islamaumaroc

محمد رسول الله أكرم ولد آدم على ربه

  عبد الله اكديرة

العدد 277 جمادى 1 1410- دجنبر 1989

1- أكرمنا الله تعالى – بمحض فضله وكرمه – بمحمد رسوله وحبيبه وخليله وأكرمه عليه وأفضلهم لديه، فظهر به صلى الله عليه وعلى أله وصبحه جمال الله في كل شيء، وتجلى كما له جل وعلا في كل كائن..وأجمل شيء خصنا به نحن أمة محمد أنه بعثه فينا ومنا، وجعله أول شافع وأول مشفع فينا، وتجلى جلاله لكل الخلق بأن جعل أجل الخلق بين الخلق في الخلق والخلق هو هذا النبي الأمي الكريم إمام الأنبياء وأعظمهم يوم القيامة، وبدا كماله عز وجل لكل الأنام بأن جعل سيدهم يوم القيامة هو سيدهم في الدنيا محمد صلى الله عليه وسلم.
انفرد في الدنيا بختم النبوة والرسالة، فكان سيدا مسودا بفضل الله..وانفرد في الآخرة بالشفاعة فكان سيدا مسودا بكرم الله، يلجأ إليه الناس في ذلك اليوم المهول دون سواه من الخلق، ولن يجدوا سواه..وهذه منهم شهادة تشهد بها كل خلية ممن أجسامهم، وكل ذرة من الكون معهم من حولهم، بالبيان الفصيح أمام الديان الذي لا يموت، يوم يقوم الأشهاد بين يديه ويكون الأمر كله إليه، بأنه الحبيب المحبوب حبا يحتل حبات القلوب، وأن آخر ما تلهج به الألسنة يوم يلقى الناس ربهم على شوق أو على فرق هو شهادتهم هذه التي استقرت في القلوب، وصدقتها الأعمال وختمت بها الألسنة آخر ما ينطق لشان من إنسان.
إنها شهادة تنطق بأن حياته صلى الله عليه وسلم خير، ووفاته للناس خير.. ولطالما تحدث الناس كما كان له من خير..ومن فضل حثنا عليه، أو حققه لنا الله ببركته وسعيه وهديه في حياته الطيبة المباركة..فلما قضى الله تعالى أن يلحقه بالرفيق الأعلى ويتوفاه إليه، تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هائك، خسر الدنيا والآخرة..
ترك فينا الأزهرين الأنورين: كتاب الله وسنته المبينة..ترك فيها ما إن تمسكنا به كان لنا عز الدنيا وفلاح الآخر..
فماذا عن حالنا مع رسول الله وبه في الآخرة؟ ألم اقل إن حياته كانت لنا ولا زالت خيرا؟ وإن مماته هو لنا خير؟
وها هو الدليل الناصع من حديثه صلى الله عليه وسلم: "أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا خطبيهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر".
سيكون أول المبعوثين يوم البعث والحشر..لماذا؟ لأنه رائد قائد في الآخرة، كما هو قائد رائد في الدنيا – كان ولا يزال...- هذا دوره في الحياة، ومبرر وجوده..أن يكون نبيا ورسولا...والرائد لا يكذب أهله..وآخر هذا الحديث يثبت ويدعم أوله..
ولنمض في تساؤلنا عن سبب كونه أول خارج يوم البعث...ليطمئن من آمن به وبرسالته وبنبوته وشفاعته وعمل بما جاء به...وليأمل في شفاعته من كان في دنياه من أهل اللمم من المعاصي..ولنتصور إنسانا يدخل في هذه الدنيا مكانا لم يكن به ولا بأهله سابق معرفة !! كيف يكون شعوره بالرهبة؟ وإحساسه بالغربة؟ وما يجيش في نفسه من الوحشة؟ لنتصور خذا الإنسان وهو يتقدم بطيئا مترددا متهيبا، يقد رجلا ويؤخر أخرى.. وعيناه تجولان في لهفة حيرى بأرجاء المكان، يرجو أن يقع بصره على وجه معروف يأنس به، أو مكان مألوف يأوي إليه..لنتصور حالة إنسان في مثل هذا المكان، ومثل هذا الموقف، وقد عثر على أخ له شقيق، أو والد رحيم أو صديق حميم، يعرف المكان وهل المكان، وسيكون له فيه نعم الأنيس والمرشد والمعين..ولنبعد في تصورنا إلى يوم البعث والنشور والحساب, يوم الهول. اليوم الذي يجعل الولدان شيبا، السماء منفطرا به، الشمس فوق الرؤوس تصهراها..الناس في زحام، حفاة عراة عزل، مغمورون في عرقهم، الوالد يفر من ولدهن والأخ من أخيه والزوج ومن الزوجة، والحميم من حميمه، والميزان منصوب، والصراط مقام أرق من الشعرة وأحد ممن السيف، وكتاب الأعمال يؤتاه البعض بيمينه، والبعض بشماله أو من وراء ظهره, إنه يوم الفزع الأكبر، أليس كذلك؟
ولكن لنمض في تصورنا إلى أبعد مدى ! ها هو رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يظهر لنا عند أول بعثنا وخروجنا لهذا الهول المعرب المروع. إنه هناك يحتل المقام المحمود الذي وعده به ربه جلا وعلا..إن لواء الحمد بيده، يحمله على ملأ من أهل البعث والحشر,,,حينئذ لا يتذكر كل فردمنا إلى ذنبه ومعاصيه الصغيرة منها والكبيرة، فنيأس ونبلس ونحبس..ولا يبقى لنا من أمل ولا رجاء إلا في صاحب المقام المحمود والدرجة الرفيعة والوسيلة والفضيلة...في صاحب لواء الحمد والكرم يحمله بيده..نجده أمامنا أول من بعث وخرج، يطوف عليه ألف خادم كأنهم لؤلؤ مكنون. فيصبح فينا الرجاء بلسان الحال والمقال: يا محمد ! يا رسول الله ! يا أكرم ولد آدم على الله..الشفاعة...الشفاعة..يا رسول الله...أنت خطيبنا إذا وفدنا ..يا رسول الله ...أنت مبشرنا إذا أيسنا وأبلسنا..وأنت شفيعنا إذا حبسنا..الشفاعة..الشفاعة..يا رسول الله. يا أول شافع.. يا أول مشفع.. يا أكرم الأولين والآخرين م خلق الله.. يا رسول الله..يا سيد الناس يوم القيامة..
بهذا الرجاء في رحمة الله الرحمن الرحيم، وشفاعة الرسول المشفع الكريم تمتلئ القلوب وتبهج الألسنة..وبرحمة الله وبإذنه يشفع سيدنا محمد فيمن يستحق الشفاعة ويؤذن له فيه من الناس..فيكون صلى الله عليه وسلم كما قال هو نفسه، وهو الصادق المصدوق: "أنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر..وأنا أول من يحرك الجنة فيفتح لي فأدخلها، فيدخلها معي فقراء المومنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر" وفقراء المومنين عند علماء السلف الصلاح هو الذين يرون نفسوهم مملوكة لله ولا يرون أنفسهم مالكة لله ولا يرون أنفسهم مالكة لشيء بوجه من الوجوه، فهم وما ملكوا لله تعالى...
على هذا فقراء المؤمنين الداخلون أول الداخلين الجنة مع رسول الله يكون منه أيضا أغنياء الكسب الحلال، المنفقين أموالهم في سبيل الله، الذي لا يطغيهم مال، ولا يبطرهم غنى، ولا يطيعهم ثراء...
وهذا تساؤل آخر: بماذا سيخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة بين يدي رب العزة جل وعلا ليشفع للوافدين الراجين الآملين من أهل البعث والحشر وهم ينصتون؟ ها هو جوابه صلى الله عليه وسلم: "يحشر الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل ويكسوني ربي حلة خضراء، ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود، وها هو قارئ العزيز بعض ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم المهول: "قال حذيفة" يجمع الله الناس في صعيد واحد، حيث يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا، سكوتا لا تكلم نفس إلا بإذنه، فينادى محمد، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهتدي من هديت، وعبدك بين يديك ولك وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلى إليك تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت.."
هذا بعض ما يلهمه الله تعالى رسوله الكريم يوم القيامة وهو ساجد تحت العرش من المحامد وحسن الثناء فيقال له: "يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه واشفع تشفع"... قول رسول الله صلى الله عليه وسلم مبشرا كل مؤمن: "فأرفع راسي فأقول: يا رب أمتي، يا رب فيقول: أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأمين من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب..."
ألم أقل لك قارئي العزيز أن سيدنا محمدا خير لنا في حياته وخير لنا في مماته؟
أولا يستحق منا هذا الرسول العظيم الحب العظيم، الحب الذي يصدق عليه قول الشاعر:

قد تخللت مسلك الروح مني              وبذا سمي الخليـــل خليـلا
فإذا ما نطقت كنــت حديثـي               وإذا ما سكت كنت الغليلا

ولنتساءل أيضا يطرح نفسه علينا بإلحاح: إذا كان رسول الله يوم الفزع الأكبر الشافع المشفع، فمن أحق بشفاعته؟ يجيب عليه الصلاة والسلام وهو الذي لا يكذب ولا يمين: "خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة أنها أعم، أترونها للمتقين؟ ولكنها للمذنبين المخطئين".
فكيف تكون شفاعته للمذنبين الخطائين من أمته؟ يقول صلى الله عليه وسلم: في سياق حديث من أحاديثه في الشفاعة: "..ثم آخر ساجدا فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك واشفع تشفع وسل تعطه، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، وذكر مثل الأول وقال فيه مثقال حبة من خردل، قال فأفعل، ثم أرجع، وذكر مثل ما تقدم وقال فيه من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل، وذكر في المرة الرابعة، فيقال لي: ارفع رأسك وقل يسمع لك واشفع تشفع وسل تعطه، فأقول، يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله. قال: ليس ذلك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلى الله.."
2- فما معنى الشفاعة التي جوزها وتنتظرها من رسول الله؟ وما هي الشفاعة المحرمة بيننا نحن البشر؟ وما هي الشفاعة الحسنة التي يجب أن تكون بيننا؟..إن رسول الله هو قدوتنا الطيبة أوسوتنا الحسنة، ومن سيرته ينبغي أن نستمد النور والهدى والتزكية..فديننا الذي جانا به حياة تعاش، ومعاملة تمارس، وواقع يحيا...وإن من عظم نعم الله عليها أن بعث لنا محمدا ليكون مثلا أعلى حيا نحتذيه في كل حركاته وسكناته كإنسان يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، حتى لا يستحيل علينا مما فعل أو ترك شيء تأتيه أو ندعه..ونحن في كل ما نأتمر فيه بأمره، أو ننتهي بنهيه، نقيم مجتمع الإيمان والعدل والفضل، وسيادة الرحمة والتكافل والتضامن والأخوة..ولتحقيق هذا المجتمع الفاضل حض الله تعالى المؤمنين وحثهم على الشفاعة الحسن فيها بينهم، وحرم عليهم الشفاعة السيئة...شفاعة التوسط فيها لا يرضي الله..لما لا يرضي الله...شفاعة المحسوبية..شفاعة العمل على أن يأخذ من لا يستحق ما لا يستحق بحرمان من يستحق ما يستحق....ومن شفع أو شفع له هذا النوع الشفاعة السيئة في الدنيا حرم شافعة من لا يؤذن لسواه بالشفاعة يوم الهول والحساب...ولم تنفعه شفاعة الشافعين....
إن الله تعالى قد جعل من محمد نبيه ورسوله وشافعا مشفعا ليكون اقتداؤنا به لجوءا إلى الله ووقوفا ببابه بالشفاعة الحسنة..وعياذا به واستغاثة برحمته من أن تسود بيننا الشفاعة السيئة..ورجاء مبتهلا ضارعا خاشعا ذليلا بالنية والقول والفعل أن يجعلنا ممن يستحق الشفاعة من سيد خلفه وإمام رسله وخاتم أنبيائه...سيد الشفعاء...يوم لا يتصدة للشفاعة سواه، لأن الكل مشغول بنفسه، وهو فداه النفس والوالد والولد المشغول بأمته يريد لها حسن الشفاعة...
والوسيلة الأولى إلى نيل هذه الشفاعة هي الشهادة باللسان والجنان ألا إله إلا الله وحده لا شرك له وأن محمدا عبده ورسوله..شهادة إيمان راسخ مكين...ويقين راسخ متين..نسعى جهدنا أن تكون شهادة وقرت في القلب يصدقها العمل، رغم ضعفنا وقصورنا..رغم نزوات أنفسنا ونزعات أهوائنا ونزغات شياطين الإنس والجن التي تسعى لأن تردينا وتسقطنا في حمأة اللجوء إلى غير الله. واللجوء إلى الله في كل الأحوال هو الأمل..هو السند...هو القوة هو العون..هو الأمن...واللجوء إلى غير الله وبأي وسيلة لا ترضي الله هو حضيض الشفعة السيئة..والقدوة الطيبة في عدم التمسك إلا بحل الله المتين..وأسوتنا الحسنة في عدم الاعتصام إلا به...هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم...به نتوسل ألا يحرمنا الله في دنيانا أن نشفع بين الناس وأن يشفع لنا عندهم بحسن الشفاعة..ويم القيامة يحقق لنا الإذن له بالشفاعة..فهو عليه الصلاة والسلام أهل الشفاعة دون سواه...والله جل وعلا أهل تحقيق الشفاعة ولإذن بها له دون سواه، ونحت العصاة المذنبون..ولكننا تائبون بذنوبنا مقرون..في الشفاعة طامعون...ولن نشيع بين الرحيم ثم الشفيع..فما معنى الشفاعة لغة؟ هي أن يسعى المرء لدى المسؤولين في حاجة يطلبها لغيره نصرة وتوسلا بوسيلة مقبولة لقضاء حاجة ما، فهي بهذا المعنى إن كانت شفاعة إصلاح بين متخاصمين مثلا، شفاعة حسنة، وإن كانت لإيجاد عمل لعاطل في منصب يناسبه ويستحقه بدون محاباة ولا مصانعة...وبدون أن يحرم من هذا المنصب من هو أحوج إليه. أو هو أحق به، فهذه أيضا شفاعة حسنة..
وأما الشفاعة السيئة فأكتفي بمثال واحد حي، هو هذا الحديث الشريف الواضح الصريح الصارم عن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: "إذا بلغ الحد السلطان، فلعن الله الشافع والمشفع، بمعنى أن المذهب الذي ارتكب ما يستحق به أن يعاقب قضائيا، وقدم آمره إلى المحكمة بتبت في بما يقتضيه الشرع، فلا يحق أحد أن يتدخل بشفاعة تفسد ضمير الحاكم أو الشاهد..سواء كانت هذه الشفاعة لتغيير الحكم أو تخفيفه قبل صدور أو بعد صدوره..ومن فعل فهو مستحق للعنة الله..ولعنة الله هي الخروج من رحمته..ولا يخرج من رحمة الله إلا شيطان..محروم من الشفاعة يوم يأذن الله لمن شاء لها..والوشيط والموسط في هذا سواء...هذا إذا كانت الوساطة – وهي هنا شفاعة سيئة بدون جدال – بدون مقابل، فإذا وصل الأمر إلى بيع الذمة وبذل الشفاعة بالمقابل، فذلك الألعن والأبشع والأشنع والأفظع...
وها هو رب العزة جل وعلا في محكم تنزيله يذكر نوعي الشفاعة هذين: "من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، ومن يشفع شفاعة سيئة لكن له كفل منها، وكان الله على كل شيء مقيتا" والشفاعة الحسنة هنا معناها نصر الحق بالدخول في صفوف المجاهدين في سبيل اله ونصرهم وإعانتهم على ما هم بصدده من الجهاد المبارك لنصرة الحق..ومعناها أن كل من يسعى في أمر من أمور الخير يبتغي به مصلحة الفرد المسلم أو الجماعة المسلمة أو أمة الإسلام عموما، فينجح في شفاعته ويترتب عن عمله ذلك خير قل أو كثر، فإن له نصيبا من ذلك الخير الذي وفقه الله إليه في الدنيا..بأن يبارك الله مساعيه ويشتهر بين الناس بالصلاح والبركة وفعل الخيرات، فيقصده الكثير منهم لقضاء حاجاتهم يستشفعون به لبلوغ مراميهم في الصلاح والإصلاح ورفع المظالم وجلب المنافع ودفع المضار...وذلك بالطبع فيما يقدر عليه. هذا نصيبه في الدنيا..فليحذره أشد الحذر، فقد يصبح الأمر عنده في هذه الحال أن تنقلب غايته من العمل لله ابتغاء مرضاته بالشفاعة الحسنة وابتغاء الإصلاح ما استطاع...إلى النظر إلى ما يناله من رضا الناس واستحسانهم لما يعمل وما يشتهر له بينهم من حسن الأحدوثة وجميل الذكر وذائع الصيت وعالي الجاه، فيفتتن بهم ويفتتنوا به..وهذا هو الشرك خفيه ومعلنه...وقد لا يعرفه ثم يقاومه إلى من أكرمه الله بمعرفة ربه ثم نفسه ومراقبتها ومحاسبتها...
وأما الشفاعة السيئة فهي كل عمل يعمله المرء يظهر به أنه يسعى لمصلحة فرد أو جماعة ومنا هو إلا ستار يتستر به على نواياه الدنيئة ومراميه القبيحة...وهو قناع جميل يخفي وجها بشعا...والشفاعة السيئة أيضا هي العمل على سلب حق إنسان للاستئثار به...أو لإيثار آخر به لا يستحقه...فهي بهذا ظلم....والظلم ظلمات يوم القيامة....ظلم حرم الله على نفسه وحرمه  بين عبده..والكفل الذي يناله صاحب الشفاعة السيئة هو الوزر الذي يحمله في دنياه يثقل ضميره إن كان له ضمير....هو اللعنات الوبيلة التي تنصب عليه ممن سلبه حقه بسوء الشفاعة..هو نكرات (الجميل) العاجل أو الأجل ممن (تفضل) عليه بسوء الشفاعة، فأنا له بها ما لا يستحق بحرمان من يستحق...وهو أيضا الدعاية السيئة التي تذيع له بين الناس بأنه الإنسان المنافق المتظاهر بما ليس فيه، الذي لا يحل حلالا ولا يحرم حراما...وهو في الأخير حرمانه من شفاعة الشفيع المشفع محمد صلى الله عليه وسلم. ومن رحمة الرحمن الرحيم جل وعلا...ومن حرم تلك الشفاعة وهذه الرحمة فقد خسر الخسران المبين....والله تعالى حين يأذن لرسوله الكريم بالشفاعة بمشيئته وهو الفعال لما يريد فإنما هو المقيت، أي الحفيظ الشهيد الحسيب القدير..سبحانه وتعالى...
يقول الشيخ رشيد رضا رحمه الله في تفسير المنار عند ختام تفسيره لهذه الآية ما معناه: "...وما الذئاب الضارية بأفتك في الغنم من فتك الشفاعات في إفساد أخلاق الناس أفرادا ومجتمعات..فالمجتمع الذي تروج فيه الشفاعات يصبح أهله معتمدين عليها لا على الحق والعدل، فتضيع الحقوق..ويعم الفساد...ولا يصلح حال مثل هذا المجتمع إلا إذا عمت الشافعة الحسنة بين أفراده، بأن يطلب الحق أصحابه بالتوسل إليه بأسبابه الحقيقية، والدخول عليه من بابه، مع اللجوء إن اقتضى الأمر نادرا إلى أهل الخير للاستعانة بهم فيما لا يسقط حدا ولا يهضم حقا لأحد...".
وهذه أيضا قولة مختصرة للإمام انب حجر تفسر نفس الآية"...الأجر على الشفعة ليس على العموم، بل مخصوص بما تجوز فيه الشفاعة، وهي الشفاعة الحسنة، وضابطها ما أذن فيه الشرع دون ما لم يأذن فيه كما دلت عليه الآية..وهي شفاعة الناس بعضهم لبعض..وحاصله أن من شفع لأحد في الخير كان له نصيب في الأجر، ومن شفع له بالباطل كان له نصيب من الوزر...:
فماذا يقول صاحب الشفاعة الحق من الشفاعة؟ ومن سيرته نسير بالشفاعة الحسنة بيننا راجين شفاعته يوم لا يشفع أحد عند الله إلا بإذنه:
- فقال عليها الصلاة والسلام: "أفضل الصدقة صدقة اللسان، قيل: يا رسول الله، وما صدقة اللسان؟ قال: الشفاعة تفك بها الأسير، وتحقن بها الدماء، وتجربها المعروف إلى أخيك، وتدفع بها كريهة".
- قال أيضا: "إن الله تعالى يسأل العبد عن جاهه كما يسأله عن عمره، فيقول له: جعلت لك جاها، فهل نصرت به مظلوما أو قمعت به ظالما أو أغثت به مكروبا؟..
وقد فهم الصحابة الكرام والسلف الصالح ببيان ووضوح الشفاعة الحسنة كما عملها لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وها نموذج من ذلك الفهم عن حبر الأمة سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "..كان معتكفا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل فسلم، فأتاه رجل فسلم عليه ثم جلس فقال له ابن عباس: يا فلان أراك مكتئبا حزينا ! قال: نعم يا ابن عم رسول الله، لفلان علي حق ولاء، وحرمة صاحب هذا القبر ما أقدر عليه. قال ابن عباس: أفلا أكلمه فيك؟ فقال: إن أحببت، قال: فانتعل ابن عباس ثم خرج من المسجد، فقال له الرجل: أنسيت ما كناب فيه؟ قال: لا، ولكني سمعت صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم، والعهد به قريب – فدمعت عيناه – وهو يقول: "من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خيرا له من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يوما ابتغاء وجه الله تعالى جعل الله بين وبين النار ثلاث خنادق أبعد مما بين الخافقين" (طرفا السماء والأرض، وقيل المغرب والمشرق).
3- فما الطريق إلى العمل لهذه الشفاعة حسنة في الدنيا؟ وما السبيل إلى الفوز بها من صاحبها يوم نكون أحوج إليها وأفقر في الآخرة؟
لقد علمنا صاحب الشفاعة عليه الصلاة والسلام أن من أهم ما نهتم به:
• أن نتفكر في عواقب الركون إلى الدنيا، فنأخذ لأنفسنا جانب الحذر من شهواتها وأهوائها، ونحتاط لها من مزالقها وعثراتها..وليس من سبيل إلى ذلك إلا الشفاعة الحسنة التي تختنق في نفوسنا رذائل الأثرة، وتحيي فيها وتنمي فضائل الإيثار..وأن يعلم المؤمن أن من أسباب وقايته نفسه شحها الصدقة الصادقة بأنواعها....ومن أنواعها صدقة اللسان الصادقة التي من نتائجها فك الأسيرة وتحريره – وما أغلى الحرية ! – وتحقن الدماء – وما أقدح ما يدفعه الساعي لحقن الدماء من ثمن ! – ويجر بها المعروف إلى الإخوان – وما أمر ما يعانيه من نفسه الأمارة جار المعروف على الإخوان ! وأمر منه انتظار الامتنان من أولئك الإخوان إذا كانوا غير "إخوان" !أو لا يحسنون التعبير عن ذلك الامتنان ! وتدفع بها الكريهة- ووسائل دفع الكريهة من مر الدواء الذي يكره عليه المرضى في غالب الأحيان، فيلقى منهم الطبيب المعالج العنت !-
• أن نوقن بطول الطريق إلى تلك الشفاعة الأخرى وصعوبتها، فنحسن الاستعداد والتأهب للسفر إليها..سفرا لا أمل بعده في عودة..سفرا للقاء الله..سفر من يؤمن ويوقن ويعمل على ألا  ينسى..لأن إيمانه رسخ في قلبه وعمل على تحقيقه بعمل يصدقه، بالشفاعة الحسنة في الدنيا بين الناس..وشفاعة من يستغل كل مواهبه ليرى رؤية الحق عاقبة الإثم فلا يغشاه، ويخشى الله وحده لأنه أحل أن يخشاه، فينضر المظلوم، ويقمع الظالم ويغيث المكروب، ولا يكلف في كل هذا إلا وسعه..حتى لا يزيد في عداد المظلومين المكروبين نفسه....ويزيد من أراد قمعه من الظالمين عتوا وعنجهية...
• أن نغلب أنفسنا فيما هو حق متيقن، حتى لا تغلبنا فيما هو ظن غير متيقن وذلك بأن تكون عبوديتنا لخالقنا وحده، وحقيقة هذه العبودية أن نجعل نصب أعيننا تحقيق هذه الآية الكريمة: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) وهذا التحكيم الذي هو شرط الإيمان، والمشروط هو أيضا بالرضا والتسليم المطلق لا ينبغي أن تتخلله شفاعة..اللهم إلا الشفاعة الحسنة التي تفسد ذمة ولا تهضم حقا لصاحبه، أو تعين ظالما على التمادي في ظلمه..وإلا فإنها تعد على حدود الله..ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، ويحرم شفاعة صاحب الشفاعة في يوم يكون أحوج ما يكون إليها...
فإذا كان هذا ما علمنا إياه صاحب الشفاعة والداعي إليها حسنة، عليه صلاة الله وسلامه، فماذا يجب علينا نحوه؟
إنه الحب...الحب الكبير لهذا الرسول الكريم والنبي الأمين,.. الحب الذي يفعم القلب ويفيض على الجوارح.
من الحب لله جل حلاه.لأننا مؤمنون. والمؤمنون أشد حبا لله. وهذا الحب لله ورسوله هو منا شفاعة حسنة في دنيانا نتوسل بها لنيل الشفاعة العظمى في أخرانا:
"عن أنس رضي الله عنه أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: متى الساعة؟ قال: وما أعددت لها قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله، قالك أنت مع من أحببت. قال أنس: فما رحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت، قال أنس: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم".
إن أوثق عرى الإسلام بين الناس هي الشفاعة الحسنة بينهم في الدنيا، على أن تقوم على أساس متين من الحب في الله والبغض في الله، ليستكمل المؤمن إيمانه ويحققه، وهذا الحب هو عدة المؤمنين للقاء ربهم في يوم تشخص فيه الأبصار..ويرجون فيه الشفاعة من صاحبها..هذا الحب يجعل كل مؤمن نقي السريرة، يقظ القلب، صافي الروح، وثيق الصلة بربه، لسانه رطب بذكر الله، والصلاة والسلام على رسوله..كل أعماله شفاعة حسنة خالصة لوجه الله، يعمل لدنياه، وفي نفس الوقت هو دائم الاستعداد للرحيل، يتزود خير الزاد لآخرته....وما أعظم زاد المؤمن لآخرته حين يكون هذا الزاد هو الشفاعة الحسنة محبة لله ورسوله وطاعة لهما....
ومحبة الله هي الاحتكام إلى شرعه، وإفراده سبحانه بالعبادة...منه نستمد الأوامر والنواهي، فهو المهيمن على الوجوه...وهو الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء..
وحب رسول الله هو أن نجعل منه أسوتنا وقدوتنا في كل أحوالنا وأحيانا، منه نستمد منهاج حياتنا، ومنه نقتبس نوره ربنا، ومن سيرته نتعلم الصبر والفداء والتضحية ولإيثار والزهد..وإلى سنته نرجع في كل ما يشجر بيننا من صغيرة وكبيرة. ومن إيمانه عليه الصلاة والسلام نتعلم الحب في الله والبغض في الله وسيلة إلى الشفاعة الحسنة التي هي وسيلة الشفاعة العظمى يوم الهول..وذلك مصداق الآية الكريمة: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله...)
إن كل فرد من أمة الإسلام يعلم – أو يجب أن يعلم – أن الحب لله تعالى ولرسوله فرض أكيد، وهو شرط من شروط الإيمان..وحقيق هذا الحب أن يفيض نوره على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها شفاعة حسنة فيما بينهم، فيكون لهم منها قوة..ويكون لهم منها اجتماع شمل..ويكون لهم منها رفعة...
4- وهل من الحب لرسول الله أن ننتظر عيد مولده يعود علينا كل سنة ليذكرنا به !؟ نحن لم ننس ولن ننسى في أي لحظة من حياتنا رسول الله...لأننا تذكرنا به نداءات المؤذنين على قمم المآذن..تذكرنا به الصلوات المفروضة والمسنونة والنافلة..تذكرنا به أسماؤنا التي نتسمى بها ونعرف بين الناس..تذكرنا به رسائلنا..تذكرنا به خطبنا..تذكرنا به مواقفنا وأعمالنا..نتذكره فيما نطيع الله ونطيعه به من أعمال نأتيها أو ندعها طائعين أو مكرهين..فنفرح ونستبشر نتذكره فيما نعصي الله ونعصيه به من أمور نأتيها أو ندعها مجبرين أو مريدين فنندم ونستغفر..رسول الله صلى الله عليه وسلم طبع حياتنا جميعا أفرادا وجماعات، شعوبا وقبائل بطابعه النبيل..فهو معنا بتوجيهه، وهو معنا بتأديبه..
وهو معنا ومنا وفينا بوحيه الكريم الذي جاءنا به صادقا مصدوقا من رب العزة جل وعلا..إنه معنا ومنا وفينا بكل إنسانيته السامية العالية في كل دقائق أمور حياتنا وجلائلها..علمنا كيف نأكل وكيف تنام وكيف نعاشر الأزواج..
إن رسول الله منا كبشر، وهو الأعظم البشر..منا كمسلمين وهو إمام كل مسلم..منا كغرب وهو أكرم العرب...بعثه الله في الأميين وهو منهم يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبله لفي ضلال مبين.. بعثه الله إلى العرب وهو في الذؤابة من أنسابهم وأحسابهم..بعثه الله كإنسان من الناس إلى كافة الناس وهو فيهم جميعا خيار من خيار..إنسان كريم هو رحمة الله المهداة إلى البشرية جمعاء يكره العنت والمشقة أحرمها وأسودها – وكل مكروه وأذى من أمور الدنيا والآخرة..يكره لها شفاعة السوء في الدنيا..وعذاب الهون في الآخرة..فلا يردد لسانه وقلبه في ذلك اليوم إلا: "أمتي يا رب"..أمتي يا رب"..ألم أقل منذ البداية: إن حياته كانت ولا زالت لنا خيرا..وأن مماته سيكون لنا إن شاء الله خيرا حين نلقى الله فيكون لنا شفيعا مشفعا؟

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here