islamaumaroc

لغة الضاد وأفق ملازمتها للإسلام في إفريقية.

  عبد الله كابوس

العدد 277 جمادى 1 1410- دجنبر 1989

أخشى أن يكون الحديث عن الإسلام في إفريقيا السوداء يستلزم بالضرورة اختصاصا معمقا في تاريخ هذه القارة، حتى تكون الإحاطة شمولية ودقيقة، وتحصل بالتالي العاية في توضيح الرؤية، باعتبار التاريخ عنصر قوة في كثير من العلوم الإنسانية، وإن كان الكثيرون من ذوي النباهة في علوم الشريعة الإسلامية قد دخلوا الميدان من بابه الواسع وأعطوا بحق – الكثير عن العقيدة السمحاء ودورها في تطور شخصية وفكر الإنسان الإفريقي الذي طالما عاش الحيرة وعايش الغموض وسط زحمه غياهب الأساطير، ثم لم يلبث أن أدرك أن الإسلام دين حق ودعوة حق، ومنهج كامل ومتكامل للحياة البشرية وأن الباطل هو بقاء العقب في حيرة دائمة أمام سلوكات صاحبه في غياب تمييزه الخبيث عن الطيب.
غير أن دافع الفضول يجعلني أقبل على الموضوع من زاوية بعيدة قريبة- ولو من ثقب الباب – أنها جانب اللغة، لغة القرآن ولغة خاتم الأنبياء والرسل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والطريق النبوي المستقيم نحو الاعتناق الصحيح للذين الصحيح.
فإذا كان القرآن الكريم المنزل بلسان عربي مبين يعتبر أن الكفار إنما يحيون حياة الحيوان، إذ ليس لهم رسالة كريمة ولا غاية نبيلة ولا هدف سام. وحياة الحيوان هذه لا تتجاوز المتاع واللهو، لقول الله تعالي: (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم ). (1) فالمسلمون يحيون مع حياة الإسلام واستمراريته، وخم مطالبون – بصرف النظر عن انتمائهم الجغرافية – بدعم وملازمة لغة التنزيل، وقد أثبتت جميع الدراسات اللغوية أن نمو اللغة العربية واتساعها وشمولها وتطورها تم بفضل القرآن الكريم قبل غيره، وقد تبين هذا منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. حينما وردت ألفاظ جديدة ضمن الكتاب المنزل، والتي لم يفهم المسلمون دلالاتها من أول وهلة (2).
وقد يخطئ من يضع الإسلام في المكان الثاني بعد اللغة العربية، فالإسلام يدفع إلى تعلم اللغة العربية، واللغة العربية قد لا تدفع إلى اعتناق الإسلام، و من هذا المنطق فإن الواقع التاريخي للشعوب الإسلامية يؤكد التلازم بين اللغة العربية والإسلام فاللغة العربية – التي هي لغة القرآن – سارت في ركاب الإسلام وحلت حيثما حل، ثم إن أهل البلاد الناطقة باللغة العربية كانوا ولا يزالون أقدر على فهم الإسلام لقدرتهم على فهم القرآن والحديث وهما المصدران الأساسيان لتعاليم الإسلام. (3) وإذا كان العمر لا يتسع لجميع العلوم، فإن على المرء أن يصرف همه الأول على أشرف العلوم وأحسنها، وليس اشرف ولا أحسن عند المسلم من القرآن الكريم الذي ارتبطت به اللغة العربية وتأثرت به، وكان التحدي الخطير الذي واجه الاستشراق والغزو الثقافي والتبشير في العصر الحديث. فقد كانت الخطة ولا تزال تهدف إلى فصم العلاقة بين القرآن ولغة القرآن، والعمل بقوة على عزل اللغة العربية عن القرآن دفعها إلى الطريق الذي سارت فيه كثير من اللغات حتى انتهى أمرها إلى مجموعة من اللهجات، فالخطر كله من لغة القرآن، والهدف كله هو الفضل بين اللغة والقرآن لا بل القضاء على قاعدة الثبات الوطيدة الأصيلة في الفكر الإسلامي والعقيدة الإسلامية حتى تفقد اللغة ذلك الشرف والمستوى المرتبط بالقرآن وبيانه وبلاغته. (4) بيد أن الله تعالى حفظها حفاظا على العروة الوتقى بين الإسلام ولغة الضاد التي آمن بها المسلمون منذ فجر الدعوة الإسلامية، وربطا أنفسهم باللغة العربية رباطهم بالإسلام، إذ أن القرآن بنصه العربي المنزل المحفوظ حتى يوما هذا هو وحده القرآن، وأن ترجمته إلى لغة أخرى لا تسمى قرآنا وليس لها أحكامه لا يكون مصدرا للاستنباط ولا يتعبد بهــــــا. (5)
ومن هنا كان ممن الأجدر والأليق بالإنسان الإفريقي الذي رأى في الإسلام طريقه الصحيح وملاذه الأخير أن يراعي ما به صار إنسانا أكرم المخلوقات بسر الروح الذي نفخ فيهن ويسر خلافته في أرض الله ويسر تسخير الكون كله له ويسر حمله الأمانة ويسر قيامه بأمر الله وعبادته. (6) أن يعلم أن اللغة العربية ليست كسائر اللغات، وأن صلتها بالإسلام وارتباط القرآن بها قد مسحها طابعا ووضعا مختلفا أشد الاختلاف، فإذا كانت اللغة العربية هي اللغة القومية لمائة مليون من الرعب، فإنها لغة الفكر والثقافة والعقيدة – ولغة المستقبل أيضا – (7) لألف مليون من المسلمين وهوي لم تتراجع عن أرض دخلتها لتأثير الناشيء من كونها لغة دين ولغة مدنية، وساعدها على النماء إنها كانت لغة السياسة والتجارة، وقد كان لها أثرها الواضح في الفارسية والتركية والهندية وبفضل القرآن الذي جعل منها لغة فكر إذا ألقى إليها وإلى الفكر الإنساني كله أضخم شحنة من القيم والمبادئ. (8) بلغت – اللغة العربية – ذلك الاتساع، وبفضل الإسلام حققت هذا النمو بما لم تعرفه لغة أخرى من لغات العالم. (9) ثم إن اللغة العربية تتميز بأنها أقرب لغات الدنيا إلى قواعد المنطق بحيث إن عبارتها سليمة طبعة تهون على الناطق أن يعبر بها عما يريده من دون أن تصنع أو تكلـــــف. (10)
فلا ريب إذن، في أن العربي تجاوزت التعريف القائل بأن اللغة وسيلة التعامل وآلة التفاهم، (11) بدليل اتساعها ونموها المرتبط بالقرآن، واعتقاد المسلمين الحق أن لغة التنزيل إنما هي جزء ممن حقيقة الإسلام لأنها كانت ترجمانا لوحي الله ولغة الكتاب اله ومعجزة لرسوله ولسانا لدعوته. (12)
ولما كان القرآن حافزا لانتشار العربية في الخافقين، إذ لولا القرآن لظل أهل كل بلد من البلدان التي انضمت إلى الإسلام ينطقون بلهجة يستعجمها أهل البلد الآخر، ولولا القرآن لما أدرك أعداء الإسلام مدى الصلة بين المسلمين ولغتهم ولما ازدادوا ضراوة في الهجوم عليها ومكرا في الكيد لها، ولما كان القرآن ضروريا في حياة المسلم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم، عن ابن عباس رضي الله عنه: "أن الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب". (13) فإن اللغة العربية التي هي باب القرآن وباب السنة تحمل أصحابها من الجانبين – الملقن والملتقن – مسؤولية تبليغها وإيصالها إلى من هم ضعاف جهلة ويطلبون من يعملهم اللغة العربية للوصول إلى تعلم القرآن والإسلام، خاصة وأن فقرهم يحول بينهم وبين هجرتهم للتعلم..(14)
ولما كانت غاية الدين الإسلامي هي سعادة الدارين إذ لا يمكن الوصول إليها إلا بتزكية النفس بالإيمان ومحاسن الأعمال لا بمجرد الاعتقاد والاتكال ولا بالشفاعات وخوارق العادات، (15) وفي هذا يقول الله تعالى: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا، وجعلنا قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا، وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا). (16) ويقول سبحانه جل وعلا: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذي يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا). من هذا المنطلق إذن وجب على المسلم في إفريقيا أن يتطلع إلى قبلة لغة التنزيل باعتبارها الممر الضروري والسبيل القويم لمعرفة شريعة الله تعالى وإثبات الهوية الحقيقية للمسلم الذي لا يميزه ربه – سبحانه عز وجل – لجنسه أو للونه ...وإنما لعمل صالح وعلم نافع له في الدنيا والآخرة، وفي هذا قال النبي صلى الله لعيه وسلم حينما سئل عن رجلين كانا في بني إسرائيل، أحدهما كان عالما يصلي المكتوبة ثم يجلس، فيعلم الناس الخير، والآخر يصوم النهار ويقوم الليل أيهما أفضل: "فضل العالم الذي يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير على العابد الذي يقوم النهار ويقوم الليل كفضلي على أدناكم رجلا".,(17) هذا التوجيه الحكيم الصادر عمن نزهه الله تعالى من أن ينطق عن الهوى يدعو – وينادي – المسلم في إفريقيا (الغربية خاصة) التي يعد فيها الإسلام أهم أديانها وهو الدين الذي اصطفاه قلبها، "18) اعتماده كقاعدة أساسية ثابتة للحفاظ على الهوية الإسلامية ضد خطر المؤسسات التبشيرية التي تجد في الإسلام خطرا حقيقيا وندا قويا لنشاطها وجهودها ليس بما يمتلك المسلمون (19) من إمكانات الدعوة والانتشار في أرض إفريقيا ففي هذه النقطة بالذات يبدو التفوق واضحا للمؤسسات التبشيرية التي تسندها أغنى الدول وأقواها، ولكن بما في الإسلام نفسه من حيوية وسماحة ووضوح واندفاع ذاتي وإقناع، تقف وراءه دائما العناية الإلهية التي جعلت من هذا الدين طريق البشرية الأخير. (20)
ولترجمة هذه القناعة والوصول – بالتالي – إلى الغاية التي تقوي الشعور بالوحدة، وتؤلف لين قلوب أفراد المجتمع، دون أن نقيم وزنا لحواجز اللون أو الجنس بل تمنح الجميع أخوة إسلامية مشتركو، (21) ينبغي الاقتداء بغلة القرآن، ولغة السنة لتزكية الهوية الإسلامية الصحيحة، فليس أسوأ من أن تكون موجودا ولا هوية لك، وليس أسوا من أن تكون مسلما ولا شيء في جوفك من القرآن، ليس أسوأ م أن تكون حافظا لشيء من كتاب الله ولا تدرك ولا تعي شيئا من لغة الضاد.


1) سورة محمد، آية 13.
2) أنور الجندي الفصحى لغة القرآن. الموسوعة الإسلامية العربية (10) ص.52 بتصرف
3) أنور الجندي، المرجع السابق. ص 56
4) المرجع السابق ص 41 بتصرف.
5) المرجع السابق. ص.43
6) سيد حوى. الإسلام ص.220
7) عكس ما يتباهى به من يرون في "الإنجليزية:" لغة المال.
8) من مظاهر قوة الإسلام وعزة أهله ما ترويه بعض المصادر الإنجليزية القديمة عن ملك أنجلترا (جوهن) حين أرسل إلى الحنيفة الناصر الموحدي بعد بضع سنوات من بناء جامع حسان بالرابط.. يعرض فيه كدليل على الامتنان – أن يعتنق هو وأفراد رغبته الإسلام، مقابل أن يمده العاهل المغربي بالعون، (عن الدكتور عبد الهادي التازي في كتابه: "الإلمام بما وافق حكمه للمغرب استهلال المائة عام". ص22).
9) أنور الجندي، المرجع السابق ص.8
10) المرجع السابق، ص10.
11) محمد فريد وجدي. دائرة معارف القرن العشرين. ص 282.ج 6.
12) أنور الجندي، المرجع السابق. ص 45   عن: جانب الدعوة إلى الله في الدول الإسلامية-والإفريقية
13) سنن الدرامي (الجزء الثاني) ص 429.كتاب الفضائل القرآن    منها بخاصة – بادر إليها المغرب فكرة إيفاد بعثات
باب فضل من قرأ القرآن –دار إحياء السنة النبوية.  لتدريس لغة التنزيل، وهي خطوة نموذجية، وناجعة حتما،
14) عماد الدين خليل – مأساتنا في إفريقيا- الحصار القاسي-  لو لقيت السعي المطلوب والمرجو من جانب الدول   (وثائق من تاريخ المعاصر), ص15   الإسلامية في إفريقيا الغربية –خاصة– راجع شهادة
15) الدكتور عبد القادر خاتم، الأعلام في القرآن الكريم. ص 139. الأستاذ العلامة: إبراهيم محمد جوب، في موضوع :
16) سورة الإسراء، آية 45 و 46.    إلى أين تسير إفريقيا المسلمة".
17) سورة الإسراء، آية 9.     نص الدروس الحسنية التي ألقيت بحضرة أمير المؤمنين
18) سنن الدرامي، ج.1 ص.98    عام 1407هـ, ص 203 طبعة 1988 لوزارة الأوقاف
19) الشيخ حميدوا كان (السنيغال) في كتاب:   والشؤون الإسلامية.
« Le bulletin de l"association musulmane
des étudiants africains à Dakars

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here