islamaumaroc

نحو تربية إسلامية

  دعوة الحق

31 العدد

الهدف من التربية تكوين وإيجاد المواطن الصالح، غير أن مفهوم "المواطن الصالح" يختلف باختلاف الأفكار والفلسفات والعقائد والعادات فالعالم متفق في اللفظ ولكن يختلف قليلا أو كثيرا  في المفهوم منه، وقد وقع مثل ذلك بالنسبة لكثير من الشعارات والألفاظ كالعدل والحرية والديمقراطية، فالمواطن الصالح الذي تريد إيجاده التربية الأمريكية أو الغربية غير الذي تستهدف إيجاده التربية الروسية لأن الغربيين يقومون الفرد والمجتمع بميزان خاص بهم، فهم يؤمنون الفرد وقيمته وحريته ولذلك يقدسون حقوقه الطبيعية ويحافظون عليها ويحرسونها وباحثون لها المجال والنمو والانطلاق.
وكان النظام الرأسمالي التعبير الاقتصادي عن ذلك الاتجاه، وقد نظم المجتمع تنظيما يستوحي كيانه وروحه وحياته من تلك الفكرة وكان إذن من الضروري إيجاد تربية موسومة بهذا الميسم وبالتالي تكوين مواطن يؤمن لهذه التعاليم وبعمل على الانسجام في مجتمع يؤمن بها ويعمل  على الانسجام في مجتمعه يؤمن لها وبعمل لها وبكن مع هذا  أيضا تترك له الحرية للتعبير عن أفكاره وعن اتجاهاته ولو كنت شاذة عن الأعراف العامة ، ويمكن في هذا النظام أن توجد اتجاهات متنافرة مختلفة نتيجة احترام الحقوق الطبيعية للفرد.
أما الشيوعية فهي تؤمن بقيمة الجماعة، فهي كل شيء زوما على الفرد إلا أن يربط قضيته بقضيتها، فهي الحاكمة وهي المالكة وهي الأول والآخر، ولكن هذه الجماعة يجب أن تكون منظمة على الشكل الذي حددته لها الفكرة الشيوعية  والتي  سيجد من تفسير لهما لمصلحة الفكرة، والنظام الشيوعي يؤمن بالديكتاتورية البروليتارية كخطوة ضرورية نحو الغاية المثلى التي يريدها للبشر أو لإتباعه ولذاك فالفكرة عند التطبيق تتسم بالفرض والإجبار والحرص الشديد على تطعيم "المواطن" بذلك الغذاء المجهز، والعمل على الحصار التقني والعقلي حتى لا يتسري إلى ذهنه ما قد يشوه الفكرة أو يسيء إلى المبادئ لصالح الجماعة.
وإذا كان للألفاظ دلالة، وكان من وراء هذه الدلالة مقاصد فإننا امة إسلامية ولو من الوجهة النظرية – لم تتملص بعد من هذا الدين أو تنكر له وتلن عليه الحرب، بل مازال المسؤولون والحمد لله – يصرحون في مناسبات شتى بأن الإسلام هو دين المغري ولن يرضوا عنه يديلا، وأن التأكيدات  الكثيرة لهذا المعنى تفرض علينا أن نسير في اتجاه  الإسلام وتحت ظلال القرآن وفي أضوائه وإلا تتجه اتجاها معاكسا يسلب الألفاظ دلالتهاـ ويلصق بها معاني ونعوتا غير شريفة ، أن الترجمة الحق لتلك التصريحات يجب أن تكون شيئا عمليا يعطي لها المعنى الفعال، واهم شيء  عملي هو تربية تتلاءم وحياتنا الروحية والفكرية وتحقق لتلك التصريحات شرف المعنى ونبل المقصد.
ونحن ترى الأمم قد أرادت شيئا  في حياتها وحددته وسارت في حياتها وفقه، فسجلته في الأنفس والعقول فكان سلوكها منطقيا مع أفكارها، منطلقا مع أهدافها، متجاوبا مع التصريحات التي يدلي بها قادتها.
ونحن لا يتقصنا التحدث عن العنايات ولكن الذي تحتاج إليه العمل على إيجاد تصميم تربوي عام لتحقيقها فالكلمة منفصلة عن العمل جثة بلا روح، وحركة ميتة شيئا إلا أنها تضيف للفراغ فراغا.
وأتى لا تستغرب لأولئك الذين يتغنون بالحضارة الإسلامية وهم لم يحاولوا خلق سرها؛ ونشر وعيها، وأعجب لمن يبغض الشيوعية وينعتها بنعوت خبيثة وهو يعيش على الخيال والفراغ ويساهم يفعله وسلوكه في نشر الشيوعية وغيرها من المبادئ الهدامة للقيم الروحية…
 إننا الآن أمام تيارات مختلفة أهمها التيار الشيوعي والرأسمالي ولكل  من التيارين فلسفة خاصة حول الإنسان وعلاقاته المختلفة وإذا كان الثاني قد طرد الدين من الشارع وحاصره بين جدران الكنيسة ووضع حدا فاصلا بين ما لله وما لقيصر، فان التيار الشيوعي قد طرد الدين من كل مكان واستأصله من أساسه وحدد موقفه من الله ومن الغيبيات بكل صراحة وجرأة وآمن بالمادة ولها وحدها ولكل دعوة فكرة منظمة ومنطق علمي مع ملاحظة أن للفكرة الشيوعية طلاوة وجاذبية وعمقا بما تمنى به الجيوب الفارغة والبطون الجائعة ونزعات الشباب الثائرة، ومثاليتهم الحالمة، من نعيم مقيم، وفردوس عميم ويزيد في بهائها وقوتها ونصاعتها ما حققته الدولة القائدة للفكرة من انتصارات علمية واقتصادية وفنية مدهشة زيادة على التجربة الصينية الخارقة، فهي إذن فكرة مؤيدة بالدليل المادي المحسوس فهل حصنا أنفسنا ضد  هذه الدعوة أو تلك؟ وهل وضعنا لأنفسنا تصميما اجتماعيا بجعل لنا كيانا خاصا بنا؟ وهل اخترنا لصراحة  الطريق السليم الذي بجل أن نسلكه؟ بل ها حددنا غابتنا وأهدافنا؟.
أن الأمم الآن بل ودائما -أصبحت توتي من جهة ضعيفا الروحي والفكري وأن الأمم الخالية من " الفكرة الفقيرة من الإرادة" المشوشة الأهداف المبللة الفكر، مستهدفة لغزوة أمة أعظم منها أفكارا وتنظيما وأن الأرواح الفقيرة والعقول الفارغة والأفكار  الخالية لابد من أن تمتلئ اليوم أو غدا خصوصا وكرتنا الأرضية أصبحت متقاربة أشد التقارب منحازة أقوى ما يكون التجاور.
والصراحة التي يجب أن تكون دائما شعارنا تفرض علينا أن تقول أننا تعيش في فراغ مخيف وذلك ناشئ عن عوامل شتى، ويسمح لي القارئ الكريم إذا ما اتهمنا أنفسنا نحن عن أسباب هذا الفراغ وعن استمراره، دون  أن  نلقى التهمة على الاستعمار الذي اتخذه البعض منا ستارا لتخلفنا الخلقي والفكري فنحن هم الذين أوجدنا هذا الفراغ أساسا، ونحن المسؤولون عنه أولا وأخيرا أما الاستعمار فلم يكن إلا قوة مساعدة، وجدت الاستعداد والقابلية، ومن طبيعة هذه القوة الشر المطلق، والمهم الآن أن تملأ هذا الفراغ بما يتفق وتاريخنا وعقائدنا قبل أن يملاه غبرنا .. إذا لم يكن قد بدا يملئه.
فنجن فقراء " فكرة" هذه  حقيقة لا ننكرها أو يجب عليتا ألا ننكرها، أما الإسلام فهي تعيش في كتبها، غنية بنفسها حية في ذاتها، ولكنها ميتة في نفوسنا لأنها لا تمدنا السلوك أو بالا حرى لا نستوحيها في تنظيمنا العام، ونحن الآن أمام طريقين: كرهنا ، أو نعمل على أدابة الفكرة الإسلامية في كياننا لتتجلى واضحة في سلوكنا وننتقل إلى حياتنا في صور علمية واقعية.
ولعلنا لسنا في حاجة إلى استعادة فكرة أو ابتداع مذهب، فقد ارتضينا دينا، ولهذا الدين نظريته في الإنسان وعلاقته بأخيه الإنسان وبالسماء وإذا كانت المسيحية تهتم بالروح والشيوعية تؤمن بالمادة فالإسلام لا يفضل المادة عن الروح، أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم كما يقول ليوبولد فايس: لم تدع الروحية كشيء منفصل عن الحياة الجسمانية أو مضاد لها بل ارتكزت بالكلية إلى المفهوم القاتل  بأن الروح والجد ليسل سوى وجهين لحقيقة واحدة.
فالإسلام دين يستهدف رفع المستوى المادي والروحي للجماعة الإنسانية ، عن طريق تنظيم اجتماعي مرتبط بالسماء ارتباط المخلوق بالخالق.
وللإسلام مفاهيم خاصة تختلف عن مفاهيم المبادئ الأخرى في قليل أو كثير فله نظريته حول الفرد وحول المجتمع وله نظمه للحكم وقوانينه الجنائية والمدنية والاقتصادية والدولية، وله نظرة خاصة حول الواجبات والحقوق، وليس في حسابنا الآن التحدث عن هذه النواحي إجمالا أو تفصيلا، وإنما  الذي نريد قوله هو أن الإسلام نسيج وحده له طبيعته الخاصة ولذلك يجب أن نضعه المصدر الوحيد لاستلهام نظمنا في الحياة ولإيجاد تربية إسلامية محضة  تستهدف تكوين المواطن الصالح بمعنى" المؤمن" المحدد في الكتاب والسنة ـأما أن نلفق ونرفع فذلك تضييع للمجهودات وإفتاء للحركات وخلق للعبث، واستمرار في حالة القابلية للاستعمار.
إن إيجاد تربية إسلامية أصبحت  اليوم، أو يجل أن تصبح، هي قضيتنا الأولى، لأننا بدونها لا يمكن لنا أن نسير السير الذي ترتضيه امة  تريد النهوض واللحاق بالركب الذي وصل إلى الفضاء  وزاحم الشموس، إننا ننتظر من المسؤولين أن يجددوا الميثاق مع الله، فبحثوا البحث الجدي في إيجاد هذه التربية، ويجب أن بفقد لذلك مؤتمر إسلامي، يجمع أعلام المسلمين في الشرق والغرب ليشاركوا في تصميم بناء امة وميلاد حضارة كان لها شانها منذ قرون.
أما إذا أهملنا هذه القضية العظيمة والخطيرة فإن لفظة الإسلام ستظل على شفاهنا تحمل معنى الفناء وسنجد أنفسنا في يوم ما، قد تغيرت معالم حياتنا وأصبحنا شعبا آخر لا يؤمن بالقيم التي كانت سر عزته ووجوده والتي حافظ عليها أجداده وارتمينا في أحضان هذا أو ذاك.
إن سنة التاريخ تخبرنا أن الأمة إذا لم تكن تعيش بفكرة سامية ولها لا تستحق الحياة حرة عزيزة كريمة وكان نصيبها في الحياة أن تكون ذليلة  مستعمرة إن لم تنقرض.
عن لنا في الإسلام خير وسيلة لإبراز شخصيتنا وإذا كنا ضعفاء متخلفين من الناحية المادية ففكرة الإسلام تجعلنا في مقدمة التيارات العالمية، بل قد تضع على يد هذه "الأمة" انقاد العالم الذي يتخبط في مشاكل روحية  خطيرة. فالمشكلة الأساسية – كما يقول جورج سارطون – في عالمنا اليوم وفي كل يوم هي مشكلة رفع المستوى الروحي لجميع الناس، الاغتناء والفقراء، فإذا نحن خبنا في رفع المستوى الذي يحيا عليه هؤلاء الناس فإن جميع حسنات مدينتنا تصيح حينئذ نقمة عليهم ثم تنحدر وتهلكهم.
إن عالمنا اليوم فشل في حل مشاكله بالقوة والمادة وليس له إلا ميدان الفكرة صراعا وحربا.. أفلا تعمل على إشاعة رسالة الإسلام  في مجتمعنا وبثها في أبنائه عن طريق تربية عامة وشاملة لتكون الرجل المؤمن الذي ينطلق لهذا العالم ليؤدي فيه الرسالة التي قام بها أجداده الذين انقدوا العالم وأمدوه بقيم إنسانية خالدة، وبذلك نحقق  فينا قوله تعالى: "كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله"

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here