islamaumaroc

ويأبى الله إلا أن يتم نوره

  دعوة الحق

العدد 280 محرم الحرام- صفر الخير 1411/ غشت- شتنبر 1990

يصدر هذا العدد من مجلة دعوة الحق بعد إشراقه مطلع العام الهجري الجديد 1411، وبعد حلول شهر غشت من سنة 1990، وبذلك يكون المغرب عاش ذكرى دينية عظيمة، وذكرى وطنية جليلة.
فالأولى عاشها المغرب كباقي العالم الإسلامي في مشارق الأرض ومغاربها، وهي هجرة نبينا الأكرم ورسولنا الأعظم سيدنا محمد (صلع) من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة. تلك الهجرة التي اقتضتها حكمة الله تعالى، وكانت بوحي وإذن منه سبحانه لرسوله، لتكون مرحلة حاسمة من مراحل الدعوة الإسلامية، وليكون لها ما بعدها من التحول الكبير في حياة الإسلام والمسلمين، ومسيرته الظافرة نحو إظهار دين الله ونصرته، وإتمام نوره وإعلاء كلمته، ونحو استقرار المسلمين واطمئنانهم على دينهم ونفوسهم وأموالهم وأعراضهم، واستجماع قوتهم وتكوين دولة الإسلام قوية مطمئنة، تحقيقا لقول الله الكريم ووعده الذي لا يخلف : ( هو الذي أرسله رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا ) وقوله سبحانه : (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويابى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ).
لقد كانت مرحلة الهجرة المحمدية التي استمرت عشر سنوات في المدينة المنورة قبل أن يلتحق (صلع) بربه راضيا مرضيا، كانت مرحة التأسيس لدولة الإسلام بكل ما تحمله من معنى وأسس ومقومات، وعناصر ومكونات، حيث استقر (صلع) بالمدينة المنورة، وصارت بلده الثاني ووطنه المحبب إليه وإلى صحابته الكرام، فأحبوها وسعدوا بها واطمأنوا لها كما كانوا يحبون مكة وأكثر، وقام عليه الصلاة والسلام ببعض الأعمال الأولية العظيمة، فأسس أول مسجد في الإسلام بعد الهجرة، هو مسجد قباء، وأسس بعده مسجده النبوي في المدينة، فكان ثاني الحرمين الشريفين وأحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال : المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، وآخى بين المهاجرين والأنصار، مؤاخاة عز نظيرها بعد القرن الأول بعد الإسلام، الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام : خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. وكانت في هذه المرحلة مشروعية الجهاد للدفاع عن حوزة الإسلام وحرمته، وعن مكانة المسلمين وعزتهم، مصداقا لقول الله تعالى : ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير الحق إلا أن يقولوا ربنا الله ) وقولـه : (ولله العزة ولرسوله وللمومنين ) وفيها نزلت السور المدنية، وما فيها من تشريع وأحكام مفصلة يهتدي بها المسلم في دينه ودنياه، حتى ختمها الحق سبحانه بآية إكمال الدين، وارتضائه للناس دينا، وأنـزل قولـه الكريـم : ( اليوم أكملت دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ).
وهكذا كان حدث الهجرة المحمدية حدثا عظيما وتحولا كبيرا في حياة الرسول (صلع) وتبليغ رسالة ربه، وانتشار الإسلام بلغ من الأهمية ما لا يخفى على كل مسلم، وخاصة من درس سيرة هذا النبي الكريم، مما جعل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه والصحابة الكرام في عهده يتخذونه مبدأ للتاريخ الإسلامي، فكانت الهجرة بحق، بشارة خير، وفاتحة عهد جديد، ومنطلق عز وفتح دائم ونصر متواصل للإسلام والمسلمين. ولما فتح عليه الصلاة والسلام مكة، وقضى على الشرك وعبادة الأوثان، وعامل أهلها تلك المعاملة الحسنة الشهيرة وأصبحت مكة 
دار إسلام وأمان، قال لأمته عليه الصلاة والسلام : <<لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا>>.
وحتى يبقى معنى الهجرة قائما في نفس كل مسلم ومسلمة، راسخا في أعماق فؤاد كل مؤمن ومؤمنة، شاخصا في سلوكه، وماثلا في أعماقه، قال عليه الصلاة والسلام : <<المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فأعطى بذلك (صلع) مفهوما عاما، ومدلولا واسعا وخالدا لمعنى الهجرة في الإسلام.
وموضوع الهجرة المحمدية، وذكراها الإسلامية الخالدة وكل ما يتصل بالسيرة النبوية العطرة والشمائل الطاهرة لصاحبها عليه الصلاة والسلام، تناولته كتب السيرة قديما وحديثا، بتوسع وتفصيل، واستوعبته بما لا مزيد عليه من التوثيق والبيان والتحصيل، واستخلص منها العلماء وفقهاء السيرة فوائد هامة، واستنبطوا منها استنباطات وأحكاما دقيقة، ليظل حدث الهجرة، وتبقى السيرة لنبوية بصفة عامة قبسا وهاجا، ونبراسا وضاء ينير السبيل لأمة الإسلام في كافة أمورها، ويهديها لأقوم السبل في سائر أحوالها، ويرسم لها الأسلوب القويم، والمنهاج الحكيم والطريق السليم للوصول إلى الآراء الإيجابية الصائبة، والحلول الناجعة المفيدة لعلاج كل القضايا المطروحة، والمشاكل المستعصية على مستوى الأفراد والأمة، وتحقيق جميع الأهداف النبيلة والمرامي البعيدة والمقاصد الحكيمة التي جاء بها الإسلام ودعا إليها أمة الإيمان، من أخوة ومحبة وصفاء، وسلام ووئام، وتعاون على البر والتقوى، وصداقا لقول الله تعالى : ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم )وقول النبي (صلع) : <<تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا : كتاب الله وسنتي>>.
ومن ثم فإن هذه الذكرى أعظم من أن تستوعب جوانبها صفحة أو صفحات، وأكبر من أن توفيها حقها، أو تحيط بنتائجها وبما يستخلص منها من دروس وعبر ورقة أو ورقات، وحسب هذه الافتتاحية أن تشير إلى تخليد هذه الذكرى الإسلامية الخالدة، وأن تذكر بأن المغرب – والحمد لله – كان ولا يزال يحيي ذكرى الهجرة النبوية بما ينبغي من عناية واهتمام، ويعمل على تخليده وتذكير الأمة المغربية بها على الخطب المنبرية، وفي الدروس الدينية في المساجد، والمحاضرات والندوات خارجها، بما يبرز ظروفها ومعالمها وحكمتها ونتائجها، ويوضح ما توحي به الهجرة المحمدية وتزخر به من جهاد وصبر وتضحية ومن معان ومثل وأخلاق إسلامية، حتى يبقى حدث الهجرة راسخا في نفوس وقلوب أمته المؤمنة، وتظل متمسكة بما تضمنته من مبادئ إسلامية وتوجيهات نبوية، حريصة على الاهتداء بهدي نبيها الكريم، والاقتداء بسنة وسيرة نبيها الأمين، وترسم واتباع خطاه، والسير على نهجه القويم في كل وقت وحين، عملا بقول الله تعـالـى : (كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ) وقوله سبحانه :( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا، فأزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم ). هذا عن هذه الذكرى الدينية العظيمة في الإسلام....
أما الذكرى الثانية التي عاشها المغرب فهي ذكرى وطنية جليلة، تعتبر من أعز ذكرياته الخالدة، التي يفخر بها في تاريخه الطويل المجيد، إنها ذكرى ثورة الملك والشعب التي يخلدها المغرب في اليوم والعشرين من شهر غشت ومنذ ثلاث وخمسين وتسعمائة وألف 1953 م.
ففي ذلك اليوم كان الاستعمار قد تجرأ وأقدم على تصرف ماكر، ومغامرة فاشلة، فامتدت سطوته الغاشمة ويده الآثمة إلى رمز السيادة المغربية، وبطل التحرير والمقاومة وضامن وحدة البلاد واستقرارها جلالة المغفور له محمد الخامس رضوان الله عليه، فنفاه عن وطنه وشعبه وعرشه، فكان ذلك بداية انتهاء عهد الاستعمار، وطريقا نحو الانعتاق والاستقلال.
   لقد كان ما أقدم عليه الاستعمار باعثا على انتفاضة الشعب المغربي وإذكاء لحماسه  ونضاله الوطني في سبيل تحرير وطنه وعودة ملكه الشرعي إلى عرشه العتيد، فقام قومة رجل واحد، وهو في منتهى الوعي واليقظة والوفاء والأمانة، والاستعداد للفداء والتضحية، والجهاد والكفاح بكل غال ونفيس، والوقوف سدا منيعا في وجه الاستعمار، وإفشال مؤامرته الماكرة، تحقيقا لقول الله تعالى : ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ).
وإن المرء حين يتوقف عند هذه الذكرى ويتأمل ظروفها وملابساتها، وسر الانتصار فيها يجد أمرين أساسين أكثر من غيرهما :
أولا- أن جلالة المغفور له محمد الخامس كان قوي الإيمان بالله، واثقا من وعده بنصره ونصر عباده المؤمنين الصالحين الذين يدافعون عن الحق، ويجاهدون من أجله في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، متيقنا أن الحق يعلو ولا يعلى عليه، وأنه إذا كان للباطل جولة عابرة، فإن للحق صولة دائمة وراسخة، فكانت له بذلك مواقف حازمة ثابتة، سجلها التاريخ وكتبها لجلالته بمداد الفخر والاعتزاز، ولدولته العلوية الشريفة في صفحاتها المشرقة، ودفاعها عن حوزة الدين والوطن، فكان بحق أبا المقاومة المغربية، وقائد معركتها المظفرة، وبطلها المؤمن المقدام، وزعيم انتفاضتها العارمة المباركة.
الأمر الثاني : هو التفاف الشعب المغربي الوفي، واجتماع كلمته حول عاهله المفدى وعرشه العلوي المجيد، مشخصا بذلك حفاظه على الطاعة والولاء والإخلاص والوفاء، الذي هو من شيم هذا الشعب الأبي، ومن خصاله الحميدة وأخلاقه الإسلامية النبيلة، وحريصا على أن يكون مع ملكه المجاهد ممن يشملهم قول الله تعالى : ( من المؤمنين رجال صادقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) وقوله سبحانه : ( ومن أوفى بما عاهد الله عليه فسنؤتيه أجرا عظيما ).
إن الوقوف عند هذه الذكرى في مناسبتها، والتأمل فيها ببعد نظر وعمق تفكير، وفيما كان فيه لجلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه/ من مواقف وجهاد، وصبر وتضحية، وما تحقق على يده من إنقاذ المغرب من ربقة العبودية، ومن تمتيعه بما كان معروفا به في مختلف العهود من نعمة الاستقلال والحرية، ليهدف إلى تذكير ناشئة المغرب وشبابه الصاعد بهذه الفترة النضالية من حياة وطنهم العزيز، ويصل بالمرء إلى القناعة والقول بأن الله تعالى إذا أراد شيئا هيأ له أسبابه، أو قال له كن فيكون.
فقد أراد الله لبلد المغرب المؤمن التعجيل بالانعتاق من ذل الاستعمار وسيطرته، فهيأ له ملكا قوي الإيمان، ومتحليا بالشجاعة والإقدام، والصلاح والإصلاح، وبالتروي والإلهام، يدرك الأمور بفراسة المؤمن، وينظر بنور الله، كما يسر سبحانه لهذا البلد شعبا أبيا وفيا، مجاهدا صابرا، مخلصا متدينا، لا يقبل الضيم والهوان ولا يرضى المساس بمقدسات الدين ومقومات الوطن، فالتقت إرادتهما على درب الجهاد والنضال، وفي مسيرة الكفاح والعمل، فاستجاب القدر، وحقق الله الرجاء والأمل، وكان النصر للحق وكان الظفر، لأن الحق يعلو ولا يعلى عليه، ورجع محمد الخامس بعد سنتين من المنفى إلى وطنه وشعبه وعرشه معززا مكرما، مبجلا معظما، مكللا بإكليل العز، ومتوجا بتاج الانتصار، حاملا معه بشارة انتهاء عهد الحجر والاستعمار، وبزوغ فجر الحرية والاستقلال، وكان ذلك اليوم مشهود أغر يوم سادس عشر نونبر 1955، وفي مشهد عظيم عمت فيه الفرحة والبهجة بشكل منقطع النظير، وما عليه من مزيد، وبما يعجز عن وصفه اللسان ولا يستطيعه القلم والبيان، رجع محمد الخامس بتلك البشارة والفرحة والبهجة، وهو يدرك كل الإدراك ما حقق الله على يديه لبلده وشعبه من النعمة الكبرى، ومن الفتح والنصر، وما ينتظره وشعبه من الجهاد الأكبر لصيانة تلك النعمة، والنهوض بمتطلباتها في كل الميادين والمجالات، فأخذ يلهج بحمد الله وشكره، ويتلو مع أفراد عائلته وشعبه قول الله سبحانه : ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور ). ويردد ما جاء في الأثر : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر : جهاد العمل والبناء في كل ميدان.
هذه إشارة مركزة من خلال هذه الافتتاحية الموجزة إلى هذه الذكرى الخالدة التي كتبت في موضوعها بحوث ومؤلفات، والتي تعتبر واقعتها مظهرا من مظاهر الجهاد في سبيل الله، واستمرارا للهجرة إلى الله ورسوله من أجل إعزاز الدين ونصرة وطن الإسلام، والتي يستخلص منها ما يمكن أن يحققه التفاف هذا الشعب الوفي حول عرشه العلوي المجيد من التقدم والازدهار، والاستقرار والاطمئنان، والمعجزات في كل مجال، ويشملها قول الله تعالى في أوصاف أهل البر والتقوى والإيمان وإعزاز أمة الإسلام : ( والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) وقوله سبحانه : (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ).

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here