islamaumaroc

رعاية الإسلام للشباب.

  يوسف الكتاني

279 العدد

لقد كان الشباب المؤمن القوي الطموح قديما وحديثا وعبر مراحل التاريخ وأطواره، عماد الأمم، وسر قوتها، وحامل أولويتها وراياتها، ومبعث كرامتها وعزتها، وقائد جيوشها ومسيراتها إلى العز والمجد والنصر، ويعتبر الشباب في دولة الإسلام أعظم فئة تعتز بها في حياتها وأكبر ثروة تدخرها لمستقبلها، وأهم قوة تبني عليها مجدها وتطورها ونموها، باعتبار الشباب الدعاة الأساسية في المجتمع، الطاقة الحية لقيامه، والأمل المرتجى لغده.
ومن هنا تظهر العناية الكبرى التي خص الإسلام بها الشباب، والرعاية العظمى التي أحاطه بها، والمناهج التربوية التي وضعها له لتنشئته وتربيته وتكوينه، والضوابط السليمة لحياطته وحفظه في أخلاقه وسلوكه، والتوجيه الكريم المستمر الذي خص القرآن به فئات الشباب، والهدي النبوي العظيم الذي وجههم له الرسول الأمين.
فقد خص القرآن فئة الشباب بالخطاب والتوجيه قبل غيرهم من الفئات، للتنويه والتنبيه إلى دورهم الأساسي في الأمة، وأهميتهم القصوى في بنائها وقيامها ومسيرتها، ولنستمع إلى كتاب الله العزيز كيف يشير إلى أهل الكهف باعتبارهم فتية مؤمنين صالحين صادقين، وكيف يصفهم ويعبر عنهم بقوله في سورة أهل الكهف: 13. << إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى >>، كما لا نعلم أمة من الأمم اعتنى رسولها بالشباب ووجههم، ورعاهم ورباهم، وهيأ لهم من الظروف ورسم لهم من التوجيهات، ما يجعلهم رجالا كفاة، أقوياء، ومواطنين منتجين صالحين، ودعاة هادين مهديين، وقادة عظاما فاتحين بانين، مثل ما اعتنى بهم رسول   الإسلام الذي جعل من شباب الإسلام العصبة التي قامت على أكتافها الدعوة في دار الأرقم بن الأرقم، وهي الخلية الأولى التي أسس بفضلها الإسلام وكانت النواة الأساسية لمجتمعه الطاهر الفاضل، وكان أغلبهم من الشباب الذي آمن بربه وبنبيه، وكان في مقدمتهم عمر وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، والأرقم بن أبي الأرقم، وسعيد بن يزيد، ومصعب بن عمير، وبلال بن رباح، وعمار بن ياسر وغيرهم كثير من شباب المسلمين، الذين ساروا وراء الرسول في هديه، وتبروا على سنته، وجاهدوا تحت رايته، وقادوا الجيوش للفتح الإسلامي، الذي كان خيرا ونورا وصلاحا للمجتمع الإنساني، وذلك بفضل ثباتهم ومصابرتهم، وتضحياتهم وإيمانهم، مما مكن لدين الله في الأرض، وعمل على نشره في الأرجاء والآفاق.
ولنستمع باستيعاب إلى الرسول الأكرم وهو يخاطب الشباب، ويوجههم إلى ما يقوم سلوكهم، ويعصم سيرتهم، ويصلح حياتهم، بقوله فيما رواه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، باب قول النبي (صلع) من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، "ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" ويغرس في قلوبهم الغضة، وعقولهم النيرة، عقيدة التوحيد الخالص، والإيمان الصادق، واليقين الكامل، وبوحدانية الله وربوبيته، والإيمان بقدره ومشيئته وإرادته، وليخلص له وحده العبادة والطاعة، ويفرده بالتوحيد والتنزيه، فقد كان عبد الله بن عباس غلاما حدثا وكان ردفه على مركوبه فخاطبه بقوله فيما رواه الإمام أحمد في مسنده: "اسمع يا غلام، أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده اتجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك، لن ينفعوك، إلا بشيء كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لن يضروك بشيء كتبه الله عليك".
كما كان يربيهم على الإيمان بالله وبشريعته، وعلى التمسك بالأخلاق الفاضلة،  والسلوك المستقيم، ويبشرهم على ذلك برضى الله والفوز بالجنة، مؤكدا لهم إن فعلوا ذلك واتبعوه وصاروا عليه، استحقوا الجائزة وهي أن يكونوا ضمن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة، يوم لا ظل إلا ظله، كما صح عن الرسول فيما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه – باب وجوب الزكاة – باب الصدقة باليمين:
"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه".
وينبه الشباب إلى ما يجب أن يفعلوا، وما يجب أن يتركوا، عصمة لأنفسهم ودينهم، فقد خاطب الرسول عليه السلام عليا كرم الله وجهه بقوله فيما رواه الإمام الترمذي في سننه:
"يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليس لك الآخرة".
ويوجه الآباء ويستحثهم على رعاية أبنائهم، وإحسان تربيتهم وتوجيههم بقوله:
"رحم الله والدا اعان والده على بره"
وبقوله عليه السلام:
"ما نحل والد ولدا أفضل من أدب حسن"
لقد كان الرسول وخلفاؤه من بعده، يخص بالتوجيه الدائم، والعناية المستمرة، ويفقهه في دينه، ويعلمه أدب الإسلام، ويوجهه إلى التقوى والعمل الصالح الذي يفيده ويفيد أمته ومجتمعه، يقول الرسول "يا أيها الناس إن لكم معالم، فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم وإن المؤمن بين مخافتين: بين عاجل قد مضى لا يدري ما لله صانع به، وبين آجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، ليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الممات".
كما كان الرسول يحبب للشباب أنواع الرياضات لتصح أجسامهم، ويستقيم عودهم، ويصبحوا قادرين على الجهاد في سبيل الله، وتحمل أعباء الحياة، ولذلك يحثهم على الجري وركوب الخيل، والسباحة، والرمي، وكان الرسول نفسه يتسابق مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ولقد مر على جماعة من الشباب يتمرنون على الرماية فقال لهم:
"ارموا – بني إسماعيل – فإن أباكم كان راميا، ارموا وأنا مع بني فلان" فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:
"ما لكم لا ترمون؟"
قالوا: "كيف نرمي وأنت معهم؟ قال :"ارموا وأنا معكم جميعا".
بمثل هذا التوجيه الحكيم، والقدوة الحسنة، والمثل الصالح، استطاع الرسول في فترة وجيزة ان يجعل من شباب المسلمين شيعته وأنصاره، وعدته في الجهاد، ودعاته إلى الدول والأمم، وفقهاء الأمة وقرائها، ويجعل منهم المشاعل التي أنارت الطريق، وفتحت الفتوح، ونذكر منهم على سبيل المثال: علي بن أبي طالب الذي شارك في معركة بدر وهو دون العشرين، وخالد بن الوليد...... في عنفوان شبابه.
كما رأينا الرسول يختار مصعب.... الشاب الذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره.....سفيرا له.
ويولي أسامة بن زيد، وهو لم يبلغ العشرين من عمره، قيادة جيش المسلمين، وتحت إمرته الصحابة والقراء والفقهاء.
ويكلف عبد الرحمن بن أبي بكر وهو في الغار أن يجمع له أخبار قريش، ويستطلع خططها وأحوالها وينقلها إليه.
لقد أصبح شبابنا اليوم في حاجة إلى أن يتعلموا ويعرفوا حقائق دينهم وسيرة رسولهم، وتاريخهم حتى يكون لهم القدوة والأسوة، ويعرفوا أن دينهم دين التجديد والتطور، وانه صالح لكل زمان ومكان.
إن الأمة الإسلامية اليوم أكثر ما تكون حاجة إلى همم شبابها وعقولهم الفتية، وطموحهم الكبير، وعزيمتهم الصادقة، وسواعدهم القوية، وذلك من أجل إعادة البناء والتشييد، واستعادة الأرض المغتصبة، والساحات المفقودة، والحقوق المهضومة، واسترجاع القدس السليبة، واستعادة الكرامة والهيبة والعزة الإسلامية التي لا حياة للمسلمين إلا بها.
   وعلى شباب المسلمين أن يحارب السلبية في نفسه، ويدع الخمول والكسل والفتور في حياته وسلوكه، ويقبل على معركة التطور والنمو بنفس أبية، وروح ثابتة، وقلوب مؤمنة، وعقول متفتحة، لنستعيد العز السليب، والمقدسات المغتصبة، وتعود إلينا عزتنا ووحدتنا وإرادتنا في المجتمع الدولي. كما 
أرادنا الله وبوأنا في هذا الوجود مصداقا للهدي القرآني الكريم :
<< وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا >>.
فمن أجل هذه الأهداف السامية، والغايات الكبرى، جعل جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله من يوم مولده عيدا للشباب، وليكون فرصة للطموح والابتكار والتجديد لما فيه خير للبلاد والعباد.

فلنحمد الله سبحانه وتعالى على منته وتوفيقه، إنه قال: << لئن شكرتم لأزيدنكن >>، وكأنني بنا شعبي العزيز، ونحن في هذه الغمرة، فكأني بالرجل، أو الشعب، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم أو كما قال: "إن لله رجالا لو أقسموا على الله لأبرهم". ويمكننا أن نقول: إن جميع الرجال، يعني الشعوب، فهنيئا لك شعبي العزيز أن تكون من الشعوب التي إذا أقسمت على الله أبرها، ذلك أن قسمهم كان دائما يرمي إلى الخير، ومسيرتهم تسير إلى الخير، وعملهم متسم بروح الإسلام، غير متسم بالأنانية، بل متسم بالعمل والخير لا للشعب المغربي فقط، بل للشعوب المجاورة له عربية أو مسلمة أو عادية كانت.
                                                                     من خطاب جلالته حفظه الله
                                                                     في عيد الشباب يوم الخميس
                                                                            8 يوليوز 1976

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here