islamaumaroc

عيد الشباب وذكرى ميلاد العبقرية والنبوغ.

  عثمان ابن خضراء

279 العدد

9 يوليوز 1929 – 9 يوليوز 1990 الذكرى الواحدة والستون لميلاد صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني، هذه الذكرى الميمونة أصبحت عيدا للشباب عندما كان جلالته وليا للعهد إلى جانب والده المغفور له الملك محمد الخامس، ويحتلف به كل سنة احتفاء واحتفالا بأمجاد المغرب، وبالسلسلة الذهبية التي تربط الملك الحسن بن محمد بأسلافه الميامين، ملوك الدولة العلوية المجيدة صانها الله تعالى، وهو أكبر دليل على تمسك المغرب وشعبه الوفي بالعرش المجيد والاعتزاز بالجالس على أريكة الأفئدة والقلوب.
نعم، وقف الشعب يشاطر الشباب فرحته ونشوته وبهجته، هذا الشباب الذي ينشد أغرودة الجمال والجلال والسعادة التي تمتزج بأدعية التهنئة لمليكه وقائده في ذكرى ميلاده الواحد والستين، فهي أغرودة تنعش الآمال، وتشد العزائم وتذكي الحماس، إنها أنشودة القلوب والأفئدة والضمائر في يوم تاسع يوليوز، ذكرى عيد الشباب، وذكرى ميلاد ابن الثورة البار جلالة الملك الحسن الثاني.
إنها أنشودة الثورة والتحرير والوحدة، وإن محمدا الخامس الذي يعتبر من أبطال التاريخ المصلحين حرص على تربية ابنه الأمير الحسن تربية إسلامية صحيحة وتثقيفه ثقافة واسعة مزدوجة صحبة نخبة من رفقائه أبناء شعبه الوفي... فتكاملت في ولي العهد آنذاك الصورة الرائعة لجيل الكفاح، القوي الإيمان بربه وبنفسه، والواثق في مستقبله ومصيره، المقدر لرسالته، والقادر على الصمود في العراك العنيف الذي يعده له رائد الجيل.
نعم، لقد كانت تربية الأمير، والطاقات الكامنة فيه، هما الرصيد الذي أعده والده في نفس الناشئة التي كونها ليركز عليها كفاحه في المرحلة الحاسمة مرحلة تحدي قوة الاستعمار وجبروته.
واحتدم الصراع يتزعمه محمد الخامس وولي عهده من ورائهما شعب كامل ينفخ في عزمه الجيل الجديد أسوة بقائد الجيل. وعندما دبرت المؤامرة المشؤومة وامتدت يد الاستعمار المدنسة إلى الملك محمد بن يوسف وأبعدته عن عرشه وشعبه، وجد طيب الله ثراه في ابنه الحسن أحسن رفيق وأكبر صديق، حيث كان سموه صبورا جلودا، لا يتأثر للأهواء والشدائد مهما بلغت قسوتها، ثم اشتعلت نار الثورة الوطنية واستمرت المقاومة الشعبية بإيعاز من الأمير الجليل الذي عرف بعبقريته ونبوغه وشبابه وتربيته المثلى كيف يهزم جيوش الاستعمار الغادرة ويطاردها في كل الأنحاء.
وتقدم الشباب – جيل ولي العهد – إلى المعركة أكثر من سنتين (20 غشت 1953 – 16 نونبر 1955)، اضطر بعدها المحتل إلى الانسحاب والاعتراف باستقلال المغرب، وعاد الأسد إلى عرينه مصحوبا بزعيم الشباب مولاي الحسن، ترفرف عليهما ألوية العز والنصر، وتحرسهما أرواح مجندة من الأحرار.
وقد عني محمد الخامس بعد الاستقلال مباشرة بإنشاء جيش ملكي مغربي على أسس متينة، وأسند رئاسة أركان حربه لولي العهد المعظم نظرا لخبرته الواسعة وإطلاعه على الفنون العسكرية، فبذل سموه كل جهده حتى جعل هذا الجيش منظما تنظيما حربيا عصريا في أسلحته المختلفة – وأرسل البعثات من جنود الشباب إلى الكليات العسكرية في أوربا وأمريكا للدراسة والإطلاع على مختلف الأسلحة، برية وبحرية وجوية، وكيفية استعمالها وإصلاحها.
ثم وجه سموه نظره الثاقب، أثناء ولايته للعهد، إلى شؤون الشباب فشارك في تنظيمها وتوجيهها، والتخطيط للمستقبل المشرق، وتكوين الأطر الحية الضرورية لجيل الاستقلال. وهكذا عمل على نشر العلوم والمعارف، وشجع الطلبة والطالبات على التخصص في مختلف الشعب العلمية داخل القطر وخارجه حسب تصميم محكم، وذلك أثناء خطبه وتوجيهاته السامية وتخطيطاته الباهرة، كما عمل الأمير الجليل على تدفق الخير على مؤسسات البر والإحسان، وتقديم العون المادي والمعنوي للفقير والمريض وابن السبيل، ويتفقدها في كل مناسبة. وقد قام ولي العهد برحلات إلى أوروبا وأمريكا والشرق، ولم تكن رحلات فسحة واستجمام، بل كانت رحلات عمل تجلت بوادرها الواعية في الأسلوب الحاسم الذي يتناول به مشاريعه وأعماله حسب فلسفة إيجابية ذات طابع واقعي واضح... فلم يكن سموه إذ ذاك ممن يسلمون جزما بنظرية "كيبلينغ" التي تقول: "بأن الشرق شرق والغرب غرب ولن يجتمعا أبدا" بل يرى أن المغرب هو بمثابة همزة الوصل بينهما، ينقل إلى الغربيين روحانية الشرقيين، وإلى هؤلاء تقدمية الأولين، وتفاعلت في نفس الحسن الشاب الثقافتان والحضارتان، وكانت أسسهما بارزة في تكييف تربيته، فلم تزحزح إحداهما الأخرى، وإنما ثبتتا كلتاهما وتمازجتا، بل وجدا في ذهنيته وعبقريته أداة لهضمهما معا – فالتقى في نفسه العلم مع الإيمان جنبا لجنب، فتحصن العلم بالإيمان وتعايشا معا. ومن حسن حظ شبابنا المعاصر أن وجد في زعيمه الشاب لأقوم سبيل فتعمق مشاكل الشباب وتفهمها ودرس مطامحه، فحصنه بتكوين هذا الشباب تكوينا روحيا يحد من طغيان التعليم المادي ويحول بين الشباب والمغامرة.
ويلتحق محمد الخامس بالرفيق الأعلى، ويقوم العلماء والوزراء والأمراء بمبايعة جلالة الملك الحسن، ويسير الخلف على نهج السلف من تفتح وتبصر ووعي، تأكيدا للأصالة وإبرازا للهوية الوطنية.
ويعيد التاريخ نفسه ونرى جلالة الحسن الثاني يقتبس من النهج الذي تربى به في أحضان والده المنعم، تراثا وتربية وتقاليد وأخلاقا، والتربية الملكية تؤتي أكلها حسب التخطيط الملكي المحكم، وقد هتف الشعب لمليكه يوم تربعه على عرش أسلافه المنعمين هتافا دوى في الأرجاء منبعثا من قلوب غضة لرمز الكرامة القومية والعزة الوطنية، والذي انعقدت عليه أماني هذا الجيل الفتي وتبارت  في الولاء له سائر طبقات الأمة.
نعم، التقى جهد شباب الأمة المغربية وجهد شباب ملكها الحسن في مواصلة البناء لتشييد حضارة عظيمة ترتكز على أسسها الروحية القومية القويمة.
لقد كانت أمتنا صامدة كشجرة الزيتون لا تعطي لصاحبها إلا قطعا متناثرة من أخشابها، حتى إذا تجمع لديها ما حسبه المستعمر شجرة، نسج له إيمان أبنائها منه تابوتا حمله إلى مقره الأخير.
استطاع الشاب الحسن بن محمد أن ينظر إلى الوطنية والكفاح والتحرر من منظار يعكس صدق أماني الشعب وتطلعاته... فخاض من أجل ذلك بجانب والده المنعم أعظم وأشرف معارك التاريخ في سبيل الاستقلال وحرية الشعب ووحدة التراب... ثم تابع الملك والشعب الكفاح من أجل استرداد الصحراء فكانت المسيرة الخضراء المظفرة عبارة عن زحف مقدس للوقوف في وجه المستعمر حتى لا يقتطع جزءا يفرض عليه استقلالا مزيفا ليس له من مؤهلات الاستقلال إلا الاسم، رغبة في الاستئثار بخيرات الصحراء وكنوزها الطبيعية وموقعها الاستراتيجي واكتملت الوحدة بضم الساقية الحمراء لوادي الذهب.
ولا عجب في هذا النصر والتوفيق، فقد ورث الحسن الثاني عن أجداده العبقرية والنبوغ حيث نجد عهده الزاهر مليئا بالأعمال الجليلة والمنجزات العظيمة والمبادرات الأصيلة... إذ أعمال جلالته تتميز والتضحية والفطنة والذكاء وإقدام الشباب المتنور وحب الصالح العام... وهي العوامل التي جعلته يحيى بحياة أمته ويسعد بسعادتها...
وما أحوج شاب اليوم إلى التأثر بهذا المنهاج النموذجي في تربيته فيتحاشى انعدام التوازن بين العلم والإيمان.
وإن ملكنا لتعمق مشاكل الشباب المعاصر ويتفهمه، وبصفته مسؤولا عن مصير الأجيال يفتح الحوار لتفاهم أكثر وأعمق، إنه يدرك رسالة الشباب في أمة محتاجة إلى حيوية الشباب وعبقريته، فنجاح الحسن الثاني فيما يخطط مضمون وأكيد، ذلك لأنه عاش حياته طفلا ويافعا وشابا من أجل وطنه وشعبه الذي يتكون أكثر من نصفه من الشباب، ولأنه من جهة ثانية يعرف واقع بلاده ويسطر سياستها حسب واقعها البشري والمادي، وذلك لأنه تزود بالرصيد الفكري والثقافة الواسعة مما يساعد على حسن التخطيط وسلامة التدبير.
لقد أعطى جلالة الملك الشاب المثل على احترام حرية الفكر لاقتناعه الراسخ بأن عملية بناء الوطن تتطلب بالدرجة الأولى توفير مناخ الحرية وتدعيم صرحها. وقد جاءت التجربة الديمقراطية التي تعرفها بلادنا تحول هذا الإيمان إلى مجال الممارسة، ذلك أنه في نظر الحسن الشاب ليس يكفي الحديث عن الحرية ورفع شعارات الذود عنها، ولكن يجب الانطلاق بها نحو مجال التطبيق، وهو ما تمثله الحياة الديمقراطية الرائدة في بلادنا، والتي تتيح إشراك المواطنين عن طريق المؤسسات في العملية الإنمائية. وإن شمولية التجربة الديمقراطية عندما فاقت الكثير من التجارب المتطورة في العالم المعاصر، وذلك بتركيزها على مفهوم البناء الجهوي والإقليمي للمجتمع وإعطاء المجالس المنتخبة صلاحيات كثيرة، إذ هي أدرى بالقضايا والمشاكل التي تتواجد بالإقليم أو المدينة أو القرية.
ومن مآثر الملك الشاب في الميدان العلمي ونشر الثقافة، وقفه لخزانته الخاصة، التي ورثها عن أجداده الميامين على العلماء والباحثين والأساتذة وطلاب الدراسات العليا، وهي "خزانة الكتب والوثائق الحسنية" الموجود مقرها بالقصر الملكي بالرباط، وبها نحو ستة عشر ألف مجلد من المخطوطات، فضلا عن نوادر المطبوعات والوثائق التاريخية، وقد فتحت أبوابها منذ أكثر من ربع قرن وما لبثت أن صارت مقصدا للباحثين من الداخل والخارج.
وجملة القول فقد امتزج شباب ملكنا العبقري بشباب أمتنا اليقظة الواعية، فأعطاها من قوة شبابه وأجزل العطاء، وأعطته من إخلاصها ووفائها ما قوى عزيمته على الإخلاص والوفاء لشعبه.
فالشباب يهتف اليوم هتافا حارا يدوي في الأرجاء ينبعث من قلوب غضة في يوم عيد الشباب وذكرى ميلاد زعيم الشباب رمز الكرامة القومية والعزة الوطنية.
إن للمغرب في قوة مليكه لعزة، وفي طموح رائده لمنفعة، وفي علم قائده لقوة، وإن في جهوده للقضاء على مظاهر التخلف لمآثر تحتذى.
فحيى الله الشباب في عيده المجيد، وحيى الله الملك الحسن الثاني في ذكرى ميلاده السعيد.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here