islamaumaroc

دعوة الرسول دعوة الحق.

  عثمان ابن خضراء

العدد 280 محرم الحرام- صفر الخير 1411/ غشت- شتنبر 1990

كلما هل ربيع الأول من كل عام استشرقت نفوس المسلمين من كل صقع من أصقاع البلاد الإسلامية لبزوغ اليوم الثاني عشر منه : يوم ولادة الرسول الأعظم منقذ البشرية وهادي الإنسانية تستنشي فيه عبير الأخلاق العالية، وتتنسم نسائم الرجولة الحقة والبطولة النادرة والهداية الكاملة.
إنه ليوم أغر من الزمان مشهر في أسام السنة كلها : يذكرنا بالشريعة السمحة والنعمة السابغة والعزة الغالية والمجد الكامل والشرف المؤبد التي تجمعت كلها في مدلول اسم محمد (صلع) فكان من إشراقها على الكون ما سطرته صحائف الوجود من نهضة دينية صادقة تلتها نهضة فكرية ونهضة سياسية عاصفة اجتاحت دعائم الحكم الوثني والتقاليد الرجعية الباطلة... وأقامت على أنقاضها دولة فتية في أمد قليل جمعت إلى الدين الصحيح حسن السلوك في المعاملات الفردية والجماعية، وإلى الدعوة الخالصة إلى الأخوة والمساواة والعدل... خلوص الضمير وصدق المبادئ.
ثم ما فتئت تلك الدولة ترسل أشعة هدايتها إلى الخافقين وتنير الطريق للسارين، وتبشر بالدين القويم، وتهذب بالأخلاق السامية، حتى أحدثت انقلابا كبيرا هز أعصاب الدنيا المخدرة ودفع ركب الحياة المتهالك الذي كاد يسقط إعياء وكلالا... إلى أن يستجد نشاطه ويعزز آماله ثم يسير قدما إلى الأمام بانيا منتجا، كما تتطلبه منه الفطرة المستقيمة ويمليه عليه الشعور بالكمال.
حقا إنه نور أضاء أرجاء العالم بعد أن كان يتخبط في دياجير ظلام الجهل والفاقة والبغضاء والشحناء والتطاحن المادي، حيث كان العالم عموما والعرب خصوصا قبل مولد هذا النور الذي هو سيدنا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، تتحكم فيه النزعات والأهواء وتقبض على زمام أمره العداوة والبغضاء وتسيطر عليه الإقطاعيات.
لقد سجل التاريخ يوم مولد الرسول الأعظم والنبي الأكرم في صفحاته الذهبية... وشرف للتاريخ أن يضم بين صفحاته صفحات ناصعة، براقة مشرقة لا تشوبها أية شائبة من حياة سيد الكائنات ومنقذ البشرية... وشرف للإنسانية أن يكون في طليعتها ومقدمتها لا ككل الناس... إنسان هو الطهر كله، وإن شئت قلت اجتمعت فيه معاني سامية، فإذا أردت أن تعبر عن معنى للفضيلة وجدتها تنطبق على شخصية الرسول نفسه... وهكذا قل في كل معنى للكرم... والعزة... والأمانة... والصدق... والإخلاص... والوفاء... والتواضع... والحلم... والشجاعة... وغير ذلك.
نعم لم يكن للعرب ذكر سوى أنهم قوم رحل يعبدون الأصنام والأوثان، لكن لما أراد الله تعالى أن يكرم هذه الأمة بعث منها نبيا عليه السلام، وكان بعثه انقلابا عظيما في حياة العرب، فأصبحوا أمة ذات سيادة وعزة وكرامة، ودانت لهم بفضله أمتان عظيمتان هما : الفرس والروم، فانطوى الجميع تحت لواء سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وسوت كلمة الإسلام بين الجميع، بين الغني والفقير، بين الشريف والوضيع، بين العظيم والحقير، لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى، وأكرمهم عند الله أتقاهم، وبذلك انمحت العصبية القومية، وسدت في الوجود الفوارق والحيثيات الشخصية.
إن المكتبات العالمية شرقا وغربا تزخر بالعديد من المؤلفات والأبحاث والدراسات عن شخصية الرسول العظيم عليه الصلاة والسلام، وفيها يجد الباحثون والدارسون ذخيرة لدراساتهم في تلك الشخصية الخصبة الثرية، يجدون الزوايا الجديدة التي يناقشونها لأنهم تقدموا بكل ما يملكون من أسلحة علمية وأدبية وفنية – فقد شغلت سيرة الرسول الأكرم عددا وافرا من القدماء منهم <كتاب السيرة> كابن إسحاق، وابن هشام، والواقدي، وابن سعد... ومنهم المؤرخون كالطبري وابن الأثير... ومنهم الفقهاء القضاء كالقاضي عياض – كما شغلت شخصيته عليه السلام كثيرا من المحدثين كطه حسين، وتوفيق الحكيم،، وحسين هيكل وغيرهم من الكتاب العرب المسلمين، وكذلك كثيرا من المستشرقين كدر منقيم، وطور أندري، ودومنيين، وبلاشار وغيرهم.
 إن الإنسان ليقف حائرا وقد طالع ما طالع من تلك الكتب، وإننا لنعلم عن الرسول سيدنا محمد (صلع) شيئا كثيرا، إلا أننا نحس في أنفسنا شوقا شديدا إلى المعرفة، فكأن هذه الكتب لم تبرد غليلنا، وكأن أصحابها لم يوفوا الرسول حظه من الدرس والبحث، أو كأنهم اقتصروا على بعض مظاهر حياته وأغفلوا الأخرى، ثم إننا نلمس عند هؤلاء الكتاب تباينا في النظر إلى الرسول، لاسيما عند المحدثين منهم عامة والمستشرقين خاصة – فأكنهم عجزوا عن فهم حياته وشخصيته، أو لم ينهجوا في بحوثهم مناهج البحث العلمي الصحيح، أو غالوا في استعمال أصول النقد الحديث.
إننا حينما نذكر في كتب السيرة أو كتب الحديث نجد مادة غزيرة جدا ودقة في التقييد وتثبيتا في الرواية، فنأنس إلى صور من حياة الرسول قريبة من مأخذها، شبيهة بأصلها فتميل نفسها إلى تصديقها والاقتناع بوصفها.
إن نظرة القدماء إلى حياة الرسول أصفى وأصدق لا يشوبها ما للمحدثين من الخيال القصص، وما لبعض المستشرقين من الغلو في النقد والإسراف في مذاهب الشك.
فمن القدماء من وصفوا محمدا نبيا، ولكن محمد نبي، فإن لم تعتبر لنبوته شأنا فكيف لك التأليف في حياته تأليفا صحيحا؟ ومنهم من وصفه بشرا، ولكن محمدا بشر أيضا، فإن لم تره بشرا فكيف لك فهمه فهما صحيحا؟
ومنهم من وصفه فاتحا بطلا وحاكما ذا مهارة في تسيير شؤون أمته الفتية، وبراعة في تكوين دولة عتيدة وسياسة أمورها ولكن محمدا رئيس دولة ناشئة نامية القوة، فإن لم تره كذلك فكيف لك أن إدراك ما كان في حياته من مظاهر الحنكة السياسية وما زرعه في دولة الإسلام المتكونة الصاعدة من بذور القوة والقدرة على الغلب؟
وعلى كل، فما من كاتب أو باحث في المغرب أو في المشرق يستطيع أن يحصر شمائل النبي الكريم أو يحصي فضائله، فعاش حياة كلها حسنات، وخطا خطوات كلها مكرمات، في أعماله القدوة الحسنة، ومن أفعاله التعليم والإرشاد، وفي سلوكه الأسوة الصالحة.
فنقطة البدء في عمله عليه السلام كانت إعداد جيل مؤمن يقدر على حمل رسالة الإسلام وتبليغها للناس كافة، وهذا الإعداد كان على نهج الإسلام الذي ارتضاه الله تعالى لهذه الأمة، وسار الكثير من الخلفاء الراشدين على سبيله، والذين آمنوا بسيدنا محمد وتسابقوا إلى الإسلام، وأكثرهم من الفقراء والضعفاء، أصبحوا بفضل إيمانهم الصادق أئمة الدنيا وعمالقة المجتمع وسادة الوجود.
كنت ترى الرجل منهم على ضعف جسمه وضآلة جسده، وقلة ماله، وشدة فقره يدخل على الملوك والقياصرة والأكاسرة يهزهم ولا يهتز... ويخيفهم ولا يخاف منهم، ويرهبهم ولا يرهب منهم... وذلك لأنه قوي بالله تعالى، غني بالحق، عزيز بالإيمان، هكذا رباهم الإسلام ودربهم على الشرف والكرامة، والعزة والنزاهة.
فالمؤمن الذي أراده محمد (صلع) هو ذلك...
الرجل الذي لا يلين لأنه الحق.
الرجل الذي لا يخيف لأنه العدل.
الرجل الذي لا ينحرف لأنه الإنصاف.
الرجل الذي لا يضعف لأنه القوة.
الرجل الذي لا يكذب لأنه الصدق.
الرجل الذي لا يخون لنه الأمانة.
الرجل الذي لا يتذلل لأنه العزة.
وبهذه الصفات الفاضلة وهذه الشيم الكاملة وهذه الشمائل السامية واجه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام الحياة الجديدة في ظلال الإسلام، فلم تصدهم قوة الظلم، ولم توقفهم جحافل الكفر، ولم يقهرهم سلطان مهما بلغ من الطاقة... فلئن ضاقت بهم ربوع مكة فأمامهم الآفاق الفسيحة في أرض الله الواسعة المديدة.
ولئن ابتعدوا عن موطنهم ومسقط رؤوسهم، فوطنهم إيمانهم أينما ذهبوا، وحيثما رحلوا وكيفما حلوا، والإيمان هو الإيمان، في كل مكان وزمان، يزداد مع الأحداث تألقا وبريقا، إذا الإيمان منبعه القلب ومصدره الروح... والإيمان الحقيقي في يد صاحبه مقود يوجهه نحو الخير ونبراس يضيء أمامه ظلمة الحياة.
الله أكبر – لقد ولد الإسلام بميلاد نبي الإسلام، فنشأ هذا الدين صغيرا ضعيفا، كما نشأ صاحبه يتيما وحيدا، ثم يكبر رويدا رويدا وينمو ويترعرع فينشر بين العرب ألوية الأمن والعدل والحرية والمساواة... ولا تنتصر على جزيرتهم وحدها، بل تنتقل إلى الفرس والعجم، فتغزو قلوبهم وتخرجهم من ظلمات الجهالة والشرك إلى نور المعرفة والتوحيد والمدنية.
ويتألق الإيمان ويتأصل بين حنايا الضلوع حتى يجعل صاحبه فوق الحياة، فلا يعبأ بنوازلها، ولا يهتز أمام أحداثها ولا يفتتن بمصائبها.
إن سمة هذا الدين الإسلامي هو التوحيد أشهد أن لا إله إلا الله وتثبيتا في القلب بالإيمان برسالة هذا الرسول ثم بتهذيب نفس الإنسان بالصلاة، وتزكيتها بالزكاة، وبتعويدها الإخلاص في السر والعلانية بالصوم ثم بالهجرة إلى الله تعالى والتجرد من ثياب الدنيا وبهائها، وزينتها بالحج والسعي إلى الله... وفي كل هذه العبارات العملة تحقيق وحدة الإنسانية... فيها اجتماع ومؤاخاة ومساواة وتبادل المنافع وسد الحاجات وقضاء الحقوق ومشاركة المشاعر وألفة القلوب. هذه الوحدة الإنسانية المتمثلة  في الصلاة جماعة وإلى قبلة واحدة، وصوم شهر واحد، والوحدة في الهجرة إلى مكان واحد متفرعة من توحيد الله سبحانه الذي جاء به هذا الرسول الكريم سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه.
لقد جاء ميلاده الشريف ليدعو الناس إلى مكارم الأخلاق، وكان احسن الناس خلقا وبذلك أحبه أتباعه وأصحابه، واحتمى بظل عدله حتى خصومه وأعداؤه، ودعا إلى معاملة الناس بالعدل والقسطاس حيث نزل عليه من ربه ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى ).
كمـا أقرت ولادته الكريمة الدعوة إلى الشورى والتشاور، ونفذ أوامر ربه الـذي خاطبـه قـائـلا : (وشاورهم في الأمر) ومدح المتشاورين عندما قال سبحانه : ( وأمرهم شورى بينهم ) فكان عليه السلام يستعين بآراء صحابته الكرام ويستأنس بها ولا يتوانى عن الأخذ بما هو صالح وحصيف منها.
جاءت طلعته البهية عليه السلام لتدعو الناس إلى التعاون على الخير والتآزر في صيانة المصلحة العامة للمسلمين واعتبرت المجتمع الإسلامي كالجسد الواحد إذا اشتكى منه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، ودعت إلى التكافل الاجتماعي وسد حاجات الفقراء والمحتاجين والمعوزين وتأمين وسائل الحياة الضرورية لهم.
والإسلام دين ودنيا يرشد ويربي ويعظ ويخاطب ويخطط، ويرسم الطريق للمسلمين في حلمهم وغضبهم، في سلمهم وحربهم، في صداقتهم وخصومتهم، في حكمهم وعدلهم، في حنوهم وعطفهم مع أصدقائهم وخصومهم، مع أتباعهم وشانئيهم... في تعاملهم وتجارتهم وفي سائر مناحي الحياة. ولم يقبض الله تعالى نبيه ومصطفاه إلى جواره الكريم إلا بعد أن شهد بعينيه نصر الله الذي وعده إياه، واطمأن (صلع) على أن الله سبحانه قد أعد لهذا الدين حراسا أمناء وقادة أشداء اتبعوا تعاليم نبيهم ورعوها حق رعايتها وأقاموا معالمها حتى خفقت راية الإسلام على العالم أجمع.

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here