islamaumaroc

خطاب صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأيده بمناسبة الذكرى 37 لثورة الملك والشعب.

  الحسن الثاني

العدد 280 محرم الحرام- صفر الخير 1411/ غشت- شتنبر 1990

وجه مولانا أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأيده، مساء يوم الإثنين 20 غشت 1990، خطابا ساميا إلى شعبه الوفي وذلك بمناسبة الذكر 37 لثورة الملك والشعب.
وكان جلالته خلال توجيهه لهذا الخطاب الكريم محفوفا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير الجليل سيدي محمد، وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي هشام.
وفيما يلي النص الكامل لهذا الخطاب الملكي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه.
شعبي العزيز
في يوم 20 غشت من كل سنة ألفنا أنا وأنت أن نلتقي لتبادل التفكير والحديث في الشؤون التي همتنا أو تلك التي سنعنى معا بتدارسها وتحقيقها.
تعلم شعبي العزيز أن والدنا جميعا المرحوم محمد الخامس طيب الله ثراه حينما أقبل على المطالبة بالاستقلال وحينما تزعم حركة المطالبة بالاستقلال كان قد خطط لنفسه برنامجا محكما ألا وهو تكوين الرجل المغربي والمرآة المغربية ليكونا معا جديرين – بفضل التفهم والفهم – بخوض المعركة والصبر طوال المعركة والنصر في آخر المعركة، ولم يكن عمله آنذاك مفهوما من الجميع، ولكن بصبره ومصابرته قاسمه شعبه شيبا وشبابا هذا المخطط وهذا البرنامج النبيل، وتيقن الجميع أنه – كما قال رحمه الله – لا يمكن لجسد أن يكون تام القدرة إذا كان نصفه مشلولا يعني المرأة المغربية.  
وحينما رأى رحمة الله عليه أن العنصر الأول قد بدأ يصبح جاهزا للعمل أراد أن يمتن مسيرته ويقوي عضد شعبه بالعنصر الآخر، ألا وهو العنصر العربي : عنصر الوئام وعنصر الالتئام وعنصر الوحدة في المطالب وفي المهام.
وهذا نراه سنة 1947 أي ثلاث سنوات بعد سنة 1944 ينتهز فرصة وجوده بطنجة وآنذاك كانت الجامعة العربية لازالت فتية وليدة سنتها فقال :
<مهتدين بتعاليم ديننا الحنيف الذي ألف بين قلوب المسلمين ووفق الأمة العربية المسلمة إلى التعاضد والتعاون حتى وضعت أسس تلك الجامعة الرشيدة التي متنت العلاقات بين العرب أينما كانوا، ومكنت ملوكهم ورؤساءهم في الشرق وفي الغرب من توحيد خطتهم وتوجيه سيرهم نحو الهداية الدينية والعزة الإسلامية والكرامة العربية>>.
وهكذا شعبي العزيز منذ البداية علمنا مربينا الكبير المرحوم رضوان الله عليه أن المعركة كيفما كانت لا يمكن أن ينجح صاحبها إلا إذا كان قويا في الداخل وكان له حلفاء في الخارج. وكم كنا آنذاك ونحن في ريعان الشباب نتطلع إلى يوم تشرق فيه فعلا هذه الوحدة العربية لنستنير بشمسها وشروقها ولنتفق جميعا من المحيط إلى الخليج لتخطيط برامج المستقبل ولرفع رأس العرب، ولجعل الإنسان العربي محترما ومكرما لا لماله ولا لبتروله ولكن لأنه استطاع أن يربط حاضره بماضيه فأصبح وهو يسير في الشوارع يشار إليه بأصابع التاريخ وأصابع الذاكرة لتذكر الجميع أن هذه الأمة كان لها شأن وأي شأن في الماضي في جميع الميادين. وهاهي اليوم تجعل نفسها رهن إشارة المجتمع العالمي والحضارة العالمية في خدمتها لتعمل مع جميع الشعوب وجميع الديانات لاستقبال القرن المقبل ولضمان – بعد إرادة الله سبحانه وتعالى – السلم والعيش الرغيد لأبنائها ولجميع بني الإنسان.
وكم يتفتت قلبنا حزنا ونحن نرى ما يحيط بالأسرة العربية، أنني لا أريد أن أجعل اللوحة أسود مما هي عليه، ولا أريد أن أختلف مع نفسي أو أن أخالف طبعي ألا وهو التفاؤل ولكن التفاؤل إذا لم يوضع ويحك بالواقع يصبح تفاؤلا خطيرا لأنه لم يبق بينه وبين الحلم إلا فرق قليل.
إنني حينما أقرأ وأسمع ما يروج في الشرق الأوسط وما يرج حول الشرق الأوسط في العالم بأسره أعتبر أن الأزمة التي تمر بها الأمة العربية والشعوب العربية هي أخطر أزمة في حياتها سواء في الماضي أو في الحاضر، ذلك لأنه ربما لا يمكن لأحد منا كيفما كانت معلوماته وكيفما كانت قدرة تحليلاته أن يتنبأ بالمستقبل، فمنهم من يرى المستقبل كالحا أسود، ومنهم من يراه مضطربا فقط، ولكن لا يوجد أحد يرى هذا المستقبل باسما وصحيحا وسليما. والذي أخشاه هو أن تكون بمثابة الحريق المهول الذي يحرق غابة خضراء فلا يترك عليها حيا من النبات والأشجار، فأخشى أن تحتاج غابة الأمة العربية إلى جيل لتسترجع حظوتها وتوازنها والألفة بين أعضائها.
علينا أن نتعلم من جديد ومن الآن، وأن نعلم أبناءنا وبناتنا جميعا في كل بلد من البلاد العربية كيف يحبون جارهم العربي إلى هذا الحد، وعلينا أن نعلمهم كيف يتعايشون مع الجار العربي، وعلينا أن نعلمهم كيف يتعاملون مع المواطن العربي، لأن العرب مع الأسف لم يصلوا إلى ذلك المستوى من المرئي والمسموع الذي حينما يراه أو يقرأه الشاب أو الطفل يبقى دائما عالقا بذهنه. بل لسنا نحن في مقدمة هذه المسيرة، ولكن خصومنا وأعداءنا لم قصب السبق في هذا الميدان، ولي اليقين أنه سيكتبون وسيؤلفون عن هذه المأساة ما يجعلونه كالسم القليل، ولكن المداوم عليه حتى يحاولوا أن يشتتوا نهائيا شملنا ويفرقوا صفوفنا.
فعلينا شعبي العزيز أن نلبس من جديد ثياب الوطني لا الوطني المغربي بل الوطني العربي لنصلح بين الإخوان، ولنبقى مع المشروعية من جهة، وليبقى المغرب كما كان دائما أرض لقاء ووطن إخاء من جهة ثانية. ومنذ أن جعلني الله سبحانه وتعالى على عرش أسلافي الماجدين وأنت ترى أن جميع المؤتمرات التي عقدت ببلدنا المغرب كانت مؤتمرات الصفاء والإخاء والتفاؤل والعمل البناء.
فعلينا إذن أن نأخذ بعزيمتنا وبوجداننا، وأن نكون لأنفسنا ولأشقائنا رسل الغد لا رسل اليوم أو الأمس. علينا أن نضمد الجراح وأن نواسي المجروحين وأن نداوي القلوب والنفوس. من المعلوم أن هذه المهمة صعبة لأن الأحقاد وصلت في بعض الأماكن ذروتها وبلغ التراشق بل التهديدات قمتها، فهل ستكون ذاكرتنا في مستوى وجداننا؟ إذا أردنا ذلك علينا أن تكون طاقتنا للنسيان أكبر وأعظم وأوسع من طاقة ذاكرتنا.
شعبي العزيز
في هذا اليوم المبارك السعيد الذي لولاه لما كنا نرتع في بحبوحة الاستقلال والسيادة، كنت مصمما على أن أخاطبك في شؤون داخلية مهمة جدا.
ولكن لي اليقين أن مرارة الأحداث التي تعيشها أمتنا تجعلك مثلي لا قابلية لنا لطرق أي موضوع غيره أو للتطرق لأي حديث غيره.
فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يذيب هذا الجليد المميت القاتل الذي صب علينا من المحيط إلى الخليج.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يطفئ هذه النار التي أخاف أن يذهب فيها الأخضر واليابس، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعطينا الحكمة والسداد حتى لا نطلق العنان لشهواتنا وحتى لا ننصت أكثر مما يمكن لمن يريد تورطنا وتوريطنا، نسأله سبحانه وتعالى أن يعطينا إيمانا بأنفسنا وإيمانا بالعبقرية والشخصية العربية، وإيمانا بقدرة العرب أن يذيبوا في أقرب وقت ممكن ما هو واقع بينهم ليتوجهوا ولهم القدرة على أن يتوجهوا ويوجهوا أنفسهم وطاقاتهم نحو المستقبل، القرن المقبل الذي ليس بيننا وبينه إلا تسعة سنوات، وليظهر آنذاك الرجل العربي من مغرب الأرض العربية إلى مشرقها أنه كفء لمواجهة ذلك القرن الجديد، وليظهر على أنه قادر على أن يبقى حاملا لأنساب آبائه وأجداده وليظهر في مستوى أولئك الذين قال فيهم الله سبحانه وتعالى : << من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا>>. صدق الله العظيم والسلام عليكم ورحمة الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here