islamaumaroc

مظاهر العبقرية في شخص الحس الثاني

  عبد العزيز بنعبد الله

279 العدد


إن جلالة الحسن الثاني، أبرز ثمرة لكفاح جلالة محمد الخامس، رعاها منذ الطفولة فأحسن رعايتها، فقد ولد جلالة الملك في 9 يوليوز 1929/ 1 صفر 1348.
وبعد أن أنهى جلالته دراسته في القانون عام 1952، واكتمل نضجه الفكري بفضل سهر والده جلالة المرحوم محمد الخامس، الذي دربه على قواعد الملك، وآداب الحكم، في خضم صراعه ضد الاستعمار. فأصبح الأمير الفتى مؤهلا لخلافة والده بإجماع الأمة المغربية التي التمست هيئاتها الوطنية من جلالة محمد الخامس تنصيبه وليا للعهد، فتم ذلك في حفل رسمي بالمشور الملكي بالرباط يوم 9 يوليوز 1957. تسلم جلالة الأمير العالم ظهير توليته ووسام الاستقلال، فابتهجت الأمة بذلك.
لقب حفظه الله (أمير الأطلس)، حيث أصبح الساعد الأيمن لوالده، منذ أن تخصص في القانون والشريعة فكان مثالا للعمل الدائب، وقد وقف بجانب زعيم الأمة وقائدها الأكبر محمد الخامس في مختلف المناسبات، وخاصة يوم تبلور اتجاه العرش المتئد الرصين نحو الاستقلال في خطاب طنجة يوم 5 أكتوبر 1950 (1370 هـ) وقبله عام 1945 عندما والده المهرجان العسكري بالعاصمة الفرنسية بصفته رئيس دولة أسهمت في الحرب برجالها وعتادها، فبرهن الحسن الثاني عن عبقريته الفذة، ورزانته خلال المحادثات الهادفة، لاستثمار الانتصار المشترك، والاستفادة مما أصبح الفكر الدولي يضمنه للشعوب تعجيلا لما أعطي للمغرب من وعود في مؤتمر (أنفا) عام 1943.
وقد قام جلالة الحسن الثاني في سادس رمضان 1368/ 2 يوليوز 1949، بزيارة لتونس وهو ولي للعهد، ونشرت جريدة الإرادة التونسية (عدد 778- السنة 16) مقالا أبرزت فيه مدى تقدير تونس للأمير الشاب، والاحتجاج على الحصار المضروب من فرنسا على سموه للحيلولة دون اتصاله بأشقائه في المغرب العربي.
واستمر الكفاح الصامت في تؤدة واصطبار، طوال ثلاثة أعوام.
وقد حدت حكمة جلالة الملك وولي عهده إلى تلبية دعوة (فانسان أوريول) رئيس الجمهورية الفرنسية عام 1950 لزيارة باريس، لاسيما بعد أن شعرت فرنسا بضرورة تلطيف الجو، فكانت صرامة الرجلين مغلفة باللباقة، والمرونة، واللين، مستهدفة في غير التواء ضمان سيادة البلاد، وتحقيق أماني الشعب في الاستقلال، دون تقيد بالانخراط في أنواع الرباطات والوحدات الفرنسية.
وكان ولي العهد الهمام، الخبير القانوني، والموجه في المحادثات التي جرت بباريس مع القادة الفرنسيين، فعرض الملك مطالب المغرب في مذكرة أجابت عنها فرنسا يوم 30 أكتوبر 1950 بعد مداولات موصولة لاقتراح إصلاحات جزئية ضمن معاهدة الحماية. وعقبت المذكرة الأولى مذكرة ثانية، اقترح فيها حل مؤقت تعدل بمقتضاه الحماية في شكل استقلال محدود، فشعر المستعمر بالخطر وأعلن بعض القواد مدفوعين من المعمرين معارضتهم للمذكرة، ولفقت عرائض لم يعبأ بها جلالة الملك وولي عهده رغم تهديدات الجنرال كيوم الذي ما لبث أن كشف عن بنوته الروحية للمقيم جوان. وكان لولي العهد دور كبير مع الحركات الوطنية في التنديد على منبر جامعة الدول العربية بالإضطهادات الفرنسية الطائشة والعمل على تسجيل قضية المغرب في جدول أعمال هيئة الأمم المتحدة، فجدد العرش مطالب المغرب بإلغاء الحماية، وإعلان الاستقلال، وكان جواب المذكرة الفرنسية يوم 17 شتنبر 1952 خالية من أي عنصر جديد يمكن الارتكاز عليه، لتجديد العلاقات، وأقام التجار الأمريكيون بالمغرب دعوى لإدانة سياسة التقنين الفرنسية المنافية لعقد الجزيرة أمام محكمة لاهاي (15 يوليوز 1952)، وسجلت القضية في المحفل الدولي، ووقفت فرنسا في قفص الاتهام، فادعى وزير عام خارجيتها أن القضية داخلية، ولكن أصداء تصريحات جلالة الملك وخطاب العرش في العيد الفضي يوم 18 نونبر 1952 أحبطت المزاعم الاستعمارية وكان ولي العهد في غضون ذلك يرتب ويخطط، ويربط الصلات ويجس النبض هنا وهناك، ويرسم مع والده الهمام الوجهات المختلفة لمواجهة كل الاحتمالات، وكان يوم اغتيال فرحات حشاد الزعيم النقابي التونسي بداية سلسلة المظاهرات الاحتجاجية بالمغرب، التي جرت فرنسا إلى القيام بحركة إبادية قتلت فيها الأبرياء، وسجنت الزعماء، وأوقفت الصحف الوطنية، وأقدمت على خلع رمز الأمة والمؤتمن على سيادتها عن العرش، وقادته إلى المنفى مع ولي عهده وباقي الأمراء والأسرة المالكة فانطلقت الشرارة الأولى لثورة عارمة استفحل فيها الفداء. وانبرى الشعب بكامله يطالب في مظاهرات صاخبة، وحملات دائبة، برجوع جلالة الملك وولي عهده الذي ظل طوال المنفى أمين سر والده وعضده الأيمن وخبيره المحنك، إلى أن عاد الملك الظافر إلى الرباط يم 16 نونبر 1955، حاملا وثيقة الاستقلال في خضم من الأفراح كللت ثورة الملك والشعب.
واستعاد المغرب استقلاله بفضل تلاحم العرش والشعب، ووضعته الترتيبات الأولى لأسس الإدارة الاستقلالية. فكان ولي العهد الهمام، المخطط والمدبر والخبير الذي، أشرف على تنظيم الجيش المغربي الذي جعل منه قوة وطيدة في طليعة قوات العالم الثالث وتولى ولي العهد نفسه رياسة أركان حربها العامة في حياة والده الذي كان قائدها الأعلى.
وأبى صاحب الجلالة المرحوم محمد الخامس إلا أن يلقي بأعباء السلطة التنفيذية لوارث سره وولي عهده، فعينه رئيسا للحكومة.
وفي نفس المسار الحضاري، توجه جلالة المرحوم محمد الخامس منذ بداية عهد الاستقلال في المغرب بإقامة نظام ملكي دستوري رصين انعكس في (دستور) عرض على استفتاء الشعب، وتشكيل حكومة تبلور فيها تعدد الأحزاب، وتعزز هذا الجهاز داخليا: بإحداث دواليب ودوائر اقتصادية واجتماعية وثقافية، والشروع في دعم الإصلاح الزراعي ببناء السدود، وخارجيا: بتعيين سفراء على الصعيد العالمي، والمشاركة في المنظمات الدولية، وتخطيط سياسة المغرب الخارجية، والسعي لاستكمال وحدة البلاد بفضل جيش عتيد بإمرة صاحب السمو الملكي ولي العهد المولى الحسن فكانت طفرة رائعة.
وقد استمرت المشاورات والمفاوضات مع إسبانيا عشر سنوات في موضوع الصحراء منذ 1376 هـ/1956 م، وأكد جلالة الحسن الثاني عام 1386 هـ/1966 م بمناسبة الذكرى العاشرة لاستقلال المغرب لوزير إسباني مثل حكومته بفاس أن المغرب يطالب باسترجاع الأرض المغتصبة في الصحراء وديا، فإذا لم ترد إسبانيا أن ترد إلى المغرب حقه، فسيطالب بذلك أمام هيئة الأمم المتحدة.
 وقد كانت هذه الانطلاقة الأولى للتهديد بتدويل القضية رسميا.
ولما انتقل محمد الخامس إلى جوار ربه، في عاشر رمضان 1381 هـ/26 يبراير 1961 م، أجمعت الأمة على تولية الأمير مولاي الحسن ملكا للمغرب. فنهض بأعباء مسؤولياته، مستهدفا استكمال ما بدأه والده الكريم لتقوية مركز المغرب الدولي، وإحلاله المقام الأمثل الجدير بأمجاده بين الأمم والشعوب وما كان ذلك ليتم على أكمل وجه، إلا بالانكباب على تجدي صرح الدولة، وتنمية مرافقها، ودعم مقوماتها بكفاءة نادرة وعزيمة وثابة.
وواصل – حفظه الله – الجهاد الأكبر لتخليص المغرب من التبعية الفكرية للاستعمار، ومن المرض والفقر والجهل، دون أن يغفل الرسالة الكبرى التي حمله إياها والده المرحوم قدس الله روحه، وهي تحرير الأجزاء المغتصبة من البلاد، فكان في مساعيه السامية مثالا للتؤدة والرشد.
وقد ألقى جلالته خطابات، ونظم استجوابات، لشرح قضية أبعاد الصحراء، مبرزا مفهوم حق تقرير المصير، مؤكدا معارضة جلالته لكل ما من شأنه أن يؤدي إلى "فتنمية الصحراء" أو فصل الأجزاء المغتصبة عن الوطن الوالد باستقلال مزيف، ولذلك قرر – حفظه الله – رفع المشكل إلى محكمة لاهاي، وتزويد الفكر الدولي بملف ضخم، يضم مئات المستندات تشهد بمغربية الصحراء، مؤملا أن يحل المشكل بالوسائل السلمية، و إلا اضطر المغرب لحمل السلاح لانتزاع حقه المشروع، واسترجاع أراضيه المغصوبة، وقد خطط جلالته معالم سياسته الحكيمة وأبعادها في كتابه "التحدي" "Le Défi" الذي رسم فيه صورا ناصعة عن سلسلة الأحداث التي طبعت المغرب في طفرته الواعية.
واصل جلالة الحسن الثاني بعد وفاة والده المقدس عام 1961، دعم كيان الدولة، بوضع دستور جديد، انطلاقا من واقع التجربة، ومتطلبات أوضاع المغرب الخاصة في منطلق جعل من المغرب دولة عصرية بين الأمم النامية والأمم المتقدمة، بفضل الأطر التقنية التي ملأت تدريجيا المجالات التي كان يشغلها الأجانب فأصبحت لهذه المغربة في مختلف الميادين الحضارية، أبعاد بدأت تهيئ الساحة لتعريب شامل ضمانا لوحدتنا العربية والإسلامية، كما وضد المغرب لنفسه صيتا رصينا فرض نفسه في المحافل الأممية التي قدرت للمملكة عمق بادراتها، وفعالية تخطيطاتها، التي شملت التحضير العمراني، وتحقيق اللامركزية، وتوفير السدود، وتوزيع الأراضي الزراعية، ورصانة التأميمات، وشمولية التنقيبات المعدنية والبترولية، وتطوير موارد الفسفاط، وتشييد المركبات الصناعية، وتعميم التعليم، ورفع مستوى حياة السكان وخاصة العامل فأصبح للنظام الملكي طابع دستوري اقتبس من الإسلام ما يسد الثغرات الاشتراكية في إطار العدالة الاجتماعية. ولعل هذا الجانب يشكل في العصر الحديث اختيارات لها وزنها في تقييم مدى مواكبة الشعوب لمقتضيات القرن العشرين، ولكن المغرب عرف كيف ينسق بين أصالته الإسلامية وبين هذه المتطلبات العارمة. ولنضرب لذلك مثالا حيا يعطينا صورة مكبرة عن منطقية وفعالية هذه البادرات. فقد أصبح المغرب ينهج في العهد الحسني نوعا من الاشتراكية لا تفقر الغني، ولكنها ترفع مستوى الفقير بشتى الوسائل، منها أربعة عوامل أساسية هي:
1) تأميم المصانع الكبرى، وكذلك بعض الهيئات الاقتصادية، كمكتب التسويق والتصدير، ومكتب الشاي والسكر.
2) توزيع الأراضي على الفلاحين، وتكوين تعاونيات للفلاحين وغيرهم، في نطاق استفادة جماعية من أدوات الإنتاج مع دعم الإصلاح الزراعي بإقامة السدود.
3) نهج سياسة التنقيب الشامل عن المناجم، وحقول النفط، ولو بمنح امتيازات للأجانب مع توظيف رؤوس الأموال الأجنبية وتصنيع البلاد.
4) إشراك العمال في الأرباح ببعض المصانع الحكومية، كمعامل السكر انتظارا لتنفيذ المبدأ على المصانع الحكومية الأخرى ثم على المصانع الخاصة.
 وهذه الاشتراكية، لا تختلف كثيرا عما اضطر الزعيم الروسي "لينين" لنهجه عام 1921 م/1340 هـ، أي قبل وفاته بسنتين، عندما سمحت حكومته للأفراد بالتجارة، وأعادت المخازن والمعامل الصغيرة إلى أصحابها، ومنحت امتيازات للرأسماليين الأجانب لا للتنقيب عن المناجم وحقول النفط كخبراء فحسب، بل لاستغلالها كما ألغت سياسة السيطرة على المواد الغذائية، ونظمت تعاونيات للفلاحين، وهذا هو ما سماه "لينين" بـ(السياسة الاقتصادية الجديدة) التي عدلت الأوضاع بنوع من التسوية مع الرأسمالية.
وقد اقترح صاحب الجلالة الحسن الثاني مشروع دستور استدعى الشعب المغربي لإبداء رأيه فيه يوم 17 يبراير 1972، فوافق عليه، وتم إقرار مشروعية الاستفتاء من طرف الغرفة الدستورية يم 9 مارس 1972.
وهذا الدستور، يحتوي كما كان الشأن بالنسبة لدستوري 1962 و 1970 على المبادئ الأساسية التي تقرر على الأخص ما يلي:
1) إن المغرب ملكية دستورية ديمقراطية واجتماعية.
2) إن السيادة للأمة، تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة المؤسسات الدستورية.  
3) إن القانون أسمى تعبير عن إرادة الأمة.
4) إن جميع المغاربة سواء أمام القانون.
5) إن الإسلام دين الدولة.
6) إن شعار الملكية هو الله، الوطن، والملك.
وقد نص الدستور على المساواة بين الرجل والمرأة في التمتع بالحقوق السياسية، وعلى الحريات التي يتمتع بها المواطن، كما نص على أن (الملك أمير المؤمنين، والمثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها، وضامن دوام الدولة واستمرارها، وحامي حمى الدين، والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والمواطنات، والجماعات والهيئات، وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحق).
كما نص على أن (شخص الملك مقدس، لا تنتهك حرمته، وله حق حل مجلس النواب، كما له أن يخاطب المجلس والأمة، دون أن يكون مضمون خطابه موضوع أي نقاش، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، ويرأس الملك المجلس الأعلى للإنعاش الوطني والتخطيط والمجلس الأعلى للقضاء).
وهكذا تجددت مبادرات مبادرات ملوك الدولة العلوية الأماجد بأكملها في شخص جلالة الحسن الثاني.
إن جلالته قد أعاد تاريخ أجداده الأماثل، وركز المعطيات الإيجابية للمسار العلوي في حضارة المغرب المعاصر، بالرغم من استعصاء مقتضيات الفترة العصيبة التي نعيشها اليوم. وقد جمع جلالته في شخصه الكريم، كل المميزات التي تجعل منه القائد الفذ، والزعيم الذي لا يبارى، والبطل الملهم الذي عرف كيف يوفق بين اللوازم الوطنية، والدواعي العربية الإسلامية، ومتطلبات التعايش الإنساني على الصعيد العالمي.
لقد جدد جلالة الحسن الثاني شخص المولى الرشيد في توطيده دعائم الدولة، بعد أن وحد الأقاليم التي فرقت بينها إمارات جهوية، جعلت من المغرب صورة لعصر ملوك الطوائف بالأندلس، وحرر جيوبا سطا عليها المغير الأجنبي، وركز مظاهر العمران والأمن والرخاء، فعرف المغرب في شخص أول ملك علوي، زعيما أعاد للمغرب مجده التالد، وأقام نواة المجد الطريف.
لقد جدد جلالة الحسن الثاني شخص المولى إسماعيل الذي ركز وجود المغرب في الصحراء تلبية لاستصراخ أهل الصحراء، وأقام في طول البلاد وعرضها زهاء مائة حصن محررا قسما ثانيا من الجيوب، ضم إلى جانب طنجة، كلا من العرائش وأصيلا، مع إمعان رائع في التخطيطات المعمارية، والمنشآت الحضارية.
وجدد جلالة الحسن الثاني شخص الملك الهمام سيدي محمد بن عبد الله، الذي واصل تركيز الوحدة، وتحرير الجيوب المحتلة، وإقامة ديوان الجيش، وتعزيز المرافق الاجتماعية والاقتصادية، وعقد الأوفاق الدولية، ومعاهدات الحلف والصداقة مع أوربا وأمريكا، بالإضافة إلى دعم الرابطة الإسلامية، مع تنمية موارد الدولة، وبتنشيط الحركة الاقتصادية، والمبادلات مع الخارج، حيث فكر لأول مرة في استثمار استراتيجية مرافئ المحيط الأطلسي، وكأن جلالة الحسن الثاني صورة لجده الهمام محمد الثالث، الذي عرف كيف يبني سياسته الخارجية رغم مناقضات العصر، فطور الاقتصاد، ونمى الموارد، ورصص المبادلات  الخارجية بمجموعة من الاتفاقيات والمعاهدات أثناء المؤرخ الفرنسي (جاك كايي) بالروح الدولية التي أذكت السلطان الملهم، فسبق أحيانا بآرائه النيرة – كما يقول كايي ما عرفته أوربا في العصر الحاضر، مبرهنا عن إدراكه العميق لمقومات القانون الدولي، ومسهما باسم المغرب في دعم التشريعات التي تعتبر أساسا للعلائق الدولية في القرن العشرين.
وكان محمد الثالث في غمرة عهد مظلم، داعية سلفيا، استمد من الكتاب والسنة تلك الإشراقة اللماعة التي تطبع الروح الإسلامية ببساطتها ونصاعتها وصفائها، فكان جلالة الحسن الثاني حامل ذلك المشعل الوضاء، في عصر تعقدت فيه المناقصات خاصة في المجال الخلقي والروحي. وقد أمسى جلالة الحسن الثاني، الموئل الأمين، والملجأ الرصين، لمليار من المسلمين، إذا حزبهم أمر، أو حمي لهم وطيس.
لقد اعكست على جلالة الحسن الثاني شمائل جده محمد الرابع، الذي دعم الإصلاح الزراعي ومنجزات الري،وجدد الجهاز العسكري والعتاد الحربي، وركز التصنيع، ولو لم تستعر الحروب مع غسبانيا وفرنسا آنذاك، لانبثق عن عهد محمد الرابع ازدهار كان من شأنه أن يغير اتجاه المغرب الحضاري ومكانته الدولية، حيث جعل من رعاياه شعبا عادل في ظهير رسمي بين مسلميه ويهوده على قدم المساواة، كما دافع الأجانب بضمان التعاون بين البلدان الإسلامية، وتعيين سفراء ضمن الجامعة الإسلامية، وقد سار على هذا النهج جلالة الحسن الأول، الذي عرف كيف يوفق بين هذا المسار الحضاري وبين ضمان توازن المغرب وصحرائه في الحق الخارجي بمدافعة الدول بعضها ببعض، رغم انبثاق مشاكل لم يكن للمغرب سابق عهد بها.
وقد احتدت هذه المشاكل، وازدادت تعقدا واستعصاء، بعد أن تبلورت أطماع الدول الاستعمارية في بداية هذا القرن، فورث جلالة محمد الخامس تركة مثقلة، عرف بلباقته، وبعد نظره، وصفاء طويته، كيف يحل أوعارها بدعم موصول من وارث سره جلالة الحسن الثاني حفظه الله وقد بدأ الصراع عنيفا مجهدا، يم نادى محمد الخامس في انتفاضة قيادية لشعبه المتشبث بعرشه – نادى بوجوب الانعتاق من أسر الاستعمار ونيره، ورسم الخطط الملهمة لضمان هذا الانعتاق، فتحمل ما لم يسبق أن تحمله أمير ولا ملك قبله، مستعذبا النفي والتشريد، ومضحيا بحياته وعرشه، فوجد من ورائه شعبا وفيا، انبرى في اندفاعة ثورية، يواصل شق الطريق الذي رسمه له قائده الهمام في واد من الدماء، مطوحا برؤوس الفتنة بيادق الاستعمار، فعاد أمير المؤمنين متوجا بالنصر، يحمل إلى شعبه وثيقة الاستقلال.
تلك صورة مقتضبة عن شمولية الإنجازات التي حققها جلالة الحسن الثاني، ضمن صيرورة التاريخ وأصالة الأمجاد، وعراقة الفكر الإسلامي، الذي عرف جلالته كيف يضمن توازن عطاءاته، موفقا بين الروح المثالية المتوثبة، والخلق الإنساني المبدع، ومادية الحضارة التكنولوجية العارمة.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here