islamaumaroc

الشباب قوة وبناء.

  إدريس العلوي العبدلاوي

279 العدد

إذا كان لكل أمة ثروة تعتز ورصيد تدخره لمستقبلها وقوة تبني عليها مجدها ونهضتها، فإن في مقدمة هذه الثروة في دولة الإسلام شبابها الذي يعتبر الدعامة الأساسية في المجتمع، والثروة الحية فيه والأمل المرتجى على الدوام. ونحن نعرف أن الإسلام قد اكتسب القوة من الشباب بما يمتلكونه من فتوة وحيوية ونشاط، إذ أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل من الشباب الدعائم الأولى لدعوته، ويمنحهم حرية الرأي والنقاش في كل ما يعرض حتى إذا ما اقتنعوا عن حجة وآمنوا عن دليل جاهروا بما آمنوا به في صراحة ودافعوا عنه في قوة لا يملكها إلا من يمتلك الفتوة والشباب. وهكذا كان الشباب والفتيان النواة الأولى لدوحة الإسلام التي نبتت بأرض الجزيرة، امتدت فروعها مع امتداد أشعة الشمس شرقا وغربا شمالا وجنوبا حتى عمت ظلالها كل البقاع.
وعناية الإسلام التي شملت الفرد والأسرة والمجتمع بما أقره في شريعته الخالدة من صنوف الرعاية الاجتماعية والتكافل الاجتماعي والحماية لحقوق الإنسان في كل مناحي الحياة العلمية والتعليمية والعملية نجد أن كل الشباب الحاضر في كل الساحات وعلى مختلف الواجهات قد حظي منها بحظ وافر لكونه محط الرجاء ومناط الأمل. "وللشباب المسلم دور كبير في الدعوة إلى الله وإرشاد العباد إلى أقوم السبل باللين واللطف وطول النفس، مما سهل على كثير من الناس أن يعتنقوا الإسلام عن اقتناع، إضافة إلى القدوة الحسنة التي كان يتسم بها الشباب المسلم، تطبيقا للقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. وللشباب المسلم دور هام في تحرير البلاد من براثين الاستعمار، وفي بنائها والنهوض بها نتيجة نكران الذات في سبيل المصلحة العامة والرسالة الخالدة رسالة الإسلام".
وللشباب دور هام في الحياة العامة سلما وحربا، اقتصاديا واجتماعيا، وثقافيا وعسكريا، وعليه، فيجب أن تستغل قدراته وطاقاته وإمكانياته في كل ما يفيد المجتمع لأن طاقاته تلك أشبه شيء بالنار المتأججة، فإذا لم تقم المبادرة باستغلالها فمن المحتمل جدا أن تهب رياح هوجاء فتطفئها.
يقول جلالة الملك الحسن الثاني وهو حينذاك ولي للعهد بصفته رئيسا شرفيا لجمعية الطالب : "قلب الأمة النابض شبابها، فالشباب مناط آمالها، وذخر مستقبلها، فيهم تتجلى مظاهر حيويتها، وبهم يستشهد على نبوغها ورقيها، وبقدر كدهم يكال لكل أمة ما تستحقه من ثناء وما تستهدف له من ملامة وهجاء".
واستمدادا من تعاليم الإسلام الحنيف كان السلف الصالح يحرصون أشد الحرص على إعداد الشباب، الإعداد المتكامل، ويقومون بمسؤولياتهم الأبوية والتربوية أحسن قيام، في جو من الوقار ونكران الذات والحياء والمروءة، " فالشباب أمانة عند آبائهم، وإن قلوبهم كجوهرة قابلة لكل نقش، فإن عودهم آباؤهم الخير نشأوا عليه وإن عودوهم الشر نشأوا عليه، فينبغي أن يصونوهم ويؤدبوهم ويعلموهم محاسن الأخلاق" وهكذا إذا توفرت النشأة الصالحة للشباب فإن نبوغه سينمو وسيستمر، وسيحقق لنفسه ولأسرته ووطنه كل خير، ويكون معول بناء وأداة إصلاح وترميم وحركة تصحيح وتجديد. وخير ما نعتمده مثالا وقدوة للأب المثالي والابن البار :
جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه ورحمه ورضي عنه وأرضاه، وجلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله ونصره وأمد في عمره وأدام علاه. "ذرية بعضها من بعض"، فتربية جلالة الحسن الثاني لا تعد في الحقيقة مثالية، ولا تعد صارمة فقط ولكنها تمثل تناظرا منقطع النظير لما كان عليه أمراء البيت المالك الذين أصبحوا فيما بعد عظماء على مسرح هذه البلاد، أمثال المولى إسماعيل، وسيدي محمد بن عبد الله، وسيدي محمد بن عبد الرحمن، والمولى الحسن الأول. وتربية جلالة الحسن الثاني تعطي بالإضافة إلى ذلك عنصرا آخر من عناصر عظمة العرش العلوي في مسايرته للتقاليد العريقة التي درج عليها ملوكنا وأمراؤنا الفخام، ولأحدث الطرق البيداغوجية الحديثة.
فمن خلال هذه التربية الأولى يطل علينا جلالة المغفور له محمد الخامس بكل ما أتاه الله من حرص، ونفاذ بصيرة وبعد نظر، فارضا شخصيته الشريفة أسكنه الله فسيح جناته، على فلذة كبده وولي عهده، طامعا في أن يحصل الأمير الصغير على تعليم إسلامي صحيح، بل أن يحصل من وراء تعليم الأمير على مثال ناصع لجيل مغربي كامل متين التربية، واسع الإدراك عميق النظر، آخذ بأسباب المعرفة الإسلامية والحديثة على السواء. فلقد كان جلالة والده يعلم بأنه يعد للمستقبل رجلا سيكتب له أن يقف إلى جانبه في مواجهة الملمات ومقارعة الصعاب، ثم يقف وحده – عندما يصبح ملكا ممسكا بتقاليد الأمة آخذا بها في دروب المصير... وإذا وجدنا اليوم أن محمدا الخامس قد أعطى لهذه البلاد ملكا عظيما يعتبر مثلا فريدا في الثقافة ونفاذ الفكر ومعرفة خفايا أدق الشؤون تعقيدا، فإن مرجع ذلك إلى سنوات طويلة من المعاناة والحرص والإشراف المباشر.
وفعلا فقد كان جلالة الملك الحسن الثاني المثل الأعلى لما يتوسم فيه والده طيب الله ثراه مثالا حيا لتلك الوصية الأبوية التاريخية الخالدة، وما تضمنته من مواعظ وتوجيهات تفيض بالروحانيات وبحب الوطن، أستعرض فقرات منها تقول : "....فاحرص يا ولدي على تتميم رسالة أسلافك والمحافظة على الأمانة التي من أجلها دعوا إلى الملك، وتبوأوا أريكة السلطان، وكن من الشعب وإلى الشعب يسعك ما يسعه، ويضيق عنك ما يضيق عنه، ولا تضن عليه بمجهود وآثره على قرابتك الوشيجة، وبطانتك المقربة...".
إنها بالفعل وصية للذكرى وللتاريخ من ملك صالح إلى صالح، وهكذا فإن تمسك جلالة الملك بوصايا والده، وسيره على أثر أجداده، وتشبثه بالمبادئ السامية والمثل العليا، والقيم الأخلاقية الوطنية والروحية جعل منه وهو القائد الملهم أروع تجسيد لحياة المغرب الجديد في تاريخه الحديث، تتسم بالاستمرار في البذل والعطاء وبالجدية في الفكر والعمل، وبالوضوح في الرؤية والهدف، وبالشجاعة في الموقف والقرار من أجل بناء مغرب قوي وديمقراطي وموحد، فكان عهده الزاهر أرقى العهود، وعصره المتفتح أجمل العصور. "وبفضل مدرسة المنعم محمد الخامس طيب الله ثراه تشرف العرش المغربي من جديد بأعظم ملك من ملوك البيت العلوي النبيل : أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني حفظه الله.
فلقد تبوأ هذا العرش المجيد في ريعان شبابه وهو يتوفر على مواهب خصه الله بها وهي منتهى أوج المواهب وأشرفها وأجلها إلى تكوين علمي واسع الآفاق، وفكر نير قوي الإشراق، وإلى تربية إسلامية إنسانية انطلقت من مدرسة والده مباشرة، ومن مدرسة خاتم المرسلين بسنده المتصل في أجلى صفات العدالة الحق والملوكية الحق، والتفتح الكامل على معطيات العصر الحديث بين ربوع العالم كله.
وبذلك استطاع أن يذلل الصعاب، ويزيل الحواجز والعقاب ويمارس مسؤوليته العظمى بطاقة خارقة للعادة، دون تهيب ولا تردد ولا شعور بأي مركب ينتقص من إرادته الفولاذية، وعزيمته القوية، فجمع الله بين فكر ثاقب، وعلم واسع، وتصور صادق وإحساس رهيف، ووجدان لطيف، وشعور فياض وثبات عجيب، ونظر بعيد، جعله كل ذلك وأكثر يسبق الأحداث والأخطار، والله من ورائه يحوطه باللطائف الخفية، ويغمره بالإلهامات السخية، فما من موقف إلا وسدد الله فيه خطاه، وبارك له فيما فيه استرعاه فإذا بقافلة الحضارة والعمران تسير بحفظ الله إلى الأمام بكل طمأنينة واتزان".
إننا ونحن نخلد اليوم هذه الذكرى الجليلة ذكرى عيد الشباب بما يناسبها من الاحتفالات والمهرجانات والقيام بالأعمال التطوعية، والسعادة تغمرنا والإعجاب يملأنا فإنما نخلد في الحقيقة حدثا غير مجرى التاريخ بالنسبة لنا، إننا نخلد في عيد الشباب ذكرى ميلاد محرر المغرب وضامن وحدته، واستقلاله، ونخلد فيه أيضا ذكرى ميلاد باني صرح المغرب الجديد ورائد نهضته الحديثة، ونخلد فيه ذكرى ميلاد باني صرح المغرب الجديد ورائد نهضته الحديثة، ونخلد فيه ذكرى ميلاد قائد إسلامي كبير وزعيم عربي عظيم، ونخلد في عيد الشباب كذلك ذكرى ميلاد رجل عالمي طبقت شهرته الآفاق وسارت بذكره الركبان في كل الأنحاء.
وفي بلادنا كرم جلالة الملك الشباب أكبر تكريم ورعاهم أحسن رعاية، حتى جعل يوم ميلاده عيدا للشباب يخصهم فيه بالتوجيه والتقويم، وتحتفل فيه الحكومة والهيئات بإقامة المشروعات التي تنهض بهم وترعاهم وتعنى بتربيتهم، بما يحقق لهم وفيهم الآمال المعقودة عليهم باعتبارهم عدة المستقبل ومناط الأمة ومعقد رجائها.
يقول جلالة الملك الحسن الثاني من خطابه السامي بمناسبة عيد الشباب 9 يوليوز 1968 :
"شعبي العزيز : نلتقي في هذا اليوم من كل سنة لنتحادث معك في مشاكل متعددة وبالأخص حول مشكل الشباب والنمو الإنساني والبشري تربويا ومعنويا وثقافيا. وقد أبت محبتك لي وتعلقك بي منذ سنين وأعوام إلا أن تجعل من عيد ميلادي، عيدا للشباب معناه عيدا للأمل، عيدا للعمل، عيدا للزحف، ضد الجهل، ضد التخلف، ضد اليأس ضد التساؤل، وإنني حينما تقلدت ولاية العهد في يوم تاسع يوليوز 1957 أديت قسما أمام والدي المرحوم لأن أكون خادمك، لأن أكون الساهر على مصالحك المادية والمعنوية كيفما كان الثمن، ومهما كان الثمن.
... وأملي في الله كبير على مستقبل شبابي، ولي اليقين بأن الله سبحانه وتعالى سيعيننا على أن نتربى حتى يمكننا أن نثق... وأملي في الله أنني أوجه في كل سنة شبابا أكثر حماسا وأكثر تعلقا ببلاده وبوطنيته وبوطنه، وأملي في الله أنه في كل سنة يزيدني قوة على قوة لا لأن أتمتع بها، لكن لأزيد في خدمتك أيها الشعب العزيز، وأزيد أصرف في كل سنة وسنة أكثر إمكانياتي في سبيل إسعادك وإسعاد الأجيال المقبلة".
وإذا ما ذكر الذاكرون هذا العرش العلوي المجيد واسم هذا البلد العريق المتميز بشخصيته الأصيلة، وقيمه المثلى وحضارته الغنية، وتحدياته الحكيمة، ذكروا مرآة الشخصية المغربية، المجسد للفكر والسلوك المغربيين، الحريص على استمرار الأصالة المغربية في شتى المناحي جلالة الحسن الثاني المحفوظ بالسبع المثاني، فلقد عمل حفظه الله منذ توليته قيادة هذه الأمة على خدمة الشعب ورعاية حقوق المواطنين صغيرهم وكبيرهم، محافظا على المكاسب القومية، معاهدا على بذل أقصى جهده لتحقيق تقدم هذه الأمة ورفائها، وما يفتأ جلالته في كل مناسبة يجدد العهد، ويذكي الطموح، ويوقد العزائم والرغبات، ويحث على ضرورة التماسك والتلاحم من أجل الاستمرار في البناء، بناء المغرب الموحد وكسب الرهان في كل ميدان، والتزم جلالته بالعهد الذي أعطاه، وأفنى الشعب روحه وطاقاته في خدمة المساعي الحميدة التي خطط لها مليكه المفدى فكان التلاحم بين العرش والشعب صورة من صور الأصالة المغربية.
إن التاريخ المغربي حافل بالأمجاد والانتصارات المتعاقبة على جميع الأصعدة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بفضل الالتحام الوثيق بين القمة والقاعدة، فبهذا العهد الموصول بين العرش والشعب استطاع المغرب كما قال جلالة الملك : "تذليل المشاكل، وبه استرجعنا السيادة المغصوبة، واستعدنا الكرامة المسلوبة، وبه نعيد بناء صرح الوطن لبنة فوق أخرى، وبه نتسلح لدرء المخاطر وتوقي المكاره، وبه نتزود لقطع ما ينتظرنا من مراحل وأشواط".
وبفضل الثقة المتبادلة بين الملك ورعيته وتجاوبهما المطلق وعملهما المشترك المنسجم المتجانس أمكن تحقيق المعجزات وتذليل الصعاب والسير بالمملكة إلى ساحل النجاة.
وحين نستقرئ تاريخ العهد الحسني الزاهر من عمر جلالة الملك الحسن الثاني أطال الله بقاءه وأدام عزه ونصره نجد أن المسؤوليات التي تحملها في خضم جهاده الأكبر لبناء الاستقلال وبناء المغرب الجديد "مسؤوليات ضخمة ومستمرة، ضخامة طموح جلالته وطموح شعبه وضخامة ما تفرضه الحياة الجديدة من تطور ورقي، وضخامة التحدي للمشاكل المستعصية التي تواجهها البلاد مسؤولياتها أعظم من ممكناتها، وحاجاتها أكبر من وسائلها المادية والتقنية والبشرية".
إنه العاهل الكريم الذي يعطي من وقته الكثير للسهر على مصالح أمته، ونحن نرى ونلمس ثمرة جهاده، فهو دائما يحث ويدعو إلى حفز الهمم للعمل المجدي والتمسك بحبل الله المتين، فالشباب عمدة الأمة وعدتها وهو حفظه الله يعرف ويدرك ما للشباب  من دور خطير في كل أمر، فكل من يريد لبلاده التقدم يتحتم عليه الاهتمام بالشباب، وإعداد الشباب، والاعتماد على الشباب.
إن تكوين الحسن الثاني المتين وعبقريته الفذة قد تفاعلا معا وأعطيا لجيلنا الشباب دستورا روحيا وضع به أيدينا على حقيقة فترة الشباب وواجباتها ومشاكلها وحلولها، ففي كل عيد شباب، وفي مناسبات عدة كان جلالة الملك يخاطب الشباب في شؤونهم، ويهتم بمصالحهم ويفكر في مستقبلهم وحياتهم بمختلف مجالاتها. يقول جلالته حفظه الله : "إن من الجناية على الشباب بل من الخطر على أمة من الأمم أن تبقى مواهب أبنائنا مكبوتة لا تقدر على الظهور، وسواعدهم عاطلة لا تجد سبيلا إلى العمل".
حقا إن رعاية الشباب مسؤولية وأمانة، فتكوينه ربح واستثمار، ورعايته وتعهده بشغله بما ينفع صيانة له من التردي في المهالك والشغب والمهاتراث وربما من الانزلاق في متاهات لا تعود عليه ولا على وطنه بخير في أحسن الأحوال.
وقد كان رائد الشباب أعزه الله وفيا في تعهده لهذا الشباب، فبنى له المدارس التي احتضنته وهو في اليفاعة أو دونها، وأسس له المعاهد العليا والمؤسسات الجامعية التي أكملت تثقيفه وتوجيهه، وفسح له بالتشريع مجالات الحرية، فتعددت لديه الجمعيات الثقافية والاجتماعية والرياضية، وأدت هذه الأخيرة دورا كان له مفعوله في ملء فراغ الوقت الثالث لدى شبابنا، كما حرص جلالته في كل المناسبات على أن يولي لقضايا الشباب الكثير من الاهتمام، وحرص دائما على أن يرتقي بالشباب المغربي ويكرمه ويفسح المجال أمامه بتكون مشاركته فعالة وسبيلا نحو تطوير المجتمع وتحديث مقومات المغرب الجديد. وكانت مبادرات جلالته المتوالية في جهوده المبذولة حفظه الله لصالح الشباب تتوج أخيرا بتلك التدابير السامية التي اتخذها جلالته لإصلاح نظام الامتحانات في التعليم الثانوي وخلق فكرة الأكاديميات للقيام بهذا الدور الإيجابي كشعار جديد لمرحلة جديدة يلعب فيها الشباب المغربي الدور الريادي ويستطيع من خلالها مسايرة حركة التطور والانسجام مع خصوصيات الحاضر وضرورات المستقبل.
وكذا انطلاق الخطة الوطنية لسنة 1984 التي تستهدف إصلاح التكوين المهني وجعله وسيلة فعالة لدعم خطوات التنمية وتوسيع قاعدة المشاركة الشبابية في الخلق والاندماج في مسلسل النماء حيث أن تكامل مجال التعليم بالتكوين المهني وتلازمهما يعتبر "مظهرا واضحا يؤكد على سلامة الاختيارات المغربية، وعنوانا لمنظور يستند على أن مقومات النجاح والاستمرارية والمساهمة الجماعية لبلورة التطلعات وتكريس الطموحات التي لا تأتي دون جعل كل القطاعات المنتجة مسايرة لمستلزمات الشباب ومواكبة للركب الحضاري".
إن عيد الشباب إذن عيد التعبئة العامة والعمل المتواصل من أجل بناء المغرب الجديد، وإذا ما ذكرت هذه الذكرى اقترن معها ذكر معاني الخير والبر والإحسان، وتسارع إلى الأذهان إنجازات المعابد الدينية، ومسجد الحسن الثاني المعلمة الكبرى الخالدة تتوجها، والمعاهد العلمية، وجامعة القرويين التاريخية العريقة الأصيلة جوهرة عقدها، والمراكز التقنية وتخطيطات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والاستثمارات الفلاحية والسياحية، وتصميمات التقدم والرخاء والرفاهية، وتشريعات المصالح العمومية، وتحركات السهر على الحدود الوطنية والمعالم الإسلامية وتحقيق الوحدة الكبرى بين شعوب المغرب العربي الكبير، والسعي في جعل ألوية السلام ترفرف على أقطار المغرب العربي والإسلامي كافة. وإن ما يسعى إليه جلالته من وضع هذه البلاد في نطاق المغرب العربي والأمة الإسلامية أولا والعالم المتمدن الناهض ثانيا لهو منطق العقل الراجح، ومنهج الشرع الواضح، لأن التكامل الحضاري لا يتحقق إلا عن طريق التعاون والتبادل بين الأمم المتشاركة في المبادئ والعقائد، وبين الشعوب التي تربطنا بها عهود ومواثيق – وكلما كان التعاون أعم وأكثر كان النجاح والنهوض أقرب وأيسر.
"وإذا كان ملوك المغرب قدس الله أرواحهم في دار السلام قد أدوا رسالة المعرفة والهداية والمدنية كما عرفوها في الإسلام – وشملت كل الميادين الحيوية والمرافق الضرورية فإن عهد جلالة الحسن الثاني أبى إلا أن يقدم هذه الرسالة في ثوب قشيب وفي عيش فضفاض على أساس التفاعل بين الحضارتين – الحضارة الإسلامية التي تقوم على جانب روحي وجانب مادي – وعلى المزج بينهما في حياة الإنسان، ولذلك كانت ومازالت قائمة لا تبور ولا تنهار، والحضارة الغربية التي تتجلى قيمتها في مجالات العقل والعبقرية ومناهج العمل والحياة الظاهرية، ولذلك كان لها لون واحد إلا أنه لماع وبراق. – وأبى كذلك إلا أن يعطي المثل الأعلى على قيمة الحياة المزدوجة للأجيال الواردة والقادمة ويوقظ الأفكار بنبراته الشديدة، وتصرفاته السديدة، ويبعث الهمم والقرائح التي نامت على المجد واستنامت – ففضلا عن أن هذه الرسالة كانت تؤدى في إطار المعرفة الإسلامية والثقافية العربية فإن جلالته قد أفاض في اللغات البشرية والعلوم الإنسانية ليكون ذلك عونا على الحياة القائمة وتوسيع آفاقها وتكثير أنماطها – وعاملا قويا من عوامل يقظة الأمة وسعادتها – وكفى أنه قد أوضح هذه الحياة بمفهومها الشامل، ومعناها الواسع، وبلورها في كثير من المناظر والمشاهد، التي نراها في حياتنا اليومية وفي حياتنا الموسمية بعد أن كانت فلسفتها غامضة ومراميها قاصرة".
فعيد الشباب إيجابي دائما في فحواه ومغزاه فهو بحق عيد الانطلاقات الجديدة والمشروعات الوطنية في السهل والجبل وفي الحواضر والبوادي، وفي كل شبر من تراب هذا الوطن الحبيب، وهكذا يتقوى رصيد الإمكانيات وتتسع آفاق الحياة الكريمة أمام الأجيال الصاعدة، ثم إن الاستمرار معناه في آن واحد الأمل والعمل والنظر دائما بعين البصيرة واليقظة إلى الأمام للتخلص من الحيرة والضياع ولإعطاء شخصيتنا الوطنية، ووثبتنا المباركة المدلول المتفتح على أحسن ما في الحضارة من جواهر ومعطيات، فعلى الشباب إذن جنود هذا الوطن أن يكونوا حريصين على الحفاظ على السمعة الطيبة والأخلاق الحسنة بما يستلزمه ذلك من صلابة في الحق وشجاعة في الشدة والرخاء واستجابة لتوجيهات قائدنا الأعلى جلالة الملك المعظم الحسن الثاني نصره الله.
نعم إن يوم تاسع يوليوز عيد الشباب السعيد رمز حي ونابض بالآمال العريضة، وبالأحلام العذاب كلما هل علينا يحمل بين طياته تباشير التشييد والتجديد، وهكذا يطل علينا هذا العام ببشرى من بشرياته السعيدة ومن مبادراته المولوية السامية التي نذكرها بكل فخر واعتزاز تلك هي إحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الذي ابتغى جلالة الملك من وراء إنشائه إلى دعم القانون في المغرب، واستكمال دولة القانون في البلاد، وتعزيز العدالة المغربية التي تعني شيئا واحدا وهو صيانة كرامة الإنسان المغربي، وتحصين حقوقه وحمايتها، وإحاطتها بكل ما يكفي من الوسائل والإمكانيات والضمانات حتى يزداد شعور المواطن بأن حقوقه سواء تجاه الإدارة أو السلطة أو الدولة في مأمن من كل خطر يهددها بالهضم والضياع والظلم.
إن مبادرة جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله بإنشاء المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان هي مبادرة ديمقراطية لدعم الديمقراطية المغربية في إطارها الوطني، وإطارها الجهوي، وإطارها الإنساني الشامل.
حفظكم الله يا مولاي بما حفظ به الذكر الحكيم، وسدد خطاكم لاستمرار السير بشعبكم في النهج القويم، وأعلى رايتكم في سماء المجد مرفرفة خفاقة، وألوية أمتكم نحو التقدم سيارة تواقة، وحفظكم في شبلكم ولي العهد ومنار السناء والمجد صاحب السمو الملكي الأمير سيدي محمد، وفي صنوه الأمير المحبوب مولاي رشيد، وفي جميع الأمراء والأميرات الأكرمين، وآل بيتكم الأشراف الأنعمين، وبارك الله في عمركم المديد، وفي عيد ميلادكم السعيد.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here