islamaumaroc

أثر الإيمان في تربية الشباب

  محمد حدو أمزيان

العدد 280 محرم الحرام- صفر الخير 1411/ غشت- شتنبر 1990

الشباب هم عصب النشاط والحيوية والأمل في الأمة، ومصدر قوتها وضعفها، وغناها وفقرها، وهم الحلقة الذهبية في الحياة الاجتماعية المتسلسلة بين الأجيال باستمرار، وهم الذين يقلبون التاريخ، ويعززون الأمم ويخلقون التيار، لذلك يستحقون العناية كلها، سواء من الدولة أو من العائلة أو المجتمع عموما في التربية والتوجيه والإرشاد، فالأمة تتكون من ثلاثة حلقات : الأطفال والشباب والشيوخ. فالأطفال مصدر المتعة والأنس، والشباب مصدر العمل والإنتاج والقوة، والشيوخ مصدر التوجيه والتخطيط والمراقبة، فإذا كان هناك تعاون بين هذه الطبقات، وبالخصوص بين الشباب والشيوخ، الشباب يعمل والمشيخة توجه كان هناك خير كثير وفضل عميم، وإن لم يكن هناك تعاون بل بالعكس انفقدت الثقة بينهما بحيث صار الشباب يسخر من الشيوخ ويلعنهم ويخالفهم ويلح في مخالفتهم، وينظر إليهم بالنقص والنفور والتحقير، والشيوخ نفضوا أيديهم من جهتهم من الشباب، وأهملوا أمرهم ولم يبالوا بعنايتهم كان هناك شر كبير وانفكاك وذلة للجميع.
وبما أن الشباب له هذه المزية والقوة والفعالية بين هذه الطبقات الثلاث كان دائما موضوع المسابقة بين قوة الصلاح وقوة الفساد من جعلهم تحت نفوذها، فقوة الإصلاح تقوم على تربيته تربية وطنية واعية نظيفة، وتغرس فيهم جذور الماضي لتجني منهم آمال المستقبل، وتجعله أداة نشيطة للبناء والإنتاج، يسير وفق خطة التوجيه والإرشاد من الشيوخ، وقوة الفساد بالعكس تعمل على فك الترابط وإشاعة الجفاء بين هذين الطبقتين حتى لا تكون ثقة بينهما ولا تعاون، فإذا ذهبت الثقة وانخرم الترابط انخرم التعاون وضاع الجميع، وتصير كل طبقة منهما تعيش الفراغ لا تستطيع أن تعمل شيئا، كل واحد يشكو من مرض، ولا يهتدى إلى علاج، فيسهل أمر مثل هذه الأمة على غيرها، ونقاد للتبعية لغيرها، وتقع تحت سيطرة ذلك الغير واستغلاله.
فمن يستطيع أن يضع يده على الشباب، ويستولي على أمره، استطاع أن يضع يده على الأمة كلها، ويستولي على شؤونها كلها، لأن الشباب هو الصفحة البيضاء التي يكتب فيها مصير الأمة، وهو العجين الذي يكيف حسب الرغبة المثلى، وهو الغصن
الذي تلقح فيه الأمة كلها، ليكون بعد ذلك ثمارها حلوا أو مرا، وهذا يبدأ مبكرا من مرحة الطفولة في فترة النشوء والنماء، إذ في هذه الفترة يكون الشباب في حالة تجعله يقبل كل شيء ويحسن النية في كل شيء،كالرضيع يتمصص كل ما يقع في يده خيرا وشرا، وهذا ما يساعد على أن يخلق منه الإنسان الذي يريده الموجه حسب رغبته الهادفة لشيء معين، كان جليلا أو حقيرا.
وإذا كن الشباب هذا أمره في قبول التوجيه والإرشاد، وهذا أمره في الاعتماد على الغير في التلقي والتربية في بداية الأمر، (الناس على دين ملوكهم)، فماذا ينبغي أن نقدمه له وما لا ينبغي؟ هل الضمير أو المهنة، هل العلم الكلي أو العلم الجزئي؟ والضمير أو العقيدة أو العلم الكلي كلها أشياء ترجع إلى شيء واحد، وهو إفراغ الإنسان الوليد في قالب معين في العقيدة لينمو على وفقه، وعلى شكل معين، كما أن العمل أو المهنة أو العلم الجزئي كلها أشياء ترجع إلى شيء واحد، وهو إنتاج ذلك الشخص، وبما أن الأعمال لا تصدر عن المرء إلا وهي منفعلة بضميره وعقيدته، ولا تصدر عنه إلا وفق نمطه، كان الواجب أولا أن نصلح فيه العقل وهو مصدر الإنارة ونصلح فيه الوجدان مصدر الرغبات، ومصدر المشاعر وهو الضمير، لأنه الأصل الأصيل في بنيان الإنسان.
وهذا يعني أن الإنسان صناعي لا طبيعي، أو يعني تصنيع الطبيعة، أي ندخل عليها الصنعة ونهذبها وفق رغبة الأمة الاستراتيجية أو الأولية، ونعتني به في هذا السبيل مزيدا من العناية، لأنها منبع الاستقامة، ومنبع وضوح الرؤية، والسلوك النظيف، ومنبع الفلاح والرشاد أو الغواية والضلال، فالعلم عموما نوعان : نوع يتعلق بجزئيات حياتنا، وهو الذي نتلقاه في المدارس والكليات، ويشتمل على عدة فنون وعلوم، ونوع لا يتعلق بجزئيات حياتنا ولا بمعاملاتنا وإنما يتعلق بنا نحن أي ببناء الإنسان نفسه، والإنسان عقل وضمير ولسان والباقي هيكل لبناء هذه الأركان وصيانتها، وهذه الأركان الثلاثة دائما تتغذى من العقيدة، وتستقي عملها من العقيدة وتصطبغ إنتاجها بصبغة العقيدة، وعليه فالعقيدة هي كل شيء في الإنسان، وهي التي تمثل العلم الكلي الذي يخلق فينا شعورا خاصا بمكانتنا ودورنا في الدنيا ورسالتنا في الحياة، ويخلق فينا شعورا بالكون وشعورا بمن خلق هذا الكون والإيمان به والالتجاء إليه وعبادته وفق ما بلغنا عنه من رسله الأبرار وهذا هو الصراط المستقيم الذي يجب أن نسلكه في حياتنا مع بعضنا.
إن هذا العلم الكلي له حكم الأصل والأساس، وعلومنا الجزئية هي فروع لهذا الأصل الكلي، وعلى استقامته أو اعوجاجه تتوقف أفكارنا وأعمالنا وشؤون حياتنا صحة وفسادا، لأن معرفة الصلاح والفساد تتوقف على معرفة الخير والشر في الوجود، ومعرفة الخير والشر في الوجود تتوقف على معرفة ما هو دورنا في الحياة؟ أو لماذا خلقنا، أو ما الغاية وراء وجودنا في هذه الدنيا؟ فإن كان الاعتقاد أن حياتنا طبيعية، وأن وجودنا طبيعي ليس له وراء بعد، وأن السعادة والشقاء هما م نرى في هذه الحياة، وأن الحياة محصورة في الحياة الدنيا، وأن الموت هو النهاية لوجودنا، فلا بعث ولا حساب ولا جزاء بنار ولا بجنة، تصبح حينئذ قضية الخير والشر قضية غامضة بل مضطربة، كل واحد يفسر الخير والشر على حسبه هو، وحسب مصلحته المنظورة له، أما المصلحة العامة، وأما الأخلاق والدين والمساواة، وأما الضمير والإنسانية المطلقة فلا يكون لشيء مما ذكر معنى في هذا المجتمع، وغنما يكون المجتمع حينئذ عبارة عن جماعة من الأفراد مفككين عن بعضهم روحا وخلقا ودينا، تتحكم فيهم الغرائز الطبيعية ذئابا على بعضهم والقوي يأكل الضعيف، والعدل هو مصلحة الأقوى، ففي مثل هذا الإطار ينعدم مقياس موحد بينهم لمعرفة الخير والشر، أما إذا كان المجتمع يسوده دين التوحيد، يعتقد بوجود إله واحد فوقنا جميعا، إياه نعبد وإياه نستعين، وعلى شريعته نسير في دنيانا، وعليها تتمحور حياتنا وغدا سيحاسبنا بالعدل على ما قدمنا، فإما إلى الجنة وإما إلى النار فحينئذ يتميز الخير والشر للجميع، لأن ما رآه الدين من خير فهو خير للجميع، وما رآه شرا فهر شر للجميع، إذن فمعرفة الخير والشر ترتبط بالعقيدة العامة بين الناس. بالعقيدة القرآنية عند المسلمين.
وواضح أن أهليتنا للحياة وفق تعاليم الإسلام تترتب على عملنا بشريعته، بيد أنه لا يتاح لنا دائما تحقيق ذلك على الوجه المطلوب إذا كان الأمر بيننا فرادى لا جماعة، لأنه وإن كانت الغاية الأساسية للدين الإسلامي هي إصلاح الناحية الفردية للإنسان، فإن مما لا ريب فيه أن جزءا كبيرا من الإصلاح الفردي لا يمكن تطبيقه إلا عن طريق مجهود جماعي موحد لعدد من الأفراد، وهكذا فإن الفرد مهما صحت عزيمته فإنه لا يتمكن بحال من الأحوال أن يصوغ جماعته على نحو يتفق مع تعاليم الإسلام دون أن يصوغ المجتمع الذي يعيش فيه شؤون حياته بكامله في الإطار الذي يرسمه الإسلام، ومثل هذا التعاون الواعي بين أفراد المجتمع لن ينبثق من مجرد الشعور بالأخوة فيما بينهم، لأن فكرة الأخوة لابد لها من أن تترجم إلى حركة عملية اجتماعية هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى قوة رادعة جماعية تضمن لأفراد المجتمع أن يعيشوا في حرمة وعزة وحرية وكرامة، يشعرون أن أمرهم بيدهم، وكرامتهم وعزتهم في الحفاظ على دينهم وعقيدتهم وتاريخهم، فإذا لم تتوفر لهم قوة جماعية للدفاع عن كيانهم ونظامهم ونهج شريعتهم في الحياة فإن عصيان فرد من الأفراد في مسلكه قواعد السلوك العام للمجتمع المسلم يجعل وظيفة الآخرين في محاولة تحقيق المثل الأعلى صعبة، وتزداد صعوبة كلما ازداد هؤلاء العاصون حتى يتفكك الأمر كله، وفي الصحيح " أنهلك وفينا الصالحون، قال نعم إذا كثر الخبث "، وقال تعالى : << كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون >>.
قلنا سابق : فمعرفة الخير والشر ترتبط بالعقيدة العامة بين الناس، بالعقيدة القرآنية عند المسلمين، تنحصر في الإيمان بالله وتوحيده بالعبادة والافتقار، والعمل بما يخدم هذا التوحيد من أصول وفروع، وهذا يستلزم الشعور بأن ما عداه مخلوق ضعيف لا يعطي ولا يمنع، وبأنه لا ألوهية في الأرض لا في العلم ولا في الحكم ولا في العطاء إلا لله وحده سبحانه، وأي نظام يوضع للتربية وتهذيب الشباب يجب أن يقوم على أساس المرتكزات الأساسية للأمة يخدم تاريخها وتراثها وآمالها في المستقبل، فإن كان هذا العلم الكلي صحيحا سالما أي فإن كانت العقيدة  العامة سليمة نظيفة حية فلابد أن يكون نظام التربية العام صحيحا سالما، وإن كان فيه نوع من الضعف أو الارتخاء أو التذبذب فلابد أن يكون ينعكس ذلك على نظام التربية والتهذيب أيضا، وهذا العلم الكلي هو الذي يسمى في اصطلاح القرآن بالإيمان، وهو الذي ظل ينشره ويخدمه بمختلف الوسائل وبمختلف المواعظ ثلاثا وعشرين سنة في المجتمع المحلي بالجزيرة العربية، إشارة إلى أن إصلاح العقيدة هو الخلية الأولى في بناء المجتمع الصالح لكل أمة، (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) والمراد به هنا العقل الكلي في الإنسان الفرد، منه تتفرغ جميع ألوان الفكر، ومنه تستقى جميع التأملات الفردية والجماعية، فالإيمان بالله والاطمئنان إليه والوثوق في نصرته وتوفيقه هو الأساس الفكري لحياته العملية وسيرته الشخصية، ومنه يستلهم أخلاقه وشعوره، ومنه يستله الثبات والصبر في الأزمات، والقوة والنصر في الملمات، وهو الذي يطبع حياة المسلم بالاستقرار والصمود والأمل أمام التيارات والمذاهب العاصفة حينا فحينا، ويعصم ذهن المسلم من داء التشتت والتمزق والضياع سواء في حالة الضعف أو حالة القوة، ويبقى هو في كلتا الحالتين معا كالطود الشامخ.
وكمثال لذلك في أثر الإيمان بالله ونصره في الشباب المسلم نأي بالملك محمد الخامس رحمه الله نموذجا في الموضوع، فإنه جاء دوره في الجلوس على العرش العلوي المجيد في عهد متدن منفك هابط، فقد توج ملكا في عهد الحماية، توجوه صغيرا رجاء أن يسهل تكييفه على حسب المنهاج السياسي المخطط بهندسة الحماية، فأخذ يسير الأمور حسب ما سمحت به الحماية أن يسيرها، وفي نفس الوقت وهو واع لما حوله، وواع لدوره وتاريخه وما يرجى منه من بلده وما يرجى منه من قبل الحماية، فاستطاع أن يقوم بالدورين معا بوعي ذكي، فهو في الوقت الذي وجد الباب أمامه مسدودا في خدمة بلده استطاع أن يخلق لنفسه مسارب أخرى يتصل بها بشعبه وبعناصر من الشباب الحي، ويخدمه وبربيه وفق تعاليم الإسلام، ويزرع فيه بذور العزة والكرامة، بذور الملكة الحية التي تجعله يعمل للانعتاق من الحماية وبناء المغرب المسلم الجديد بكيفية لا تتناقض مع المنهاج السياسي المسموح به في تسيير الأمور العامة في المدرسة والشارع في إطار الحماية، ومع الزمان أخذ أثر هذه التربية يظهر في الشباب شيئا عموديا وأفقيا معا، أو عمقا وانتشارا معا، حتى رأى أن الوقت قد حان للصدع بكلمة الحق، فعمل سياسته مع المسؤولين الفرنسيين أن يسمحوا له أن يزور طنجة الدولية على أساس أنها جزء من المغرب، فالفرنسيون لا تغضبهم الزيارة إلى طنجة، لأن طنجة، ومع الأسف نظرا لما ينتشر بين السباب من الانحلال في الأخلاق والبلبلة في العقيدة، والميوعة في الالتزام في الوقت الحاضر تأثرا بالتيار الحضاري المادي الغربي، الذي يهب على بلادنا بالقوة يدفعنا الحق أن نقول أن التربية الدينية أو الوطنية أو المثل العليا للشباب المسلم كان في عهد الحماية أقوى مما هو في عهد الاستقلال وأنبل وأنظف منه، رغم أن الشباب الذي يتلقى التعليم في المدارس الرسمية في عهد الاستقلال يعد بالملايين، بينما في عهد الحماية لا يتعدى أربعين ألفا بين تلاميذ وطلاب ومتوسطين، فإننا في عهد الاستقلال نشعر بأن الناحية الروحية في تعليمنا العمومي ضعيفة جدا، ومعالمها في الامتحانات لا قيمة له، فهي بحاجة ماسة إلى العناية والتقوية بما لا حد له، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا أن الصبابة القليلة مما يمكن أن يسمى بالتربية الخلقة أو الدينية هي إلى النظريات أقرب منها إلى الممارسات بدليل إسنادها في الغالب إلى غير الملتزمين بخلق أو دين، وكذلك الشعب الإسلامية التي كثيرا ما يتولاها غير المتخصصين، وبقدر ما كان التعلم عندنا على مدى قرون مصطبغا بالصبغة المغربية سواء كان تعليما فلسفيا أو طبيعيا أو رياضيا أو لغويا، فهذا لفهم الدين ونصوصه، وهذا للرد على شبه الملحدين، وهذا لمعرفة قدرة الخالق، وهذا للتوسع في آفاق المعرفة للعمل على صلاح المعاش والمعاد إلى غير ذلك صرنا والغاية من التعليم هي المادة ولا شيء غير المادة، والتربية المادية دائما تعيش الضحالة والسطحية وحب الظهور، ولا علاقة لها بعزة النفس ولا بقداسة المبدأ ولا بحرمة الدين ولا بشرف الكلمة ولا بحب التضحية ولا بناء مجد الأوطان، وهذا انحراف ضال ينتج أشباه رجال ولا رجال.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here