islamaumaroc

غينيا دولة قائدة

  دعوة الحق

31 العدد

كــان استقلال غينيا مفاجأة مدهشة للذين استبشروا وللذين حزنوا له على السواء.
ولقد كان نجاح التجربة الغينية مفاجأة أخرى، لأن الذين اختاروا بشجاعة هذا الاستقلال كانوا هم أنفسهم يشكون –في البدء- بالمستقبل، ويخشونه.
وهناك مفاجأة ثالثة كانت من حظ المراقبين السياسيين. ففي مطلع سنة 1959 كتب الصحافي السويسري "فرنان جيكون" مقالا بعنوان "غينيا دولة قائدة"، ولم يكن هذا محض فكير فردي، وإنما كان وحي واقع تاريخي، إن غينيا، من حيث لا تقصد، توجه اليوم سياسة إفريقيا كلها، وتقود جبهاتها المختلفة. يشهد لهذا أن حزب السيد نيكروما وما في غانا قرر أن يحور خطته مستوحيا مبادئ الحزب الديمقراطي الغيني، وأن دولة" مالي" في السنغال والسودان تستوحي التجربة الغينية صراحة في جملة اتجاهاتها ووسائلها، أما الإفريقيون في الكونغو وجنوب إفريقيا فيتطلعون إلى مناهل التجربة الغنية، جادون في احتداد مثالها وهو في نظرهم مثل أعلى.
إن مبادئ الثورة الغينية لم تستأثر بقلوب أصدقائها خاصة، فإن أعدادها كالسيد هفويت في الشاطئ العاجي وجدوا أنفسهم أيضا مدفوعين إلى أتباع الحلول والنظريات التي عممتها هذه الدولة الفتية.
 
لا معجـزة في غيـنيـا
لم يكن ما حدث في غينيا معجزة، ولا صدفة ومحض اتفاق، وإنما نتاج نضال مستمر مثمر، فإن سنوات طوالا بقيادة حزب غينيا الديمقراطي الموحد لتمهد بالتأكيد سبل التحرر، ومن أقرب ما يذكر في هذا الصدد قصة التطورات الصراعية التي تعرضت لها جبهة التحرر الموحدة والتكتل الإفريقي الديمقراطي في غينيا وشقيقتها. والمعروف أن حركة الجبهة هذه أحرزت نجاحات انتخابية كبيرة سنة 1946-1947 في سائر مناطقها غير أن تغلغل الجهة في أوساط الشعب لم بكن متينا، ولا صحيح المنهج خارج غينيا من مراكز الحزب الإفريقية، من هنا تقطع الحزب، واستطاع الاستعمار (سنة1950-1951) أن يقضي على كافة فروعه خارج غينيا قضاء مبرما. أما في غينيا فقد بقي قادة الحزب أمناء على اتجاهاه التحريرية مرتبطين بالشعب وفق أسسه وتنظيماته دون أن يقطعوا علاقاتهم مع الانتهازيين أمثال هرفويت وبوانيه الذي يفعل في الجماهير فعل السحر.
وعلى الرغم من إبقاء روابطهم مع العملاء في الظاهر كرس قادة الحزب الغينيون حياتهم لتشكيل الشعب الغيني وتعبئته، وأخذوا على عاتقهم قضية الدفاع السريع المحسوس عن مصالحه وحريته، وظهرت أعمال الحزب بسبب تلك الجهود، ظافرة ظاهرة في أكثر من ميدان، كميدان الصراع النقابي لتحسين الرواتب، وميدان الحرب ضد التفريق العنصري، وميدان النضال ضد السلطة المستعمرة، وخاصة ضد" الإقطاع" عميلها المباشر.
إن الرئاسات الوراثية المزروعة، وأن انتبت إلى أسر عريقة، لم يبق لها شيء في غينيا من هذا التراث، فالسلطة لفرنسية نفسها سلبتهم هذه المزية منذ زمن بعيد، إذ أنها استخدمت الوراثيين هؤلاء إجراء لجهازها التعسفي، وأرغمتهم على أن يضمنوا لها الضرائب، ويسخروا لخدمتها الشعب، ويطوعوا لمصالحها الجند، ولم يكن لهم لقاء هذه المظالم إلا أن تغمض النظر عن منافعهم الخاصة، وقد كان سهلا على الحرب أن يتخلص هذا الكابوس بإيضاح مساوئه.
ولقد حدث في انتخابات 1956 أن نجند زعماء المقاطعات الغينية لمنافسة مرشحي الحزب، فقاموا بجولات دفعوا فيها كل إمكانياتهم، ولكنهم انهزموا شر هزيمة، وكان انتصار الحزب هذا تاريخا لانهيار الإقطاعية، وحدث من أثر هذه الموقعة الفاضلة أن اضطرت السلطة الفرنسية إلى الاعتراف بشيء من الواقع فتناول إلى الحزب عن نصف الحكم الذاتي، ولم يضع الحزب هذه الفرصة. فأفاد من اشتراكه المحدود بالحكم فوائد جمة من أهمها تصفية النظام الإقطاعي تصفية كاملة، وتحسين قانون الضرائب، وإنصاف الموظفين الإفريقيين، وكانت هذه الانتصارات ظروف ملائمة لتوفر شروط الاستقلال.

حزب غينيـا الديمقراطــي
أزال الحزب الغيني الديمقراطي النظام الإقطاعي في بلاده ومحا تبعا لذلك آثاره في الدوائر الحكومية، وأقام مكانه نظاما اشتراكيا تمثل سلطاته مجالس منتجة تحكم باسم الشعب وتعمل لمصالحهم. فمنذ سنة 1957 تألفت في ككل قرية، بل في كل حي هيئة حزبية جمع على انتخابها الأصوات في أكثر المناطق، وتتمتع بالأكثرية في بعض المناطق، ويلف حولها في كل حال جماهير مكن نساء وفتيان كانوا محرومين من التصويت لهبوا دورا خطيرا -ولم يكن أحد يتوقع ذلك- في بناء الديمقراطية الحق، وإنها لظاهرة مدهشة حقا أن ترى هيئات الحزب في اجتماعاه الأسبوعية تناقش المتخذة وفق نظام الحزب أدق ما تكون المناقشة وإجرأها مع أحدث النظم الديمقراطية المطبقة، ولا غرابة فقد كان هذه الهيئات هي السلطة الحقيقية في البلاد قبل الاستقلال بزمن.
هذا يفسر الموقف الغيني العظيم في استفتاء 28 سبتمبر إذ اختار الغينيون كلمة (لا).
وهكذا تم أروع انتصار سلمي في بلد محتل يدوسه الاستعمار بشرطته ومظلبيه وحكامه الطغاة.
باشر الحزب الغيني عمله فور الاستقلال وفق قوانين التكتل الديمقراطي، فماذا نتوقع من ردود الفعل الاستعمارية ؟
لقد سحبت الحكومة الفرنسية أجهتها الفنية، وحجبت رصيدها عن كفالة النقد، كعملية من عمليات الضغط الانتقامي حاولت بعد أن تكشف لغينيا عجزها في ميدان الخبرة والاقتصاد جميعا كي تضطرها للعودة إلى حظيرتها صاغرة ذليلة، ولكن الحزب قاوم هذا الهجوم البارد بدفاع أمثــــــل ( 1)، إذ وجه نداء للشعب دعاه فيه إلى فرنسا بنشاط إيجابي لا يكتفي بالتعويض وإنما ينهض بمعطيات أفضل، فتطوع الشعب بكافة طبقاه للنداء وفي خلال سنة واحدة حول الحزب خدمات الشعب أثناءها إلى مشاريع تعميرية كتأسيس مدارس وشق طرقات تفوق سنتين عاما من جهود الاستعمار، وذلك دون أن تتكلف خزينة الدولة فرنكا واحدا لشيء من هذا.
وإلى جانب التقدم العمراني الفائق، أنجز الحزب تقدمات اجتماعية لها معطيات حضارية مهمة منها تحديد سن المرأة في الزواج، واعتبار رأيها به، وإرجاع المهر إليها لا إلى والديها كما كان الحال سابقا (2)ومنها محاربة التفريق العنصري، والعصبية القبلية. وهذان محرمان اليوم بقانون يعاقب عليهما.

التحــرر الاقتصــادي
التطويق الاقتصادي أبرز لغينيا الحقيقية التالية : هي أن الاستقلال السياسي يظل مثلوما ما لم يتممه استقلال الاقتصاد.


(1)  - يقول سيكولوجي في هذا الصدد:" الفقر مع الحريية أحب إلينا من الغنى مع العبودية".
(2)  -  منى الوضع الغيني الجديد بالمرأة منابة كبرى، وقد كانت المرأة عماد سيكوتوري في تورثه، والمعروف أن الاستعمار شنع على حزبه فسماه النساء وكان سيكوتوري يقول:" في معركة الحرية والإستقلال لا تخسر المرأة سوى أغلالها".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here