islamaumaroc

الحسن الثاني نموذج مثالي للأمير المستقيم والملك الديمقراطي

  محمد المكي الناصري

279 العدد

لا يستطيع أحد أن ينكر أن الفترة التي اعتلى فيها جلالة الملك الحسن الثاني عرش المغرب خصوصا. فقد صادف منذ تتويجه فترة زاخرة بالأحداث، مليئة بالتعقيدات في الداخل والخارج. والفترات التي تكون من هذا النوع غير العادي هي التي تكون من هذا النوع غير العادي هي التي تضع على محك الاختيار ْ حكمة ْ الحاكمين، وهي التي تكشف الستار عن مدى أهليتهم وقدرتهم على الاضطلاع بالمهام الثقيلة التي ألقيت أعباؤها على كواهلهم، وهي التي تبين إلى أي حد يمكنهم أن يتمكنوا من ضبط أنفسهم وهم في غمرة الزوابع والأعاصير.
ونحمد الله على أن الحسن الثاني قد اجتاز هذا الامتحان العسير بأكبر حظ من النجاح والتقدير. وسيشهد التاريخ أن نجاحه لم يكن وليد ْ الصدفة ْ العمياء، ولا وليد ْ البخت ْ ولكنه ـ مع توفيق الله وإعانته ـ وليد خصال بارزة، واستعدادات ممتازة، وتربية مثالية، تعاونت كلها على إبراز شخصيته وفرضها على الظروف.
لقد عاش الحسن الثاني منذ فتح عينيه في بيئة وطنية صالحة تؤمن بالله والوطن والشعب إلى أقصى الحدود، وساير الحركة الوطنية منذ برزت على المسرح السياسي خطوة، يتعرف على كثير من أسرارها، ويساهم من قريب أو بعيد في إعداد مخططاتها، ويمهد الطريق لإنجاح تلك المخططات وتنفيذها. وفي كثير من الأحيان كان هو لسان حالها لدى العرش. وفي كثير من الأحيان كان هو لسان حال العرش لديها. وبفضل هذا احتكاك المتواصل تمكن كل التمكن من معرفة رجالها، وأحاط كل الإحاطة بخططها، وساهم بكثير من الشجاعة التضحية في تحقيق أهدافها، الأمر الذي جعل الاستعمار يحاول أن يوجه إليه في عهد الكفاح الوطني أقسى الضربات، وأن يعتبره "العدو رقم 1" بين أمراء البيت العلوي المالك.
وإنه لمن حسن حظ المغرب، بل من حسن حظ العالم العربي والعالم الدولي، أن وضعت الأقدار الإلهية الحكيمة في يد الحسن الثاني مقدرات هذه النطفة الحساسة من العالم، الواقعة عند ملتقى البحرين: الأبيض والأطلسي، وملتقى القارتين أوروبا وإفريقيا، فقد أثبتت الأيام أن رئيس الدولة المغربية بقدر ما هو على علم بالمغرب هو على علم بأهم ما يدور في العالم العربي والعالم الدولي من التيارات الخفية والظاهرة، تيارات الخفية والظاهرة، تيارات البناء والهدم على السواء، وهذه المعرفة الشاملة مكنت الحسن الثاني من أن يضع للمغرب مخططا شاملا بلغ الغاية في المرونة والبراعة، واللباقة والدقة، والنظر البعيد، فالمغرب اليوم بفضل سياسة الحسن الثاني وفلسفته في الحكم، يحاضر في كل مكان، ولكنه في نفس الوقت بعيد عن كل مغامرة لا تجدي، أو تورط لا يفيد، وهذا ما جعل أسهم المغرب، في حسن السمعة ووافر الثقة، ترتفع في مختلف القارات ولدى مختلف الهيئات، وما جعل التمثيل الدبلوماسي لمختلف الكتل الدولية يبلغ رقما قياسيا بالمغرب.
وإذا كان الحسن الثاني يعنى كل العناية بسمعة المغرب في المحيط الدولي وبعلاقاته الطيبة معه، فإن ذلك لا يلهيه ولا ينسيه أن كل نشاط في الخارج يجب أن يكون صدى لنشاط أوسع وأعمق في الداخل، ومن أجل ذلك كرس جهوده لحل مشاكل المغرب الداخلية الملحة، ولم يكتف فيها بالمسكنات ذات الأثر المؤقت المحدود، بل ابتكر لهذا النوع من المشاكل المعقدة حلولا جذرية طويلة المدى، هي محور المخطط العام الذي يشرف جلالته على تنفيذه إشرافا مباشرا. ولا شك أن العمل على إيجاد الحلول المناسبة لتلك المشاكل كان له أعمق أثر على الحالة السياسية في البلاد، مما جعل جمهرة كبيرة من الأجانب الناقدين تتحول إلى صفوف المؤيدين والمعجبين.
على أن اهتمام الحسن الثاني بالجانب المادي لحياة الشعب المغربي لم يعقه عن الاهتمام البالغ بالجانب الروحي لحياة هذا الشعب. فلم يزل يوجهه الوجهة المثلى ويضرب له المثل بنفسه في كل مناسبة، ولم يزل يشجع رواد الإصلاح والتهذيب من مفكري الأمة ونوابها على القيام بمهمتهم وأداء  رسالتهم بكل وسائل التشجيع. وهكذا تكاملت سياسة الحسن الثاني الخارجية مع سياسته الداخلية. وبذلك أعطى الدليل تلو الدليل على أنه حاكم حكيم، شعبي مستنير، ورئيس دولة عبقري قدير، يتمنى شعبه من أعماق قلبه أن يطيل الله حياته، لينعم في ظله بأفضل حياة وأحسن مصير.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here