islamaumaroc

المولى إسماعيل رائد الدولة العلوية الشريفة.

  يوسف الكتاني

278 العدد

إن الأمة لا تعنى بتاريخها ولا تهتم به، ولا تسجله ولا تحفظه، أمة لا حاضر لها ولا مستقبل، وقد حفظ الله على أمتنا المغربية تاريخها مسجلا مكتوبا منذ مطلع الإسلام في هذه الديار، ودخول المولى إدريس وتأسيسه الدولة المغربية العتيدة.
إن تاريخنا بأحداثه السياسية والفكرية والاجتماعية مما يحملنا على الاعتزاز به، والافتخار بما حققه الأجداد والآباء في معاركهم وانتصاراتهم وجهادهم في سبيل التنمية والتقدم والتطور.
ومن باب الاعتزاز بهذا التاريخ المشرق، وفي إطار نشره وتعريف جيل الشباب بحقائقه، وإطلاعهم على صفحاته، لدراسته وأخذ العبرة منه، وصلا للماضي بالحاضر، وتحفزا وتوثبا نحو مستقبل يتفق مع آفاق القرن الواحد والعشرين، والذي ستشهد فيه بلادنا مزيدا من التطور والتقدم والخير بإذن الله.
ففي هذا الإطار وبمناسبة عيد العرش المجيد آثرت أن أتحدث عن رائد كبير من رواد ملوك الدولة العلوية ألا وهو المولى إسماعيل بن الشريف الذي كان من مؤسسي الدولة العلوية وطليعة ملوكها، لقد اخترت التحدث عن الملك العظيم المولى إسماعيل الذي ملأت صورته البطولية منذ حداثة سني، وطغى على خيالي بقوته وانتصاراته وطول مدة حكمه.
ويستقطب حديثي موضوعا كبيرا في تاريخنا وهو جيش عبيد البخاري الذي حقق المولى إسماعيل بتأسيسه قوة دفاعية هائلة، جعلته مهابا من جميع الدول أولا، وجمع فيه الأرقاء والعبيد المبثوثين في مدن المغرب وقراه، وحررهم وأنشأ منهم جيشه الكبير الذي مازالت بقاياه إلى الآن بالحرس الملكي.
وسأنقل إليكم بادئ ذي بدء الصورة الكاملة الرائعة التي رسمها أدباؤنا لرائد جيش عبيد البخاري، صورة تعجب وتروق، وتبعث في النفوس كامل الإعجاب والسرور، فقد وصفه صاحب كتاب <جنى الأزهار> بقوله : <<نخبة السادات الملوك، وأعظم أهل العدل والسلوك، نور أنوارهم المنيرة، وقمر كواكبهم المستنيرة، طالع السعود، والمرتقى أوج الصعود، ظل الله سبحانه على البرايا، وواحد الدهر والمزايا، الشريف العالي القدر المنيف، الغني نسبه وحسبه عن الترجمة والتصنيف،العلويالقرشي،الهاشمي المولوي، مظهر شعائر الدين، المعتصم بالله رب العالمين، السني الجليل، أبو الفداء مولانا إسماعيل>>.(1)
كما نعته العلامة أبو علي اليوسي بقوله :
<<قطب المجد ومركزه، ومحاز الفخر ومأزره، وأساس الشرف الباذخ ومنبعه، ومناط الفضل والتسامح ومجمعه>>.(2)
وقال عنه صاحب نشر المثاني :
<<أحيا الله بالإمام مولاي إسماعيل رسول الدين بعد دروسه، وأضحك به وجه الزمان بعد طول عيوبه، وأخمد به الفتن بعد تأجج نارها، وأحيا به المعالي بع الأخذ بثأرها، وبسط له اليد على رعيته فعلت أقداره، ولاحت في آفاق الدنيا شموسه وأقماره، وتكاملت في الحسن أنجاد المغرب وأغواره، وشمخ فيه ملكه، فدار بالنصر والتمكين فلكه، فانتعش به كل الأرامل والأيتام، ورسمت فيه للدين أئمة وأعلام، وأولاه الزمان زمامه، وأكمل السعد واليمن سرامه، فشدا بذكره صادحا، وما أحسن قول من قال مخاطبا له ومادحا :
وأطلت أيام السرور فلم يصــب
   من قال : أيام السـرور قصـار
 وجبرت من جرح الزمان فكذبت
   أقوالهم جرح الزمـان  جبــار >>(3) 
هذا الملك العظيم الذي أجمعت الأمة المغربية على مبايعته بعد وفاة أخيه الرشيد، ولم ينازعه أحد في أنه كان أحق بها وأهلها، وكانت أيامه أيام أمن وعافية وانضباط، إذ دوخ بلاد المغرب كلها، واستولى على سهلها ووعرها، حتى انتهى إلى ثخوم السودان وما وراء النيل، وامتدت مملكته إلى بسكرة ونواحي تلمسان، والله يعلم حيث يجعل رسالته.(4)
وقد فتح الله له في العمر، ومكن له في الأرض، حتى طال حكمه، وامتد سلطانه حتى بلغ سبعا وخمسين سنة، ونعت بالحي الدائم، هذه المدة التي لم يستوفها أحد من خلفاء الإسلام وملوكه سوى المستنصر العبيدي صاحب مصر الذي بقى في الخلافة ستين عاما.(5)
ولقد قضى هذه المدة المديدة في بناء الدولة المغربية وتشييد أركانها، وتحرير ما اغتصب من أجزائها، كالمهدية بالمعمورة، وطنجة، والعرائش وغيرها.(6)
وحصن حدود المغرب وجهاته، وأمنه من كل غزو أو اعتداء، حتى هابه البعيد قبل القريب، وكان أعز ما عنده العمل على نشر الدين وإعلاء كلمته، ولذلك كان يدعو ملوك أوربا في رسائله إلى الدخول في الإسلام(7) كما كان يشترط عليهم افتداء أسراهم عن كل نصراني مقابل مائة كتاب من كتب الإسلام الصحيحة، المختارة المثقفة في خزائنهم بإشبيلية وقرطبة وغرناطة(8) وقد جمع محاسنه كلها صاحب البستان بقوله :
<<ولقد شاهدت الكثير من آثار الدول فما رأيت أثرا أعظم من آثاره، ولا بناء أضخم من بنائه، ولا أكثر عددا من قصوره، فقد جعل هذا السلطان مباني العالم كلها في بطن تلك القلعة المكناسية>>(9)
وقد كان من مدح الأديب أبي عبد الله الجزولي قوله :
مولاي إسماعيل يا شمس الورى
   يا من جميع الكائنـات فـدى لـه
 ما أنت إلا سيف حق منتضى
   اللـه مـن دون البريـة سـلـه
 من لا يرى لك طاعة فالله قد
   أعماه عن طرق الهدى وأضـلـه(10)  

 تأسيس جيش عبيد البخاري
مظهر من مظاهر تحرير الإنسان
 يعتبر الإسلام في حقيقته وهدفه وتوجيهه للناس إعلاما وإعلانا لحقوق الناس ووجاباتهم، وما ينبغي أن يكونوا عليه منذ خمسة عشرة قرنا، من قبل أن تعرف الإنسانية كلها هذه المواثيق البشرية، والمعاهدات الدولية : ولاشك أن هذا الإعلان الإلهي يعلو ويسمو على كل المواثيق الوضعية والعهود البشرية، بكونه يقوم على الإيمان بالله، وابتغاء مرضاته ورغبة في ثوابه، وخوفا من عقابه، وإن القرآن والسنة ظلا دوما المنبع والمصدر، لكل حقوق الإنسانية وحرياته، وقد حفلت نصوصهما بالمبادئ الإنسانية السامية لتلك الحقوق والحريات، وكان كل منهما مكملا للآخر في تفصيل وتدقيق معجز رائع، وعلى هديهما سارت دولة الإسلام ومجتمعات المسلمين في مختلف العهود.(11)
وقد سارت الدولة المغربية على هذا النهج القويم، وحافظت على حقوق الإنسان، ودافعت عنها مختلف الدول التي تعاقبت على حكم المغرب، حتى إذا انتقل الأمر إلى الدولة العلوية، سارت في طريق من سبقها من الدول، بالدفاع عن حقوق الإنسان، واحترام كرامته، وتوفير العدل له، سواء داخل المملكة أو خارجها، علما بأنه في هذا الوقت الذي كان ملوكنا ينافحون ويدافعون، عن حقوق ويرعونها، ويسهمون في تحرير الإنسان أيا كان، في الداخل والخارج، كانت بلاطات ملوك أوربا وممالكها، تعج بالأرقاء الذين استعبدوهم عن طريق الأسر والقرصنة، التي طالما تنافس أمراء أوربا فيها، وسارعوا إليها، مما دفع ملوكنا إلى عقد المعاهدات والسعي لديهم لتحرير الناس وافتدائهم بالأموال والقروض، ومما ساهم بحظ وافر، على تقليص الرق بين الأمم، والقضاء عليه، وإشاعة الحرية، وإقرار كرامة الناس. 
إننا نستشف هذا العمل التحريري، والسلوك الحميد شاهدا قائما في سير ملوكنا وسجلات أعمالهم، وفي وثائق البيعة التي تعتب دساتير لحقوق الإنسان، وفي شتى المواثيق والمعاهدات التي عقدت بين ملوكنا وبين غيرهم من ملوك الدول والأمم.
لقد كان في المقدمة المولى إسماعيل، والذي خطا الخطوة الأولى في مجال تحرير الرقيق، والتي كانت الأساس الذي سار عليه فيما بعد خلفاؤه، وحققوا للإنسانية صفحات رائعة في هذا الميدان.
لقد أصدر قراره بمجرد بيعته، عندما لاحظ كثرة الأسرى، والتنافس في اقتناء الرقيق، وذلك بمنع الرعية من تملك الرقيق وممارسة الحكم في مصيره، وجعل العبيد تابعين للدولة، وأسس منهم جيشا مغربيا وهو ما عرف <بجيش البخاري> الذي قصر أعماله على الجهاد.(12)
وقد فتح حوارا متعددا بواسطة سفرائه وفي مقدمتهم السفير الغساني، مع مختلف الدول وخاصة الأوربية كإسبانيا والبرتغال وفرنسا، وعقد معهم معاهدات واتفاقيات لتحرير الأسرى من مختلف الأجناس وخاصة منهم المسلمين، مقابل فدية أو قروض، وهكذا أثمرت جهود المولى إسماعيل، وسعيه الحثيث، من أجل تحرير الرقيق، وصون كرامة الإنسان، وأصبحت سياسة قارة للدولة حتى إننا نجد طالعة بيعة المولى عبد الله، تنص على التزامه بحقوق الرعية والدفاع عنها، وإقرارها في كل الميادين والمجالات، وفرح الأمة باختيار ملك عادل مستقيم يحقق لها المن والعدل والاستقرار، والذي كان ولده محمد الثالث رائد تحرير الإنسان لا في المغرب فحسب بل في جميع أنحاء العالم، وسواء كان مسلما أم مسيحيا أم يهوديا. والذي خصص ثلث ميزانية المغرب لتحرير الأسرى معتبرا ذلك واجبا دينيا.(13)

كيف أسس المولى إسماعيل جيش البخاري ؟
لقد قام المولى إسماعيل بخطورة هامة قبل تأسيس جيش عبيد البخاري، إذ بادر إلى تجميع وتوحيد جيش الودايا الذي كان يضم أهل السوس، وأهل المغافرة، وأهل الودايا وصيرهم جيشا واحدا جمعهم له أبو الشفرة من قبائل الحوز فأثبتهم في الديوان ونقلهم إلى مكناس.
فلما دخل المولى إسماعيل إلى مراكش ودانت له بالطاعة والولاء أخذ يكتب عسكره من القبائل الأحرار، فأطلعه كاتبه الباشا أبو حفص عمر بن قاسم عليلش(14) على دفتر أسماء العبيد الذين كانوا عسكرا للمنصور الذهبي وكانوا يعرفون بالحرس الأسود، فقرر جمع شتاتهم من سائر الجهات، وجعلهم الأساس في تكوين جيشه العتيد عبيد البخاري، واستغنى به عن الانتصار بالقبائل.
لقد كان هذا الجيش من أعظم جيوش الدولة العلوية إذ أشرف السلطان إسماعيل بنفسه على إنشائه وتنظيمه وتموينه، وأراد أن يجعله قويا مهيبا على نحو جيش الانكشارية الذي ألفه السلطان سليمان القانوني المتوفى سنة(1566 م) وقد تم له ذلك بمؤازرة الباشا أبي حفص عمر بن قاسم المراكشي عليليش الذي كان يتوفر على دفتر فيه أسماء العبيد الذين كانوا في عسكر المنصور الذهبي، فجعله لسلطان من حاشيته، وسأله هل بقي منهم أحد؟ قال : <<نعم كثير منهم ومن أولادهم وهم متفرقون بمراكش وأحوازها وقبائل الدير، ولو أمرني مولانا بجمعهم لجمعتهم>>، فولاه أمرهم وكتب له إلى قواد القبائل يأمرهم بشد عضده وإعانته على ما هو بصدده، فأخذ عليليش يبحث عنهم ويجمعهم ويتبع أثرهم إلى أن جمعهم وحملهم إلى حضرة السلطان بمكناس، فأعطاهم السلاح وكساهم وأجرى عليهم مؤنهم، وولى عليهم قوادهم، ووزعهم في أماكن نزولهم وإقامتهم، وعين عليهم قاضيا هو الفقيه محمد بن العياشي المكناسي وسماه قاضي القضاة للفصل فيما يقع بينهم من منازعات وخصومات. وقد كبر أمر جيش عبيد البخاري وعظم شأنه حتى استغنى به المولى إسماعيل عما سواه، وأصبح سنده في حروبه وفتوحه، ومعتمده في دولته وسياسته، وعين منه الولاة والقواد، ومازالت منهم بقايا إلى الآن ضمن الحرس الملكي.

سبب تسميتهم بعبيد البخاري
ميثاق وعهد
إن قيام نظام الحكم في المغرب على الإسلام، واتخاذ البيعة الشرعية أساسه ومعتمده، جعل مرافق الدولة المغربية وأجهزتها ودواليبها تقوم هي نفسها على الإسلام، وبمقتضى أوامره ونواهيه، وعلى هدى مقاصده ومكارمه، مما وفر لبلادنا طوال تاريخها استقرارها ووحدتها ورخاءها، وهكذا استمر خلفاؤنا وملوكنا يحتكمون إلى الإسلام ويأتمرون بأوامر القرآن، ويهتدون بهدى سيد الأنام، وجاءت بيعاتهم مسجلة لهذا الالتزام، مؤكدة لهذا النظام.
ومن هنا نجدل المولى إسماعيل عندما اكتمل له اجتماع جيشه، والتئام أعداده، وانتظام أمره، بما يفوق مائة وخمسين ألف رجل، جمع أعيانهم، وأحضر نسخة من صحيح البخاري وخطب فيهم قائلا : <<أنا وأنم عبيد لسنة رسول الله (صلع) وشرعه المشروع في هذا الكتاب، فكل ما أمر به نفعله، وكل ما نهى عنه نتركه وعليه نقاتل>> فعاهدوه على ذلك، فأمرهم أن يحتفظوا بتلك النسخة وأن يحملوها عند ركوبهم، ويقدموها أمام حروبهم، فاستمروا على ذلك وعرفوا بعبيد البخاري.(15)وهكذا اتخذ المغاربة صحيح البخاري ميثاق عمل، ورمز وحدة بين الرعية والقائد، وبين الجند وملكهم، مما يدل على المنزلة العظمى التي بلغها صحيح البخاري، والمقام الكبير الذي لم يبلغه عندهم أي كتاب آخر غير القرآن، وهو دليل قوي ورمز عظيم على تمسك المغاربة بدينهم، واعتزازهم بسنة نبيهم عليه الصلاة والسلام(16)

تعبئة شاملة في المملكة لجمع أفراد الجيش
لقد كان تصميم المولى إسماعيل قويا على تعبئة جميع عماله ورجاله، لتجميع بقايا الحرس الأسود من جيش المنصور الذهبي وغيرهم، بل إن السلطان نفسه جمع ألفي معتق منهم في حملته سنة 1089/1678عندما غزا الصحراء، وتخوم السودان، فجهزهم وسلحهم، وعين عليهم رؤساءهم وبعثهم إلى المحلة.
وقد تضمنت حملة التعبئة هاته كبار رجاله وقواده الذين أرسلهم إلى جهات المملكة نذكر منهم :
1- أبا حفص عمر بن قاسم المراكشي الذي توجه إلى مراكش ونواحيها، حيث بلغ ما جمعه في خلال سنة ثلاثة آلاف عبد، أمره بشراء الإماء للعزاب منهم، ودفع أثمان المملوكات منهن لأربابهن(17) وكساهم ووجههم إليه، فأرسلهم إلى مشروع الرملة من أعمال سلا.
2- أبا عبد الله محمد بن العياشي المكناسي بعثه إلى قبائل الغرب وبني حسن، وقد جمع ألفي عبد وجههم هو بدوره إلى السلطان.
3- عمال الأقاليم بفاس ومكناس وغيرهما جمعوا ثلاثة آلاف عبد، أرسلوها إلى السلطان فألحقهم بالمحلة.
4- القائد أبا الحسين علي بن عبد الله الريفي صاحب بلاط الهبط. قام بشراء الإماء للعزاب وسلحهم وكساهم ووجههم إلى السلطان.
5- قبائل تامسنا ودكالة جمعت ما عندها من العبيد، وزادت عليهم آخرين بالشراء ممن يملكونهم، وسلحتهم وجهزتهم وأرسلتهم إلى السلطان وكان عددهم أربعة آلاف، وقد ظلت عملية الجمع والتجهيز لأفراد جيش عبيد البخاري مستمرة ومتجددة، حتى فاق عدد أفراد الجيش مائة وخمسين ألف رجل(18) وقد فرقهم على قسمين :
القسم الأول : ويبلغ تعداده ثمانين ألف رجل وزعهم على قلع المغرب لتوطيد الأمن، وقمع عناة القبائل المتمردة.
القسم الثاني : ويبلغ عدد أفراده سبعين ألف رجل وضعهم بالمحلة يقاتلون ويدافعون كأنهم رجل واحد، يخوضون الملاحم، ويفتحون الفتوح.
وقد بلغ من عناية المولى إسماعيل بهذا الجيش أنه كان يعرفهم بأسمائهم، وأنسابهم، وصفاتهم، ويدفع لهم مرتباتهم بيده، ويتولى استعراضهم بنفسه.(19)
ومازالت بقايا هذا الجيش إلى اليوم تستعمل في القصور الملكية، منهم من يعمل في الحرص الملكي، ومنهم من يشتغل في داخل القصور للعناية بالخيول والسيارات وبقية الخدمات وهم المعروفون بالفرايكية، ومنهم أصحاب الوضوء الملكي وغيرهم.(20)
أسلوب فريد لم يكتف المولى إسماعيل بجمع العبيد ولم شتاتهم ولم يستعملهم للسخرة ومختلف الأعمال الشاقة، كما كان الأمر جاريا مع العبيد في كل مكان من العالم، بل اتبع معهم أسلوبا فريدا في تربيتهم وتكوينهم وتعليمهم، وأشرف على ذلك بنفسه، وجعلهم من خاصة أمره بالإتيان بمن بلغ أولادهم عشر سنين ذكورا وإناثا.
فأما الإناث فيفرقن على نسائه وذوي الحيثيات العارفين بالتربية والآداب الملكية، لتهذيب أخلاقهن، والتأدب بالآداب السلطانية، وتعلم أنواع الطبخ والخياطة وسائر الأشغال البيتية الملكية.
 وأما الذكور فيفرقون على الصنائع والحرف كالبناء والنجارة والحدادة والفلاحة، ويلزمون بركوب الحمير تدريبا لهم على الفروسية فإذا بلغوا الحادية عشرة من السنين ألزمهم بركوب البغال التي تحمل الجير والأجر والزليج لبناء قصوره.
فإذا بلغوا الثانية عشرة دفعهم إلى الجندية وكساهم ودفع لهم السلاح ليشتغلوا بالخدمات العسكرية، ويتعلموا فنونها راجلين.
فإذا بلغوا الرابعة عشرة دفع الخيل لهم دون سروج، وألزمهم ركوبها في بكرة وعشي، ويتعلمون الكر والفر والسباق حتى يتقنونه.
فإذا بلغوا الخامسة عشرة دفعت لهم السروج، وألزموا تعلم الكر والفر والسباق والرماية عليها.
فإذا بلغوا السادسة عشرة صاروا من جملة الجند تجري عليهم الجرايات، ويكتبون في الديوان، ويزوجهم بالبنات اللائي جئن معهم، ويدفع للرجل عشرة مثاقيل، وللمرأة خمسة مثاقيل، ويعين واحد من آبائهم الكبار رئيسا عليهم، ويعطيه من المال ما يكفيه لبناء دور لسكناهم ثم يوجههم إلى الرملة، ولم يقتصر المولى إسماعيل على المنهج التربوي الصارم، الذي اتبعه وحافظ عليه في تربية أفراد جيش البخاري وأبنائهم، بل ظل يراقب ويتتبع ذلك ويوجه الظهائر للمسؤولين ولذوي الحيثيات، يحضهم على تربية وتأديب الإماء اللائي وجههن لهم، و يعتبر تكليفهم بمهمة تعليمهم وتربيتهم نعمة من الله تستحق الشكر، حاثا إياهم على عدم السماح لهن بالخروج من فائدة، متوعدا بأن من خالف في ذلك ولم يقم بواجب التربية فإنه تقطع رأسه.
كما أصدر أمره إلى الباشا أن يكتب عنده اسم وسن كل أمة ومن هو عنده.
وأن يحرضه على تعليمها وتأديبها، ويشهد عليه العدول بذلك، وأن من ضيع أمة أو فرط في تعليمها ورعايتها تقطع رأسه، كما جاء ذلك مفصلا في الظهير الملكي الذي كتبه للسيد الطاهر معنينو وأهل سلا في هذا الشأن بتاريخ رابع ربيع النبوي المبارك عام 1137 هـ.(21) 
وقد كان المولى إسماعيل يتبع طريقة شرعية في جمع المماليك من القبائل المذكورة والذين بلغ عددهم 221320 من ذكور وإناث، وكهول وصبيان، وصغير وكبير، بالشراء الصحيح من أصحابهم حتى بلغ المال المدفوع في شرائهم لأربابهم ألف قنطار من الدراهم الفضية، وبعضهم قبض الثمن ذهبا، وبعضهم الآخر قيض القيمة إبلا وغنما.
وقد كان الشراء يتم بعد موافقة أهل العلم والورع وتوقيعاتهم على رسوم الشراء التي تحرر من طرف العدول، وإشهاد القاضي عليها.(22)       
لقد رمى المولى إسماعيل من تأسي جيش عبيد البخاري، وتنظيمه وشديد العناية به ورعايته، أن يستغنى به عن العصبية القبلية التي كانت معتمد بعض ملوكنا السابقين، هذه المبادرة الإسماعيلية التي وفرت للمغرب جيشا قويا منظما موحدا يحرس حدوده، ويقوي سلطانه ويسند عرشه، ويحمي حوزته، وقد بلغ من علاقته وعنايته بجيشه أن اختصه لنفسه، فلم يكونوا يعرفون سواه، ولم يكن هو نفسه يترك أمر هذا الجيش لغيره، حتى اعتبر المؤرخون جيش البخاري من أسباب طول حكمه(23) وامتداد إمبارطوريته، واتساع أطرافها ونفوذها وقوتها، كما سجل ذلك أحد ضباطه طوماس بيللو بقوله :
لقد حافظ المولى إسماعيل على إمبراطوريته الواسعة، التي تتألف من عدة مماليك ضمت بعضها إلى بعض في سلام وهدوء واطمئنان... لقد ضمت إمبراطوريته بين جوانحها، جميع ذلك القطر الذي كان يسميه الرومان بموريطانيا الطنجية، مع مقاطعات أخرى إلى الجنوب موازية للرأس الأبيض، حيث تحد ببلاد العبيد جنوبا، وبالبحر الأبيض المتوسط شمالا، وكانت تحدها من الشرق مملكة الجزائر، وجزء من بلاد الجريد، ومن الغرب المحيط الكبير، مشتمة بذلك على ممالك فاس، ومراكش، وتافيلالت، وسجلماسة، ودرعة، وسوس، ثم تلمسان.(24)
المولى إسماعيل معلمة الدولة العلوية ورائدها
لعل تاريخنا المغربي العريق لم يعرف ندا للمولى إسماعيل في شدة بأسه، وعزة ملكه، واستقرار دولته، وانتشار نفوذه وسلطانه، ومدة ملكه، عدا يوسف بن تاشفين الذي كان تاجا على رأس الدولة المرابطية، وأسدا من أسد الله في الجهاد والنضال، مما يجعل المولى إسماعيل مرسى أسس الدولة العلوية، وباني أمجادها، ورافع بنودها وأعلامها، ومحقق انتصاراتها وإنجازاتها، وصاحب الدولة والسلطان في تاريخها، والذي لو لم يكن له من أمجاد وأعمال إلا هذا الجيش العتيد الذي أقامه وبنى أسسه على هدى سنة رسول الله، التي جعل منها عهدا وميثاقا، ورمزا خالدا لتمسك ملوكنا بدينهم، واعتزازهم بإسلامهم.
وهكذا كان عهد هذا الملك العظيم عهدا مزدهرا مشرقا مليئا، بجلال الأعمال وعظيم الإصلاحات، تطبعه سيرته الكريمة، وعزمه القوي، وهمته العالية، وطموحه العظيم، فكان بحق بطلا من أبطال تاريخنا، وقائدا محنكا من أعظم قاداتنا، ومصلحا كبيرا جدد لأمتنا ودولتنا شبابها ومجدها، حتى أصبحت على كل لسان وصار يخشاها الخاص والعام، وتوطدت علاقاتها وصلاتها بالدول والأقطار وسعت للتقرب منها وكسب ودها، حيث بذلت من أجله أقصى الغايات، كل ذلك بفضل هذا القائد العظيم، والملك المصلح الكريم، الذي سيظل معلمة خالدة من معالم تاريخنا، ومثلا حيا رائعا لأجيالنا، وقدوة صالحة رائدة لملوكنا وحكامنا.
(1)  جنى الأزهار ونور الأبصار من روض الدواوين المعطار لمؤلف مجهول. مخطوط الخزانة الحسنية عدد 11860. 
(2)  من رسالة اليوسي إلى المولى إسماعيل، انظر الاستقصا 7/82.
(3)  الإعلام للعباس بن إبراهيم 3/66 المطبعة الملكية سنة 1977.
(4)  نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي، محمد الصغير اليفرتي ص 304 و 305.
(5)  أنظر الاستقصا 7/99.
(6)  نزهة الحادي ص 305 و 306.
(7)  الإتحاف لعبد الرحمن بن زيدان 2/51.
(8)  من رسالة لملك إسبانيا، الإتحاف 2/65.
(9)  الاستقصا 7/103.
(10)  نزهة الحادي ص 309
(11)  معالم إسلامية للدكتور يوسف الكتاني ص 9 و 12.
(12)  معالم إسلامية ص 44 و 45.
(13)  أنظر تفصيل الموضوع في معالم إسلامية 44 و 47 الاستقصا 8/38.
(14)  يذكر الأستاذ محمد الفاسي أن اسمه هو محمد لا عمر اعتمادا على رسالة خطية للباشا المذكور وقعها باسم محمد وجهها إلى الوزير اليحمدي. أنظر مجلة هسبريس تمودة سنة 1962 ص 15 و 67.
(15)  الاستقصا 7/58 و 59.
     جنى الأزهار
     المنزع اللطيف في ترجمة مولاي إسماعيل بن الشريف عبد الرحمان بن زيدان ص 148 وما بعدها. 
(16)   مدرسة الإمام البخاري في المغرب للكاتب 2/550-552.
(17)  كان ثمن كل عبد أو أمة عشرة مثاقيل – الاستقصا 7/57.
(18)  الاستقصا 7/58.
(19)  أنظر تفصيل الموضوع في المنزع اللطيف ص 151 وما بعدها
(20)  المصدر السابق ص 152 و 153
(21)  أنظر تفصيل ذلك في الرسالة الملكية للطاهر معنينو المنزع اللطيف ص 150-152 مخطوط الخزانة الحسنية عدد 1215.
(22)  أنظر رسوم الأشرية المذكورة في جنى الأزهار ص 8-17.
(23)  مختصر تاريخ المغرب، كوستافو كاينت ص 113.
(24)  مغامرات ص 136.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here