islamaumaroc

خريطة المغرب من تشكيل التاريخ إلى تحليل الحسن الثاني.

  محمد بن علي الكتاني

279 العدد

الخريطة التي أعنيها هنا والتي هي موضوع هذه المقالة ليست بالخريطة الجغرافية التي ترسم الأقاليم والحدود والتضاريس وتنطلق من مقياس محدد، ومن تموضع بين خطوط الطول والعرض، أي خريطة وافية بكل المعطيات الطبيعية. فهذه الخريطة لا تعنين هنا لأن لها أهلها المتخصصين فيها، وإنما أتحدث عن خريطة الهوية المغربية. إنها خريطة تاريخية تتموضع بين الماضي والحاضر والمستقبل. وتنطلق هي الأخرى من مقاييس ومعطيات وحدود، ولكنها معطيات معنوية ومقاييس غير كمية، ولا ملموسة، وإن كانت فاعلة وحاضرة ومؤثرة. وهذه الخريطة للإنسية المغربية، إنما نحرص على اعتبارها خريطة بالمفهوم الجغرافي إلى حد ما، وإن كانت لا تخضع للمقاييس الكمية.
إن الهوية المغربية هي مجموعة من الخصائص والمميزات التكاملية التي طبعت تاريخ المغرب، وحددت سيرته في الزمان، مثلما تعتبر الخريطة الجغرافية مجموعة من المعطيات الطبيعية التي تحدد امتداد المغرب في المكان.
وقد أوحى لي بهذه المقارنة أو بهذا التصور خطاب ملكي سام ألقاه جلالة الملك الحسن الثاني في أحد أعياد الشباب، فتحدث عن خريطة المغرب كما سنرى بعد قليل، ونظر في المستقبل من خلال منطق الماضي القومي، فلنبدأ من تلك المناسبة ومن خطابها لنضع الموضوع في سياقها.
من المعلوم أن المغرب يحتفل منذ اعتلاء الحسن الثاني عرش أسلافه الأمجاد بعيد الشباب، في جملة ما يحتفل به من أعياد، ليخلد ذكرى ميلاد الملك الشاب الذي جعل المغرب – ولعله البلد الوحيد في هذا التقليد- يحتفل بمعنى الشباب إلى جانب احتفاله بميلاد جلالة الملك، أي يحتفل بتجدد الأجيال التي تأخذ رسالة الماضي من الحاضر لتضعها في يد المستقبل. ففي كل عيد من هذه الأعياد نقف وقفة الناظر للمستقبل من موقع الحاضر. وقد ألقى جلالة الملك بهذه المناسبة المتجددة كل عام خطبا مليئة بعزائم الشباب، وبالتخطيط لبناء المستقبل في ثقة وإيمان. فإذا استعرضنا اليوم تلك الخطب أو معارض منها على الأقل فسيكون بين أيدينا فيض من العطاء والتوجيه، والتخطيط والتفكير الوطني السديد.
وما يستوقفنا في هذه الخطب بالذات هو نظرة جلالة الملك لمستقبل المغرب في ضوء تاريخه الطويل المليء بالحقائق والبطولات والمنجزات، فجلالة الملك يخترق بنظرة الثاقب تاريخنا الوطني، فيرى هذا التاريخ وحدة جمعة بين البدايات والنهايات، محكومة بنفس القانون، محملة بنفس الرسالة الحضارية. بل إنه يرى التاريخ الإنساني كله على هذا النحو، ويضع تاريخنا في موضعه منه بغير تزيد أو إسراف في التقدير. والتاريخ بالنسبة لكل أمة معرض شخصيتها الحقيقية الذي لا يعرف المزايدة والتمويه، فلكل أمة شخصيتها، وشخصيتها تقوى أو تضعف بحسب ما تتحمله من رسالة حضارية ومن صفات إسعاد البشرية في محيطها الضيق أو في محيطها الواسع. ويعي هذه الرسالة ويستشعر عمقها أو سطحيتها من يتحركون مع هذا التاريخ إن تغيرت الأطوار وتعاقبت الأدوار، ومن ثم اكتسب كل شعب هويته في التاريخ من صميم فعل التاريخ، وكأنما تتوارث أجياله (الفصيلة) الدموية نفسها كما يرثها أبناؤها منا بعد أن كنا قد ورثناها من أسلافنا. والفصيلة الدموية هنا تعني (دم) مجتمع، إن صح هذا التعبير، أي نمط حياته الحضارية، فهو إما مجتمع منغلق لا يقبل الانفتاح، وإما مجتمع منفتح لا يقبل الانغلاق، وإما مجتمع سمح متعايش واقعي يرفض التعصب والغلو، ويؤثر قاعدة العملة على الخيال المطمع، والوسطية على التطرف، وإما شعب متطرف موتور، يرفض التعايش إلا بمعنى التفوق والاستئثار بالغلبة. ولا... إلا لمن يسومه هذا الاتجاه، ويحمله على المكاره من أجل المكاره نفسها.
وقد استقى تاريخ المغرب منذ تأسيس الدولة الإسلامية فيه على وتيرة من الحضارة الاجتماعية والحضارية يمكن معها استخلاص مجموعة من الخصائص التي تتميز بها الهوية المغربية كنتيجة من نتائج الموقع الجغرافي والخصائص العرقية، والمزاج النفسي.
وهذا ما يجعل قادة المغرب ورجالاته الإعلام عبر التاريخ على بصيرة من الاختيارات المصيرية التي تلائم المغرب، والسياسة التي ينبغي انتهاجها عندما تحل الأزمات وتنوب النوائب، أو عندما تجري الحياة العامة فيه على نسقها المعتاد بين الشدة والرخاء.
وفي هذا السياق من وعي حقيقة التاريخ الوطني، ننظر إلى توجيهات جلالة الملك وبناء هذه التوجيهات على بصيرة من ذلك التاريخ، وفي إطار هذه البصيرة النافذة يقول جلالته في إحدى خطب عيد الشباب (يوليوز 1984) : "إن المغرب لم يكن من طبائعه ولن يكون من طبائعه أبدا أن يجهض الإمكانات التي يمكن أن يعتمد عليها ويضعها في حساباته ليبني عليها المستقبل الذي ما فتئت أصوره لكم، أنعته بيدي وبعيني وبجميع جوارحي، ذلك المستقبل الذي سيجعل من المغرب أحسن مما كان عليه أيام كانت خريطته تمتد شرقا وغربا شمالا وجنوبا، تلك الخريطة التي لم تخطها ولن تخطها عزيمة الاستعمار أو إرادة الاستيلاء، ولكن تلك الخريطة التي خططتها يد الباري جلت قدرته حينما أراد أن يقلد هذه الأمة وهذا الشعب مسؤولية نشر كلمة الله ونشر الحضارة الإسلامية والثقافة الإسلامية والعلم الإسلامية. وإذن فالمغرب لا يمكنه أن يتنكر لماضيه، ولكن هل يمكنه ألا يساير العصر ومقتضيات العصر؟ بلى يجب عليه أن يحترم هذا وذاك.
   علينا إذن، إذا أردنا أن نكون مواطنين كاملي العضوية والمواطنة في القرن المقبل وقبل القرن المقبل في المجتمع المتحضر، أن نميز بين ما هو واجب وبين ما هو حرام.
أما الواجب فهو ألا نبقي أي عزيمة ولا أي موهبة غير مستثمرة. والحرام هو أن نستثمر جميع المذاهب في نمط واحد وفي قالب واحد ولهدف واحد."
هذه هي عبارات جلالة الملك كما تبدو وجيزة لكنها نافذة البصيرة، حاسمة القرار، بليغة المعنى. فهي تحدد الخريطة البشرية وطبيعتها ورسالتها وآفاقها وطبيعة تفاعلها مع الماضي والحاضر والمستقبل، وهي تعكس روح المناسبة التي قيلت فيها، وهي روح الشباب المتوثب المتطلع في ثقة إلى المستقبل، وكلها تصميم وعزم على المضي في الانتماء إلى الأصالة المغربية، القائمة على رسالة الإسلام، وخدمة حضارته وثقافته. ولكنها تصميم بنفس القوة أو التفتح على المستقبل والتفاعل مع حضارة العصر بيومه وثقافاته، للانتفاع بكل نافع من تلك الحضارة على هدى وبصيرة، وهذا هو قدر المغرب بحكم موقعه وانفتاح جغرافيته الطبيعية على البحار والحضارات.
وبحكم ضرورة التعايش مع العالم المحيط بنا، فإننا لن نكون مواطنين في هذا العالم وفي المجتمع المتحضر حولنا بغير وسائل الحضارة نفسها التي أصبحت حضارة كوكبية في أنظمتها ووسائل تسخيرها للطبيعة وتذييلها لمصاعب العيش وتنميتها لطاقات الإنسان وتوفيرها لأسباب الرفاه والسعادة والرخاء.
وكلمات جلالة الملك كلها تصميم – والتصميم من روح الشباب ودلائله – على استثمار الطاقة البشرية بالنسبة للمغرب، لأن هذه الطاقة هي قاعدة البناء ووسائله في نفس الوقت، وعلى تنويع ذلك الاستثمار بحسب المواهب والمؤهلات والخصوصيات.
إدراك خصوصيات الإنسان المغربي ومؤهلاته ومواهبه وتوجيهها التوجيه الملائم هو الذي يشكل غنى الخريطة البشرية وثرائها، لكن هذه الخريطة البشرية لن ترسم إلا بالسياسة الرشيدة وهي تقوم على مبدأين :
1- مبدأ الاستثمار للإنسان المغربي، بمعنى أن يستثمر الإنسان المغربي ذاته، ويظهر بالفعل والممارسة ما تنطوي عليه ذاته من فعاليات ومواهب، عن طريق تأهيله وتعليمه ووضعه في الاتجاه الملائم لطبيعته.
2- مبدأ التنوع في حقل الاستثمار، حتى يكون المجتمع المغربي مجتمع متكامل المقومات والفعاليات، تتوافر له كل الوسائل البشرية لسد حاجاته والقيام بوظائفه في الإنتاج المادي والمعنوي وهو أمر يتوقف أيضا على التكوين والتوجيه والتخطيط.
هذان المبدآن لا يتحققان كما نعلم بغير التعليم الموجه والديمقراطية الحقيقة، التي يمارسها الإنسان في مجتمع تتوازى فيه الوسائل والغايات والحقوق والواجبات والديمقراطية والالتزام.
إن رسم الخريطة للمستقبل المغربي لا يكفي فيه تحديد تنوع المذاهب واستثمارها وتوظيف الفعاليات في سبيل الإنتاج المنشود، مقتصرين على الجانب المادي من الحياة الإنسانية. ولكن يتعين أن ترسم خريطة المستقبل بتحديد طبيعة التموضع داخل الكتلة البشرية، وتحديد الاتجاه الحضاري والقيم المنشودة في هذا الاتجاه وهو ما عبر عنه جلالة الملك بقوله :
"فالمغرب لا يمكنه أن يتنكر اليوم لماضيه، ولكن هل يمكنه ألا يساير العصر ومقتضيات العصر؟"
وما أراد أن يعبر عنه جلالته هو أن المغرب لا يفرق بين نشدان الأصالة ونشدان المعاصرة، أي الجمع بين الثبات على القيم الأساسية من إسلام ولغة وتاريخ، والتطور مع حركة الحضارة الإنسانية من تنظيم وتجهيز وإدارة واستثمار وتنمية وإصلاح.
وهذا الاختيار المزدوج أمر يفرضه التاريخ والجغرافية، باعتبارهما عاملين رئيسيين. أما التاريخ فقد كان المغرب قبل الإسلام موزعا بين الوثنيات والمسيحية واليهودية. لقد كان تواقا دائما إلى الانتظام مع عقيدة عن الكون والحياة، ولكن هذه العقيدة لم يجدها كما يتوق إليها إلا في الإسلام، ولذلك اعتنقه وعض عليه بالنواجذ، ولم تزحزحه عنه ولا عن وسيطته مختلف الإيديولوجيات والعقائد الوافدة عليه بعد ذلك.
ومنذئذ انفتح المغرب على الشرق الإسلامي، وتلقى منه المذهب افقهي والكلامي، ولكنه احتفظ لذاته بالسيادة القومية، فأسس دولته الإسلامية منذ القرن الثاني الهجري، وظل صامدا في موقع الشد والجذب والصراع بين القوى السياسية، ويحافظ على هويته وسيادته، يستفيد من العناصر الحضارية والثقافية ويتمثلها ويحولها إلى رصيد وطني، فالتفت فيه عناصر إفريقية وأندلسية منذ وقت مبكر، وهي التي تعايشت في مدينة فاس خلال القرن الثالث، ومن خلال تنافسها الصناعي والتجاري والعلمي تكونت النواة الأولى للحضارة المغربية. وظل التأثير الأندلسي والمشرقي من أهم روافد هذه الحضارة كما هو معلوم.
وفي نفس الوقت ظل المغرب متفتحا عبر تاريخه على المؤثرات النافعة من حضارات الأمم المحيطة به، وعندما حلت العصور الحديثة تحقق هذا التفتح على نحو واسع، إذ لك يكن أمام الخيار الحضاري الغربي من مجال للعدول عنه أو للانغلاق دونه، وذلك تحت تأثير الرغبة في استكمال القوة والاستعداد لمواجهة الأطماع، أو مواجهة الهيمنة الغربية نفسها. وكانت تجربة الحماية الفرنسية والإسبانية دليلا على ما انتهى إليه المغرب من ضعف وتخلف جعله لقمة صائغة أمام خصومه في بداية هذا القرن. ودليلا على ما ينبغي أن يكتسبه من مؤهلات ومقومات للحفاظ على سيادته وهويته في معترك الصراع في الحال والمآل.
لقد استقبل المغرب في العصور الحديثة عهدا من التفتح الاضطراري لم تقف أمة من أمم الشرق وإفريقيا بمنأى عنه، أو من غير أن تجد نفسها مضطرة إليه، فالنقلة الحضارية التي حققها الغرب لم تتعلق بالثقافة وما يتبعها من تشاريع وأنظمة اجتماعية، وإنما كانت تتعلق بتغيير حياة الإنسان، أي نقلها من الطور الزراعي إلى الطور الآلي (البخاري فالكهربائي فالذري والإلكتروني) ولم يكن بد من أن تنتقل جميع الشعوب إلى هذا التطور الذي يحركه الغرب بكل آلياته وإيديولوجياته ومناهجه.
وقد تزامن هذا التأثر الاضطراري مع حركة الاستعمار الغربي، فاعتبر هذا التأثير بمثابة حصار حضاري أو غزو ثقافي لأنه كان يكتسح البلاد عنوة، ويحاول استئصالها من جذورها، وجعلها معترك في فلك المصالح الغربية، أو مصالح الدولة المستعمرة، ولذلك واجهت كل الشعوب ذات العراقة التاريخية والأصالة الثقافية والسيادة العريقة إشكالية التوفيق بين ماضيها وحاضرها، وبين سيادتها واندماجها في التاريخ المعاصر.
وكان المغرب في مقدمة هذه الشعوب، وهو بحكم موقعه لا يمكنه أن ينغلق على نفسه، وقد حاول ذلك خلال القرن الماضي فلم يزده الأمر إلا ضعفا وتخلفا. فهو بحكم طبيعته في الانفتاح والمواكبة للواقع المتعايش مع المحيط الحضاري والجهوي والعالمي، لا يمكنه إلا أن يشارك في عضوية المواطنة العالمية وفي الانتماء للعصر، لتحقيق هدفين مزدوجين : الاستمرار والهوية.
وفي كتاب (التحدي) يتحدث جلالة الملك بعمق عن طبيعة المغرب بوصفها شجرة تمتد جذورها عالية امتدادا .... في الأرض الإفريقية وتتنفس كل أوراقها في الفضاء الأوربي، بيد أن حياة المغرب ليست عمودية الامتداد وحسب بل تمتد كذلك امتدادا أفقيا نحو الشرق الذي نحن مرتبطون بالبراق والتالد من ثقافته.
لقد تجلى في التاريخ المغربي عبر الأدوار .... للتاريخ هذان الامتدادان : الأفقي والعمودي، وهذا ما يكون الخريطة المغربية لأنها تمكن أن تقرأ منعزلة عن الشرق والغرب، وعن الأطلسي والمتوسط، وعن الصحراء الإفريقية المغربية. ومن صميم التفاعل داخل هذا التموقع الجيوسياسي، اكتسب المغرب مميزاته وحركية ثقافته، وظل يستشعر على الدوام ضرورة المحافظة على كيانه. ومن صميم التفاعل مع هذه العوامل تكون له تعلقه بالحرية، تلك الحرية التي يتحدث عنها جلالة الملك في إحدى خطب العرش (3مارس 1984).
فيقول عنها : "فالحرية الصالحة هي الحرية التي يبقى معها للأفراد والجماعات الإحساس بالواجب والمسؤوليات، والقدرة على الاختيار المستقيم، وعلى التمييز والموازنة بين النافع والضار. والحرية الصالحة هي الحرية التي لا تضيع معها الشخصية ولا تذوب في غيرها، وإن أوجب ما يجب علينا نحن الذين نعيش متفتحين على جميع التيارات، متلقين بصدر رحب جميع الحركات الفكرية أن نأخذ ونستقي عن بصيرة وبينة، ونحتاط لأنفسنا حتى لا يفلت زمام الاختيار السليم من أيدينا، وحتى لا تعصف رياح هذه التيارات وهذه الحركات بأنفس ما نملك وهو أصالتنا الثقافية والحضارية."
ويحدد جلالة الملك هذه الأصالة في مقوماتها الرئيسية قائلا :
"وأصالتنا هذه قوامها كتاب الله العزيز وسنة نبيه الغراء، واللغة التي نزل بها الوحي، ومذهب أهل السنة والجماعة الذي هو مذهب السماحة والاعتدال والصفاء، وهذه الأصالة التي اتسعت على امتداد أطوار تاريخنا للمعاصرة وعايشتها لا تضيق الآن صدرا بالمعاصرة النظيفة بل تتسع لها أيما اتساع وترحب بها أيما ترحيب. ومادامت أصالتنا الإسلامية التي أينعت في ظلها العلوم والفنون، وازدهرت بها وفي أحضانها حضارة يعدها العارفون من أزهى الحضارات وأرقاها، هي المعين الذي نستمد منه أبرز وأغلى ما تمتاز به هويتنا وشخصيتنا، فإن علينا أن نجتهد باستمرار تعزيزا لجانبها وتمكينا واكتشافا واكتناها لما تزخر به من أسرار وأخلاق.
إن علينا أيضا أن نؤمن لها باستمرار الأسباب التي تقيها شر التفريط والإهمال وتصونها من كيد الكائدين واعتداء المعتدين.
فإذا انفصمت – لا قدر الله – في نفوسنا عرى أصالتنا لسبب من أسباب التضاؤل والاضمحلال، وانقطع ما هو موصول بيننا وبينها، فإننا سنصبح حينئذ وقد ضاع الذاكرة واستحالت الملامح وشاه الوجه، وصوحت رياض الوجدان، كالمنبت، لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى، إن الحرية – شعبي العزيز – نعمة كريمة، وهبة من الله خولها إيانا لنسخرها بالتمييز والاستبصار لفائدة نمو العقل والنفس ورقي الإنسان، فهي وسيلة من وسائل العلاج وأداة من أدوات الخير، وأخلق للإنسان ألا يستعملها إلا فيما يدرأ عنه المضار ويجلب له المنافع، وأخلق بك شعبي العزيز أن ترعى ما كتب الله لك من عراقة وأصالة، وتصون أركان هذه العراقة وهذه الأصالة، وتمكن لدعائمها في نفسك وحواليك".
نستطيع بعد هذه الجولة القصيرة في بعض كلمات الحسن الثاني النيرات في تحليل مميزات شعبه وخصائصه التاريخية أن نستخلص أهم ما يحدد الخريطة البشرية للمغرب من حيث العمق التاريخي والأبعاد الحضارية والنفسية أو ما أسماه علال الفاسي بالنموذج النفسي.(النقد الذاتي)
وأهم ما يحدد طبيعة المغاربة هو استمدادهم مزاجهم النفسي من البيئة المحيطة بهم وتنوع هذه البيئة من صحراء وجبل وسهل وشواطئ ممتدة هو السر في تنوع خصوصياتهم، فكأن الأرض بكل تضاريسها وخيراتها وظلال جمالها وجلالها قد ترسبت في نفسياتهم وطفحت على أغانيهم وأهازيجهم وطبعت لهجاتهم بحب هذه الأرض وعشقها والتغني بها والاستماتة في الدفاع عنها. ومن خصائصهم واقعية تنأى بهم عن التفلسف المجرد والتدين العرفاني والمعرفة الجدلية، وهي الخصيصة التي جعلتهم يؤثرون الاعتدال والتوسط  بين كل المتقابلات الممعنة في التطرف، ويتجلى ذلك ف بالممارسة الدينية لديهم، وفهم سنيون وصوفية مجاهدون ومرابطون في حال الحرب، وصوفية علماء ومصلحون اجتماعيون في حال السلم. أما عامة الشعب فهم لا يقنعون بالأفكار الدينية المجردة إن لم تتحقق في الواقع من خلال شخصية صوفي علمي كابن العباس السبتي وأبي شعيب السارية، و من خلال فقيه عالم متبصر كالقاضي عياض أو عالم محتسب للحق كالشيخ زروق أو عالم معلم مناضل كالحسن اليوسي والشيخ ماء العينين.
وإذا استعصى عليك استخلاص النموذج النفسي للمغاربة في غمرة التعدد والتنوع فانظر إلى الرموز التي يقدمها المغاربة من العلماء والقادة المصلحين، الراقدين تحت القباب الخضراء والبيضاء المنبثة في أرجاء المغرب، لأن هؤلاء العلماء والقادة كانوا أبناء شعب فطر على التعلق بالقيم التي مثلوها في حياتهم وظلوا رموزا لها في نفوس من يقدسونهم بعد موتهم بعصور تتلوها عصور.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here