islamaumaroc

التراث والتاريخ وأثرهما في الفكر السياسي لصاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله

  أحمد ابن سودة

279 العدد

ترتبط حياة جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله وأطال عمره برسالة كانت وستبقى هي مفتاح وسر عظمة ومجد وإشعاع المغرب في الماضي والحاضر والمستقبل.
إن الأمر يتعلق برسالة العرش المغربي التي تجسد روح المغرب كيانا ودولة، شعبا وهدفا. إن تلك الرسالة هي التي تؤرخ لميلاد دولة المغرب الإسلامية على عهد مؤسسها المولى إدريس الأول منذ اثني عشر قرنا.
إن عهد جلالة الملك الحسن الثاني هو عهد الميلاد الجديد للمغرب في ظل تلك الرسالة الخالدة، وفتح الآفاق لاستمرارها وإشعاعها. وإعادة صياغة مضامينها، وتجديد فعاليتها  وإعطائها قوة دفع روحية وسياسية في عالم يتغير ويتطور.
إن واحدا وستين من عمر جلالة الملك حفظه الله، ومن حياة المغرب، هي فترة بأحداثها ومخاضاتها، كانت امتحانا تاريخيا للمغرب : عرشه وشعبه، هل يصبح المغرب "مجرد" بلد نال استقلاله وفقد دوره، وهويته، أم بلد انتزع استقلاله و "حرر" دوره من التوجيه والوصاية، وهويته من الاستلاب والحماية منذ اثني عشر قرنا واجه المغرب هذا الامتحان، بشكل آخر وفي ظروف مختلفة، فكانت بيعة المغاربة للمولى إدريس الأول، وتأسيس الدولة المغربية في ظل العرش، وتحرير الإرادة المغربية من التوجيه والحماية والوصاية، تعبيرا وتأكيدا للاختيار الذي انبثق عنه هذا العملاق الجغرافي الذي منحه الإسلام عمقا حضاريا، ورسم العرش له دورا في مستوى ثقله الجغرافي وإشعاعه الحضاري وتراثه الإنساني.
فمنذ اثني عشر قرنا وضعت اللبنات الأولى لرسالة العرش المغربي، بل رسمت وخطت المبادئ التي تحكم سياسة المغرب، وتتخذ في ضوئها القرارات الحاسمة والمصيرية.
ومنذ المولى إدريس الأول إلى أن فرض الاستعمار على المغرب عقد الحماية، كانت دولة المغرب، في الحرب وفي السلم، في الرخاء وفي الشدة، دولة رسالة ودور، واختيار دولة الإسلام، تهتدي بهديه، تفكر بفلسفته وروحه، تنشر دعوته، تحمي ملته، تحاور باسمه حضارات الشعوب والأمم.
وكان الاستعمار يريد إلغاء روح هذه الدولة، ووضح حد لرسالتها، وتحجيم دورها، والسيطرة على اختيارها، ليصبح المغرب، حتى ولو نال استقلاله، مجرد بلد بلا دور ولا رسالة، بلا هوية ولا هدف، بلد مفصول عن تاريخه، محروم من ثقله الجغرافي مقطوع عن عمقه الحضاري، ملوث الفكر والتفكير، مستعجم في لسانه، غريب في وجدانه.
على ضوء هذه الرؤيا والحقيقة يفهم الإنسان البعد التاريخي، الإسلامي، الوطني، الفلسفي والحضاري لفكر جلالة الملك الحسن الثاني، وقيادته التاريخية، ودروه العظيم في بناء المغرب الجديد، المغرب الذي بناه وحماه الأجداد، مغرب الأدارسة، والمرابطين، والموحدين، والمرينيين، والسعديين والعلويين، مغرب كل الملوك الذين استلهموا في قراراتهم ومواقفهم رسالة العرش الخالدة.
فعندما ولد جلالة الملك أطال الله عمره سنة 1929، كان المشروع الاستعماري للقضاء على روح المغرب ورسالته، ودوره، في أوج تطبيقه.
ومنذ تلك السنة إلى اليوم، نرى أن المغرب في ظل قيادة المغفور له محمد الخامس وإلى جانبه ومعه وارث سره ورفيق كفاحه، اجتاز الامتحان الأول، وهو امتحان سياسي تحرري، بنجاح وتفوق، فقضى على الاستعمار، واستعاد حريته واستقلاله، ونرى المغرب في ظل قيادة جلالة الملك الحسن الثاني، قد اجتاز امتحانا آخر أشد وأقوى، وهو امتحان حضاري استهدف روح المغرب وعقله، فخرج منه طاهرا نقيا، واستعاد قدرته الكاملة على ممارسة دوره وعافيته التاريخية.
إن جلالة الملك الحسن الثاني قضى نهائيا على آخر حلقة في المشروع الاستعماري، وأيقظ في قلوب المغاربة جميعا تلك الروح المشرقة، روح التعلق بالوطن، بالمغرب الذي بناه الأجداد، وحموه، ورفعوا شأنه، ووضع حفظه الله المغاربة على مشارف القرن الواحد والعشرين وهم أشد ما يكون اطمئنانا لمستقبلهم، وأعمق ما يكون التحاما وتعلقا بتاريخ وطنهم.
إن الذين يلتمسون السبل والوسائل للتعرف على فكر وفلسفة جلالة الملك الحسن الثاني، ويريدون اكتشاف سر عظمته، عليهم بالإضافة إلى ما تضعه المسيرة الحسنية أمامهم من شواهد، ووثائق وأضواء أن يتذكروا ويبسطوا جملة من الحقائق ترشدهم وتسعفهم فيما هم بصدده.
فأولا : عليهم أن يستحضروا في كل وقت أن جلالة الملك الحسن الثاني هو سبط الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، سبط جعل من سيرة جده نبراسا له، وخير قدوة يقتدى بها، فهي سيرة نبي معصوم من الخطأ، ورسول قال الله وأمر المسلمين أن يهتدوا به <<وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا>> فجلالة الملك الحسن الثاني المسؤول عن مصير وحياة  أمة اختار سيرة من أرسله الله بشيرا وهاديا ومنقذا للبشرية كلها، ولم يختر سيرة زعيم انحصر تأثيره في بقعة من الأرض وفي شعب من الشعوب، لذلك نرى أن مواقف كثيرة من مواقف جلالته مستلهمة في جوهرها  وهدفها من سيرة جده.
وهنا أذكر حالة عشتها :
ففي سنة 1974 وأثناء انعقاد مؤتمر القمة العربي التاريخي الذي أصدر القرار المعروف بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا وحيدا للشعب الفلسطيني، في ذلك المؤتمر كان قد اشتد الخلاف بين بعض القادة العرب حتى ظن أنه استعصى الوصول إلى اتفاق أو وفاق، فأمرني جلالة الملك أن آتيه بكتاب السيرة النبوية، وفي جلسة خاصة مع القادة الذين اختلفوا قرأ عليهم جلالة الملك فصلا من فصول سيرة سيد المرسلين، وكان مطابقا لما هم فيه مختلفون، وسرعان ما سكنت نفوسهم، وانبسطت أساريرهم، وفاضت ألسنتهم بالثناء والحمد، وكان ذلك إلهاما من الله تعالى وضع حدا لما كانوا فيه مختلفين.
وثانيا : إن جلالة الملك الذي لا ينام قبل أن يقرأ بتمعن واستيعاب حزبا من القرآن الكريم، يختمه كل شهرين، ثم يعيده، متأثرا فكرا وقلبا بالسياسة الوسطية الاعتدالية التي كان ينهجها جده المصطفى صلى الله عليـه امتثالا لأمر الله وعملا بكتابـه << ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم >> << ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن >>.
وعلى ضوء هذا الهدي الإلهي، وذلك السلوك النبوي يجب أن يفهم المحللون والمهتمون بسياسة جلالة الملك، الأسس التي تقوم عليها تلك السياسة، ويدركوا الأبعاد التي تنطوي عليها مواقف ومبادرات جلالة الملك. والأمثلة التي يمكن الاستشهاد بها في مطابقة مواقفه مع عقيدته وإيمانه وقناعته وصدق بصيرته، كثيرة، وفي مجالات وقضايا مختلفة. وإن ما قد يبدو لبعض المحللين ، تجاه بعض المبادرات والمواقف الحسنية، تكتيكا سياسيا، أو براعة فائقة في التعامل مع المشاكل والتحديات المعقدة، هو في حقيقة الأمر إلهام وعبقرية في نفس الوقت : إلهام يستشف جوهر روح السياسة والواقف المحمدية، وعبقرية في التعامل مع الأحداث والانفعالات والتحديات والتحكم فيها وتوجيه مسارها إلى ما يخدم الهدف الأسمى لمصلحة الأمة والوطن في حاضرهما ومستقبلهما.
وكمثال على ذلك، الطريقة التي يعالج بها جلالة الملك بعض القضايا الكبرى، كعلاقة المغرب مع جيرانه، الجزائر شرقا، وموريتانيا جنوبا، وإسبانيا شمالا، ففي هذه القضايا يتجلى بقوة إيمان جلالة الملك بحس الجوار، واستتبابه، وعدم تعريضه لأي خطر، عملا بقول جده صلى الله عليه وسلم "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" وكان وما زال جلالة الملك الحسن الثاني يوصي ويعمل بقول جده، وهو واثق أن هذه السياسة ستؤدي حتما إلى النتيجة التي يصبح فيها المستقبل إرثا وميراثا مشتركا بين المغرب وجيرانه. وها هو قيام اتحاد المغرب العربي شاهد على صدق الرؤيا ومتانة الأسس التي قامت عليها، وغدا يصبح الربط القار بين المغرب وإسبانيا واقعا يشهد ببعد نظر جلالته، واقعا يربط الماضي بالحاضر ويفتح جسر المستقبل آمنا زاهيا، ونفس الشيء بالنسبة لموريتانيا التي اعترف بها المغرب غداة انعقاد أول مؤتمر قمة إسلامي فوق أرضه، إيمانا من جلالته أن المغرب وموريتانيا هما جسر الإسلام إلى إفريقيا غربا.
ثالثا : إن جلالة الملك الحسن الثاني وارث عرش عمره ألف ومائتا سنة، عرش ذي رسالة تاريخية إسلامية، عرش يحمي الوطن ويذود عن كرامة وحرية أبنائه، عرش يختزن تاريخ أمة كريمة ودولة عظيمة، ومجد أثيل، وسجل زاخر بالملاحم والبطولات والمكرمات من عهد إدريس الأول إلى الحسن الثاني.
وجلالة الملك يمارس مسؤولياته ورسالته وهو مطوق بأمجاد هذا العرش، مؤتمن عليه وعلى رسالته، ناطق باسم تاريخه العريق، فهو عرش أمة أقامته على تقوى من الله ورضوان، والتفت حوله، حاربت به وسالمت به، هو ملجؤها وهو سندها، هو حاميها وهو الساهر على سلامتها. وهكذا فإن من تغيب عنه هذه الحقيقة يقصر إدراكه عن فهم سر من أسرار هذا المغرب العظيم الوفي، وإن من أقام حسابه أو تقديره أو تخمينه بمعزل عن هذه الحقيقة جنى ثمار خيبته، وكشف اعتلال واعوجاج خطته.
رابعا : إن جلالة الملك هو سليل الأسرة العلوية الشريفة، أسرة زهدت في الملك طويلا وقد عرض عليها، وقبلته حينما رأت فيه تكليفا لا تشريفا، دفاعا عن وحدة المغرب وقيمه ودينه ورسالته، وهو أيضا وريث ملوك مجاهدين علماء أتقياء، سليل المولى إسماعيل محرر ثغور المغرب، وابنه محمد ابن عبد الله العالم الحامي والمجاهد، وجلالة الملك هو بشارة وسمي جده المولى الحسن الأول، ذلك الملك العظيم الذي كان عرشه فوق صهوة جواده يجوب به أطراف المغرب بحرا وصحراء، يذود عن حوزته، وهو الذي أراد أن يدخل المغرب في أواخر القرن الماضي إلى عالم الدول المتقدمة المتطورة، فخط البرامج، وأرسل البعثات، ولولا مؤامرات الاستعمار بجميع قواه، وتكالب المتربصين به لتطويقه وإضعافه لكان المغرب هو يابان إفريقيا والمغرب العربي.
جلالة الملك الحسن الثاني هو ابن أولئك الملوك العظام ووارث تراثهم، والمتشبع بأفكارهم، والعارف بسياستهم، والمطلع على ما عانوه وتحملوه من أجل وطنهم وشعبهم، فهو سليل هذا التاريخ العظيم، تاريخ الجهاد، تاريخ التحرير، تاريخ العلم والتنوير، تاريخ آباء تركوا له الأمانة بعد أن بذلوا إلى آخر رمق كل جهد وتضحية لتؤول إليه بأقل قدر من المعاناة والتحديات، فجلالته حينما يفكر، حينما يخطط، حينما يعزم على أمر يرى وجوه آبائه، بل ويكاد يسمع صوتهم ونصحهم، ويفحص كل صغيرة وكبيرة من أقوالهم وأعمالهم، ففي تجاربهم الحكمة، وفي العمل على منوالهم الرحمة والنعمة.
خامسا : إن جلالة الملك الحسن الثاني هو ابن محمد الخامس، هو نتاج تربية وإعداد وتوجيه أبيه وأب الأمة المغربية محمد الخامس طيب الله ثراه، هو رفيقه في الكفاح، هو كاتم أسراره، هو العارف بما لا يعرف الناس من أخباره، هو ولي عهده، ه مستشاره، هو أنيسه وكتابه.
 فإذا عرفنا أي تأثير عميق، وجداني، فكري تركه محمد الخامس في قلوب وأفكار شعبه، وأي أثر بالغ خلفه للعالمين، أدركنا كم هو كبير وجليل ذلك الإرث الذي يملأ جوانح وحياة وفكر وتفكير جلالة الملك الحسن الثاني من والده العظيم. إنه حاضر معه بروحه، بوصاياه، بسيرته، بأفكاره، يعانق ذلك كله ويتعلق به حبا ووفاء، واستلهاما واستقراء. فهو مؤتمن على استكمال جهاد والده، أمين على رسالته، واضع في نفس الوقت الأسس المتينة لمهمته ورسالته، إعلاء الصرح، والمضي في التشييد.
فجلالة الملك الحسن الثاني شارك والده ملحمة الكفاح، وتقلد أمانة مغرب مستقل فمضى بعزم وثبات في تحصين ذلك الاستقلال، وخلق مغرب جديد قوي لمن سيأتي من الأجيال.
لذلك فإن جلالة الملك الحسن الثاني في جميع قراراته ومبادراته ومواقفه وتوجيهاته يستحضر تاريخ وطنه كله، ورسالة العرش التي نقشت وكتبت بجهاد لم ينقطع جيلا بعد جيل، وملكا بعد ملك.
ولقد قيل لجلالته ذات يوم : لماذا لا ترد الصاع صاعين، وكان ذلك تجاه موقف سياسي معين، رأى من ساءل جلالة الملك أنه تجاوز حدود الصبر والاحتمال، ولكن جلالة الملك قال : إن من يتخذ هذا الموقف العدائي ضد بلدي حر في اتخاذ قراره، لأنه إنما يصدر في قراره عن دافع شخصي متعلق به وبالمدة التي سيقضيها على كرسي المسؤولية، أما أنا فعندما أريد أن أتخذ قرارا أعرضه على ماضي آبائي وأجدادي وتاريخ وطني كله، وأرى هل يتفق ذلك القرار مع أمجاد آبائي وعظمة بلادي، فإن رأيت ذلك مطابقا، أعرض قراري على مستقبل وطني وعلى من سيتحمل المسؤولية من بعدي، وأتساءل هل سيكون لقراري ّأثر إيجابي أو سلبي على المستقبل. لذلك فإني حينما أتخذ قرارا أستفتي فيه الماضي والحاضر والمستقبل، ولا أبقي لحريتي الشخصية في القرار إلا قدرا من التصرف، أستعمل فيه نفسي وفكري واجتهادي وتحليلي بهدوء وروية. إن الآخرين تبتدئ مسؤوليتهم وتنتهي بالمدة التي يقضونها في الحكم أو في الحياة، أما أنا فإنني مطوق بماض عمره مئات السنين وبمستقبل عمره مئات أخرى من السنين.
سادسا : إن جلالة الملك الحسن الثاني بعد هذا كله قارئ من نوع خاص للتاريخ، له فلسفته الخاصة في فهم وتحليل أحداث التاريخ، هذه الفلسفة هي مزيج من فكر ثاقب فاحص محيط بتلك العلاقة القائمة بين الحدث ودوافعه وأسبابه، وبين أهدافه وآثاره، ومن تجربة وعطاء وخصوصية تاريخ وطنه، ومن ثم فإن جلالة الملك الحسن الثاني يستنبط العبرة من التاريخ بضمير مؤمن مربي مصلح، وببصيرة قائد محنك، وبعزيمة مكافح مجاهد، وبأناة عالم متبصر، وحينما يستخلص جلالة الملك العبرة التي يطمئن إليها يقيسها ويقابلها مع المستقبل، ويعلم أن الإنسان على مختلف مستوياته الثقافية يظل هو المادة الخام، للتاريخ كعلم قديم، وللمستقبلية كتصور يستنبط عناصر التغيرات الكامنة في الأشياء والاحتمالات ليضعها أساسا لقرار سياسي أو اقتصادي أو ثقافي.
وإذا كان فكر جلالة الملك الحسن الثاني غني بكل ما ذكرت من معطيات وعناصر وأبعاد تاريخية وحضارية، فإن أحد الأوجه المشرقة لذلك الفكر تبزها تلك الروح التي أشاعها ويشيعها في شعبه بدأب لا يفتر، روح التعلق بتاريخ الوطن، واكتشاف ما يزخر به من عظمة وأمجاد وتراث. وإن من يعيد قراءة خطب جلالته على امتداد تسع وعشرين سنة سيجد أنها على اختلاف المناسبات التي ألقيت فيها تزخر بتلك الروح الفياضة، روح التاريخ الوطني للمغرب، فجلالته يقرأ في كل خطبة وكلمة سطورا من ذلك التاريخ إيحاء، أو تذكيرا، أو استشهادا، أو استقراء فلسفيا عميقا، فهو شغوف بذلك التاريخ، معتز به، يريد بحب وحماس أن يكون شعبه مثله شغوف فخور معتز، فالذي لا تاريخ له لا يستطيع أن يصنع تاريخا، وهو، حفظه الله العالم المثقف المؤتمن لا يصدر في ذلك عن عاطفة لها ما يبررها عند جميع الناس والقادة في التعلق بأمجاد بلادهم وشعوبهم، بل يؤمن إيمان الفاحص المتبصر الثاقب الفكر أن لا حياة للأمة المغربية بغير إحياء تاريخها، واكتشاف نبع وسر قوتها من ذلك التاريخ، وصياغة وجودها على ضوء الأهداف والمثل العليا لذلك التاريخ، أي استنباط مقومات الوجود والاستمرار عن طريق إعادة تشكيل رسالة المغرب الجديد، استمرارا واتصالا وتواصلا خلاقا لرسالة المغرب الخالدة، رسالة العرش المغربي التي تجسد الشخصية المغربية وتعبر عن عبقريتها.
لذلك فإن جلالة الملك الحسن الثاني وهو يحمل أمانة هذه الرسالة، يريد ويعمل من أجل أن يكون شعبه معه في أداء تلك الرسالة وتحمل مسؤولياتها، أن يكون معه ليس فقط بالوفاء الذي طبع الله به قلوب المغاربة تجاه ملوكهم، بل وبالحماس والتعبئة والتجند، بالعطاء والبذل والابتكار والاجتهاد.
سابعا : إن جلالة الملك، وقد شهد جميع المفكرين والقادة واعترفوا بعبقريته، وعدوه من رجالات هذا العصر، لا يعزب عن باله لحظة أنه مسؤول ومكلف بتطبيق وصايا وسياسة أجداده، ففي سياسة جلالته حضور واضح لسياسة أجداده، ولكني أجد المولى الحسن الأول أكثر ما يكون حضورا في سياسة ومواقف جلالته. وأذكر أنني حينما ذهبت إلى الصحراء قرأت رسالة موجهة من سكان الصحراء إلى المولى الحسن الأول وجهوها إليه حينما زار تلك الأقاليم منذ مائة سنة يلتمسون فيها حفر آبار الماء لهم وبناء مساكن، وشق الطرق إلى غير ذلك مما كانوا يحتاجونه. وهكذا نرى اليوم جلالة الملك الحسن الثاني محرر الصحراء قد شيد تلك الأقاليم وعمرها، وأجرى فيها الماء العذب، وشق الطرق، وكأنما كان ينفذ ما طلبه آباء وأجداد مواطنينا في الصحراء لجده المولى الحسن الأول. كما أنني أجد في سياسة جلالة الملك الحسن الثاني التعليمية والثقافية صورة لما كان يريده ويعمل من أجله جده المولى الحسن الأول، فهاهي الجامعات المغربية عامرة، وهاهم آلاف الطلبة المغاربة في جامعات أوروبا، وها هو المغرب الجديد يخطو بثبات لاحتلال مكانته كدولة عظيمة متقدمة مسلحة بالعلم والتكنولوجيا كسائر الأمم المتقدمة.
أما السياسة الأكثر حضورا في حياته ومسيرته وجهاده وقيادته، فهي سياسة والده المنعم الذي بعد أن زوده بالعلم، ودربه، وكونه، ترك له أثمن هدية يتركها أب صالح لابن بار، إنها الوصية التي قدمها محمد الخامس طيب الله ثراه لمولاي الحسن ولي عهده سنة 1956 في أول عيد للشباب فهي وصية حافلة بدرر الحكمة، وبليغ التوجيه.
وفي ختام تلك الوصية قال محمد الخامس لوارث سره : يا بني،  
<<أثم الصلاة وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور>>.
وها هو جلالة الملك الحسن الثاني يطبق وينفذ في كل عمل يعمله، وكل خطوة يخطوها، وكل قرار يتخذه، منطوق ومدلول هذه الآية الكريمة.
فهو يقيم الصلاة، يبني المساجد لأدائها، يقيم بالدين سياجا واقيا لأمته، يأمر بالمعروف، يوجه، يحث على الخير، رؤوف بشعبه، وينهى عن المنكر، فيقيم العدل ويبني صروح المساواة والحقوق بين الناس في دولة يحكمها القانون. وهو يصبر على ما أصابه، صبر المؤمن الواثق، صبر القوي الصادق، صبر الأمين على الأمانة، إن ذلك من عزم الأمور.
إن جلالة الملك الحسن الثاني هو وارث تاريخ، ومؤسس تاريخ.
حفظه الله وأطال عمره وحقق في عهده وعلى يديه ما يتمناه لشعبه ووطنه.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here