islamaumaroc

ذكرى عيد الشباب في ظلال العرش العتيد

  سمير البوزيدي

279 العدد

إذا كانت الأمم والشعوب تفتخر بأمجادها وتعتز بالعظماء من رجالها، فإن المغرب من جليل المناقب والمآثر ما تسجله من صفحات التاريخ القديم في شخص بناة الشخصية المغربية الحافلة بالأمجاد وما يدونه التاريخ الحديث والمعاصر من جلائل الأعمال والمكرمات في شخص جلالة الحسن الثاني.
فإذا نظرنا إلى هذه المناسبة من مفهومها الكامن في المغزى البعيد لإقران عيد الشباب بعيد ميلاد قائده المظفر، فإن لذلك بالفعل  أبعادا تتجاوز مفاهيم التفكير المجرد، وتتعدى العواطف إلى الحقائق اليقينية التي تبرز بوضوح لا يتطرق إليه الشك، ذلكم الالتحام الذي يربط العرش بالشعب والشعب بالعرش، كما أن في تلك المقارنة رمزا إلى مشاعر الرعاية والاعتناء بشباب البلاد، معقد آمال الأمة وقلبها النابض، وسلاحها في البناء المتكامل لحاضرها ومستقبلها، فالحسن الثاني كان ولا يزال المثل الحي والقدوة الصالحة للأجيال الصاعدة. والفكر الحسني المبدع يعتبر المسار المثالي والمنهاج النموذجي اللذين ينبغي أن يتكون الشباب على منوالهما. فالتكوين الذي تلقاه ملك البلاد في طفولته وشبابه، والمدرسة التي تخرج منها والتي صنعت مواهبه وفكره وعبقريته ورسخت فيه أسس الثقافة الواسعة هي في الحقيقة مدرسة نموذجية لكونها أعدت لهذا البلاد المحفوظ الحسن الثاني، وهي أكبر دليل وأصدق برهان لأمة متفتحة على العالم تسير في مسار عدم الانحياز، وتواصل الجهاد من أجل بناء أمجادها وتحافظ على مكتسباتها ومقوماتها الحضارية وتدعيم رصيدها التاريخي، أمة تشق بكل طموح وثقة طريقها في معترك المذاهب والتيارات التي تجتاح العالم وتهز معظم جهاته هزا عنيفا.

موذج الشباب الصالح
سوف لا آتي بجديد إذا قلت بأن جلالة الملك الحسن الثاني يعتبر المثال الحي والنموذج المثالي للشباب الصالح، فهو فعلا يجسم الطاقة الخلاقة التي تتحرك باستمرار بحيوية الشباب، وبدافع الإيمان والعقيدة الصحيحة، والوطنية الصادقة، لعمل البناء الهادف لرفعة مكانة المغرب والنهوض به في جميع الميادين.
وفضلا عن كونه يتمتع بروح الشباب الممزوجة بالعبقرية وسعة الأفق الفكري فإنه إلى جانب ذلك يعتبر قائدا محنكا يقود بلاده بحكمة وتبصر نحو التقدم والارتقاء، وسيبقى المغرب على عهده رافلا في حلل التطور والازدهار، كما تتوفر للمغرب في ظلال قيادته الرشيدة أسباب الرفعة والنهوض، ذلك أن تطلعات الفكر الحسني تبدو ملامحها بارزة في حياة المغرب الحديث مغر بالاستقلال ومغرب ما قبل الاستقلال.
لقد تفاعل الفكر الحسني الثاقب مع الأحداث الجسام التي خاضها شعبنا المناضل من أجل سيادة البلاد والمحافظة على الشخصية المغربية، وسجلها تاريخ الكفاح المغربي في سنوات معلومة ومشهودة، سنوات تدل أرقامها على عظمة المغرب عرشا وشعبا، إنها سنوات عرف المغرب في غضونها أزمات حرجة وامتحانات عسيرة، إنها سنوات 1941 – 1944 - 1947 - 1950 – 1951، وسنة انطلاق ثورة الملك والشعب تلك الثورة الظافرة التي كانت درسا وعبرة للاستعمار إنها سنة 1953.
كانت هذه السنوات وما صاحبتها من خضم المشاكل والأزمات والاختبارات الصعبة والمساومات والإغراءات، إلا أن المغرب – عرشا وشعبا – كان له من القوة والعزم والإصرار على استرداد حقوقه وانتزاع حريته واستقلاله من المحتل الأجنبي، مما جعله يحقق كل أهدافه ويتحدى كل المحاولات اليائسة.
ولقد تحمل الحسن الثاني نصيبه في مسؤوليات الكفاح وهو في حداثة السن، واستطاع برجاحة تفكيره أن يربط بين معركة المصير ومعركة الدرس والتحصيل، إلى أن جاءت سنة الاستقلال، فانطلق إلى جانب والده المنعم يبني ويصلح ويرمم.
وأشرق يوم 14 مايو 1956 فكان المغرب في هذا اليوم الأغر على موعد أول استعراض للجيش المغربي، فزف الحسن الثاني بشرى تأسيس القوات المسلحة الملكية، فقال من بين ما قال: "جئتكم بجيش سترونه واقفا على أقدامه، مستكملا عدته، محققا للغاية التي تنشدها من ورائه".
وانطلاقا من ذلك اليوم انكب الحسن الثاني على تنظيم الجيش الذي كان في أشد الحاجة إلى تقوية وتناسق وتكوين وتلاحم بين جميع أفراده.

الحسن الثاني وفلسفته القيادية
إن الفلسفة القيادية التي يتميز بها الحسن الثاني تدل "لآلة قاطعة على أنه ترعرع في أحضان تربية قويمة كفيلة بالذود عن وحدة الأمة وصيانة كرامتها وسيادتها، إنها فعلا تربية متكاملة جامعة مانعة، تربية علم وثقافة وفكر وسياسة وقيادة، تربية الإيمان وحب الوطن والاعتزاز والافتخار بالشخصية المغربية، فبتلك المؤهلات الفذة تكاملت العبقرية الحسنية التي تتجلى في الثقافتين المزدوجتين اللتين جعلتاه يلم إلماما كبيرا بالفكر الإسلامي بكل ما يزخر به من تراث وحضارة روحية ومادية، كما أهلته الثانية إلى الإطلاع الواسع على معطيات الفكر المغربي بكل إمكانياته المتجددة المتفاعلة مع مقتضيات العصر ومسايرة ما جد من التطورات في العالم المعاصر، وبذلك فهو فكر سام ومؤهل تتوفر فيه خصائص الأصالة والمعاصرة.
ومن المميزات التي يتميز بها العهد الحسني ميزة التنمية وانطلاقة التنمية الجماعية: وفلسفة التنمية في الفكر الحسني لا تقتصر على ميدان دون آخر، بل إنها ترمي إلى بناء المجتمع الوطني المتكامل اقتصاديا واجتماعيا وفكريا، وبذلك يمكن القول بأن التنمية التي يعرفها المغرب الحسني هي تنمية الأرض والأجسام والعقول، وتنمية المصانع والمعالم والحقول. لقد حدد القائد الهمام المواطن الشاغرة ورسم الخطوط العريضة وحدد الاتجاه الاستراتيجي فيما يخص الانطلاق نحو البناء بالاعتماد على النفس واستثمار الثروات المغربية. ومن هنا كان التحدي الكبير الذي بفضله وثب المغرب وثبات عملاقة في درب الإصلاح والبناء، ونتيجة التحدي انطلقت الثورة المغربية الدائمة الهادفة إلى رفع مستوى الإنسان المغربي وصيانة كرامته وجعله في مأمن من الجوع والجهل والخوف والمرض، وتوفير أسباب العيش الكريم للأسرة المغربية وتعزيز مكانتها في المجتمع الفاضل المسلم.
وإلى جانب المنجزات والآفاق المتسعة النطاق التي تميز بها العهد الحسني كانت هناك سلسلة من الثغرات والفجوات التي لا يمكن إتمام البناء إلا بإغلاقها وترميمها. ومن بين تلك الثغرات استكمال وحدة التراب الوطني. ولا حاجة إلى تبيان الظروف والملابسات التي عام فيها الباطل على الحق، إلا أن الحق يعلو ولا يعلى عليه، وما ضاع حق وراء طالب. وانطلاقا من المشروعية والحق الصريح الواضح حمل الحسن الثاني لواء التحرير، وساعده في مسيرة التحرير والوحدة التي قاد معاركها بنجاح ما يتحلى به من سعة الأفق الفكري والحكمة والمرونة السياسية، فاسترد المغرب في عهده الأجزاء المغتصبة من وطننا، ولئن بقيت سبتة ومليلية فإن ذلك ما تتضمنه الآفاق المتوازية مع المنجزات الوطنية المستقبلة، لأن سياسة الرشد والتعقل تجعل المغرب يركب في تحقيق مطالبه المشروعة اللين واللطف بدل الشدة والعنف، مؤمنا بأن الانتصار لابد وأن يكون إلى جانب الحق، وبهذا الإيمان، فإن جلالة الملك دائما يتريث في الإقدام على اتخاذ أي موقف خطير، وهذا التفكير السليم لا يوجد إلا عند القادة المحنكين الذين يقدرون المسؤولية ويقيمون وزنا لقيادة الشعوب ويدركون حقائق الأمور من مزاعمها.


الفكر الحسني سياسة مثالية ومعالم وضاحة 
من المميزات والخصائص التي تطبع شخصية ملك المغرب ما حباه الله به من العقل السليم والخلق الكريم والألمعية والذكاء وسرعة البديهة، إنها معالم وضاحة تتصدر الفكر الحسني، وعلى أساسها يرشد شعبه ويخدم مصالح أمته، ويربي ولي عهده، ويغرس فيه محبة الوطن والشعب.
لقد سجلت الأيام خلال العهد الحسني الكثير من المواقف التي اتخذها المغرب، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، ويتضح ذلك من الصيغة الإيجابية التي يخاطب بها جلالة الملك شعبه الوفي إنها لغة الواقع والصراحة.
وتتواصل جهود المغرب بقيادة عاهلهم الملهم من أجل دعم الرصيد المعنوي العالي، وتعزيز السمعة الحسنة التي تتمتع بها بلادنا على الصعيد الدولي، وذلك بانتهاج سياسة متفتحة، وبدعم كل الجهود والمبادرات المثمرة الهادفة إلى تحقيق المصالح الإنسانية المثلى. ولعل بذلك استحق المغرب إكبار العالم، وتقدير واحترام الشعوب والأمم الشقيقة والصديقة، لقاء ما تقوم به بلادنا من المبادرات والمواقف ذات الأبعاد الإنسانية، وانعكاسات ذلك تتجلى فيما يسجله باستمرار التاريخ المعاصر، وذلك بالذات هو السلوك القويم الذي يتوافق مع النهج الأساسي الصحيح الذي يهدف إلى النفع العام، عملا بتعاليم الدين الحنيف الذي يحدد مفهوم المنفعة في كونها ثمرة الحق.
وختاما فبإلقاء نظرة خاطفة على الأشواط التي قطعها المغرب في العهد الحسني يتأكد الباحث والمتطلع أن جلالة الملك يتمتع بخصائص حميدة جعلت منه عبقريا من عباقرة العصور، وقائدا محنكا من قادة النضال والحرية والعزة والكرامة في القرن العشرين، فهنيئا لقائد الشباب بذكرى ميلاده السعيد، وتحية للشباب في عيده الوطني المجيد.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here