islamaumaroc

يحيى بن يحيى الليثي -1-

  دعوة الحق

31 العدد

كـانت الحملة الإسلامية في شبه الجزيرة الإيبرية  أروع عمل قام به العرب بعد إكمال فتح المغرب، فقد كانت اسبانيا هي المدخل الجنوبي الغربي لأوريا، وبكن تقدم المسلمين في الاتجاه الإفريقي الأوروبي قد بلغ أقصاه، كما أن فتح التركستان كان أقصى ما وصل إليه الامتداد الأسيوي.
وقد شغلت الحملة الأندلسية بسرعة تنفيذها وإكمال مهامها، والطريقة التي تمت بها، مكانا ممتازا في تاريخ العصور الوسطى، وكانت نقطة تحول في تاريخ الحضارة الإسلامية تميزت بطابع خاص، وسلكت في تفكيرها منحى مستقلا، قد يلتقي مع الفكر الشرقي وقد يخالفه قد يكون نبعا منه، وقد يكون رافدا أصيلا، ولكنه في كل أطواره، كان يحمل أريج الأندلس وعبيقها.
ذلك أن الفتح الإسلامي، في امتداده شرقا وغربا وكان يلتقي بعامة بأقوام ليسوا عربا خلصا، ولكنهم يلتقون مع العرب في أكثر من منحى من مناحي التفكير، وفي بعض من سمات العيش، ولكن اسبانيا كانت بلدا ذا طابع مختلف جدا الاختلاف، مختلفا في الدين، فقد كان كاثوليكيا متعصبا وفي مظاهر الحياة الطبيعية، فكان أقسى بردا، وطرقه أشد وعورة وجباله أكثر ارتفاعا، وكان نظامه إقطاعيا بكل ما تحتمله من تعبير، فكان هناك سادة  وإشراف، يمثلهم البيت المالك ورجال الدين والفرسان، وكان هناك عبيد يمثلهم رقيق الأرض الملتصق بها، لا يملك من أمره شيئا.
كان شعبا من حين آخر، رومانيا قوطيا، وكانت لغته لاتينية وتفكيره محدودا بخصائص جنسه وأجواء مثله، وانعكاس لواقع حياته.. حياة الكلمة الأولى فيها السيد ولرجل الدين.
وأيا ما كان الأمر، فقد حطت الحملة العربية رجالها على الضفة الشمالية للمضيق قي يوليه عام 711 بقيادة طارق بن زياد ، بعد أن سبقتها في العام الذي قبله فرقة استطلاعية بقيادة أبي زرعة طريف بن ملوك، وقدر لكليهما أن يعطي اسمه للمكان الذي تزل فيه للمرة الأولى ن فكانت جزيرة طريف (Tarila) وكان جيل طارق (Gibraltar).
وكان الجيش الذي عبر به طارق المضيق بربريا خالصا أو يكاد، وكان طارق نفسه بربريا ، ولعلها المرة الأولى التين نسمع فيها بمثل هذا الجيش طوال الفتح العربي ولكنه أصحب على أي حال بعدد من كبار الجند العرب ومن موالي الأمويين ولقد أتم طارق وموسى وخلفاؤهما  من بعد، فتح الجزيرة الإيبرية وظلت مقاطعة تتبع الخليفة في دمشق. وينظم أمورها وال يختاره الخليفة نفسه حينا، ويختاره والي المغرب، أو والي مصر من قبل الخليقة حينا آخر، ويختاره الشعب هنا، ثم يمضي الخليفة أو والي المغرب اختياره في القليل.
ولم يقدر للأندلس أن تشهد استقرارا كاملا من سنوات الفتح الأولى، فكانت تتنازعها خلافات العرب فيما بيتهم وبين أنفسهم، وفيما يبنهم وبين البربر، وفيما بين أولئك وبين سكان البلاد، ثم قدر لتلك الفترة القلقلة التي دامت قرابة خمسة وأربعين عاما (711/756) أن تنتهي بقدوم شاب عربي أموي هارب من مذابح  الأمويين، هو عبد الرحمان بن معاوية والذي عرف فيما بعد بعبد الرحمان  الداخل أو الأول.
كان عبد الرحمان أهلا للرسالة التي اضطلع بها، موفور الذكاء، عليما بدخائل السياسة، شجاعا مقدما،  فلم يمض عليه طويل وقت حتى أعاد للأندلس وحدتها وهدوءها وأمنها واستقرارها وفي عهده بدأت شخصيتها العلمية والثقافية تتطور نتيجة طبيعية لواقع الحال،  أو بدافع من الأمير نفسه، فقد كان يريد أن يزاحم بإمارته الجديدة دولة العباسيين هناك، وأن يحيى في الغرب مجد أسرته الدارس في الشرق وان يجعل من هذا الركن النائي من الإمبراطورية الإسلامية مأوى للفارين من ذوي رحمه تلاحقهم سيوف العباسيين.
ولقد بدأت الثقافة الشرقية ترد الأندلس بكل ألوانها، وبدأت دراسات الفقه والحديث واللغة، ثم تلتها ألوان أخرى من الأدب والشعر والموسيقى، وأخذت شخصية الأندلس العلمية تستقل شيئا فشيئا، حتى أصبح لها أخيرا مدارس متميزة في الفقه والنحو والفلسفة وكل مناجي التفكير العربي، ويميز فقهاؤها بأنهم لعبوا اكبر دور وأخطره في الحياة الاجتماعية والسياسية على السواء.
كان التشريع وما يتصل به من حديث وتفسير وفقه وفتوى، أحق ما يتلقاه الأندلس من الشرق، إمارة تابعة للخلافة، أو دولة مستقلة يحكمها أمير، أو حتى حين انتهى لها الأمر إلى أن تصبح خلافه، ترى نفسها أحق من غيرها بذلك اللقب، من صغار الثائرين في أطراف الدولة الإسلامية، أو من المتوسلين بآل البيت متخذين من الانتماء إلى على إلى على وبنية ستارا. أو من الهامشية والقرشية فيأمر لا يرى الناس فيه الوراثة متسرعين أو من عامة المسلمين.
بلى، وأحق من الخليفة نفسه في بغداد أسير سجنه، ولعبه حرسه، ودمية يلهو بها العجم من فرس وأتراك، يعزلونه متى يشاءون، ويدعونه ما تركهم  يعبثون ، يعبثون بالدولة وبالمواطنين معا، وتلتقي معهم في الغاية والوسيلة محظيات الخلفية، ومن في ركاب الخليفة، من الأمراء والقادة، علانية أو من وراء ستار.
ولقد جاء التشريع إلى الأندلس مع الناس فرادى يبحث عن الحكم حين يتطلبه الواقع من حدث أو معضلة، ملتمسا له في نصوص القرآن أو سنة الرسول أو  تصرف الصحابة، فلم تكن مدارس الفقه قد تكونت بعد وأن كان مالك وأبو حنيفة بدأ يجلسان للناس في حلقة، يعلمان فيها ويفتيان، فيتنقل الناس منهما، دون أن يقال أن هناك مذهبا له رسوم وحدود، وان هناك مدرسة لها طابع وتقاليد، إنما جاء ذلك بعد، مع وفرة الطلاب واحتكاك الأفكار، ونضج الآراء وشدة الجدل وابتداع المناظرة فتعصب كل لشيخه، وأثر كل في قرينه وتساند الموافقون في المنحى والاتجاه.
وكانت سنوات الفتح الأولى عملا حربيا متصلا، ومع كل جيش قاض يؤم الناس للصلاة، ويحكم فيما يعترضه من مشكلات، ويقوم بقسم الغنيمة وتوزيع الفيء وكان ذلك القاضي معينا في القليل النادر، ومتعارفا عليه في الكثير الشامل، دون حاجة إلى تسمية من الخليفة، أو تعيين من الوالي، إنما هو سريان للتقليد العربي، حين يحكم الأكثر فضلا، الأطول عمرا الجامع لصفات الرجال في مضمونها العميق.
                                                   ***
مع وصول الشاميين المحصورين في سبتة بزعامة بلج بن بشر (123هـ 741م) وتغلبهم على الأندلس وتوزعهم في أرضها، بدأوا بفتون ويقضون ويتحدثون عن فقيه الشام الإمام الأوزاعي، دون أن تكون هناك نية معينة لتثبيت مذهبه، أو فرض طريقته في التشريع والتقنين، ولم يترك الأوزاعي فقها مدونا، فلم يكن التدوين قد شاع بعد، ولم تكن الشام على طريق القوافل، فيهرع إليها الراحلون طبعا للعلم أو رغبة في المعرفة ، ومن ثم لم يثبت طلائع مذهبه في الأندلس أن جفت قبل أن تعطي ثمرا، أو تضرب جذورها في الأرض بعيدا، فتستعصي على الخلع، وتقوى على مواجهة الجديد القادم من الأفكار والآراء.
كان ذلك القادم يتمثل في علم مدون، وفي مذهب إن لم تكن قد تحددت تماما، فقد كانت على أي حال واضحة في ذهن شيخه وفي أذهان طلابه على السواء.
لم يكن ذلك العلم الوافد إلا موطأ مالك.
ولم يكن ذلك العلم الجديد غير مذهبه...
لقد حمله العائدون من الحج، والقادمون من الرحلة وكانت خطواته الأولى رفيقة مستانية ولم يلبث أن نما سريعا وترعرع وشيكا، فاشتد ساعده، وتوصلت جذوره وبسط نفوذه على الدولة كلها، وقدر له أن يلعب دورا رئيسا في متنوع مشاكلها ومختلف قضاياها.
لقد صحب المذهب المالكي الأندلسي وليدة ناشئة، فغضه لدنة تحاول أن تقوى وان تشتد، ثم فتية نضرة، فخلافة عملاقة، لجلالها رنين ولفعلها صدى. ثم ضعيفة متهالكة، فموزعة مقسمة، ثم رآها تحتضر على فراش الموت، فقد الذين حولها سمات الحياة الدافعة فهم عاجزون عن بكائها.
وطوال هذه الرحلة، كان المذهب المالكي وحيدا، أو قريبا من ذلك، لقد وفدت مذاهب كثيرة وآراء مباينة، ولكن المالكية ظلت وحدها صاحبة القول الأخير.
                                                  -2-
لا يذكر المذهب المالكي في الأندلس، إلا ويذكر معه يحيى بن يحيى...
لقد كان واحدا من العمد الشامخة التي نهض عليها، وكان واحدا من العوامل الفعالة التي كتبت له الامتداد والرسوخ، فقد كان لصلته بهشام  الأول، ثم حظوته لدى عبد الرحمان الثاني، ابلغ الأثر وأعظمه  في انتشاره بالأندلس، ومزاحمته كل المذاهب التي أقبلت من الشرق في مصره، أو فيما تلاه من سنين وأيام. فمن هو يحي؟
 إن معلوماتنا عن طفولة الفتيه الذي احتل من صفحات التاريخ مكانا، وفرض اسمه على الزمان، وقاوم عوادي الغناء واستعلى على النسيان، جد قليلة أو هي معدومة أن جاز لنا هذا التقدير.
فلم يكن المجد إذ ذاك يورث فسمع الناس وارثيه منذ أن يلقوا الحياة أطفالا، إلى أن يأخذوا مكانهم من مسرحها ممثلين، ولم يكن ارتياد العظمة وفقا على جيل دون آخر، أو تختص به استمر دون قبيل وإنما هو حق لكل من غامر وسابق وزاحم وناكب، وتعشق الآمال الكبار.
وتاريخنا منذ عرفنا قوة مؤثرة في الأحداث الإنسانية، مليء بهؤلاء العظماء، جاءوا من غمار الناس، فاعتلوا العروش، وقادوا الجيوش، وأهدوا البشرية جديدا من المواهب والآراء.
                                                   ***
جلس المنصور بن أبي عامر، عملاق الأندلس فيما بعد عصرنا الذي نؤرخ فيه  لفقيدنا الكبير، مع أربعة من زملائه الطلاب، في حديقة من عديد كانت تغص به قرطبة أو أرياضها، في يوم شامس، افترشوا الخضرة، وخلعوا عذار الوقار، ملء أهابهم الشباب، وملء جنانهم الأمل يأكلون بشهية ويضحكون في عمق،  كأنهم لم يروا في حياتهم شقوة ولا تعيسا من الأحداث، إلا المنصور نفسه، فقد ظل هادئا ساكنا لم يتحلل من وقار الكبار، ولم بنزلق إلى عبث الفتيان، وعبثا حاول رفاقه أن يكسبوه إلى صفهم ، وعندما أنهوا مجلسهم، صاح بهم لا تعجبوا، إني أروض نفسي لأكون جديرا بما أطمح إليه من آمال وما ينتظرني من مهام، فسوف أكون سيد هذا البلد يوما، وضحك رفاقه، ضحكوا من زميلهم الذي يحلم بخلافة الأندلس، وقد كان إلى دقائق يقاسمهم طعامهم على الأرض، طعاما متواضعا، لا تحويه مائدة، ولا يقدمه خدم، ولا يحيط بأكله حرس ولا هيلمان.
ولكن المنصور مضى بفصح عن آماله ويضغط عليها أنا واثق مما أقول، تمنوا علي، ليقل لي كل واحد منكم، ما يريد أن أعهد إليه من مهام عندما أصبح الحاكم المطاع.
وبدأ واحد منهم، ساخرا أو جادا بحلم بأكلة شهية، مما يرى في الأسواق، دون أن يروي له ظلما أو بنقع غليلا، نعم يا صديقي، أنا أريد أن أصبح صاحب السوق، يوميا سوف أحصل على ما أريد يثمن معقول، أو بلا ثمن على الإطلاق.
وقال الثاني : إني أحب الثمر المستورد من مالقة، مسقط رأسي، فعيني قاضيا لهذه المدينة، لا شبع نهمي من فاكهتي المحببة.
وقال الثالث : أن منظر الحدائق الجميلة يأخذ بلبي، فعيني صاحب المدينة.
وكان الرابع قد احتفظ بهدوئه وأدار ظهره لما يقول زملاؤه، ساخرا من أحلامهم الجامدة، ولكن المنصور اتجه إليه يسأله : وأنت ماذا تريد ؟ ثمن علي، لن أظن عليك بما تريد عندما أصبح أميرا.
فالتقت إليه الفتى  في كثير من السخرية، وفي  كثير من الاستهزاء قائلا: عندما تحكم  الأندلس الغلبانة أرجو أن تأمر بطلي بدني العسل، وان اترك فريسة للنحل والذباب يلسعني، وان أوضع على حمار، ظهري إلى الأمام ووجهي إلى  الخلف، وان يطاف بي شوارع قرطبة  على هذا النحو.
رماه المنصور بنظرة حادة، ولكنه احتفظ بهدوئه كاملا، وقال في هدوء رزين، كمن  يعلم جيدا حقيقة ما يقول، سيبلغ كل واحدا منا  هدفه يوما.
ويرجع المنصور إلى داره، إلى دار  قريب له كان يأويه، وبات ليلته، وفي الصباح الباكر لم يذهب كعادته لتناول طعام الإفطار مع الأسرة، وقد ظن مستضيفه أنه لا يزال نائما بعد، فذهب ليطمئن عليه، فوجده يقظان مجهدا، محمر الجفن ، مربد  الوجه، من أثر التفكير الشديد.
- يبدو أنك لم تنم ليلتك السابقة ؟
- نعم هو ذاك! 
- ما الذي أضجرك ؟
- كنت أفكر في شيء غريب...
- في أي شيء كنت تفكر؟
- كنت أفكر في الرجل الذي سأعينه قاضيا عندما أحكم، لأن القاضي الحاضر لن يطول به العمر حتى يبلغ ذاك ولقد طوفت الأندلس شرقا وغربا، فلم أجد إلا رجلا واحدا يستحق أن يتولى هذا المنصب الجليل !
- اهو الفقيه محمد بن المسلم ؟
- نعن، هو..
ولقد تحققت أحلام الطالب الفقير كاملة، فحكم وعين، ووضع كل ما جرى به خياله موضع التنفيذ.
                                                      ***
القصة يحفظها التاريخ عن المنصور، ولكنها  من قريب أو بعيد، تصور طموح المغمورين، فيما قبل عصره وفيما بعده على السواء متى تماثلت الأجواء وتعادلت المقدمات، حتى لم تكن هناك حجوز تصد الطامع أو الراغب، متى اخذ بالوسائل، ودفع ثمن العظمة غالبا غير رخيص، ولقد كان في الأندلس كثيرون شاركوا المنصور آماله وأحلامه، وأن نحوا غير ما انتحى، وسلكوا غير ما سلك، وامتطوا لها غير ما امتطى من العدد وطرائق التنفيذ، ولكن التاريخ قلما بعرض لطفولتهم، فلا يذكرهم إلا وهم أقوياء متمكنين، يفرضون أنفسهم على مسرح التاريخ.
وكان يحيى واحدا من هؤلاء.
وإذا كان المؤرخون قد غفلو عن يحيى صبيا يدرج، وناشئا يستقل الحياة، فقد حفظت لنا شهرته فيما بعد نسبة كاملا، فأشار إليه كل مرجع عرض ليحيى أصيلا أو تناوله من بعيد.
فهو : يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس بن شملل (1)بن متفايا، من قبيلة مصمودة، يكنى أبا محمد، وأبوه يحيى يكنى أبا عيسى(2) ، وكانت مصمودة قد اتخذت لها سكنا في جبل دون وما حوله من بلاد السوس وما يليه (3)، وكانت طنجة عاصمة تلك الكورة فيما يبدو، ولذلك تشير  بعض المراجع التاريخية، إلى أن قبيلة مصمودة من طنجة(4)  .
أما سبب انتماءهم إلى "ليث" فمرده إلى أن وسلاس جد يحيى قد أسلم على يد يزيد بن أبي عامر اليثي، من ليث كنانة، خلال فتح المغرب  (5) وثمة رواية أخرى تجعل الذي أسلم على يد يزيد : شملل وليس وسلاس، رواية كان من الممكن أن نقف عندها، لولا أن راويها أضاف إليها، أن شملل هذا، دخل الأندلس مع طارق بن زياد وشهد الفتح  (6)أمر تنقصه المصادر التاريخية  الأخرى على كثرتها وتنوعها، وينقصه أن يحيى ولد على التأكيد قبل عام 147هـ/ 764م، وان عبور طارق إلى الأندلس ثم صيف عام 92هـ/711م، أي أن الزمن بين فتح الأندلس ومولد يحيى هو ثلاثة وخمسون عام، وهو زمن أقل بكثير من أن يضم خمسة أجيال تتلاقى، ولو كانوا من كبار المعمرين، ولذا نميل إلى الرواية الأولى ونأخذ بها جملة، كما نترك الأولى جملة أيضا، لان انتقاء جزء منها يجعل الباقي موضع شك، وخارجا عن دائرة اليقين، وبخاصة أن الذين جاءوا مع طارق، من غير القادة والموجهين وسراة القوم، لابد أن يكونوا شبابا يتحمل عبء الحرب وأهوالها ، أمر لا يتأتى لهرم لا يدفع ولا ينجد، ويكون عبئا في تحركه وفي مقامه على السواء.
ولا تشير المصادر إلى الدور الذي لعبه أبوه أوجده، إذ يبدو أنهما  كانا من غمار الجنود، الذين قلما يحفل بهم أحدا، أو إذا لعبوا دورا هاما فإلى غيرهم ينسب، ممن كانوا ذوي حظوة أو محط جاه، ولكن المؤرخين وان عرضوا عما كان لأبيه وجده، فليس ذلك  يناف أنهم لم يكونوا في قرطبة من النكرات، فقد كان لهم بيت، يعرف ببيب أبي عيسى، الكنية التي كان بحملهـــــــا الأب (7).
وعلى أي ، فإن أعراض المصادر التاريخية عن ذكر أبيه وجده، لأنهما لم يكن لهما نشاط يعرفان به، أو كان لهما ثم تجاهلته كتب التاريخ، كل ذلك ليس بناف شرف البيت الذي نشأ فيه، فقد كان من مصمودة، ولمصمودة تاريخ مذكور مشهور، فيما  قبل الإسلام أو فيما بعده، فقد كانت من أكبر البطون التي تشكل فرع البرانس، وكانوا مع صنهاجة  يشكلون أساس سكان البربر وكان منهم مسيرة المطغري، أكبر وأول من ثار على الحكم العربي، في خلافة هشام ابن عبد الملك.
وكان هؤلاء البربر يلتقون مع العرب في أشرف  ما عرف من الخصال، كانوا شجعانا محاربين يغارون على حريتهم فلم يعرفوا حكم الأجنبي يوما، ولم يستطع حكم الرومان في الأزمنة القديمة، أن يتجاوز الساحل المحاذي للبحر الأبيض حيث المدن والاستقرار وأخلاط من الناس من كل فج وصوب، ومن كل عشير وقبيل.
ولعل الإسلام لم يلق في امتداده من العنت والمشقة، ولم يبذل من الدماء والشهداء كما بذل  في المغرب، في قلبه أو في أطرافه على السواء، ولم تهدا الأمور فيه، إلا عندما اعتنق أهله الإسلام، وألقيت مقاليد الأمور إليهم، فكانوا في إسلامهم كما كانوا في  جاهليتهم شجعانا أقوياء، فحملوه حيث استطاعوا ودافعوا عنه ومازالوا، ودفعوا به إلى الأندلس شمالا، والى قلب الصحراء جنوبا، وأهدوا العالم الإسلامي في العصور الوسطى، أكير وأعظم دولتين مغربيتين : دولتي المرابطين والموحدين.
يقول ابن خلدون، وقد عرف البربر وخالطهم وعاش معهم فكتب عن بينة ووصف عن خبرة وسجل عن يقين واقتناع أن تخلقهم بالفضائل الإنسانية، وتنافسهم في الخلال الحميدة، وما جبلوا عليه من الخلق الكريم، مرقاة الشرف بين الأمم، ومدعاة المدح والثناء، لما جبلوا عليه، من عز الجوار، وحماية التنزيل، ورعي الذمة، والوفاء بالقول وايفاء العهد، والصبر على المكاره، والثبات في الشدائد، والإغضاء عن العيوب والتجافي عن الانتقام، ورحمة المسكين، وبر الكريم، وتوفير أهل العلم، وحمل الكل، وكسب المعدوم وقرى الضيف والإعانة على النوائب وعلو الهمة وأباء الضيم، ومقارعة الخطوب.
ولم بكن نصيبهم من الفضائل الإنسانية وحدها كريما وعاليا، ولكن نصيبهم من الحمية الدينية أيضا كان عظيما ورائعا، فهم حريصون على إقامة مواسم الشريعة، والأخذ بإحكام الملة، ونصر دين الله، فقد نقل عنهم في اتخاذ المعلمين كتاب الله لصبياتهم، والاستفتاء في فروض أعيانهم، واقتفاء الأئمة للصلوات في بواديهم وتدارس القرآن بين أحيائهم وتحكم حملة الفقه في نوازلهم وقضاياهم، وصاغبتهم إلى آهل الدين والخير من أهل مصرهم للبركة في آثارهم، أغشائهم البحر أفضل الرابطة والجهاد(8) .
كذلك كان البربر ومازالوا، وبتعبير أدق، كذلك كان أسلاف يحيى، ولقد كان واحدا منهم، بل واحدا جامعا لكل ما هو طيب فيهم من خلق وخصال، والإنسان في غور نجاحه، مدين لأشياء أربع، شخصيته وما تتصل به من خلق أصيل أو دخيل وما يلحق بها من أستاذ نابه أو زميل عطيل، وتجاربه في الحياة وما يتبعها، من إفادة جادة، أو سطحية تافهة، وعصره الذي أظله، وجوه الذي تسميه وجوه الثقافي والاجتماعي، وما وراء كل ذاك.
وأحسب أننا قد أتحنا للقارئ فرصة يتابع فيها معنا ماضي فقهينا الكبير، وانه، وأنا معه، في حاجة إلى مرحلة أخرى نجلس فيها إلى أساتذة يحيى لنعرف ما أعطوه وما اخذ، ولنستشف اتجاهه في  ذلك الصبا الباكر من عمره المديد.
 
(1)  -  اتفرد كتاب، نيذ تاريخية في الخيار البربر" في كتايها " شملال" بالألف من بين كل المؤلفات الغربية من 60 وهو مؤلف مجهول، وقد نشر في الرباط عام 1352هـ 1934م.
(2)  - أين الفرنسي،تاريخ علماء الأندلس، ترجمة رقم 1554، طيعة مدريد 1890، وانظر ابن فرعون:  الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب من 79 طبعة القاهرة 1351.
(3)  -  نيذ تاريخية في أخيار البربر من 76 وانظر أبو الفداالمختصر في  تاريخ النشر من 97 طبعة المطبعة الحسنية، القاهرة بلا تاريخ.
(4)  -  الحميديـ اين ، جدوة المفتشين، ترجمة رقم 908من309 يتصحيح وتحقيق محمد بن تاونت الطنجي.
القاهرة 1372هـ 1352م وانظر باقوت، معجم البلدان، مادة ( سوي) ج5 ص171 و172.
(5)  -  جذوة المفتشين، ت 908 ص 908.
(6)  -  نبذ تاريخية في أخبار البربر، ص 60.
(7)  - جذوة المفتش ت908.
(8)  -  ابن خلدون كتاب الغير وديوان المبتدأ والخير ، ج6 ص 104 و105 طبعة القاهرة بدون تاريخ.
  


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here