islamaumaroc

عندما كان عمره خمس سنوات.

  عبد الهادي التازي

279 العدد

يهتم رجال التربية أيما اهتمام في الماضي والحاضر بأمر البيئة التي يعيش فيها الطفل، فهي عندهم المؤشر الأساسي لنفسية الطفل وميوله ومشاعره...
وقد كان مرتكزهم في هذه المعلومة أن ما يتلقاه الطفل في هذه الفترة المبكرة من حياته يظل هو المهيمن على كل اختياراته في سائر حياته، ضرورة أن استعداد الطفل في أثنائها – يكون أتم منه وأكمل من أي مرحلة أخرى من سني عمره... ولابد أن نستعيد إلى ذاكرتنا تلك العبارة التي تتحدث عن التعليم في هذه الفترة على أنه "نقش في الحجر" أي عمل لا تهدده ظروف ولا تنال منه صروف!!
ومن هذا المنطلق يتحدث الملاحظون والمؤرخون سواء خارج المغرب أو داخله عن الحاسة الوطنية التي تتملك جلالة الملك الحسن الثاني كأقوى ما يكون التملك. قرأنا هذا في التقارير التي كانت الإقامة العامة ترفعها إلى "لكي دورسي" عن "الحماس" الذي كان يظهر على سلوك الأمير مولاي الحسن، سواء في المدرسة أو أثناء أحاديثه العادية مع الذين يجتمعون إليه... وأعتقد أن تلك التقارير استطاعت أن تكون لدى دهاقنة الاستعمار فكرة غير مريحة عن الأمير الشاب وهي الظاهرة التي يفسرها تصرف قلم الرقيب الذي كان لا يسمح بذكر كلمة "ولي العهد" كوصف لسمو الأمير مولاي الحسن! فعلا كنا نقرأ الصحف الوطنية وبمساحتها بياض يعوض لفظة ولي العهد!!... فماذا عما كان يراه ويسمعه ذلك الأمير الصغير وهو يفتح عينه بين أعضاء الأسرة الملكية...
سأختار لكم لقطة من اللقطات التاريخية الرائعة التي نمر عليها مر الكرام، مع أنها حاسمة في نظر الذين يهمهم أن يتتبعوا المحطات المضيئة في مسيرة نضال العائلة الملكية والشعب المغربي... هذه اللقطة ترجع لعام 1353 الموافق 1934، وبالضبط ليوم الخميس عاشر ماي من السنة المذكورة الموافق ليوم 24 محرم كذلك.
لقد كان جلالة السلطان سيدي محمد بن يوسف وصل مدينة فاس يوم الثلاثاء ثامن مارس... وعن هذه الزيارة أستسمحكم في قراءة صفحة 15 من مذكراتي الجاهزة للطبع : لقد كنت وقتها تلميذا بالمدرسة الإسلامية بزقاق البغل من مدينة فاس، وكان مدير المدرسة هو شيخنا الأستاذ أحمد الرجراجي المعروف بتحفظه وعدم اندفاعه!! ولم نشعر ذات يوم إلا وجو المدرسة يستحيل إلى جو وطني صاخب، وكان سبب هذا فيما أذكر حلول صاحب الجلالة محمد بن يوسف في ثامن وتاسع وعاشر مايو 1934 بربوع فاس واستعداد الوطنيين كبير الاستعداد لاستقباله.
لقد كان تردد الشريف سيدي العزيز الوزاني – وهو وطني غيور أصيل – على المدارس الحرة، وضمنها مدرسة الرجراجي يلقن التلاميذ نشيد :
يـا مليــك المغـــرب  يـا ابـن عدنـان الأبـي         نحـن جـنـدة للـفــداء  نحمـي هــذا المــلك
عـرش مجــد خـالــد  مـاجـد عـن مـاجــد           قـد بـنـاه الأولــــون  فـي شـمـوخ الـفــلك
نـحـن لا نـبـغـي  بـه  مـعـدلا عـن حـزبــه         إنـنــا مـن حـــبــه  كـلـنـا فـي ظــلــه
                                             دائمـا نفـديـه!
  يلحنها لنا نحن الصغار على نحو ما هو التلحين اليوم، لم تغب عني أبدا صورة سيدي العزيز: وجه جميل والقد ربعه، يتدفق حيوية، إنما يرتدي جلبابا وطنيا منسوجا بين الأسود والأبيض، ثيابه الداخلية أيضا من نسيج وطني... هكذا كان، إنه كان يقاطع القماش الأجنبي.!!
ذلك الاستعداد الذي هالته الاستعلامات الفرنسية فدبرت الحيلة ولم نشعر إلا وهو أي العاهل الكريم يغادر فاس في يوم جمعة تركها فيها على نحو ما قال الشاعر العربي :
كمـا أبرقـت قومـا عطاشـا غمـامـة
               فلمـا رأوهـا أقـشعـت وتجـلـت!
نعم تكهرب الجو في المدرسة، وكنا نحن أصحاب الصف الأول من دعاة الوطنية والثورة!! وكان "الفقيه العالم" كما كنا نسميه يقول ما شاء قوله، وكنت أغامر جزافا في الموضوع، من دون أن أعرف إلى أين المصير، كنت أكتب على جدران المدرسة "يحيى الوطن" فأعرض قدمي لوابل من الضرب!! كان أستاذ الرجراجي – مع هذا -  يلذ له أن يقوم بتلحين بعض الأناشيد "المحايدة" التي يقف عليها في بعض الكتب المصرية، ثم يستفيد من بعض النغمات الأندلسية التي كان يعرفها بواسطة تلامذة له كبار كانوا يترددون عليه، نشعر بمتعة ونحن نحلق أمامه وهو يردد نشيدا بعنوان :
مرحبـا أهـلا وسهـلا بالمليـك
    مرحبـا بابـن الملـوك الفـاتحيـن!
ذلك ما جاء في مذكراتي عن تلك الأيام الثلاثة وما تبعه من ردود فعل...
وأحل هنا أن أنتقل بكم إلى خارج المدرسة لنعرف عن مقام العاهل المغربي بالمدينة طوال ثلاثة أيام لا رابع لها!!
لقد كان في التشريفات المتبعة لدى القصور الملكية أن يقوم السلطان في اليوم الموالي لوصوله باستقبال الهيئات الرسمية والأعيان، ثم يقوم في اليوم الثالث بزيارة أضرحة بعض الأولياء الصالحين، من أمثال ضريح الفاتح مولاي إدريس وضريح سيدي بوبكر ابن العربي، وسيدي علي الجمال، وزاوية الصقليين بحومة البليدة حيث يوجد ضريح أمام جلالة السلطان       
مولاي الحسن الأول وضريح سيدي أحمد التيجاني كذلك...(1)
 وهذه الزيارة من الملوك التي كانت تتم تقريبا بدون بروتوكول أي أنها تتم بدون ضرب حراسة واسعة على موكب الملك، وبدون موسيقى على ما أتذكر، إنها تقتصر على أن يزور السلطان هذه الأضرحة ويجتمع ببعض المنتسبين ويقدم الفتوحات لأصحابها... كنا نشاهد جلالته عن قرب لا يفصلنا عنه فاصل...
وهنا في هذا اليوم الذي صادف صباح الخميس كان الموعد : موعد التحام الشعب بمليكه... لقد خرجت المدينة عن بكرة أبيها ملبية دعوة الكتلة الوطنية... وكنا قد حفظنا النشيد الذي أعد للاستقبال الذي لم يكن – على ما أسلفت – غير :
يـا ملـيـك المغـرب   يـا ابـن عدنـان الأبـي!.
وهكذا ففي كل منعرج ومنعطف من المدينة الأهلية التي نعرف عن دروبها وعقابها ودروسها، في كل منعرج ومنعطف كان جلالته يجد أمامه كتلا بشرية تهتف بحياته وحياة الوطن...
لا ننسى أن جلالة السلطان لم تمر له – وهو جالس على العرش المغربي أكثر من سبع سنوات، وهو يرى اليوم رؤيا عين هذه المظاهرات الصاخبة التي إن عبرت عن شيء فإنما تعبر عن مدى ما يكنه أهل فاس للملك الشاب... وفي كل مرة كانت يجتمع الشباب حوله كان يقابلهم ببشاشته المعهودة ويزودهم بالدعاء بينما الناس "يرفدون له الفاتحة" على حد التعبير المغربي...
كانت صبحية تمكنت فيها الشبيبة من التعبير عما ترتجيه لغدها المشرق، وتمكنت من فك الحصار الذي كانت الحراسة الفرنسية تضربه على العاهل بحجة الحفاظ على أمنه!! لقد تجلى واضحا أن الملك ليس بحاجة إلى حراسة أحد! وأن الشعب يحنو عليه ويتعلق به، وأن عناية الناس تحوطه تلقائيا بدون أية بندقية ولا مسدس ولا سيف..! وتأكدت الإقامة العامة أن هذا الالتحام التلقائي الذي حصل بين الملك وشعبه في هذا اليوم الأول من الزيارة من شأنه أن يضاعف الحركات والتظاهرات والهتافات في اليوم الرابع عندما ينزل السلطان إلى أداء صلاة الجمعة بالمسجد الجامع : القرويين...
وهنا اجتمع رجال الاستعمار لتدارس الحالة الخطيرة التي توجد عليها المدينة! ولم ينفك اجتماعهم إلا بعد ساعات من المداولات المتوالية تقرر في نهايتها أن يجعل الملك أمام اختيارين : فإما أن يقبل أن ينزل لصلاة الجمعة وهو محاط بالجند المدجج بالسلاح لمنع كل اقتراب من جلالته... وإما أن تلغى صلاة الجمعة من المنهاج.!
وبينما كان جلالته في مجلسه إلى جانب أسرته التي كان فيها السيدة والدته رحمها الله... طبعا إلى جانب الأمير الصغير مولاي الحسن... وهو على حال من استعداد للراحة إذا بالمبعوث الخاص يستأذن للاجتماع بالسلطان الذي تأكد ما كان يعرفه من استياء الفرنسيين لذلك الالتحام، إنه بالنسبة إليهم كان طالع شؤم على الوجود الفرنسي بالمغرب فماذا كان الجواب الملكي؟
ينبغي هنا أن نتصور الوضع داخل القصور الملكية التي كانت تعيش ساعات فرح بوجود سيدي محمد بين ظهراني فاس. هنا وفي هذا المناخ المفرح المطرب... طرق الباب طارق ليبلغ العاهل باسم المقيم العام هنري بونصو "عدم رضى" السلطات على ما حدث!!
لقد أخذ رجال الإدارة الفرنسية – أمام هذا الحدث – يحسبون الحساب كل الحساب ليوم وشيك الوصول، اعتاد الوطنيون فيه أن يتظاهروا ويثوروا ويسجنوا! هذا اليوم لا يفصله عن يوم 10 مايو إلا ستة أيام، إنه يوم 16 مايو يوم الذكرى الرابعة للظهير البربري الذي كان يقصد إلى فصل العرب عن البربر وإلى محاولة خلق مغربين : مغرب يعتمد على المحاكم الشرعية الإسلامية في حكمه، ومغرب يعتمد على المحاكم العرفية!!... إن الفرنسيين بالرغم مما حاولوه من تدارك للموقف بإصدارهم ظهير 8 أبريل 1934، بالرغم من ذلك ظل الوطنيون متشبثين بالمطالبة بإلغاء الظهيرين معا.!!
واعتقد أباطرة الاستعمار أنه إذا لم يلجم أهل فاس عقابا على ما فعلوه يوم 10 مايو فإن مظاهراتهم لليوم 16 ستكون كاسحة، فمن الحكمة إذن – في نظرهم – أن يسبقوا الأحداث!!
فكيف كان رد السلطان على هذا التحدي ؟
لقد كان الرد بسرعة والتعبير الحاسم الصارم... لقد أمر العاهل المناضل بجمع الحقائب للعودة فورا للرباط.!! كانت علامات التساؤل مرتسمة على كل وجد من الوجوه المحيطة بالقصر...
وكانت العودة لطمة قوية في وجه الذين كانوا يفكرون بأن في استطاعتهم إملاء رأيهم على الملك. إن هذا هو أول امتحان – بعد صدور الظهير البربري عام 1930 منهم لهذا الملك الشاب... وقد كانوا يتصورون كل التصورات : العدول عن الصلاة في جامع القرويين مثلا... الرضوخ لقبول المقترح الاستعماري المتخلص في إحاطته بأسوار من جنود الاحتلال... أما أن يتركهم بفاس جميعا ويعود إلى الرباط فهذا لم يكن يخطر ببال المقيم العام!
أعتقد أن هذا التاريخ مايو 1934، جدير بالمغاربة أن يحفظوه ويقفوا عنده على نحو ما يفعلونه مع زيارة الملك لطنجة أبريل 1947. لقد كانت هذه المبادرة من السلطان سيدي محمد بن يوسف أولى مبادراته العلنية التي قال فيها : "لا" للمستعمر!!
ولعل من المفيد أن أرسم هنا صورة لمدينة فاس في النصف الأول من يوم الجمعة 11 مايو التي كانت فيه فاس عن بكرة أبيها تنتظر مرور السلطان عبر الشوارع الكبرى المؤدية لجامع القرويين : باب أبي الجنود، الطالعة، الشرابليين، العطارين...
وقد عرف أهل فاس كيف يغلفون الجدران بالحياطي وأنواع الزينة والرايات حتى لتخال أنك لا تقتحم شوارع المدينة ولكنك تقطع الطريق لخدر عروس!! الكل في أبهى حلله... وأبناء المدارس الحرة توزعوا على الشوارع فكل مدرسة أخذ أبناؤها مكانهم لينشدوا "يا مليك المغرب".
ومن حسن حظي أن المكان الذي خصص لأبناء المدرسة الإسلامية كان على مقربة من دكان والدي بسوق العطارين، فكنت أختلف إليه بين الفينة والأخرى لأجتمع بالصغار من أفراد العائلة والجيران الذين تكدسوا في الدكان ينتظرون طلعة الملك!
ومن حسن حظي أن المكان الذي خصص لأبناء المدرسة الإسلامية كان على مقربة من دكان والدي بسوق العطارين، فكنت أختلف إليه بين الفينة والأخرى لأجتمع بالصغار من أفراد العائلة والجيران الذين تكدسوا في الدكان ينتظرون طلعة الملك.
وباقتراب الساعة المتوقعة لنزوله المدينة... تزداد الزغاريد... وتتعالى الأصوات مرينا واستعدادا... وكان من العادة المتبعة في مثل هذه الأحوال أن تسبق الركب الملكي ثلة من "المخازنية" يحملون معهم على ظهور البغال بعض المصاحف التي تقدم عادة للقراء الذين يتلون كتاب الله....لكن هؤلاء "الثلة من الحرس" لم ينزلوا! واقترب موعد الصلاة وطال انتظار الناس! وتعددت التأويلات : فالمنتظرون في العطارين أخذوا يعتقدون أن الركب الملكي ربما فضل المرور لجامع القرويين عبر شارع القطانين... والذي في القطانين هرعوا لرؤيته في العطارين.
وعرا أهل المدينة الذهول عندما قصدوا جامع القرويين واستمعوا إلى خطيب الجمعة الذي لم يغير من أسلوب خطبته التي يشير فيها لزيارة السلطان للجامع!!..
ولم يسمع عامة الناس عن عودة الملك للرباط بعد وقت، ولم يعرف معظمهم عن أسرار العودة إلا بعد حين، وأشاع المستعمرون أن الملك قلق من طريق الاستقبال التي خصصه بها الوطنيون، فلكي يعبر "عن عدم رضاه" اختصر رحلته لفاس!!
لم يكن حديث للناس في فاس سوى حديثهم عن السلطان! لقد قلت : إن قرار السلطان كان لطمة قوية، وأضيف هنا وصفا آخر... ذلك أنها كانت لطمة ذات صوت أي أنها أحدثت دويا في الجهات النائية في المغرب، وإذا كان الاستعمار يمتلك في المغرب وسائله لتكميم الأفواه، وإسكات الأصوات داخل المغرب، فإن الوطنيين – من فاس – عرفوا كيف يطيرون خبر الحادث للخارج، وبخاصة لمصر التي كانت مرجعا لسائر جهات العالم الإسلامي والعربي.
لقد رددت بعض صحف فرنسا أصداء الحادث الوطني الذي شهدته أزقة فاس، وكل الذين قرؤوا ما كتبه بعض الصحفيين كانوا يدركون أن الإقامة الفرنسية كانت متهورة فيما اتخذته من مواقف، وقد رد البروفيسور شارل أندري جوليان في كتابه (Le Maroc face aux impérialismes) بعض ما ورد في التقارير الفرنسية عن هذا اليوم الذي سمع فيه الكل : يحيى الملك! يحيى الملك!.
ونرى من باب التوثيق أن نستعرض مراسلة هامة أخذت طريقها في نفس فاس يوم 4 صفر 1353 الموافق مايو 1934 إلى الأسبوعية المصرية "الفتح" التي يديرها محب الدين الخطيب... لقد جاء في عددها رقم 398 بتاريخ 25 صفر 1353 = 9 يونيو 1934 نقلا عن "مراسلها" بالعاصمة العلمية مقال حول الحادث صدره المراسل بهذه الكلمة :
من الأقوال الحكيمة التي يبشر بها معلمو نهضة الشعوب أن المصائب إذا نزلت بأمة تجردت من قوة الحياة لا تلبث أن تسحقها، أما إذا نزلت بأمة كمنت فيها قوة الحياة فإنها تكون سبب إيقاظها! و"الفتح" ما برح في كل عام يبشرنا بأن الظهير البربري سيكون حياة المغرب، لأنه ظهير غير معقول ولا يمكن لأمة كمنت فيها جراثيم الحياة كالأمة المغربية أن تقبل به، وكنا عندما كان "الفتح" يقول هذا الكلام نستبعده، ونظن أن فرنسا أخذت علينا مسالك الطرق وأنها ستقضي على أسباب حياتنا السياسية، لكننا عندما شاهدنا ما وقع في العالم في أسبوع ذكرى الظهير البربري تحققت لنا فراسة المؤمن عندما ينظر بنور الله فيقضي بأشعة الرجاء على ظلمات اليأس.
وبعد هذا يتصدى المقال للحديث عما جرت به العادة من اختلاف جلالة السلطان على العاصمة العلمية: فاس، يقضي فيها بعض الأسابيع ويخبر بأن هذه الزيارة تم تحضيرها من لدن حكومة جلالته وفق الأصول المعروفة، وقبل أن يتحدث المراسل عما حدث بفاس يصف استقبال الملك بمدينة مكناس من لدن شباب العاصمة الإسماعيلية الذين قدموا له "مصحفا كريما رمزا للعهد الذي يربط بين السلطان وأمته" على حد تعبير المراسل الذي أضاف إلى هذا أن جلالة الملك تقبل منهم المصحف مسرورا وشجعهم بكلمات ملؤها العطف والمحبة.
ويتحدث المقال عن وصول السلطان لمدينة فاس حيث استقبله على أبوابها – قبل الجميع – الأفراد العاملون لخير وطنهم، وهؤلاء هم : محمد ابن الحسن الوزاني، وعلال الفاسي، والمكي الناصري، وعمر بن عبد الجليل وغير هؤلاء من رجالات الكتلة الوطنية، فوقفت سيارة جلالة الملك ترحيبا بهم وقابلهم الملك أحسن مقابلة، ولم تجر العادة قبل الآن أن تقف السيارة الملكية لأحد مستقبلي جلالته.
وعندما دخل جلالته مدينة فاس علت أصوات الهاتفين بحياة جلالته وحياة الإسلام والعروبة، فكان يحيي الجميع بيديه الكريمتين، ولما بلغ الحال إلى هذا الحد نفد صبر الفرنسيين فأمر رئيس الشرطة الفرنسي أعوانه بأن يحولوا بين جلالة الملك وبين رعيته ويرغموهم على السكوت، والانقطاع عن الهتاف لجلالته! فلم يستطيعوا أن يسكتوا الهتافات العالية رغما عن كثرة مصادماتهم مع جماهير الشعب...
  وفي اليوم الثاني لوصول جلالته لفاس استقبل بقصره العامر السفراء وقناصل الدول والهيئات الرسمية، وفي اليوم التالي زار ضريح مولاي إدريس، وسعت السلطة لأن يكون منفردا في زيارته، وأن يمنع الشعب من الاحتفاف بمليكه، لكن جماهير الشعب – التي احتلت جميع الطرق المؤدية إلى مكان الزيارة – حالت بين السلطة وأمنيتها، بل إن السلطان اخترق كل الطرق من دون حاشيته! وليس معه إلا رجال الكتلة الوطنية، فكان الشعب يردد الهتافات، وينشد الأناشيد الوطنية، بحاسة فائقة، وجلالته يسير الهوينى ويرد تحيات شعبه بابتساماته ورفع يده.
ودخل جلالته ضريح مولاي إدريس وسط رجال الكتلة الوطنية، فزاره وترح على مؤسس مملكة المغرب منذ اثني عشر قرنا، ثم رجع إلى قصره وسط هذه الاحتفالات النادرة المثال، وكانت الراية المغربية ترفرف على جميع الدور والدكاكين، فاستاء الفرنسيون استياء لا مزيد عليه، وعقدوا اجتماعا في دار الإقامة العامة بالرباط بين رؤساء دار الحماية، وعلى إثر ذلك غادر الرباط المعتمد الفرنسي هيلو إلى فاس حيث وصل إليها في الساعة الثالثة والنصف من مساء اليوم نفسه، فاجتمع بجلالة الملك ودام الاجتماع بينهما ساعة ونصف ساعة، وبلغ جلالته استياءه مما جرى!!
وعلى إثر اجتماعه بجلالة السلطان غادر جلالته مدينة فاس عائدا إلى العاصمة (رباط الفتح)، واضطربت المدينة وتوالت الاحتجاجات على عمل السلطة الفرنسية المنافي للذوق، والخالي من كل سياسة، ورفع الوطنيون احتجاجا رسميا إلى رئيس الوزارة الفرنسية ورئيس الجمهورية ووزير الخارجية على معاملة السلطة المحلية لنشرها الدعاية ضد الوطنيين.
وقد كشفت الجريدة المذكورة من سر اعتبر في وقتها بمثابة بيان حقيقة صدرت عن القصر الملكي لتكذيب إشاعات الإقامة العامة، الأمر الذي يؤكد ما قلناه عن أهمية هذا الحدث في باب كفاح الملك والشعب من أجل حرية المغرب منذ عام 1934.
كان الحدث الذي كشفت عنه "الفتح" يتلخص في أنه يوم الاثنين غرة صفر الذي كان يصادف ذكرى 16 مايو أرسل جلالة السلطان في طلب السيد محمد الوزاني والأستاذ المكي الناصري والفاضل عمر بن عبد الجليل فاجتمعوا في القصر السلطاني برئيس الوزراء السيد محمد المقري وبلغهم شكر جلالة الملك وعطفهم السامي على الهيئة الوطنية لما أظهرته من حسن استقبال، وقال لهم : "إن جلالة السلطان ينزههم عن كل الأعمال الصبيانية مما أشاعته مصادر لم ترض عما جرى، فكان لهذه المقابلة صدى عظيم في جميع الدوائر وارتاعت السلطة الفرنسية واضطربت اضطرابا شديدا".
لم يقف الأمر عند هذا الحد فقد كان استفزاز الإقامة العامة للمواطنين بحرمانهم من التملي من طلعة مليكهم، كان باعثا على إهاب المشاعر وإذكاء الهمم، ومن هنا تضاعفت المظاهرات التي تنظم بمناسبة 16 مايو، وهكذا فبمناسبة هذه الذكرى الرابعة لصدور الظهير البربري أذيعت المنشورات في مختلف النواحي المغربية تندد بأعمال السلطة الفرنسية وسياستها البربرية المعهودة، وأضربت جميع المدن عن العمل طول اليوم، ورفعت عرائض إلى جلالة الملك وإلى المقيم العام هنري بونصو الموجود الآن في باريس وإلى وزير الخارجية وإلى رئيس الوزارة الفرنسية تحتج بشدة على السياسة البربرية وتطالب بالعدول عن أية محاولة من محاولاتها، واجتمعت الجماهير من وقت الظهر في المساجد وألقيت الخطب، وابتهل الناس إلى ربهم أن ينقذهم من المستعمرين الظالمين، وحاصرت السلطة بشرطتها وجنودها المساجد ومنعت المظاهرات وقطعت المواصلات بين المدن، وإلى كتابة هذه الأسطر – يقول المراسل من فاس – لم تصلنا أخبار المدن الأخرى وما جرى فيها، إلا أنه وقعت مصادمة في مدينة تازة بين السلطة والمغاربة الذين اجتمعوا بالأمس، وأنه سجن ما يزيد عن خمسة عشر نفرا من المخلصين، وعندنا في فاس سجن نحو خمسة أشخاص كانوا يهتفون بحياة وطنهم ودينهم في شارع عام. أما في الرباط فلم تقبض السلطة على أحد إلى الآن، وعلى كل فإن في الجو سحابة  وفي الدوائر اضطرابا من مساء اليوم، وقد كثرت الإشاعات، وعلمت أن السلطة العسكرية أصدرت أمرا بمنع أربع صحف مغربية "عمل الشعب" التي يحررها الشاب محمد بن الحسن الوزاني، و"الحياة" و"السلام" ومنعت من الدخول إلى المغرب صحيفة "مغرب" التي يصدرها الوطنيون بباريس باللغة الفرنسية.
ولا ريب أن معنى منع هذه الصحف أن السلطة الفرنسية نبذت سياسة الخداع التي طالما صرح لها المقيم الفرنسي المسيو بونسو وطالما دعا إليها رياء ومكرا، وإن الهيئات الوطنية ستقرر خطة جديدة تناسب هذه الخطة التي أعلنتها السلطة الفرنسية اليوم، فتتجدد الحوادث بعد أن حاول المقيم "بونصو" إخمادها بسياسة الابتسامة الصفراء، ولسنا نعلم ما يأتي به الغد...
تلك كانت معلومات جريدة "الفتح" التي كانت تصل إلى المغرب بطريق سري ويتلقفها الناس من يد إلى يد، بل ويتناسخونها فيما بينهم! وخاصة "أطر المدارس الحرة" التي أصبحت تكون منذ الثلاثينات جبهة قوية ضد المخطط الاستعماري في البلاد. وكانت هذه "الجبهة" تعتمد على عنصرين اثنين تستمد منهما قوتها وهما العنصران اللذان يحددان الهوية المغربية : وأعني بها اللغة العربية والدين الإسلامي.
وأريد التأكيد مرة أخرى على ذلك الحدث المفتاح في تاريخ نضال الملك العظيم سيدي محمد بن يوسف... لسنا ندري هل ما إذا كانت ذاكرة صاحب السمو أمير الأطلس كما أخذنا نسميه تحتفظ بانطباع ما أو خيال ما عن أثر جمع تلك الحقائب فورا والتنقل فجأة من مدينة إلى أخرى كان العزم قر على المكث فيها أكثر من ثلاثة أيام؟ ولكنا نعرف أن هذا الحدث كان له نصيب وافر في كتاب التحدي حيث أبرزه جلالة الملك أيما إبراز عندما تحدث عن قيام المظاهرات الوطنية في مدينة فاس... لقد عجز رجال الأمن – يقول جلالته – عن إيقاف الجماهير الغفيرة، وتولت تلك الجماهير الإحاطة به ومواكبته وهي تنادي "عاش الملك" "يحيى المغرب" فاعتبر هذا الحماس والهتاف الشعبيان من مظاهر التمرد ضد فرنسا يقول جلالة الملك... لقد قرر المقيم العام لتدعيم حرس جلالته بقوات من اللفيف الأجنبي فرفض ذلك رفضا باتا لأن فاس هي العاصمة التقليدية للمملكة، وليست في حاجة إلى من يحمي الملك فيها!! وأصر المقيم العام! فعاد والدي حالا إلى الرباط ليتفادى اصطدامات عنيفة تراق فيها الدماء، ولكن المقيم المسيو بونصو عمد إلى إذاعة بلاغ رسمي يقول فيه :
"إن صاحب الجلالة السلطان – وقد انزعج من الاستقبال الذي لقيه من سكان فاس ومن المظاهرات التي قاموا بها في هذه المدينة – آثر العودة إلى الرباط..." لكن أحدا لم يخدع لما جاء في هذا البلاغ... لاسيما وأن السلطان كان قد استدعى كتلة العمل الوطني... لمجلس وزرائه الذي عبر لهم عن السرور الذي خالج قلبه أثناء زيارته لفاس، تلك الزيارة التي لم يقطعها – متأسفا – إلا تجنبا لقيام اصطدامات بين الفاسيين وجهاز الوقاية الذي أراد الفرنسيون أن يفرضوه على السلطان.!
وبعد، فأريد القول مرة أخرى إن الأمير مولاي الحسن ولي العهد آنذاك نشأ في أحضان قائد مناضل صلد خبير بدروب الكفاح ومعارج المقاومة، هو جلالة الملك محمد الخامس... وإنه – أي الملك الحسن – نتيجة لذلك – كان القائد المحنك والوطني الغيور الذي لا يعرف تساهلا في حقوق أبناء بلاده وواجبات وطنه، ومن ثمة أيضا نعرف عن الرصيد الهائل الذي كان يقف وراء هذا الرجل الذي كان إلى جانب والده العظيم وهو يجاهد من أجل الاستقلال، وكان نعم الخلف الذي تحققت على يديه وحدة البلاد...


الهوامش :
(1) في هذه الزاوية دفنت أم جلالة الملك الحسن الأول رحمة الله عليهما معا.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here