثال الذي يقدمه جلالته، فهو المثال الأكثر قوة وإشراق لجميع الأجيال، المثال الحي للمثقف الأصيل المغربي، المؤمن القوي، حينما يتحدث باللغة العربية فهو فارسها، وحينما يتحدث بالفرنسية فهو الماسك بأعنتها.
أيها السادة : أشكركم على حسن استماعكم.
ورحم الله فقيد العلم والدب الحاج امحمد أبا حنيني، وعوضنا عنه، وأرشد العاقلين إلى تدبر ما كان يمثله كنموذج للمثقف المغربي الأصيل العريق.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here