islamaumaroc

الأصول الإسلامية للحقوق الإنسانية -2-

  أحمد أفزاز

العدد 280 محرم الحرام- صفر الخير 1411/ غشت- شتنبر 1990


لقد جاء الخطاب الملكي بتاريخ 8 مايو 1990 عند تنصيب المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بالمملكة المغربية، مؤسسا على مجموعة من القواعد والأصول القائمة على النظرية الإسلامية العميقة للحقوق الإنسانية.
وفي حديث سابق نشر بهذه المجلة، قدمت مدخلا لدراسة الحقوق الإنسانية انطلقت فيه من الرؤية الحسنية السامية اعتمادا على الخطاب الملكي المشار إليه.
وأعود اليوم لنفس الموضوع لدراسة زاوية أخرى من زوايا حقوق الإنسان المتعددة الصور، وأخص بالذكر مبدأ المساواة، ومبدأ التساوي في الحقوق والالتزامات، وجعل هذه القاعدة مفروضة في كل تعامل بين الناس بقول تعالى : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم (1) وإذا دعي الإنسان إلى أداء شهادة لم يكن له أن يفرق بينه وبين خصمه أو والديه والأقربين إليه، أو يفرق فيها بين الغني والفقير، يقول تعالى ) يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما )(2) ويؤكد هذا رسول الله  فيربي المسلمين على أنهم سواسية كأسنان المشط لا فضل لأحد على الآخر إلا بالتقوى.
روى أبو هريرة رضي الله عنه، قيل يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال (أتقاهم)(3) وفي بعض روايات خطبة الوداع أن الرسول  قال : (أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، ليس لعربي فضل على عجمي ولا لعجمي فضل على عربي ولا أسود على أبيض ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى)(4) .
ويلاحظ من خلال التأمل في هذه النصوص أن الشريعة الإسلامية فرضت المساواة بين الناس وجعلتها عامة ومطلقة فلا تمييز لجماعة على أخرى ولا لقبيلة على قبيلة أخرى لا باللون ولا بالأصل وأفضل الناس أقربهم إلى الله وأتقاهم.
لقد كان الناس يتفاضلون بالأصل والنسب، والجاه، والمال، والقبيلة والعشيرة واللون، والجنس، ولسمو رسالة الإسلام رفعت الناس إلى مستوى واحد، وجعلتهم سواسية في التحمل والأداء، وفي الالتزامات والحقوق وفي الفرائض والعزائم والرخص.
وفي التطبيقات العملية لهذه القواعد بيان واضح لأهمية هذه المساواة في الإسلام.
لنأخذ مثلا حقوق الإنسان في إطار ما للرجل وما للمرأة وما عليهما من واجبات لنرى كيف طبق الإسلام نظريته تطبيقا يتفق مع طبيعة الرجل والمرأة ويظهر مدى عدالة الشريعة الإسلامية وسموها، وإحاطتها للمرأة على الخصوص بكامل العناية والرعاية والاهتمام، والمثال واحد من المشاهد الإسلامية في المساواة.
إن أحكام الشريعة الإسلامية تهدف دائما إلى جلب المنافع وبيان السبل إليها لسلوكها، ودفع المضار وبيان ما يؤدي إليها لتجنبه.
القاعدة التي يقوم عليها الإسلام أن المرأة والرجل متساويان في الحقوق والواجبات، وفي المسؤولية والجزاء أمام أحكام الشريعة، فلها ما للرجل من حقوق، وعليها ما على الرجل من تحملات والتزامات، وهي تلتزم للرجل بما يقابل التزاماته لها، فكل حق لها على الرجل يقابل واجب عليها، وكل حق للرجل يقابله واجب على الرجل لها، ويقرر هذا قول الله تعالى : (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) (5) ويسوي بينهما في الجزاء فيقول تعالى : ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) (6) ويقول في نفس الموضوع: ( ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة )(7).
ويؤكد ذلك مرة أخرى في قوله تعالى : (للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ) (8) ، هذا في عمل الصالحات، وفي عمل السيئات، يسوي الإسلام في الجزاء فيقول الله عز وجل : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) (9) ويقول : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله )(10) فإذا انتقلنا إلى الحقوق المدنية نجد أن النظرية الإسلامية لا تنقص المرأة شيئا متزوجة كانت أو غير متزوجة، فشخصيتها وأهليتها قبل الزواج تستمر بعده في التحمل في الأداء، فتجري مختلف العقود من بيع وشراء وهبة وقرض، ووصية ووديعة ووكالة وغيرها، وما تملكته بسبب تلك التصرفات يبقى خالصا لها لا يشاركها فيه غيرها من زوج أو أب أو ولد، بل حتى الصداق الذي دفعه الزوج من ماله تملكه الزوجة كله أو نصفه، ولا يجوز للزوج أن يسترد منه شيئا إلا في الحدود الشرعية ( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا) (11) كما يقول الله تعالى، وفي آية أخرى : ( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة، فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا) (12) وفي ميدان اكتساب العلم والمعرفة والثقافة، لم تفرق أحكام الإسلام بين الرجل والمرأة، فأباحت لها الحصول على كل أنواع المعرفة أدبية كانت أو علمية بل أوجب على الاثنين معرفة الأمور الضرورية في الدين والدنيا، حتى إذا قام واحد منهما بعبادة الله أو أداء الفروض الإسلامية قدمها على الوجه الصحيح المحدد في أحكام الإسلام، فالله لا يعبد عن جهل، ولكن يعبد عن علم ومعرفة، وإذا تصرفت المرأة أو الرجل بشؤون الحياة الاجتماعية وجب على كل منهما أن يكون عارفا بما يجوز التصرف فيه وبما يمنع، وأحوال كل منهما، فهذه أمور لا يحصل عليها الإنسان رجلا أو امرأة إلا بالعلم والتعلم، والخشية من الله في التصرفات الإنسانية إنما تتم بالعلم ( إنما يخشى الله من عباده العلماء)(13) ويقول تعالى : ( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) (14) فمسؤولية التعلم هنا عامة ومطلقة تشمل الرجل والمرأة، وفي الحديث أن رسول الله ? قال (طلب العلم فريضة على كل مسلم) (15)، وإذا كان طلب العلم واجبا على كل مسلم، فهو شامل للذكر والأنثى، لعموم اللفظ، وفي حديث آخر يقرب إلى هذا الموضوع فيقول فيه الرسول ? (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين )(16) ولفظ <من> جنس يشتمل النوعين معا الذكر والأنثى.
ومن تتبع مواضع الفقه الإسلامي نجد مجموعة من الأحكام تخص النساء فقط، وعليهن معرفتها لتطبيقها في حالاتهن، زيادة على اشتراكهن في أحكام الرجال العامة، ولا يتأتى الاطلاع على ذلك إلا بالعلم والمعرفة، وعرض السؤال وفهم الجواب، والتفقه في الدين.
ويشمل مبدأ المساواة في الإسلام بين الرجل والمرأة الحق في العمل مثل حق الرجل، فأباح الإسلام للمرأة القيام بالأعمال المشروعة التي تحسن أداءها، ولا تتنافى مع طبيعتها، ولا تمس بكرامتها، أو تعرض أنوثتها للتبدل، فإذا استطاعت المرأة القيام بوظيفة سواء في القطاع العام أو الخاص في وقار وحشمة وصون لنفسها وخلقها، فإن ذلك جائز شرعا مادام ذلك لا يؤثر على وظيفتها الأصلية في صيانة بيتها وزوجها وأولادها، وإن إنتاج ولد صالح يعرف ربه ودينه، ويتخلق بخلق الإسلام أصلح للمجتمع من إنتاج أي شيء آخر، وهذا العمل لن تقوم به أية مؤسسة كانت درجة تخصصها غير مؤسسة الأم، لأن المؤسسات الاجتماعية قد تضمن الحاجيات المادية للطفل، ولكنها لن تستطيع أن تعطيه كل الحاجيات الروحية، لأن هذا من اختصاص الأمومة، فكان من أجل هذا دور الأم في البيت أفضل للأمة من دورها خارجه. 
إن الشريعة الإسلامية، مع تقريرها لقاعدة المساواة بين الرجل والمرأة، ميزت الرجل على المرأة في مجموعة من الأمور نقف معها وقفة قصيرة لنرى هل في ذلك حيف عليها، أم أن ذلك نابع من وظيفة كل منهما في المجتمع الإسلامي.

1- الإشراف على الأسرة :
جعلت الشريعة الإسلامية للرجل درجة على المرأة بنص الآية في قوله تعالى:(وللرجال عليهن درجـة)(17) وبينت حدودها وأسبابها في قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهن على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم )(18) فالدرجة التي أعطاها الإسلام للرجل على المرأة وهي الرئاسة والقوامة على شؤونهما المشتركة في البيت والأسرة قائمة على سببين اثنين :
أولهما : أن الرجل هو المكلف بالإنفاق وهو المسؤول الأول عن الأسرة وعن تدبير أمور حياتها مسكنا ولباسا وصحة وتربية، فهل من العدالة أن يلتزم الرجل شرعا بهذه المهام ولا تعطى له الكلمة العليا فيها. <إن السلطة التي أعطيت للرجل إنما أعطيت لـه مقابل المسؤولية التي حملها ليتمكن من القيام بمسؤولياته على خير وجه>(19).
ويؤكد تقرير هذه المسؤولية ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله (صلع) يقول : <<كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها>>(20).
فمسؤولية الرجل في أهله هي مسؤولية الدرجة التي أعطيت له وتخص الأمور المشتركة التي تقوم بها الأسرة، ولا تتجاوزها في الأمور الخاصة بالمرأة، فالتصرف في مال الزوجة مثلا لا يدخل في سلطات القوامة فهي مثل الرجل في حق التملك والتصرفات فيما تملك.
وثاني السببين : لمنح سلطة الإشراف على البيت للرجل أن المرأة يغلب عليها الجانب العاطفي وقوة الانفعال وحركة الوجدان، وليست هذه نقيصة أو عيبا فيها، ولكنها جزء من تكوينها الطبيعي كامرأة، وبدون ذلك لا تستطيع المرأة أن تقوم بوظيفتها كأنثى، الأمومة وهي من وظائف المرأة تفرض وجود العطف والحنان، والحضانة وهي من اختصاصها حتى في حالة غيبة الأمومة تجعل الجانب الوجداني في معاملة المحضون أكثر حضورا من غيره.
إن قوة العاطفة وغلبة الحنان والوجدان في المرأة مظهر من مظاهر كمالها وكمال أنوثتها، وهو أمر محمود فيها، وبخلو ذلك منها يجعلها فاقدة بجزء كبير من مهامها الحياتية، بينما الرجل وهو يسعى لتدبير أمور البيت والتفكير في مواجهة المتطلبات اليومية يغلب عليه في تصريف ذلك جانب التروي والتأمل والإدراك الكامل ووضع الحسابات مرتبة، فكيف لا تكون له القوامة والرئاسة البيتية؟
ومع هذه السلطة تكلف الشريعة الإسلامية الرجل بمعاملة زوجته بالمعروف يقول تعالى :( وعاشروهن بالمعروف ) (21).
ويقول : (فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف )(22). ويقول رسول الله (صلع) في خطبة حجة الوداع : <<فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله>>(23).
معاملة المرأة بالإحسان والمعروف، وفي دائرة من التقوى أمر مطلوب حتى مع القوامة والقيادة الأسرية.
إن جعل الإسلام قيادة البيت في يد الرجل ينبغي أن يكون مبنيا على الرحمة والمودة والمحبة والإرشاد والإحسان، وفي إطار يحفظ كرامة المرأة ويصونها ويحقق مصلحتها ومصلحة الأسرة كلها، فرئاسة البيت للرجل رئاسة توجيه وعطف، لا رئاسة سيطرة واستبداد.
إن الإسلام ينظم عمل الجماعة ولو كانت مكونة من شخصين، فيجب على أحدهما تدبير الأمر في حضر كانا أو سفر، وإعطاء القوامة لأحد الشريكين في البيت أمر <ضروري> ولا يصلح لها إلا من تحمل تبعات بناء الأسرة والمحافظة على أمورها وهو الزوج.

2- الميراث :
ونظرية الإسلام في الميراث قائمة على توزيع الثروة التي جمعها الموروث ليعمل كل واحد من الورثة في تنمية ما يصل إلى يده منها، حتى تكون هي بدورها محل توزيع جديد بعد الوفاة، يقول تعالى : ? للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا (24). وحدد حظوظ الطرفين الرجال والنساء بقوله تعالى : ? للذكر مثل حظ الأنثيين (25)، ويتم هذا بين الزوجين وحتى بين الأبوين في كثير من الأحيان فيكون نصيب الأب ضعف نصيب الأم.
وأساس هذه التفرقة يمكن حصره فيما يقع على عاتق الرجل من تكاليف وتحملات عائلية لا يقع مثلها على المرأة، فكان من العدل أن يقع هناك تمييز في الأنصبة مادامت المرأة ستحتفظ بمالها لنفسها، بينما يجبر الرجل وحده على الإنفاق منه على بيته وأهله.
إن عدالة الإسلام في قسمة التركة جاءت بنظام متكامل وبأحكام شاملة فيها إنصاف وفيها رعاية، وفيها إحقاق للحق وصيانة المجتمع من الخلل والزلل فصلحت بذلك شؤون الخليقة إلى يوم الدين(26).

3- الشهادة :
لقد فرق الإسلام في أداء الشهادة بين الرجل والمرأة في بعض الأحيان فجعل شهادة الرجل تعادلها شهادة امرأتين، يقول تعالى في كتابه  الحكيم : ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) (27).
ويرجع سبب ذلك إلى ما ركبه الله في طبيعة المرأة من تغليب جانب العاطفة والوجدان على جانب العقل والإدراك، فإذا شهد رجل بواقعة وشهدت مع امرأتان فإن شهادتهما يكمل بعضها البعض، وتذكر كلتاهما الأخرى بما يمكن أن يفوت عليها أو ما غلبت عليها فيه عاطفتها، غير أن الأمور التي تتعلق بالنساء فقط ولا يعرفهن غيرهن تجوز شهادة المرأتين وحدهما فيه، وقد نص الفقهاء على حالات قبول شهادة المرأتين في مثل الولادة والحيض والحمل والسقط والاستهلال والرضاع وإرخاء الستور، وفي كل ما تحت ثيابهن (28).

4- الطلاق :
شرع الإسلام الطلاق لعلاج ما يقع داخل البيت من سلبيات لا تجد وسيلة للإصلاح كالتنافر في الطبائع أو فساد الأخلاق، كما شرع التطليق للضرر أو العيب أو الغيبة أو الإعسار أو غير ذلك من الأسباب الأخرى، وجعل الأول بيد الزوج، والثاني رهن إشارة الزوجة لاستعماله عند الحاجة وبواسطة السلطة القضائية.
عندما أباح الإسلام الطلاق وجعله بيد الزوج حذر من استعماله بشتى الأسباب والعلل، فتحدث عن قدسية عقد الزواج ( وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا ) (29).
وقال فيه رسول الله (صلع) <<أبغض الحلال عند الله الطلاق>>(30)، وتحدث القرآن عما يمكن أن يكون سببا في الطلاق من كراهية بعض أخلاق الزوجة، لكنه نص صراحة على أن ذلك قد يجعل الله فيه خيرا كثيـرا، (وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) (31)، وحث على إجراء الصلح والتحكيم لعلاج سلبيات الحياة الزوجية، كل ذلك لصالح استمرار علاقة الشركة البيتية، وأخيرا وضع الإسلام التزامات مالية على الزوج في حالة استعمال سلطته في الطلاق من أداء مؤخر الصداق ونفقة العدة بما تشتمله من أكل وشرب ولباس وسكن وحق التمتيع ( ومتعوهن على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره، متاعا بالمعروف )(32).
وتشريع الإسلام لحق الزوجة في طلب التطليق إذا أثبتت سببا شرعيا له، يكون توازنا في الحقوق من المنظور الشرعي.
إلا أن السؤال الذي يطرح في الموضوع هو لماذا جعل الإسلام الطلاق بيد الرجل وعلى لسانه، ينطق به متى شاء، ويكون لازما له، وجعل حق المرأة في شأنه متوقفا على إثبات سبب شرعي له، وعلى أن يكون ذلك بيد السلطة القضائية ويستفسر بعض السائلين عن موقع ذلك في إطار حقوق الإنسان ومبدأ المساواة في الإسلام.
نعلم جميعا أن تشريع الطلاق وفسخ علاقة الزوجية أقره الإسلام ليغني الله كل من سعته ( وإن يتفرقا يغن الله كل من سعته) (33).
إن منح الزوج وحده حق الطلاق وبدون مسطرة قضائية غير الإشهاد عليه لتوثيقه يقوم على أسباب أدبية ومعنوية وعلى أسباب مادية، فالأسباب الأدبية تعود إلى أن الرجل خلقه الله، وأعطاه طاقة عقلية أكثر من الطاقة العاطفية لمواجهة أحداث الحياة بعقله لا بقلبه، وهو بمقياس الرجل العادي – لا يلجأ إلى استعمال سلطة الطلاق إلا بعد تفكير وترو، وتأمل وتدبر، لكونه يقدم على أمر فيه مخاطر على الأسرة والبيت وعلى حياته الاجتماعية نفسها، وهو لهذا لا يستعمل هذا الحق إلا في المرحلة الأخيرة من صعوبة تسوية الخلافات الزوجية، فإعطاء الرجل هذه السلطة وحده اعتبارا للضمانات التي تجعله لا يستعملها إلا بعد دراسة وتفكير.
أما المرأة فقد جعل الله طاقتها العاطفية تأخذ حجما أكبر من قدرتها القلبية في تكوينها النفسي والإنساني، ولو ملكت حق طلاق زوجها بإرادتها المنفردة لفعلت ذلك لأتفه الأسباب ولأبسط الأحداث، ولأصبحت الحياة الزوجية والأمن الداخلي للبيوت في أشد حالات الخطر الاجتماعي مما يعرض الأسرة للتفكك بسبب فورة عاطفية جامحة قد تكون عابرة.
أما الأسباب المادية لجعل الطلاق بيد الزوج دون الزوجة فهو أن الالتزامات المالية والاعتمادات المصرفية تقع على مسؤولية الزوج، فهو لمكلف بالإنفاق وتدبير احتياجات الأسرة من سكن ولباس وتطبيب وتربية وتعليم، والشارع يقرر أن حل ميثاق الزوجية يفرض على الزوج مصاريف بيتية مدة بقاء الزوجية في مرحلة العدة، وكأن علاقة الزوجية في تكاليفها المادية لم تنفصم، بل يزيد الزوج تحملا بأداء تعويضات التمتيع ودفع مؤخر الصداق مما لم يكن مطلوبا قبل الطلاق.
والزوج عندما يتدبر أمر الطلاق ويفكر فيه يتصور هذه التحملات، وقد تجعله يرجع عن عزمه على الطلاق، ويؤثر الصبر على بعض المتاعب مقابل متاعب أشد في إطار التوجيه القرآني الكريم ( فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) (34). وتكون تلك التحملات المادية دافعا له على عدم إجراء فرق بينه وبين زوجته.
ولكن المرأة ليست ملتزمة بتكاليف مادية في قضية الطلاق مثل سلطة الرجل، لأجرته دون التفكير فيه، بل ربما لتكسب منه جانبا ماديا، دون النظر للخسارة المعنوية، وللخسارة الاجتماعية التي تصاب بها الأسرة.
إن هذا التمييز الذي أقرته الشريعة الإسلامية رعت فيه المصلحة العامة وأمن الأسرة والبيت والمجتمع، ولن تتضرر منه المرأة كلما استعمله الزوج في إطاره الشرعي وضمن حدود التربية التي ينشأ عليها المسلم.
إن بعض الكتاب المسلمين يعترضون على الشريعة الإسلامية في موقفها هذا، ويطالبون بإبطال سلطة الطلاق التلقائية من الزوج وجعلها في يد القضاء مثل سلطة التطليق التي تلجأ إليها الزوجة، محاولين بذلك استبدال شريعة الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، بشريعة الإنسان الذي يتأثر بالأحداث ويخضع لمظاهر اجتماعية قد تكون فيها المصلحة ظرفية، وتبتعد عن القصد الإسلامي في التشريع.
إن لبيت الزوجية أسرارا أمر الله بحفظها وصيانتها، وعندما جعل الطلاق بيد الزوج أراد أن لا ذاع تلك الأسرار، وأن لا تنزل إلى قاعة المحاكم، وتنشر بين العموم بما فيها تبادل التهم وخلق الأسباب.
إن الشريعة الإسلامية عندما جعلت الطلاق بيد الزوج دون استجوابه عن أسبابه وبواعثه، واستفساره عن أسراره وعلاقاته مع زوجته كانت ترمي بذلك إلى صيانة كرامة المرأة وحفظها في نفسها وعفتها من أن تنزل إلى الميدان لتوزن بمقاييس قد تكون مختلفة التركيب ومتعددة التوجهات.

5
- الطاعة الزوجية :
تقوم قضية الطاعة الزوجية على أساس إجبار الزوجة على السكن في بيت الزوجية (إن الزواج مؤسسة شرعية تؤدي وظيفة اجتماعية غايتها الإحصان والعفاف وتكثير سواد الأمة بإنشاء أسرة على أسس مستقرة تكفل للمتعاقدين تحمل الأعباء في طمأنينة وسلامة وود واحترام)(35).
وتضع هذه المؤسسة على عاتق الزوجين واجبات وحقوقا متبادلة، في توازن اهتمت به الشريعة الإسلامية بالأحكام والقواعد المقررة في الموضوع.
ومادام الزوج له الإشراف والمسؤولية في توجيه شؤون الأسرة واختيار السكن المناسب للاستقرار المادي والنفسي فإن الزوجة لا يجوز لها أن تهجر بيت الزوجية، يقول تعالى : (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم )(36)، فإذا خالفت ذلك وفرت من بيت الزوجية الذي يضمن لها الصيانة والعفاف والكرامة والاستقامة فإن إجبارها بطريقة مشروعة على الرجوع لبيت الزوجية لأداء حقوق الزوج والأسرة، والقيام بواجباتها الشرعية أمر ليس فيه مس بحقوق المرأة كإنسان، ولكنه تنفيذ لالتزامات شرعية يكفلها عقد الزواج.
وكما تجبر الشريعة الإسلامية على الطاعة تنفيذا لحق الزوجية، تجبر الزوج على الإنفاق والقيام بواجبات الأسرة، وقد يصل الأمر إلى درجة حبسه في إطار إهمال الأسرة.
إن تدخل الشارع بأمره للمرأة بالطاعة الزوجية مثل تدخله بإلزام الزوج بمساكنة زوجته ومعاشرتها بالمعروف، وفي ذلك مصلحة الفرد والمجتمع، وليس في ذلك إهدار لحق الزوجة، أو التقليل من كرامتها وإنسانيتها، والأوضاع بهذا الشكل تكون التوازن والأمن الاجتماعي المطلوب على مستوى الأسرة.
ومن مبادئ حقوق الإنسان في الإسلام في نطاق قاعدة المساواة، التسوية في الحقوق والواجبات بين المسلم وغير المسلم، فالذمي الذي يكون في بلد غير إسلامي وتحت حكم المسلمين له حقوق كباقي المسلمين، وعليه واجبات تقابلها، فلهم مالنا، وعليهم ما علينا في الحدود التي يضبطها الإسلام.
فللذميين على الدولة الإسلامية حمايتهم كما تحمي رعاياها وتقضي لهم أو عليهم كما تحكم في شؤون المسلمين، إلا ما تعلق بأمور عقيدتهم فإنها تتركهم يتحاكمون لها، بل وصل الأمر بمعاملة السلطة لأهل الذمة إلى إسقاط بعض التزاماتهم تجاه صندوق الدولة، فقد روى أبو يوسف في كتاب الخراج وأبو عبيد في كتاب الأموال أن عمر رضي الله عنه، مر بباب قوم وعليه سائل يسأل –شيخ كبير ضرير البصر – فضرب عضده من خلفه، وقال : من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال : يهودي، قال : فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال : أسأل الجزية والحاجة، والسن، قال : فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله، فرضخ له بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال، أنظر إلى هذا وضربائه فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم.(37) ومن الدروس التي أعطاها رسول الله (صلع) للمسلمين للتعامل مع غيرهم من أهل الذمة ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : مر بنا جنازة فقام لها النبي (صلع) وقمنا به، فقلنا يا رسول الله إنها جنازة يهودي، فقال إذا رأيتم الجنازة فقوموا (وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى، فقال رسول الله (صلع) : أليست فيه نفسا)(38).
وفي قراءة لمعاهدة تسليم مفاتيح مدينة القدس إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يوضح موقف الإسلام من المساواة بين المسلمين وغيرهم، تقول معاهدة الصلح : (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيليا من الأمان : أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم، وصلباتهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، إنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيليا معهم أحد من اليهود)(39).
هذه أحكام الإسلام الواضحة في مواجهة الأقليات التي لا تدين بالإسلام وفيها من الضمانات ما لا نجده في أي شريعة أو قانون آخر حتى العصر الحاضر.
واقتصر في الحديث عن مبدأ المساواة في الإسلام على الصور والمشاهد السابقة ولعل فيها ما يكفي لإغناء فقه حقوق الإنسان بالأحكام والقواعد والأصول.

(1)  الآية 13 من سورة الحجرات.
(2)  الآية 135 سورة النساء.
(3)  أخرجه البخاري في كتابه الأنبياء <باب قول الله تعالى : (واتخذ الله إبراهيم خليلا)>
(4)  أخرج الحديث أحمد في مسنده من حديث أبي نظرة، أنظر الوصية النبوية للدكتور فاروق حمادة.
(5)  الآية 28 من سورة البقرة.
(6)  الآية 97 من سورة النحل.
(7)  الآية 114 من سورة النساء.
(8)  الآية 32 من سورة النساء.
(9)  الآية 2 من سورة النور.
(10)  الآية 38 من سورة المائدة.
(11)  الآية 229 من سورة البقرة.
(12)  الآية 4 من سورة النساء
(13)  الآية 28 من سورة فاطر.
(14)  الآية 9 من سورة الزمر.
(15)  أخرجه ابن ماجة في المقدمة.
(16)  أخرجه البخاري من كتاب العلم.
(17)  الآية 228 من سورة البقرة.
(18)  الآية 34 من سورة الأنبياء.
(19)  التشريع الجنائي الإسلامي لعبد القادر عودة ص 28 ط. الأولى.
(20)  أخرجه البخاري في كتاب الجمعة ومسلم في كتاب الإمارة.
(21)  الآية 19 من سورة النساء.
(22)  الآية 231 من سورة البقرة.
(23)  أخرجه الإمام في حديث جابر بن عبد الله في كتاب الحج.
(24)  الآية 7 من سورة النساء
(25)  الآية 11 من سورة النساء
(26)  الميراث العادل في الإسلام للشيخ أحمد بن العجوز.
(27)  الآية 282 من سورة البقرة.
(28)  تبصرة الأحكام لابن فرحون، بهامش فتح العلي المالك للشيخ عليش، ج 1، ص 293 طبعة دار الفكر، وانظر الطرق الحكيمة لابن القيم الجوزية ص 221 تحقيق الدكتور محمد غازي.
(29)  الآية 21 من سورة النساء.
(30)  أخرجه ابن ماجة في كتاب الطلاق.
(31)  الآية 19 من سورة النساء.
(32)  الآية 236 من سورة البقرة.
(33)  الآية 130 من سورة النساء.
(34)   الآية 19 من سورة النساء.
(35)  نص المادة الأولى من مدونة الأحوال الشخصية المغربية.
(36)  الآية 6 من سورة الطلاق.
(37)  أوليات الفاروق السياسية للأستاذ عبد الكافي القرشي ص 232.
(38)
(39)  مجموعة الوثائق السياسية لمحمد حميد الله، ص 488 ط دار النفائس.

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here