islamaumaroc

مغرب الحسن الثاني.

  أحمد مجيد ابن جلون

279 العدد

عاش المغرب سنة أخرى من حياته النضالية، بنفس الحماس وذات اليقظة والتعبئة، ينجز ويبني، في سلام واطمئنان، وأمن وهدوء، ونظام وألفة ووئام، وسط مجتمع دولي امتحنته تغيرات لم تكن بالحسبان في شرق أوربا، وانتكاسات اقتصادية في كثير من الدول بإفريقيا وآسيا وأمريكا، ومشاكل مختلفة الكم والكيف هنا وهناك، وحروب لم تطفأ نار بعضها إلا وتنطلق شرارة أخرى تعلن عن بدء معارك جديدة بين دولتين آثرتا اللجوء إلى القوة بدل الوفاق، وإلى الاقتتال عوض البحث السليم عن الحل العادل المفيد.
عاش المغرب هذه السنة في إثراء البحث الجدي عن وسائل تحقيق الغد الأفضل، ذلك المستقبل المشرق الذي يستهدف استكمال تربية المواطن الصالح، ويرمي إلى ضمان وسائل الحفاظ على كرامته بتوفير وسائل عيشه والذود عن كيانه، ويسعى إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي للأمة، وذلك في ظل مبادئ الإسلام السمحة، وفي احترام الحقوق الإنسانية للفرد، وفي إطار الإرادة الأبية التي أعرب عنها جلالة الحسن الثاني في العديد من خطبه السامية، والتي تجعل من الحرية الفردية قاعدة مجتمعنا، ومن المساواة ركيزة نظامنا، ومن تظافر الجهود سند طموحنا.
منذ أن تربع جلالة الملك المحبوب على عرش أسلافه المنعمين، أعلنها صيحة مدوية ضد الجهل والتخلف، ضد العوز والفقر، ضد الاستسلام أمام المشاكل والصعاب، ضد الإقطاعية والتسلط، ضد الإغراء الممقوت والتأثير الأعمى الذي لا غاية له إلا تحقيق الربح على حساب المروءة، ولا مرمى له إلا الدفاع عن المصالح المادية، دون اكتراث بما تفرضه المعاملات النقية والعلاقات النظيفة.  
لقد أقدم حفظه الله على المبادرات الجريئة في تبصر ودراية، واهتدى إلى الاختيارات الوجيهة، في جدارة وبعد نظر، وانتقى من بين السبل أقومها، ومن بين الغايات والمرامي أنفعها للفرد والمجتمع، في تصميم محكم، ينبذ ما قد ينشأ من مخاطر عن التسرع والارتجال، ويرفض الاتكال على الغير، ويجعل من المواطن وسعادته، والوطن ونجاح مستقبله، مصدر المجهود، وغاية القصد المنشود.
في كل سنة تعزز الانطلاقة المغربية مؤهلاتها ومنجزاتها، ويقطع النماء الأشواط المرسومة له، وتتعدد الأطر التي يحتاج المغرب إلى مشاركتها في تسيير دواليب الدولة، وتعطى المرأة وسائل تضامنها مع الرجل في معركة الحياة، ويفتح المزيد من المدارس والمعاهد والمستشفيات، ويكون للقطاع الخاص قصب السبق في إنشاء المصانع والمؤسسات، ويعم تدريجيا التكافؤ بين ما يجب على الدولة أن تضمنه للمواطن وبين ما يتحتم على الفرد المغربي أن يضطلع به في إطار الاختيار الوجيه الذي أراد للمغرب أن يكون بلدا ديمقراطيا متحررا.
لقد خطط ملكنا الرائد بطموحه الذي يرفض المستحيل،، وبعبقريته التي تؤثر التروي والتبصر، وبشغفه لشعبه الذي قيل في سبيله أجسم التضحيات، فأضاف في كل سنة جواهر نفيسة إلى العقد الغالي الذي ما فتئ يزكي عناصره، ويقل مظهره، فأبهر العالم بمهاراته، وما انفك يثير رضا بل إعجاب العالم بدأبه، واطراد توقه، ووجاهة قصده ومثالية وسائل إنجازاته.
عرف المغرب خلال السنة المنصرمة، كما كان الشأن في السنوات التي سبقتها، اطراد المنجزات وتوافر المبادرات والمشاريع، تنفيذا للعادة التي دأب عليها، واتباعا للخطة التي رسمها له ملكه المحبوب، ففي كل قطاع كان النجاح حليفه، وفي كل اتجاه أصبح تعزيز المكتسبات حقيقة ضمنت المزيد من الثراء، فأضافت إلى الرصيد الوطني ثمرة فاعليتها وزبدة صنعها.
إلا أن هناك من المشاريع ما يستحق التذكير، ومن المنجزات ما يدعو إلى الاعتزاز والتبجيل.
فقد عرف المغرب مشروع قانون الخوصصة الذي أقره مجلس النواب والذي يستهدف إثراء المواطن المغربي عن طريق تمليكه لمؤسسات كانت لحد الساعة ملكا للدولة. وإنه لمثال حي عن السياسة الحكيمة التي نهجها عاهلنا أمد الله في عمره، فمن المبادئ الأساسية التي يؤمن بها وطننا أنه يجب ضمان حاجيات كل فرد من أفراد الأمة. إلا أنه توجد ميادين حيوية يكون من أخطر الأخطار ترك التصرف فيها للقطاع الخاص، وذلك لأسباب متعددة، منها عدم تجربة الخواص الكافية، ومنها ضخامة المبالغ التي قد يتطلبها إنجاز المشروع، ومنها وجوب ضمان نجاح المشروع وعدم تعرضه لأي خطر محتمل، ومنها وجوب تأمين المواطن من كل توقف لنشاط المؤسسة التي يحتاج إلى إنتاجها باستمرار، لكن، عندما تأخذ المؤسسة طريقها بتمويل وتسيير ومراقبة من الدولة، وتضمن دون انقطاع حاجيات المواطنين وتصبح ذات فعالية ومردودية مقنعة، لا تبقى للدولة فائدة في تملكها وللمجتمع حاجة في أن تبقى الدولة ممتلكة لها.
على أساس هذا الاتجاهالقويم والاختيار المنطقي السليم، وعندما تأكد أنه توجد حالات وميادين يمكن التخلي عنها للأفراد دون خطر على مصلحة المجتمع، لم يتردد المغرب في تطبيق أحد تلك المبادئ التي اختارها لتنظيم حياته والتي تجعل من الإنسان غاية لا وسيلة فيسخر الدولة في خدمة الأمة والمصالح العمومية في تلبية حاجات كل أفراد الشعب، وبهذا تمتاز الديمقراطية الحق، كما يعرفها رجال القانون الدستوري الذين يؤكدون أن الأمة هي حلم بمستقبل مشترك، أي إرادة جميع أفراد الشعب في أن يعيشوا معا يجمعهم احترام حقوق كل واحد منهم، وحريته التي بدونها لا كرامة له، وخصوصا حقه في العمل في مختلف الميادين، حتى يضمن لذويه وسائل العيش المحترم.
إن قانون الخوصصة يرمي طبعا وأساسا إلى غاية اقتصادية، ولكن فوق كل شيء قانون فرضته اختياراتنا المبدئية الأساسية، فالأنظمة الديمقراطية التحررية التي تجعل من المساواة السياسية والاجتماعية منار أوضاعها وراية انتقائها تركز وجودها على المصلحة الفردية بدل التسلط على الحكم ولا تقدم أية مبادرة ليست في صالحه، في هذا الإطار يجب إعطاء هذا القانون معناه الحقيق ومدلوله الصحيح، وفي هذا الإطار يسترسل المغرب وهو يطوي أشواط نموه ومراحل تقدمه.
وفي نفس السنة، تابعت قضية المغرب الكبرى، قضية الصحراء، طريقها نحو الحل الذي ما فتئ المغرب يدعو إليه، منذ أن اصطنع غيرنا المشكل، وأصبح إخواننا بتلك البقاع ينعتون "بالشعب الصحراوي" خدمة لمؤامرة مكشوفة، لا رغبة في حمايتهم، ولا دفاعا عن حقوقهم.
منذ أن آثر المغرب عرض القضية على الأمم المتحدة وهو يدعو – حبا في الوئام، لا خوفا من عناد المغرضين – إلى التحاكم لدى الرأي العام والأخذ برأي أولئك الذين يهمهم الأمر بالأولوية واستفتاء ضمائرهم ومشاعرهم.
ولما كثرت المؤامرات وتعددت الحيل والمناورات، دعا ملكنا الرائد إلى المثول لدى محكمة العدل الدولية، فكان رأيها اعترافا بحقنا، على إثر ذلك نظم جلالة الملك الحسن الموفق تلك المسيرة الخضراء الخالدة التي أبهرت العالم.
ودخلنا الصحراء، في استقبال رائع، وأمام تعنت الخصوم وعنادهم، ونزولا عند رغبة عدد من رؤساء بعض الدول الصديقة، قبلنا مبدأ الاستفتاء، لاقتناعنا بالنتيجة الحتمية لهذا الإجراء، فما كان من خصومنا إلا أن لجأوا إلى خلق المشاكل والتذرع بالأسباب الوهمية، خوفا من أن يفشل مخططهم وأن يجنوا ثمار مؤامراتهم وأن يلقنوا الدرس الذي تستحقه مغامرتهم.
وكان موقف المغرب في جميع هذه المراحل واضحا، ومطالبه منطقية ومشروعة، فثبطت عزائم المغرضين وأصبحوا، في حيرة وتشاؤم يبحثون عن بديل لأطروحتهم الجوفاء ويتشبثون بما يسمونه "الحوار المباشر" أو "المفاوضات المباشرة". ولما آن الأوان ألقى جلالة الملك ذلك الخطاب السامي الذي دعا فيه أولئك المخدوعين إلى الالتحاق بالوطن والعودة إلى ديارهم، مذكرا بالمبادئ السامية التي يستند عليها النظام المغربي، ومصرحا بأن الوطن غفور رحيم، وبالفعل رجع إلى المغرب العديد من قادة "البوليزاريو" المزعوم، ومن أهم أطره. 
وفي نفس الوقت، بقيت الأمم المتحدة، وخصوصا أمينها العام يعمل على تنفيذ التوصيات الصادرة في الموضوع. وبفضل الجهود المشتركة لذوي النيات الحسنة، أصبح ما سبق لجلالة الملك الحسن الثاني أن أكد حقيقة ملموسة، وواقعا لا يمكن تجاهله أو إغفاله، ذلك أن المغرب ما فتئ يعلن أن المرتزقة الذين يشكلون "البوليزاريو" المزعوم ليسوا من أصل صحراوي، وأنه يجب الرجوع إلى الإحصاء الذي قام به الإسبان، قبل مغادرتهم الأقاليم الصحراوية، لتحديد لائحة من لهم الحق في المشاركة في الاستفتاء المزمع الإقدام عليه.
ورغم جميع المحاولات المغرضة انتصرت هذه النظرية، ومنذ بضع أسابيع ذهب رؤساء القبائل الصحراوية، باستدعاء من منظمة الأمم المتحدة، إلى "جنيف" لحضور عملية تطبيق المبدأ، وهذا دليل آخر، - إن كان الأمر يحتاج إلى دليل – على وجاهة الأسلوب الحسني، وفاعلية التحركات المغربية وعدالة الموقف الذي اتخذه عاهل البلاد المفدى منذ أن اصطنع خصوم الوحدة الترابية مشكلا ملفقا في جزء من الوطن المغربي.
وفي نفس السنة، تعرض المغرب إلى تلك الحملة المسعورة التي شنتها ضده منظمة العفو الدولية التي أعلنت دون تحفظ أن بلادنا تعبث بحقوق الإنسان وأنها تحاكم المواطنين وتؤاخذهم عن مجرد آرائهم. وحاول المغرب إقناعها بخطإ موقفها باستدعاء أفرادها والسماح لهم بالإطلاع على الحقيقة في عين المكان، والمذاكرة مع من يريدون، وبالفعل، حضروا إلى بلادنا، وتناقشوا مع المسؤولين، وزاروا السجون، واستنطقوا من شاؤوا، وكان الجميع يظن أن المشكل قد انتهى، وأن ممثلي المنظمة أصبحوا على الإلمام بالحقيقة. لكن هؤلاء بمجرد وصولهم إلى قاعدة منظمتهم، أعادوا الكرة واتهموا المغرب من جديد، وكأنهم لم يطلعوا على شيء ولم يقوموا ببحث دقيق، ولم يعطوا الدليل على سلامة الموقف المغربي.
وأمام هذا الموقف المتعنت الغريب، استنبط جلالة الملك رد الفعل الوحيد الذي يمكنه أن يدحض ادعاءات المنظمة المتهورة ويحافظ في نفس الوقت على الكرامة المغربية، ذلك أن المشكل كان يكتسي خطورة لا يمكن تجاهلها لسببين : أولهما الموقف المعاند للمنظمة الذي تجلى بوضوح في أنها مصممة على الاستمرار في إدانة المغرب في تجاهل تام ومقصود لجميع البراهين التي قدمها لها، وثانيهما العواقب التي قد تنتج على المستوى الدولي عن موقف منظمة ذات نفوذ خلقي ووسائل دعائية ضخمة سمعية وبصرية، إذ قديما قيل : "اكذب وافتر فإن ذلك سيترك – لا محالة – أثره في النفوس".
لقد أعلن عاهلنا الملهم عن إنشاء مجلس أعلى لحقوق الإنسان ونصبه بالفعل، وذلك بعد أن استشار جميع القوى الحية بالبلاد، من منظمات سياسية ومجالس علمية ومؤسسات نقابية، وشخصيات مرموقة، فكان المجلس صورة مقنعة تمثل ثلة من أجود عناصر المواطنين، خلقا وكفاية وتطلعا وتجربة وإخلاصا للمبادئ والقيم، وعهد إلى هذا المجلس بدراسة جميع الحالات المشبوه فيها، على ضوء مبادئ حقوق الإنسان، كما سلم له على الخصوص الملف الذي يحتوي على الحالات التي أدانتها المنظمة الدولية قصد إبداء رأيه حوله.
وإنها لمبادرة حاسمة، فلا غرابة أن تكون من صنع الحسن الثاني الملك المخلص لمصالح شعبه والذي عودنا أن يكتشف الحل المناسب، كلما أغلقت الأبواب وبلغ الأمر إلى الطريق المسدود، إنها إجراء ثابت ومفعم، من إبداع مبتكر المسيرة الخضراء.
وفي نفس الخطاب، زف جلالته إلى شعبه الوفي خبر إنشاء محاكم إدارية للحفاظ على حقوق المواطن تجاه السلطات الإدارية، وهذا أيضا ابتكار يستمد فلسفته من الاختيار الديمقراطي التحرري الذي آثره ملكنا المحبوب، تمشيا مع ما سنه جده صلى الله عليه وسلم، وما يدعو إليه ديننا الحنيف الذي يحث على تكريم الإنسان، وذلك بالسهر على حقوقه وحريته وممتلكاته، وإنه اكتشاف وجيه يضاف إلى الرصيد المثالي الذي وفره ملك شغوف لشعب وفي.
وفي نفس السنة تقدمت أحزاب المعارضة، وثاني مرة في حياة الدستور المغربي، بملتمس رقابة ضد الحكومة، وإذا كان هذا أمرا طبيعيا لكونه إجراء نص عليه الدستور بوضوح، فهو دليل مقنع على سلامة مؤسسات البلاد الدستورية وعلى الروح المثالية التي تهيمن على نشاطها، وعلى نضج ممثلي الأمة وأعضاء الحكومة الذين تقبلوا بصدر رحب تعاليق مخاطبيهم بما يؤمنون بصلاحيته، في جلسات علنية، أي تحت مراقبة الرأي العام.
وهذه أيضا من مميزات نظامنا الدستوري الذي نسق بحكمة ودراية بين مختلف المؤسسات فأعطى لكل منها الوسائل الضرورية لممارسة اختصاصاتها، في تكافؤ تام، ومساواة لا تسمح لإحداها أن تمارس أي تأثير أو ضغط على غيرها، وهذه هي الغاية التي توخاها جلالة الحسن العظيم، عندما قدم لشعبه أول دستور للمصادقة عليه.
إننا نحتفل بعيد الشباب، ونعتز ونفتخر بعيد الشباب، لأنه عيد كل مغربي، عيد ملك محبوب، نسج بينه وبين شعبه خيوط المحبة والتقدير، والتعلق المتين، والغيرة على المعتقدات والمقدسات، والالتحام الذي يفرضه الإحساس والوجدان.
إن المغرب ملكي بطبيعته، بإرادته، بطموحه، بمشاعره، فليحفظ الله ملكنا الصالح، وليدم علينا نعمته بوقاية سيد البلاد من كل مكروه إنه بالإجابة جدير والسلام.

"أما أنا شخصيا فإني مطمئن جدا على حسن اختياراتك، ذلك أنني كلما دعوتك لركوب طريق أو للقيام بعملية، أو لبناء صرح جديد من بناءات أمجادك لم تسارع فقط للتشييد والبناء، ولكن تسارع أيضا وأنت فاهم كل الفهم واع كل الوعي مقاصدنا ومرامينا الشيء الذي يدل إن دل على شيء على أن المغرب ولله الحمد شعب واع، شعب يعرف اختياراته، وحينما يقرر اختياراته يعرف كيف يختار السبل للوصول إليها"  
جلالة الملك الحسن الثاني

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here