islamaumaroc

عيد الشباب ومسيرات التحرر والتجديد والوحدة والتلاحم بين القمة والقاعدة [افتتاحبة]

  دعوة الحق

279 العدد

الحديث عن عيد الشباب حديث شيق ورائع عن عيد وطني مجيد، ويوم أغر مبارك سعيد من أزهى أيام الأمة المغربية، وأعز أعيادها الوطنية، وأعظم ذكرياتها الخالدة، التي درجت على الابتهاج بإشراق طلعتها، والاحتفاء ببزوغ فجرها وحلول مناسبتها، ذلكم أنه العيد السعيد الذي يخلد به الشعب المغربي من أقصاه إلى أقصاه ذكرى ميلاد أمير المؤمنين وحامي حمى الوطن والدين جلالة الملك الحسن الثاني أطال الله عمره وأدام له النصر والتمكين.
وقد انبثق هذا العيد السعيد من الشعب المغربي أوائل عهده بالاستقلال برغبة تلقائية،ومشاعر فياضة، وعواطف صادقة من بعض المواطنين المناضلين الأحرار مثلما انبثق عيد العرش المجيد في بداية الكفاح والنضال ضد الاستعمار، للتعبير عن مدى التلاحم بين القمة والقاعدة، والتعلق بأهداب العرش العلوي العتيد، فكانت الاستجابة الأبوية الرحيمة، والمباركة الطيبة الكريمة من أب المغرب والمغاربة وزعيم النهضة والحركة الوطنية جلالة المغفور له محمد الخامس رضوان الله عليه، وكان أول احتفال بعيد الشباب وذكراه الغالية على الصعيد الوطني الرسمي في تاسع يوليوز 1956، وتميز بتلك الوصية القلبية الخالدة، والخطاب التاريخي العظيم الذي ألقاه جلالته في تلك المناسبة العزيزة، والذي بقيت كلماته الذهبية وحكمه الجامعة ودرره الثمينة ونصائحه العميقة ترن في الآذان والنفوس والأفكار، وتأخذ بمجامع القلوب والأذهان، وظلت نبراسا وضاء ومصباحا وقادا، وسراجا وهاجا يرسم الطريق وينير السبيل لولي عهده آنذاك في مسالك الحياة وشعابها، بعدما ألقى الله إليه مقاليد الأمور لقيادة هذا البلد الأمين، والسير نحو مدارج الهناء والرخاء بشعبه المؤمن الوفي الكريم.
ومن هذا الأساس الديني والإحساس الوطني، والشعور المتنامي والحب المتفاني في العرش العلوي المجيد، وملوكه الأشراف الأبرار خلف عن سلف وكابرا عن كابر، فإن عيد الشباب المجيد، والابتهاج والاحتفال بيومه الأغر السعيد يعتبر رصيدا حضاريا متجددا، ووعيا عميقا وأصيلا لأمتنا المغربية، ومعلمة من معالمها البارزة ومأثرة من مآثرها الشامخة التي تزهو بها وتتيه، وتعتز وتفاخر، وتباهي بها وتناضل، وتقف عندها وقفة تأمل وتدبر، وتمعن وتبصر، لتستعيد التاريخ، وتستحضر المناسبة، وتأخذ منها العبرة والحكمة، وتستلهم منها سداد الرأي والتوجيه، وتنوير العقل وسلامة الفكر، وتشحذ الهمة وتقوي الإرادة، وتتزود منها بزاد ديني وعقلي، وروحي، لتتمكن من مواصلة مسيرة البناء والتشييد والنماء والتجديد، وتستطيع المحافظة على المقومات الدينية والوطنية، في تفاؤل وثبات، وعزم واهتمام، وثقة ورسوخ قدم واطمئنان لله، في الغد المشرق المستنير، والمستقبل الزاهر الباسم.
وإذا كانت الأعياد الوطنية وذكرياتها المجيدة تستمد جلالها وجمالها، وعظمتها وهيبتها، ورونقها وروعتها، ومكانتها وأصالتها وعمق هدفها ومغزاها من ذاتية موضوع الذكرى وموقع مناسبتها، فإن عيد الشباب وذكراه الخالدة، وله من الجلال والجمال، والرونق والبهاء، والروعة والكمال ما لصاحب الذكرى من جلال النسب الشريف، والمقام العالي بالله، والرصيد التاريخي العظيم، الذي ينطق بجليل الأعمال وكبير المنجزات التي ادخرها الله لجلالته، وتحققت في عهده المبارك الميمون، وأسهم فيها منذ طفولته ونعومة أظافره، وفي مقتبل عمره وعنفوان شبابه، ومواصلة جهاده ونضاله ويقينه وثباته وصبره على مدى نصف قرن من الزمان، كان كله وما يزال كفاحا وعطاء، وبذلا للغالي والنفيس، ونصحا وتوجيها لشعبه وشباب أمته، وتزويده بدم جديد، ليساير الركب الحضاري والتطور الفكري والتقدم العلمي في مختلف الميادين، مما يعجز عن وصفه البيان، وعن استيعابه والإحاطة به الكتب والمجلدات فضلا عن بحوث ومقالات وقصائد وكلمات.
ومن هذا المنطلق والمنظور كان الاحتفال بعيد الشباب، وكان الاحتفاء به يكتسي لدى الشعب المغربي أهمية خاصة ومكانة بارزة متميزة بين الأعياد الوطنية. فهو يرمز إلى عيد ميلاد ذلك الشبل الهمام، والبطل الشهم المقدام، والعبقري الفذ، والذكي النابغة، الذي يسره الله وهيأته حكمته الإلهية ليكون ولي عهد والده، ويكون له في حياته وزير صدق، وخير مساعد، وأفضل معين، في أشد الظروف وأصعب المواقف والأحوال، ويكون بعد انتقاله إلى جوار ربه ذلك الملك المجاهد، الصالح المصلح، الغيور على دينه ووطنه، الذي سجل التاريخ، ويشهد الداني والقاصي بأنه أعظم ملك وأجل قائد، عرفه المغرب في تاريخه الحديث والمعاصر على عهد الدولة العلوية الشريفة المتصلة النسب بالدوحة النبوية، وعترته الطاهرة، بل في تاريخ الدولة المغربية، منذ تكوينها على ربوع المملكة المغربية.
ذلك أن عظمة الملك أو القائد ومكانته على الصعيد الوطني والخارجي، تقاس بالبيئة التي نما فيها وترعرع، والنشأة التي نشأ فيها ولمع، وتربى في أحضانها وتكون وتفتح، وبالظرفية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدولية التي عايشها وعاصرها، وعرف كيف يتعامل مع أحداثها ويتغلب على مشاكلها ومصاعبها ويقود فيها سفينة بلاده وسط أمواج عاتية بمهارة واقتدار، ويخرج من كل ذلك ظافرا منتصرا.
فقد كانت النشأة والتربية لولي العهد آنذاك في مدرسة والده المنعم محمد الخامس. المدرسة الإسلامية التي غرست في أبنائها وفلذات أكبادها حب التمسك بدين الإسلام ومثله العليا، وشريعته السمحة وأخلاقه الفاضلة، وبثت فيهم روح اعتبار المصلحة العليا للدين والوطن فوق كل اعتبار، مهما كانت التضحية والثمن، وعرفتهم بأن حب الوطن من الإيمان.
وكانت الظروف التي فتح فيها عينيه ظروف الحماية والاستعمار، وتجاوز المستعمر للحدود التي رسمتها له معاهدة الحماية، وكان التفتح والوعي المبكر في وقت أخذ فيه الصراع مع الاستعمار يحتدم، وأخذ الكفاح يشتد، والمقاومة الوطنية تمتد وتتسع على مختلف الواجهات، وتبلغ المواجهة والأزمة أشدها سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة وألف 1953، حين أقدم الاستعمار على جريمته النكراء، وامتدت يده الأثيمة إلى المساس بأقدس المقدسات الوطنية، متمثلا في العرش العلوي المجيد، فنفى محمدا الخامس وأسرته الكريمة، وأبعدهم عن الوطن وشعبه المخلص الأبي، وتتواصل المعركة مع المستعمر بفضل التحام العرش والشعب على أساس العهد المقدس، والرباط القوي الوثيق بين الراعي والرعية، القائم بين الملك وشعبه على أساس عقد البيعة الشرعية والولاء والإخلاص والوفاء والتمسك بأهداب العرش العلوي المجيد، وبدأ ولي العهد آنذاك إلى جانب والده مرحلة الجهاد الأكبر بعد الإحراز على نعمة الحرية والاستقلال. جهاد التشييد والبناء، والتجديد والنماء، وبناء المغرب الجديد في مختلف الميادين، الثقافية والعمرانية، والسياسية والإدارية والعسكرية، واستكمال الوحدة الترابية، ووضع الأساس للمؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية في ظل ملكية دستورية، تضمن الحقوق الإنسانية الطبيعية والقانونية للأفراد والجماعات، وتوفر لهم وسائل العدالة الاجتماعية، وتكفل لهم الحريات العامة، وتوسع آفاق التعاون وتوطده مع البلاد المسلمة والشقيقة والصديقة، وتدعو إلى بعث إسلامي رائد يحفظ لشباب المغرب وشعبه الحفاظ على هويته الدينية، وشخصيته الوطنية، وإلى تيسير أسباب الأمن والرخاء والعيش الرغيد، حتى يكون الشعب في مأمن من الخوف والفقر، وفي حصانة من الأمراض والفراغ والانحراف، ويتأتى له أن يتحصن بالإسلام والإيمان، وينعم بالخيرات والاطمئنان، ويمكنه أن يقوم بدوره ورسالته في الحياة، رسالة العلم والعمل والإخلاص للدين والوطن، ويتخذ من ملكه الملهم المسدد الخطى في الأقوال والأعمال، ومن آبائه وأجداده الأوفياء الكرام، أسوة حسنة وقدوة مثالية يهتدي بها، ويسعد باتباع نهجها، ويكون لذلك خير خلف لخير سلف.
إنها إشارات وأفكار، ترمز إلى تلك المعاني الجليلة والمجهودات الكبيرة لملكنا المفدى الذي يحتفل المغرب هذه السنة بذكرى ميلاده الواحد والستين، والتي تكمن وراء الطفرة العظيمة، والقفزة الهائلة التي بلغها المغرب ووصل إليها في كل مجال وميدان، وجعلت من أبنائه وشبابه شباب الطموح والأمل، والإقبال على العلم والعمل، والإخلاص والتفاني لصالح أمر الدنيا والدين وإسعاد الوطن.
فبارك الله في حياة ملكنا الملهم، وقائدنا المظفر. وجعل الله الفتح والنصر والخير على يديه، وحفظه ذخرا وملاذا للمغرب والعرب وكافة المسلمين. فأنعم به من عيد وطني سعيد، وأسعد بها من ذكرى تعم بها ربوع المملكة الفرحة والبشرى، وأسعد به من شعب وفي، على رأسه وعرشه جلالة الملك الحسن الثاني المؤيد بالله والمحفوظ بالسبع المثاني :
وإذا سخــر الإلاه أنــاســا                             لسعيــد فـإنهـم سعــداء
فهنيئا لملكنا بعيده السعيد، وهنيئا للشعب المغربي بهذا العيد المجيد وذكراه العزيزة، وأعاده الله على جلالته وشعبه بالسعادة والعافية والهناء.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here