islamaumaroc

هنيئا لرمز الشباب.

  عبد العلي العبودي

279 العدد

إذا كان يوم تاسع يوليوز من كل سنة، يعتبر فرصة سعيدة، يتنظر حلولها، الشعب المغربي بكل فئاته، ليعبر فيه عما يغمره من أفراح طيبة، ومسرات كبيرة لأنه يحيي فيه ذكرى ميلاد الملك المحبوب، باعث النهضة الشاملة، وقائد مسيرة وحدة الأمة الكاملة.
فإنه كذلك يعد مناسبة جليلة للتذكير بما قدمه الشباب قبل الاستقلال من تضحيات جسام، بقيادة زعيم لهم، شاب مثلهم، وهو ولي العهد إذ ذاك، جلالة الحسن الثاني نصره الله وأيده.
ونغتنمها مناسبة غالية لنتوجه إلى المولى سبحانه وتعالى بالدعاء له بأن يحفظه ويرعاه، ويمده بتوفيقه وعونه ويسدد خطاه.
أجل كثيرا ما كان شباب الأمة المغربية، أثناء عهد الحجر والحماية يحاول أن يعبر عن رأيه فيما تتوقف عليه بلاده من حاجيات، أو عما لشبابها المخلص الأبي من طموحات وتطلعات، لتحقيق العيش الكريم في وطن حر مستقل، ولكن يقابل رأيه بالرفض القاطع وزيادة القهر والاضطهاد له، ووضع القيود عليه، والمراقبة الصارمة لكل تحركاته.
وكانت سلطات الحماية تجتهد وتتنافس وتتفنن في خلق الوسائل التي تسلط بها جام غضبها عليه.
ولم يكن هذا الشباب يجد المتنفس فيها يقاسيه م مضايقات المستعمر وأذنابهن إلا في الالتجاء للعائلة الملكية النبيلة، للتعبير لها عن الآلام المضنية التي يعيشها أبناء المغرب عموما، وللاسترشاد بسديد رأيها في كل عمود يعود بالخير العميم على الأمة، وفيه كذلك التخفيف عن كل الوطنيين، وعن الشبيبة المغربية خاصة، من عنائها في السعي لتحقيق استقلال شعبها، وكان محمد الخامس طيب الله ثراه يفتح لهم صدره الرحب، كما يفتح لهم أبواب قصره، فيعتبرونه الأب الروحي الحنون، والمربي البارع اللبق، وهو السياسي المحنك الخبير، ونفس الشيء كانوا يجدونه في ولي العهد رمز شباب الأمة الناهض، ولكن بحماس الشباب وبروح الأخوة البارة، حيث يكون لهم موجها صادقا، ومرشدا ماهرا، ومدبرا آمرا يعطي الفكرة الناضجة، لما سبقها من الدراسة المتأنية، فتكون في النهاية ناجحة في جوانبها كلها، وقد ينفذها بنفسه قبل غيره وهو في سبيل ذلك مستعد لأن يركب جميع الصعاب، وربما يزعم مظاهرة مع الطلبة أقرانه، إن رأى في ذلك مصلحة لوطنه، اقتداءا بأسلافه في الدفاع عن الدين وعن الوطن.
وهو أمر تضايق منه المستعمر، لما أربك له البرامج، وأقض عنده المضاجع، وأحبط له المخططات، ولم يطق ذلك، فأعلنها حربا غاشمة على القصر، و ملكه، وولي عهده، وعلى كل وطني يسير في ركابه، شنها حربا عوانا، ظلما وعدوانا، وتهورا و طغيانا، فكانت للمستعمر وجيوشه بداية النهاية، وللمغرب وأبنائه بداية طريق الإستقلال والحرية .
وكان هذا الشاب كذلك، لأنه تربى ومنذ نعومة أظافره في مدرسة الوطنية والكفاح، التي تشبع بها على أمهر أستاذ، بكل ما تمتاز به من صادق المحافظة على روح التربية الدينية في بيئة إسلامية، لدى وبين أحضان عائلة ملكية شريفة، مغربية عريقة، في تحمل أعباء الدفاع عن الحقوق الوطنية، والعقيدة الإسلامية، وعن كل المقدسات ومكتسبات الأمة المغربية، ولعدة قرون خلت.
بهذه المدرسة التي أعاد لنشاطها الحيوية اللازمة، وجدد ما تهدد من معالمها بالاندثار، والده المنعم، الصادق الإيمان، الغيور على مصالح الدين والأوطان، والمجاهد في الحق الذي لا يرضى عن عمله في ميدانه إلا بربح المعركة التي يخوضها مهما كانت ضارية، غايته فيها تحقيق فائدة وطنه، الذي لا يقنع إلا بتحريره واستقلاله، وهدفه منها الحفاظ على مصلحة شعبه الذي لا يكفيه بشأنه إلا أن يسمو به إلى مصاف الشعوب الراقية، ماديا وأدبيا، وروحيا وفكريا، لذلك نشأ ولده البار، وفلذة كبده، ووارث سره المختار، على حب الجهاد في سبيل الله وعلى الرغبة في التفاني عند الذود عن المقدسات، إعلاء لشأن الأمة ورفعا للمكانة اللائقة بها بين الأمم.
وهكذا ساعد هذا الشاب والده، وهو المتخرج من تلك المدرسة بميزة المتفوقين، في قيادة عدة معارك ضد المستعمر الغاشم بكل أشكاله، وبسائر جيوشه، وفي كل الواجهات التي فتحها لتحطيم رموز الأمة ومقدساتها، لغتها، ودينها، لم يفرق هذا الشاب في مساعدة أبيه بين هذه الواجهة أو تلك، كانت سياسية أو علمية أو عمرانية، فكان الساعد الأيمن لوالده المنعم في حملة تأسيس المدارس الوطنية، في مختلف الجهات ضدا على المستعمر، وبرامجه وأهدافه، كما شارك في عدة لقاءات سياسية: وطنية، ودولية، فكان فيها كلها الترجمان المعبر بصدق، عن كل طموح لشعبه، والمدافع عن حق وطنه، القوي في دفاعه، حتى استطاع بقيادته الرشيدة لشباب الأمة المغربية أن ينغص الحياة على كل ظالم وأن يحقق للمغرب الحبيب بإعانة الله وتوفيقه، وبجهاد أبنائه المؤمنين بوطنهم، المدافعين عن جميع مقدسات بلادهم، استطاع مع والده أن يحققا للمغرب استقلاله، بعد تكسير أغلال الاستعمار، التي أدمت المعاصم البريئة، وتفتيت القيود الفاسدة الثقيلة للدخيل الأجنبي، كما كان الملك المنعم ووارث سره المفدى، موفقين في تحطيم حصون الظلم التي أقامها المستعمر على دعائم مهزوزة من الطغيان، لم يستطع هذا الدخيل إيجادها إلا بعد أن مزق وحدة الوطن، بواسطة نظام الحماية، وما سبقها أو لحقها من معاهدات سرقت بها سيادة البلاد، كما اغتصبت بمقتضياتها قوة الأمة وتكتلها بما صحبها من دسائس ماكرة، وادعاءات للتفرقة فاترة، في محاولة خبيثة من المستعمر لإذلال أبنائه الأباة، وفصل هذه الجهة عن غيرها من باقي الجهات.
وما إن تخلص المغاربة من ذلك العبء الثقيل حتى صاروا بقوة الشباب المتعلم، المخلص، يبنون من جديد ما يشاهد من المعالم الشامخة للنهضة المادية والأدبية التي يتفيأ ظلالها الوارفة كل من هيأ نفسه للتسلح بزاد المعرفة الذي لا يفنى في عهد الاستقلال والحرية، بمختلف جهات المملكة المغربية، وذلك بتوجيه من قائد الشباب الملهم، ورمز سيادة البلاد المعظم، جلالة الملك الحسن الثاني أبقاه الله ذخرا وفخرا للبلاد والعباد.
وفي أفراح الشباب يجمل بهم أن يتذكروا، فالذكرى تنفع المؤمنين، وهم دون شك منهم، إن شاء الله رب العالمين، أن يتذكروا ما هو مطلوب منهم ليومهم وغدهم.
مطلوب من كل شاب، تحقيق كل عمل نافع مفيد، وإنجاز أي شيء صالح جديد، وإن أحسن نصح يقدم لهم في هذه المناسبة هو الإقتداء بأسلافهم المخلصين، من شباب الأمة النابهين، دون أن ينسوا أنهم في فترة من حياتهم هي زهرة العمر الناضرة، وثمرة الحياة الحلوة. وأن جيد صحتهم هو الناطق بصلاح حالتهم، وأن عناصر الفتوة غير دائمة، وأن الغنى الحقيقي هو غنى الفكر، وقوة الجسم، وصفاء النفس والذهن وخلو البال والعقل، وإن كل ذلك فيهم يزداد صلاحا في كل عمل نافع قدموه، وأنه ينقص من قيمتهم في كل فعل شيء ارتكبوه، وزينة الشباب هي في حسن التفكير والتدبير، وسلامة العقل المنير، الذي هو ينبوع الحياة الكريمة ونور الأيام التي يعيشها الإنسان وبه تكون سعيدة، وأن الشباب هو ذخيرة مستقبل الإنسان وضمان معيشته فيه باطمئنان.
ولشباب المغرب خير قدوة حسنة، يقتدى بها، وحالات صلاح في تاريخ شباب أمته يتأسى بها، وما ذكرناه قبل قليل جزء منها وصورة صادقة ناطقة شاهدة على صلاح الشباب في هذه البلاد العزيزة.
وما العناية الفائقة بشباب هذه الأمة إلا إطار لذلك، كما هو ثابت من خطب جلالة الملك في العديد من المناسبات، ومن بينها مناسبات عيد الشباب في كل عام، التي يتوجه فيها حفظه الله، بخطاب خاص لشباب الأمة، كي لا ينسى أنه معقد الآمال، وصلاحه غاية ما يتطلب وأفضل ما ينال، فهم رجال مغرب الغد، وهم فيه سيكونون بحول الله أصحاب الحل والعقد، فليتسلحوا لذلك بسلاح العلم والعمل به، وبكل عناصر القوة التي من بينها حسن الثقافة الذي ينفع الفرد والمجتمع.
وإن التقليد المتبع في الاحتفال بهذه المناسبة ليعتبر من أحسن التقاليد التي سار عليها شباب المغرب، ومنذ أن أشرقت على ربوع بلاده الجميلة، شمس الحرية والاستقلال، وطلع في أفقه النقي ضياء الفجر الصادق، المؤذن بالإصلاح الشامل لكل المرافق الواسعة التي تتطلبها الحياة الكريمة للأمة، تحقيق لما كانت وما تزال تصبو إليه من نهضة علمية واجتماعية واقتصادية كاملة، تستهدف فيما تستهدفه من أصناف السكان، شباب الأمة وأبنائها، لا يفرق بينهم في ذلك أي فارق، ولكن تظلهم جميعا راية الوطن الكبير، ومصلحة البلاد العليا.
وإن الاحتفال بيوم تاسع يوليوز، يتم على اختلاف المستويات، ولكن كل بما يناسب بيئته وطريقة حياته، يحتفل فيه بإقامة مهرجانات وطنية هادفة، وشعبية بناءة، يحييها الشباب، ويقيمها بكل جهات المملكة، ويشارك فيها جميع العناصر الحية، وكل الجهات المعنية بالمؤسسات الثقافية والاجتماعية التي تستفيد من قيام المنشآت التي تهتم بالشباب وتكوينه علميا، وأدبيا تحت الرعاية السامية لأمير المؤمنين، وحامي حمى الوطن والدين الملك الحسن الثاني المحفوظ بالذكر الحكيم والسبع المثاني، أعانه الله ونصره، وخلد في كل صالح من الأعمال ذكره وأثره، وأقر عينه بسمو ولي عهده المجيد، الأمير سيدي محمد، وبصنوه السعيد المولى رشيد، وبكافة أسرته الكريمة إنه سميع مجيب وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
ولذا شعبي العزيز – كما قلت لك، خطب عيد الشباب من أصعب الخطب، لأنه لا يمكن أن يكون الموضوع في الموضوع، ولكن الذي أريد اليوم وللمدة كلها التي يريد الله أن أخاطبك في كل يوم من كل سنة جديدة أن أقول لك دائما: عليك شعبي العزيز أن تحتفل في نفسك وكل يوم من أيامك بعيد شبابك، فالدولة التي تشيب محكوم عليها بالانقراض.

                                                     من خطاب جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله
                                                                    يوم 9 يوليوز 1982
                                                     في الذكرى الثالثة والخمسين لميلاده حفظه الله


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here