islamaumaroc

حديث "السلطان ظل الله في الأرض" ثابت عن النبي (صلعم) ومشهور مستفيض -2-

  إبراهيم ابن الصديق

العدد 280 محرم الحرام- صفر الخير 1411/ غشت- شتنبر 1990

  التمس مني بعض الإخوة الأفاضل أن أكشف له وجه الصواب في المساجلة العلمية الدائرة حول حديث <<السلطان ظل الله في الأرض>> فاعتذرت له بما ألم بي من مرض في المدة الأخيرة، وبن الموضوع يتطلب غير القليل من البحث لا أقوى الآن عليه، غير أنه لم يقبل مني هذا العذر وألح بالغ الإلحاح، راجيا الإجابة على قدر الاستطاعة وبالقدر الذي يقنعه من حكم النقاد على الحديث، فلم تسعني مخالفته، إلا أنني اشترطت عليه إيجاز القول، والاكتفاء بالإجمال على البيان مرجئا جمع الطرق والكلام عليها بتفصيل إلى وقت لاحق إن شاء الله تعالى.
إذا تتبعنا أصول الحديث المسندة، نجد أن هذا الحديث مخرج فيها عن عدد من الصحابة – رضي الله عنهم – ومن عدة طرق وروايات، وأن مخارج تلك الروايات كثيرة، وكالعادة فيما تتعدد مخارجه من الأحاديث وتكثر طرقه، يكون فيها الصحيح والحسن والضعيف، مثل حديثنا هذا.
فقد جاء في حديث ابن عمر وأبي عبيدة بن الجراح وأنس بن مالك وأبي هريرة وأبي بكرة وأبي بكر الصديق.
فحديث أبي بكر الصديق عزاه الأخ الحافظ سيدي أحمد بن الصديق رحمه الله في كتابه <<فتح الوهاب بتخريج أحاديث الشهاب>> إلى أبي الشيخ بن حيان ولم أقف إلى سنده.
وحيث ابن عمر وأبي عبيدة ضعيفان، وحديث أنس ورد عنه من عدة طرق يرتقي بمجموعها إلى الحسن لغيره، على ما سيتضح.
ولما التزمته من التركيز، ووفاء بغرض السائل، سأرجئ الكلام على الضعيف من تلك الروايات – وفيها ما ينجبر ويتقوى بالمتابعات والشواهد – وأتحدث فقط – عن المقبول منها بنفسه أو بتعدد طرقه.

أولا :حديث أنس.
وهو حسن لغيره حيث ورد عنه من عدة طرق ليس فيها كذاب ولا متهم، فالطريقة الأولى أخرجها البيهقي (في السنن الكبرى 8/162) وفي (شعب الإيمان 6/18) من جهة عباس بن عبد الله الترقفي، نا سعيد بن عبد الله الدمشقي، نا الربيع بين صبيح عن أنس بن مالك عن رسول الله (صلع) قال : <<إذا مررت ببلدة ليس فيها سلطان فلا تدخلها، إنما السلطان ظل الله ورمحه في الأرض>>.
سعيد بن عبد الله الدمشقي، فيه جهالة، ولكن أصل الحديث هو : <<السلطان ظل الله في الأرض>> وارد عنه مرفوعا من طريق أخرى فيها مجهول أيضا هو أبو عون بن أبي ركبة، كما في العلل لابن أبي حاتم (2/409)، فقد روى خالد بن خداش عن عون بن أبي ركبة عن غيلان بن جرير عن أنس قال : قال رسول الله (صلع) : <<السلطان ظل اله في الأرض>>.
وقد أعل أبو حاتم الحديث بهذا الرجل لأنه مجهول ويلاحظ هنا أمران :
الأول : أن عون بن أبي ركبة قد لا يعتبر مجهولا على مذهب بن حبان في <الثقاة> إذ روى عن ثقة هو غيلان بن جرير المعولي الذي أخرج له الجماعة، وروى عنه خالد بن خداش من رجال مسلم والنسائي والبخاري في الأدب المفرد، ووثقه غير واحد، ولم يأتي ابن أبي ركبة بما ينكر، لأن الحديث معروف من جهات أخرى، كما تقدم ويأتي.
الثاني : على فرض أنه مجهول كما هو مذهب الجمهور، فمجيء حديث المجهول من وجه آخر يرتقي به إلى الحسن لغيره، قال الحافظ السيوطي في تدريب الراوي (177) عند قول النووي وهو يعدد ما ينجبر من الضعيف : <<وكذا إذ كان ضعفها لإرسال>> أو تدليس أو جهالة رجال كما زاده شيخ الإسلام يعني ابن حجر – زال بمجيئه من وجه آخر.
فتبين أن هذين الطريقين عن أنس يعتضدان فيجعلان الحديث من الحسن لغيره، فإذا أضفنا الطريق الثالثة التي أخرجها الديلمي في مسند الفردوس بلفظ :
<<السلطان العادل المتواضع ظل الله ورمحه في الأرض>> يرفع للوالي العادل المتواضع في كل يوم وليلة عمل ستين صديقا، (الفردوس للدليمي 2/343/رقم 3554)، والطريقة الرابعة التي عزاها الأخ الحافظ – رحمه الله – إلى أبي الشيخ بن حيان ولم أقف عليها. وما أخرجه البيهقي في (الشعب 6/18 رقم 7376) عن أنس موقوفا بلفظ <<السلطان ظل الله في الأرض>> فمن غشه ظل ومن نصحه اهتدى، لم يبق مجال للشك، في تحسين هذا الحديث بجميع مقاييس أهل الحديث.

ثانيا :حديث أبي هريرة، وهو حسن لذاته.  
أخرجه أبو محمد الحسن بن عبد الملك بن محمد بن يوسف في أماليه،(1) ومن طريقه ابن النجار في ذيل تاريخ بغداد، قال أبو محمد بن يوسف : <<قرأت على أبي محمد الحسن بن محمد الخلال، قلت له حدثكم أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين إملاءً، ثنا أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني، ثنا أحمد بن عبد الرحمان بن وهب، حدثني عمي عبد الله بن وهب عن يونس (2) عن ابن شهاب الزهري عن سعد بن المسيب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله (صلع) : <<السلطان ظل الله في الأرض>> يأوي إليه الضعيف، وبه ينتصر المظلوم، ومن أكرم سلطان الله عز وجل في الدنيا أكرمه الله يوم القيامة>>.
هذا الحديث إن لم يبلغ رتبة الصحة فلا يقل عن درجة الحسن لذاته، فالخلال وابن شاهين وأبو بكر بن أبي داود صاحب السنن، هم الأئمة الأعلام ولا كلام فيهم، وعبد الله بن وهب ويونس بن زيد الأيلي أخرج لهما أصحاب الكتب الستة، فلا يوضع فيهما نظر، والزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة من الأسانيد التي قيل فيها إنها أصح الأسانيد.
ويبقى النظر في أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي بن وهب، وهو كغيره من الرواة الذين حكم النقاد على حديثهم بالحسن الذاتي، أي انه مختلف فيه، وثقه بعضهم وتكلم فيه آخرون من جهة ضبطه، ويكفيه أن الإمام مسلما روى عنه واحتج به في صحيحه، فهو قد اجتاز القنطرة من هذه الناحية، لأن مسلما روى عنه مباشرة أي بعد أن خبر حاله واستطلع جلية أمره، فلم يظهر له فيه بحاسته النقدية المعروفة ما يخل بروايته، واحتج به ابن حزم، ووثقه ابن القطان الفاسي وتشددهما في الرجال معروف. فإن أدلى مذل بما استنكره بعض الأئمة من أحاديثه بعد تغييره بأخرى، فقد استعرض ابن عدي في <الكامل> العديد منها، وليس هذا منها، ثم ليس فيه ما يستنكر لأن لمتن الحديث بقريب من هذا اللفظ شاهدا قويا من حديث أبي بكرة يرفع كل احتمال للوهم أو سوء الحفظ من جهة ابن أخي ابن وهب، لهذا قلت آنفا : إن هذا الحديث إن لم يكن صحيحا فلا ينزل عن رتبة الحسن لذاته. وبحديث أبي بكرة الذي هو في درجته يبلغ الحديثان درجة الصحيح لغيره كما سيتضح.

ثالثا : حديث أبي بكرة.
ولفظه : <السلطان – أو الإمام – ظل الله في الأرض، فمن أكرم سلطان الله تبارك وتعالى في الدنيا أكرمه يوم القيامة، ومن أهان سلطان الله عز وجل في الدنيا أهانه الله يوم القيامة>.
هذا الحديث أخرجه عدد كبير من الأئمة – على ما سيأتي بيانه – إلا أن بعضهم كأحمد والترمذي جزأه فروى منه طرفا، وروى الآخرون لفظه كاملا، و إلا فهو حديث واحد ورد بسند واحد في قصة واحدة، هي سبب تحديث أبي بكرة به.
1- كونه حديثا واحدا، فقد قال الأخ – رحمه الله – في <فتح الوهاب> ب/283، بعد أن ذكر طرق وألفاظ حديث ابن عمر :
<<ورواه أحمد والطبراني في الكبير، والبيهقي في الشعب، ومن حديث أبي بكرة رفعه: الإمام ظل الله في الأرض. ولفظ البيهقي : السلطان ظل الله في الأرض، فمن أكرم سلطان الله تبارك وتعالى في الدنيا           
أكرمه الله... إلا أن الإمام احمد لم يذكر في أوله الإمام بل قال : من أكرم سلطان الله. الحديث ورجاله ثقاة كما قال الحافظ نور الدين <يعني الهيثمي> في <مجمع الزوائد>.
وقال : في 1/351 .. <<حديث : من أهان سلطان الله أهانه الله، ومن أكرم سلطان الله أكرمه الله، أحمد والترمذي، والطبراني، والبيهقي، والقضاعي، من حديث أبي بكرة عن النبي (صلع) وقال الترمذي حسن غريب>>.
2- كون سنده واحدا، فإن كل من أخرجه من الأئمة الذين ذكرهم الأخ – رحمه الله – بالإضافة إلى ابن أبي عاصم في السنة، والبيهقي في السنن الكبرى أيضا، رووه من طريق حميد بن أبي حميد مهران الخياط الكوفي الذي قال فيه الحافظ في <التقريب> <ثقة من السابعة> عن سعد بن أوس العدوي، عن زياد بن كسيب البصري، عن أبي بكرة رضي الله عنه.
3- كون قصة التحديث به واحدة أن غالب من رواه ذكر تلك القصة التي أجملها الإمام الترمذي بسنده إلى زياد بن كسيب قال : <كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر وهو يخطب، وعليه ثياب رقاق، فقال أبو بلال : انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفساق، فقال أبو بكرة : أسكت، سمعت رسول الله (صلع) يقول : <<من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله>> (سنن الترمذي 4/502).
فمخرج الحديث إذن واحد، اختصر بعض الأئمة لفظه، وأتى به الآخرون على وجهه، ولاتحاد مخرجه قال فيه الإمام الترمذي عقب إخراجه : <حسن غريب> أي حسن لذاته، غريب حيث لم يرو إلا من وجه واحد،(3) وهذا في غاية الوضوح ولا إشكال فيه بالنسبة إلى منهج الإمام الترمذي في سننه، فقول الأستاذ المعلق على <فتح الوهاب> : إنه حديث حسن لتعدد طرقه – أي انه حسن لغيره – غير ظاهر ولا متجه بالنسبة إلى حديث أبي بكرة هذا، فإن اعتمد في ذلك على تحسين الترمذي ثم وجده يعرف الحسن عنده بقوله: <كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا ويروى من غير وجه نحو ذاك فهو عندنا حديث حسن، وقول العلماء إن ذاك هو الحسن لغيره. فالترمذي في قوله : <يروى من غير وجه> قد اشترط تعدد أسانيد الضعيف المنجبر ليكون الحديث حسنا لغيره عنده، كما يقول عند إيراد حديث من هذا النوع : وفي الباب عن فلان، يقصد جبر الضعف في السند الذي وقع إليه بالشواهد التي أشار إليها بقوله : وفي الباب إلخ.
وحديثنا هذا ليس كذلك، فليس له إلا سند واحد أي إنه غريب. والترمذي إذا حسن الحديث الغريب، قصد الحسن لذاته لا لغيره، كما بين ذلك بوضوح، الدكتور نور الدين عتر في بحثه القيم عن الموازنة بين سنن الترمذي والصحيحين ص 186، حيث قال وأما قوله... إلخ.
<وأما قوله : حديث حسن غريب، فمما يشكل من كلامه، لأن الترمذي فسر الحسن بتعدد الإسناد، والغرابة تفرد، فكيف يجمع بينهما في الحكم على حديث واحد وهما متناقضان؟.
أجيب بأن المراد بالغرابة من حيث الإسناد، وليس غرابة مطلقة، وهو مردود بقوله في بعض الأحاديث : حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، فهو تحسين مع التفرد المطلق.
فالجواب ما قال البقاعي : استعمل الترمذي الحسن لذاته، في الموضوع الذي يقول فيه حسن غريب ونحو ذلك، وعرف ما رأى أنه مشكل، أي أن التعدد يشترط حيث يفرد الحسن في وصف الحديث، فإذا قيد بالغرابة علم أن التعدد غير ملاحظ فيه مع بلوغ الحديث بنفسه رتبة الحسن فهذا ما أخذه من كلام الترمذي وحمل بعضه على بعض.
وإذا عرفنا أن حديث أبا هريرة بمفرده حسن لذاته، وحديث أبي بكرة كذلك، فقد قال الحافظ ابن أبي حجر في النخبة وشرحها :
<فإن خف الضبط... والمراد مع بقية الشروط المتقدمة في حد الصحيح فهو الحسن لذاته لا لشيء خارج...، وهذا القسم من الحسن مشارك للصحيح في الاحتجاج به وإن كان دونه، ومشابه له في انقسامه إلى مراتب بعضها فوق بعض، وبكثرة طرقه يصحح، وإنما يحكم له بالصحة عند تعدد الطرق، لأن للصورة المجموعة قوة تجبر القدر الذي قصر به وضبط راوي الحين عن راوي الصحيح. ومن ثمة تطلق الصحة على الإسناد الذي يكون حسنا لذاته ولو تفرد إذا تعدد>.
وعلى هذا فحديث أبي هريرة بانضمامه إلى حديث أبي بكرة يعتب صحيحا لغيره، فإذا انضم إليهما حديث أنس بطرقه، مع الطرق والروايات الأخرى التي يمكن أن تجبر، والتي وقع الاجتزاء عنها بما ذكر، ساغ القول بكل موضوعية، أن حديث : <السلطان ظل الله في الأرض> تحقق له مع الثبوت عن رسول الله (صلع) الشهرة والاستفاضة حتى لا تكاد تجد كتابا في الأحاديث المشتهرة إلا وهو يذكره ويفيض في ذكر طرقه وروايته ووجوه قبوله. والله أعلم.

(1)  توجد مجالس من أهالي أبي محمد بن يوسف بالمكتبة الظاهرية بدمشق، أنظر فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية، المنتخب من مخطوطات الحديث، وضعه الأستاذ محمد ناصر الدين الألباني ص : 202.
(2)  سقط من القطعة المطبوعة من <تاريخ ابن النجار> يونس بن زيد بن أخي ابن وهب وابن شهاب، لأن الأستاذ الألباني الذي وقف على أهالي أبي محمد ابن يوسف قال : إن الإسناد على شرط مسلم، أو كلاما نحوه.
(3)  أي أنه لم يقع للإمام الترمذي إلا من ذلك الوجه، ولم يعرفه إلا من ذلك الطريق كما يقول كثيرا في الغريب، ولا يقع ذلك من أن غير الترمذي قد وقف على طرق أخرى لهذا الحديث، فقد أخرج ابن أبي عاصم في السنة 2/492 عن أبي بكرة موقوفا عليه : من أجل سلطان الله اجله الله يوم القيامة. ولكن في سنده ابن لهيعة – وهو ضعيف – ورجل مجهول، وحيث أضاف الترمذي الغرابة إلى الحسن في هذا الحديث، فهو لم يقف على هذا الموقوف حتما.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here