islamaumaroc

كيف منع الإسلام والتشريع المغربي الحديث شيوع الخمر بين المسلمين ؟

  دعوة الحق

31 العدد

في هذه الكلمة نظرة عن تطور تشريع الإسلام في منع الخمر وما اتفق عليه سلف هذه الأمة الإسلامية في عقوبة شاربيها وقد شفعنا هذه الكلمة بمنشور وزارة العدل الذي صدر بعد إعلان الاستقلال وتضجر الناس من كثرة شيوع شرب الخمر الذي يهدد المجتمع الإسلامي المغربي بالانحلال ورغبة في تنبيه المسلمين إلى انه لا عذر لتهاون بعض المحاكم في معاقبة السكارى وإجابة لبعض الملحين في اطلاع الرأي العام على التشريع المغربي لدى المحاكم في هذا الموضوع آثرنا نشر هذا الحديث بقسيمه بعد أن أذعناه بواسطة الإذاعة الوطنية ضمن الأحاديث الدينية التي تساهم وزارة الأوقاف بعها في تلك الإذاعة
                                                                           (دعوة الحق)

التشريع الصالح هو الذي يحفظ مصالح الأمة المعنوية والمادية ويدار عنها الشر وسائر الأخطار وانفع التشريعات ما كان مشتقا من نفسية الأمة وأعرافها وتقاليدها.
إلا أن الأمة في طور نهوضها قد تكون فيها عقائد ضارة، وعادات اجتماعية خطيرة، وتقاليد متوارثة قبيحة في أي شان من الشؤون وتكون عريقة فيها فنحتاج بقدر تأصلها وعراقتها إلى جهود جبارة وماع مشكورة وصبر وثبات لمحاربتها فمحو الوثنية في الأمة العربية مثلا قد استنفذ من عمل الرسول الأكرم مجهودا شاقا متواصلا بالتذكير والتشريع والتوبيخ والتشنيع، وأخيرا بالسيف للمعتقدين لها، وعند التغلب بالتحطيم العملي الفعلي لكل معالم الوثنية المنبثة في سائر أنحاء الجزيرة العربية، بالخصوصة في الكعبة بمكة حيث نكس النبي الأصنام التي كانت على ظهرها، تاليا قول الله تعالى: وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، وحيث بعث بعد ذلك علي بن أبي طالب آمرا له أن لا يدع تمثالا إلا طمسه ولا قبرا مشرفا إلا سواه.
وكذلك وقع في شان الخمر التي كانت عادة شربها غالبة على العرب فاحتاج في محاربتها إلى مجهود كبير فقد سال الصحابة عنها وعن الميسر أي القمار، فنزلت الآية التي في سورة البقرة: يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس، وإثمهما اكبر كمن نفعهما، فكان هذا البيان الأولى في الحقيقة كافيا لمن يتفهم مرامي التشريع لان الإثم  الكبير تضمحل مراعاة المنافع أمامه فيمنع الشيء ويحرم بسببه فكان ذلك تمهيدا للآية التي في سورة النساء: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون. فحرم قربان الصلاة في حالة ستر العقل بالمسكر.
ثم ظهر شرور الخمر جلية في كثير من القضايا تنشا عنها العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة فنزلت أية تحريم الخمر والميسر تحريما باتا حيث عرف الجميع حكمة تحريمها معرفة واضحة، كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر اتلله وعن الصلاة: فهل انتم منتهون. وعقب نزول هذه الآية أمر النبي (ص) مناديه أن ينادي في سكك المدينة أي في طرقها: إلا أن الخمر قد حرمت، فكسرت الدنان وأريقت الخمر حتى جرت في سكك المدينة وما كان خمرهم يومئذ إلا من اليسر والثمر. وهذا حديث صحيح.
ولكن كل هذا المجهود لم يكن كافيا لكف الجميع عن شرب الخمر لان عادة شربها كانت مستحكمة، فكان بعض الناس يشربها فشرعت لهم عقوبة وتأديب ففي الحديث المتفق عليه عن انس بن مالك رضي الله عنه أن النبي (ص) أتى برجل شرب الخمر فجلده بجريدتين (أي من قضبان النخيل) نحو أربعين (أي جلدة) قال أي انس وفعله أبو بكر فلما كان عمر استشار الصحابة فقال عبد الرحمن بن عوف اخف الحدود ثمانون فأمر به عمر. فالصحابة قرروا بعد المشاورة أن تكون عقوبة شرب الخمر ثمانين جلدة بعد أن كانت في زمن النبي وأبي بكر نحو أربعين فقط وليس عملهم تشديدا في العقوبة من غير موجب بل وقع ذلك لموجب مهم ذلك أن بعضا من العرب الذين لم يتفقهوا في الدين عاودوا عادة العرب في شرب الخمر، يبين هذا السبب ما أخرجه أبو داود والنسائي أن خالد بن الوليد كتب إلى عمر: إن الناس أنهكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة قال وعنده المهاجرون والأنصار فسألهم فاجمعوا أن يضرب (أي شارب الخمر) ثمانين.
وهكذا بقي التشريع الإسلامي سائدا في العصور المفضلة والعقوبة التي اتفق الصحابة عليها تطبق تارة وتهمل تارة أخرى أما في مغربنا الإسلامي الحاضر فان كثيرا من الناس يشتكون من شيوع الخمر وانتشارها ويقول بعضهم انه لا يوجد تشريع يحرم هذه المنكرات ويعاقب عليها، وليس هذا القول بصحيح بل في التشريع المغربي الجديد ما يحرم ويمنع شرب الخمر على المسلمين ويفرض عقوبات من السجن والغرامات على المخالفين، وإذا كانت بعض المحاكم تتهاون في تطبيقها فهي المسؤولة عن هذا التهاون وحدها وعلى المسلمين أن يطالبوا بتطبيق هذا القانون على السكارى، فقد أصدرت وزارة العدل المغربية بتاريخ 19 شتمبر 1958 منشورا يحمل رقم س ا ب 49 حول منع المسكرات. وهذا نص المنشور:
إلى السيد الوكيل العام بكل من الرباط وطنجة
لقد قررت الحكومة الشروع في محاربة لا هوادة فيها للمسكرات التي تخرق القوانين السماوية وكل قانون ايجابي.
ويوجد الآن تحت الدرس عدد من التدابير القانونية ستنشر عما قريب.
ويلزم قانونيا من الآن ودون انتظار صدور التشريعات الجديدة تطبيق التدابير الضرورية لمحاربة هذه البلية ذات النتائج المضرة للحالة الصحية والاقتصادية للبلاد.
ويحتوي القانون الجاري به العمل الآن على بعض النصوص التي تنظم إنتاج وتجارة المكسرات من جهة ورخص الاتجار فيها وقمع تناولها والسكر علنيا من جهة أخرى.
وإنني الفت نظركم إلى هذه القوانين وأرجو منكم اتخاذ جميع الترتيبات حتى تطبق هذه القوانين بمنتهى الصرامة.
ومن اللائق أن تطالب النيابات العامة بتطبيق القانون تطبيقا صارما كلما نظروا في مخالفات لقانون ترويج المسكرات والكحول.
وكل مخالفة للقانون تقع تحت تأثير الخمر يجب أن تعاقب بشدة وذلك لان حالفة السكر تزيد في خطورة اقتراف أي مخالفة للقانون، ويجب أن يعاقب السكر العلني دون أي تسامح وذلك لأنه خطر على المجتمع.
وان قاضي النيابة العامة بالرباط، الذي هو عضو في لجنة ترويج الخمور التي أحدثها القرار الوزيري الصادر بتاريخ 23 صفر 1356 الموافق لخامس ماي 1937 سيقوم في نفس هذا الاتجاه، بالمهمة الخاصة التي انيطت به على الصعيد الإداري. ونلفت انتباه قضاة النيابات العامة التابعة للرباط:
إلى ظهير 30 رجب 1334 موافق ثاني يونيه 1916 المتعلق بالمسكرات الذي «ينص عل معاقبة كل من ثبت عليه أي تساهل في تطبيقه» وإلى القرار الويزاري المؤرخ بـ 23 صفر 1356 الموافق لخامس ماي 1937 وعلى الخصوص إلى:
أ- المادة 17 منه التي تقضي، في بعض الحالات، بالإغلاق المؤقت أو النهائي لبعض حوانيت بيع الخمور.
ب- المادة 18 منه التي تسمح للمحاكم أن تحرم كل من أعاد ارتكاب نفس المخالفة من حق مزاولة أية وظيفة أو عمل عمومي.
ج- المادة 20 منه التي تنص على تعليق الحكم الصادر ضده بباب متجره.
وفوق هذه العقوبات توجد عقوبات الغرامة والسجن المنصوص عليهما في القانون. ويجب تطبيق المادة -3- من نفس القرار بكل صرامة، وهذه المادة تحرم على كل مسلم الاستفادة من ترويج الخمور أو شربها، وتنص كذلك على معاقبة كل باع خمورا للمسلمين، وتتمثل هذه العقوبات في السجن لمدة تتراوح بين 30.000 فرنك و 200.000 فرنك «وتضعف هذه العقوبات في حالة إعادة ارتكاب نفس المخالفة» وكذلك الإغلاق الموقت أو النهائي للمؤسسة وتعليق الحكم ببابها.
ويجب على رؤساء النيابات العامة في حالة ما إذا أظهرت المحاكم كثيرا من التسامح أن يستأنفوا الأحكام أو القرارات التي تظهر لهم أنها مشوبة بالضعف وعدم الصرامة.
وإنني اعلق أهمية كبرى على النشاط والغيرة اللذين سيبذلهما قضاة النيابات العامة في هذا الميدان. ومعلوم أن المهمة الرئيسية لهؤلاء القضاة هي حماية المجتمع. وان نشاطهم في محاربة الخمور هو حماية كذلك للفرد ضد أهوانه المضرة. ولهذا يجب عليهم إلا يترددوا أبدا في التقدم بكل رأي من شانه أن يعين على تطبيق القانون بكل صرامة. وأرجو منكم تنبيههم لكل هذه التوصيات وان تدلوني على القضاة الذين يتميزون في محاربة الخمر والسلام.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here