islamaumaroc

اللغة العربية بخير يا دكتور

  دعوة الحق

31 العدد

يجتــاز المغرب مرحلة خطيرة في بنائه القومي وقد شعر بمسؤولياته كشعب حر يريد أن يمشي في الطريق على قدمين ثابتين منذ حصوله على الاستقلال السياسي بل لعله أدرك أن هذا الاستقلال إنما هو نقطة انطلاق فقط وأن المشاكل الثقافية والفكرية التي واجهته ربما تكون أصعب بكثير من جهاد التحرير والتحرر، ولذلك فمن الطبيعي أن نجد المفكرون والقادة يبحثون جادين عن السبيل الأمين وعن المسلك الذي نخرج منه إلى النور دون شويه للشخصية المغربية العربية المسلمة ودون تفويض جذري لحضارة إنسانية عريقة تنتظر منها الإنسانية نفسها أن تنهض لتساهم في بناء مجتمع أفضل، إنه من السهل أن ننسلخ من مميزاتنا السياسية ولكن من الصعب أن نحافظ على وجودنا في هذا العالم المضطرب لما ننسلح عن هذه المميزات.
نحن إذن في مفترق الطرق، ومشكلنا في هذه الفترة الخطيرة مشكل فكري، فالفراغ العقائدي الفلسفي في بلادنا يجب أن يمتلئ بمذهب عميق لا تردد فيه أو بعده، ووظيفة المفكرين الصادقين هي البحث والتنور الشعبي ودحض كل رأي هدام يمس وجودنا كشعب مؤمن له حضارة ورسالة وأنه لمن البوادر الحسنة لهذا الاهتمام الفلسفي في المغرب ما دار وما قد يدور من نقاش حول اللغة العربية وكنت أود أن أستمع ممن لمعت أسماؤهم في هذا المجال ولكن للأسف قل منهم من أبدي رأيه بشكل عملي وجدي. ومع ذلك فقد استفاد الحاضرون ورسخت بعض الآراء السديدة، إلا أن صوتا صرح بأفكار خطيرة حول اللغة العربية هذا الصوت هو صوت الدكتور الحبابي أستاذ الفلسفة في كلية الآداب وذلك في ندوة عامة أغلب الحاضرين فيما أساتذة فرنسيين وقبل أن أناقش الدكتور أريد أن الخص ما جاء منشورا له في مجلة Confuent) ) عدد 7 مايو
قال الدكتور الحبابي:
- إن اللغة العربية أمام فئتين من الناس: فئة أولى تنظر إليها كحسناء وصلت إلى ذروة الشهرة والاعتبار (ونحن لا نستطيع مناقشة هؤلاء لاندفاعهم الشديد مع العاطفة دون العقل والمنطق) وفئة ثانية أحاطت باللغة العربية كما يحاط بفتاة في سن المراهقة فكادوا يخنقوها ويكتموا أنفاسها لشدة  خوفهم عليها.
- كل ندوة اليوم هي ندوة تحكيم بين مرشحين لمسابقة مكة جمال المغرب: المرشحة الأولى حبتها الآلهة والخالدون بأبدع الصفات منذ ثلاثة قرون وهم لا يزالون يجملونها ويسبغون عليها آيات الحسن والجمال. فما أرشقها وما اخف روحها وما أعمق ذكاءها. كانت محظية الآلهة والأدباء العباقرة من "كورني" إلى "ساغان"،وجمالها يتجدد كتجدد سبل نهر " السين" المتدفق الخالد- والمرشحة الثانية هي صاحبتنا السالفة الذكر قدمت في حركات مضطربة وهي ترتدي عباءة مهلهلة، أنها من أصل قروي وخلافا للأولى فلم تحط بالإبداع أو الخلق الإلهي.
- إذا نحن نعرف من الآن نتيجة المسابقة ولمن تكون الغلبة، ولكن الوضع يتعدى النظرة الجمالية، فالقضية أكثر تعقيدا لأن اللغة العربية بالإضافة إلى إنها آلة التثقيف والتبادل الفكري فهي كذلك أداة هامة للاتصال الاجتماعي-ولعل بعضكم يظن أن هذه العروسة البدوية ساحرة الجمال، ولكن اقتربوا منها وتمعنوا وجهها فسوف تبدو لكم التجاعيد والقطوب تحت الأصباغ والمساحيق.
- فنحن نعترف أن اللغة العربية شاخت أو تكاد ولكنها لم تمت بعد، إنها منهوكة القوى وما يجب فعله هو خضها بعنف.
- إني ألاحظ على اللغة العربية ملاحظات عديدة منها:
1) المترادفات الكثيرة للمسمى الواحد.
2) مشاكل النحو والأعراب.
3) الاهتمام بشكلية اللغة والبلاغة فيجب القضاء على زخرفة الألفاظ والإبقاء على المعاني فقط.
4) القضاء على  "الحشو" أي تلك الكلمات الجوفاء التي لا تحمل في طيها أي معنى.
وهنا استشهد الدكتور برسالة لأحد المعجبين به ونصها هكذا : حضرة الفاضل المحترم الأستاذ الحبابي أستاذ ب... فالحشو هو تكرار ما لا واعي له -سخف معنى" الفاضل" ومعناها بالفرنسية" "الشريف النبيل".
- كانت الفرنسية في عصر الجاحظ والمتنبي لغة حية معبرة لأن هؤلاء الأدباء كانت لهم أفكار يعبرون عنها وبعد هؤلاء انحطت اللغة العربية مجرد رصف لفظي -وقد صادف عصر المقامات عصر انحطاط الثقافة الإسلامية. أما الحلول التي يقترحها الأستاذ الحبابي فهي:
- الحلول بسيطة جدا :
1) أبعاد اللغة عن المفهوم الديني التقديسي وجعل اللغة تجلس على الأرض.
2) مد اللغة بأعصاب وعضلات جديدة وبمحتوى واقعي -هذا المحتوى لا يوجد في العالم العربي وعلينا أن نستجلبه من الغرب- ولكن على هذه الأفكار الغربية أن تأخذ قالب العقلية العربية وعلينا نحن الذين نتقن الثقافتين أن نلعب هذا الدور.
3) علينا أن نكون أصحاب الثقافتين المزدوجتين.
4) لقد تتلمذ الغرب على العالم الإسلامي فيما مضى وعلينا أن نأخذ من الغرب ما ينقصنا اليوم بدون خجل أو مواراة.
- هناك بوادر حقيقية لإنعاش ثقافي عقلي يبشر بالخير الكثير ".
هذه خلاصة أمينة لما جاء في مقال الأستاذ الحبابي حول رأيه عن اللغة العربية، وهذه الأفكار لغرابتها تحتاج إلى شيء من المناقشة وتوضيح بعض المفاهيم التي تضمنت حقائق مغلوطة واقعيا وتاريخيا ولا سيما أن هذه الأفكار جاءت على لسان فيلسوف فلا سبيل إلى طرحها جانبا دون تمييز الخطأ منها من الصواب فلقد قال الأستاذ في افتتاح الندوة أن اللغة العربية أمام فئتين من الناس، الأولى رفعتها إلى السماء وأصبحت عليها أبلغ ما توصف به لغة، ولا أدري ما الأمر الذي دفع بالأستاذ إلى اعتقاد هذا الرأي فمن قال بأن اللغة العربية هي أفضل اللغات على الإطلاق ؟ وإذا كان بعضهم فيما مضى زعم هذا الرأي فأين هو المفكر أو الناقد الواعي، الذي ارتأى هذا الحكم اليوم بعد أن تعمقت الدراسات حول أصل وفلسفة اللغات، لعل بعضهم زعم أنها بليغة جديرة بالبقاء ويؤمن بهذا الرأي كل من له إلمام جامع بالعربية –أو لعل آخرين أبدوا اهتماما زائدا بالعربية لاعتقادهم بأن اللغة هي أداة الاتصال بين الشعوب العربية المجزاة، وأن هذه اللغة لو توحدت لقربت المسافة بينها وبين اللغات  واللهجات العامية ولامكن لنا أن نوحد العقول وإذا توحدت العقول والأفكار وضمتا عاليا عربيا موحدا كأعمق ما يكون الإتحاد، فهذا الاهتمام عقائدي قومي وليس معناه فضل العربية على غيرها ولا عيب في هذا الانشغال الكبير باللغة لأننا اليوم في فترة بناء ونحن لا نريد أن تكون المواد الداخلة في هذا البناء ارتجالية ومستعملة استعمالا اعتباطيا ولكن يجب أن نحاسب وأن ندقق حتى لا ينهار الصرح وتذهب الجهود عبثا.
ولا أعرف أحدا خاف على اللغة أن يصيبها سوء لأن العربية لها مقاومة ذاتية ولا تخشى النزال أو الصراع وقد خرجت ظافرة من معارك شتى منذ أربعة عشر قرنا احتكت فيها بأكثر من حضارة ولغة واحدة وكانت تؤثر أكثر مما تتأثر وكانت تعطي بسخاء أكثر مما تأخذ، ونراها اليوم كما كانت في الجاهلية بنفس الصفاء ونفس الرنين والبلاغة، فما رأيك يا أستاذ في هذه الأبيات من الشعر الجاهلي :

ولقد ذكرتك والرماح نواهـل
              منى وبيض الهند تقطر من دمي
  فوددت تقبيل السيوف لأنهـا
             لمعت كـبارق ثغـرك المبتسـم
أو هذه الأبيات:
لا أحد الأم من حطية              هجا بنيه وهجا المرية
               من لؤمه مات على قرية
أو هذه:
لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب
                  ولا ينال العلى من طبعه الغضب
إلا تشعر يا أستاذ أن أصحاب هذه الأبيات كأنهم يعيشون معنا اليوم والواقع أن تاريخهم يعود اليوم إلى أكثر من خمسة عشر قرنا -ولكن حاول أو نقرأ لشاعر فرنسي في القرن الرابع عشر ميلادي فسوف تركض باحثا عن المعاجم اللاتينية والفرنسية القديمة لتسعفك بالمعنى المقصود.
لقد وصف الأستاذ الندوة التي كان يحاضر فيها بندوة تحكيم لاختيار ملكة الجمال من بين مرشحتين هما الفرنسية والعربية، وقد أطلق لخياله العنان حينما تحدث عن اللغة الفرنسية الحسناء فرآها ساحرة القوام فاتنة القد، رائعة الحسن وحينما تكلم عن العربية تحدث بتقزز واشمئزاز فأضفى عليها الثياب البدوية، كن أحسب الدكتور فيلسوفا حقا ينظر إلى جمال الروح وسحر الابتسامة المشرفة وإلا يوقف النظر على السيقان والأرداف، بل كيف نجري المقارنة بين الفتاة الأوربية الشقراء مع الفتاة العربية السمراء الكاحلة العينين وكل منهما يمثل ضربا من الجمال ولكل منهما عشاقها ومريدوها، أن من السخف أجزاء مقارنة بين لغتين مختلفتي الأصل والملامح، قد تكون المقارنة في المعاني والأدب دون اللغة والأسلوب لأن اللغة تسمو أو تسف حسب عبقرية القلم الذي يضفي عفيفا الروح والمعنى العبقري، أن اللغة كالعجينة تأخذ الشكل الذي يصورها عليه الفنان وكم يختلف الفنانون فيما بينهم من حيث المقدرة والتذوق والتعمق والإدراك- ثم أني لا أرضى من مغربي عربي مسلم أن يعطي هذه الصورة البشعة للعربية أمام جمهور من الجانب، وقد اعترف المستشرقون أنفسهم بدقة العربية ومرونتها وقدرتها على إجلاء أعماق النفس والتحليق في أجواء الروح (ابروكلمن في كتابه: تاريخ الأدب العربي)- أن الشرط الأساسي الذي يجب أن يتوفر فيمن يتصدى للكتابة بالعربية أن يكون من أهلها وأن يمارسها طويلا حتى تلين له، لقد قيل قديما: أن العربية مطية لا تلين إلا لأصحابها، فهل الأستاذ الحبابي من أبناء العربية الذين يعرفون أسرارها ومداخلها حتى ينطق بالحكم الفصل، أن على الأستاذ أن يراجع ضميره وعمله قبل أن يلحق بالعربية أقبح الصفات.
ويقول الأستاذ بعد ذلك أن اللغة العربية شاخت وكانت تموت، ومرة أخرى من ابن لك بهذا الرأي؟
إن نظرية شبيه اللغة والمظاهر الاجتماعية الأخرى بالكائنات الحية هي نظرية الفيلسوف الإنجليزي" سبنسر" صاحب المذهب العضوي والشبه حاصل من حيث الطور والمرور على مراحل الأعمار من الولادة إلى الموت، غير أن هذه النظرية لم تعد مقبولة وأصبحت تاريخية فقط لأن الحادث الاجتماعي حادث معقد متداخل وهو لا يتبع سيرا منتظما متناسقا حتى نحكم على مصيره، وإذا اتفقنا جدلا على أن اللغات تولد وتشيخ ثم تموت فإن اللغة العربية خاصة لا يجري عليها هذا المفهوم إطلاقا خلافا للغات الأخرى، لو قمنا بإجراء دراسة مقارنة بين اللغة العربية في عصر الجاهلي واللغة العربية في  القرن العشرين لما رأينا خلافا جوهريا، أن طلابنا في المدارس الثانوية يقراون بسهولة الشعر الجاهلي ويتذوقونه وإذا كان هناك فارق بين اللغتين ففي التبسيط واختيار كلمات دون أخرى، وأظن أن السبب الرئيسي في كون العربية لم تتغير بعد تغيير اللغات الحية الأخرى هو القرآن فلولاه لأصبح الأدب العباسي مثلا أدبا أعجمي اللسان لا يفهمه إلا المختصون في الآداب القديمة- ومثال ذلك في اللغة اليونانية فبالرغم من أن آدابها القديمة خالدة (الألياذ والاوديسا) فلم تستطع أن تقاوم الزمن وأصبحت اللغة اليونانية اليوم غير اليونانية في عهد أرسطو وزينون، فالقرآن الكريم هو السر في بقاء العربية صافية الأديم محافظة على بنيانها القديم، ولهذا فلم تشخ العربية ومن الخطأ الفادح اعتقاد هذا الرأي المرتجل بل أن آخر المطلعين على العربية يقول بأنها اليوم في انتعاش جديد وفي إحياء حقيقي وليس بعيدا أن نرى العربية لغة دولية عالمية، وأتأسف لكون الأستاذ الحبابي لا يقرأ ما ينتجه الشرق وما يكتبه الأدباء والعلماء هنالك، ولو هو فعل ذلك لوجد العربية في حال غير الحال التي هي عليه هنا في المغرب لحداثة عهد النهضة هنا ولقلة الكتاب. أما في الشرق فقد قطعوا شوطا بعيدا في ميدان الترجمة والتأليف، في لبنان مثلا نجد أن آخر ما يكتب في الغرب يترجم حالا إلى العربية بالنص الكامل وبأسلوب واضح بليغ لا التباس فيه. إن اللغة العربية لغة حية، بشرط أن يكون صاحبها على علم بتكوينها تماما كجهاز الكتروني معقد يستحيل على من يجهله أن يستعمله استعمالا جيدا.
وبعد ذلك يأتي الأستاذ الحبابي ويلاحظ على العربية ملاحظات أقل ما يعقل عليها به هو: أن الذين قالوها فيما مضى قوم يجهلون العربية أو دخلاء عليها، وإلا كيف يعقل من دكتور في الفلسفة إن ينتقد العربية بكثرة المترادفات وكل اللغات تحتوي على هذه الظاهرة (لينظر الأستاذ في قاموس المترادفات الفرنسية) ثم أن المترادفات لا تدل دوما على معنى واحد بل هناك بين المترادفات فروق دقيقة، أطلق العرب-مثلا- على شعر الرأس أسماء عديدة منها: الذؤابة، العميقة، الفروة، الناصبة، الفرع، الغفر. وسيظن الغير المتعمق في اللغة العربية أن هذه المترادفات لا فرق بينهما وأنها أسماء لمسمى واحد، لنفتح كتاب فقه اللغة للثعالبي فسنجد فيه فصلا خاصا من أسماء شعر الرأس العميقة الشعر الذي يولد به الإنسان، الفروة شعر معظم الرأس، الذؤابة شعر مؤخر الرأس، الفرع شعر رأس المرآة، الغديرة شعر ذؤابتها الخ..  أن هذا التمييز الدقيق للمسمى الواحد يدل على ذكاء العرب، وطلاب علم النفس يعرفون هذه الحقيقة فالطفل الذي يميز في كتابه عدة صفات هو طفل ذكي فوق الوسط والذي لا يطلق إلا وصفا واحدا هو طفل محدود الأفق، وإذا كان العرب أكثروا بعض المترادفات على مسميات معدودة كالناقة والسيف والأسد فلان بيئتهم ضيقة المجال فقيرة المناظر، والعربي متجاوب مع هذه الطبيعة الجرداء الشحيحة، ومع ذلك فإن إثارة مثل هذه الانتقادات اليوم هو نقد لا معنى له لأن اللغة العربية المعاصرة لا تحتوي على تلك الكثرة من المترادفات القديمة، والحديث يدور اليوم واقع العربية الآن والتي أصبحت مصفاة بعوامل الانتخاب الطبيعي وقانون التطور الذي يماشي العصر والزمن.
ينتقد الأستاذ صعوبات الإعراب والنحو في اللغة العربية وأنا لا أدري ماذا أقول لأن الأستاذ يريد أن يجعل اللغة العربية تماما كاللغة الفرنسية أو الإنجليزية ولعله تناسى أن اللغة الألمانية مثلا أصعب بكثير من العربية ونحوها معقد إلى حد بعيد وهذه الصعوبة لم تمنع الألمانية أن تكون لغة الفلسفة والآداب والعلم ولغة الشاعر(جوقه) والفلاسفة "كانت وشويتهاور ونيتشه". اللغة العربية هكذا خلقت ولن تبقى لغة عربية إذا أبعدنا عنها النحو، على أن الاتجاه الحديث في النحو وتيسيره قد نجح ولم يعد الطالب في المدرسة الثانوية مكلفا بالإحاطة بكل تلك المشاكل والنظريات الفلسفية في النحو وتركت هذه الدراسة في التعمق لطلاب الجامعة في صف الاختصاص، إن النحو المدرسي اليوم سهل للغاية بل أجزم أنه أبسط بكثير من الصعوبات التصريف في اللغة الفرنسية وتعقيد أعراب الجمل فيها، والمهم في الموضوع أن لكل لغة شخصيتها ومميزاتها الخاصة بها إن سهلا أو صعبا.
وبعد ذلك يقترح الأستاذ القضاء على شكلية اللغة والدب والاهتمام فقط بالمعاني دون اللفظ وشقشقة البلاغة الجوفاء، إني لا عجب كيف يقترح الأستاذ هذا الرأي وهذا المشكل قديم جدا ولم يبت فيه حتى اليوم ولا أظن أنه ينتهي منه فهنالك أنصار المعاني وهنالك أنصار اللفظ، أثير هذا السؤال حول سر إعجاز القرآن، هل هو في لفظه أو في معناه؟ وأعتقد أن الرأي يتجه إلى اعتبار أعجاز القرآن في لفظه لأن المعاني موجودة في كل عصر ولكن تأديتها هو الذي يختلف من شخص إلى آخر، ويستحيل أن نقضي على شكلية اللغة والأدب لان الشكل أو الأسلوب أو الأداء شرط لازم للكلام  البليغ والكاتب العبقري هو من يوفق بين متطلبات المعنى واللفظ على حد سواء، ففي اللغة الفرنسية مثلا أثير هذا الموضوع بين الكتاب.
الكلاسيكيين أو المدرسين والأدباء الرومانتكيين في القرن التاسع عشر، تعصب الأولون إلى الأسلوب وأداء وكان الرومانتيكيون يرفعون من شأن المعاني ثم أعادت المدرسة البارناسية حرمة وجلال اللفظ وهكذا دواليك حتى عصرنا حيث نجد الاتجاهين على قيد البقاء، ولذلك يستحيل القضاء تماما على اللفظ وعلى البلاغة، وربما ينتقد الأستاذ تطرق أنصار البلاغة ولكن هذا النقد يوجه كذلك إلى المبالغين في أهمية المعاني دون اللفظ، وإلا كيف نستيغ معنى جميلا في ثوب مهلهل ركيك أو أسلوبا رصينا لمعنى سخيف ؟
ولا داعي للإشارة إلى استدلال الأستاذ على ضعف اللغة العربية برسالة ذلك المعجب بالدكتور الفاضل لأنه استدلال فاسد لا يأتي به عاقل، وأكتفي بأن أطلب من الأستاذ الحبابي أن يقرأ قليلا كتب الحكيم والزيات والعقاد مثلا ليحكم على اللغة العربية، وإني آسف جدا أن تكون هذه الأسماء قد غابت عنه فاحتج بمن يأخذ صفرا لو تقدم إلى مادة الإنشاء في الشهادة الابتدائية.
ذكر الدكتور الفاضل أن اللغة العربية في عهد الحريري كانت منحطة وأن هذا التأخر اللغوي صادف تقهقر الثقافة الإسلامية، وهذا رأي خاطئ تاريخيا على الأقل لأن زمن الحريري هو القرن الرابع الهجري والقرن الرابع هو عصر أكبر فلاسفة العرب (ابن سينا، الفارابي، الغزالي) وأشهر الرحالة والمؤرخين: اليعقوبي، الطبري، المسعودي، ابن الجوزي) وأعظم علماء الرياضة والفلك (الخوارزمي، الكندي، ابن الهيثم، الخيام، الطوسي) وفي هذه الفترة وصل علم الكلام إلى أوجه وكذلك الفقه والتصوف، وقد كتبت في عصر الحريري أضخم الموسوعات الأدبية : الأغاني للأصبهاني والكامل للمبرد وعيون الأخبار لأبن قتيبة هؤلاء جميعا عاشوا في القرن الرابع وعاصروا لحريري وإذا كان الأدب في فترة الجمود فقد كان الثقافة الإسلامية في عصرها الذهبي الذي أشرقت فيه شمس الحضارة ونضجت ثمار الثقافة.
وبعد هذه الملاحظات يأتي الأستاذ باقتراحاته الخاصة لإصلاح اللغة لعربية، أولا بأبعاد اللغة عن" المفهوم الديني التقديسي" وإني لأود أن أقف طويلا عند هذه الفكرة لخطورتها ولكني سأخصص مقالا كاملا حول علاقة الأدب بالدين في الغرب وفي الشرق المسلم ذلك في عدد قريب من" دعوة الحق" وسأكتفي الآن بأن أقول للأستاذ أنه يجب ألا يردد كل ما يقوله الناس بدون فهم وروية على الأقل لأن فكرة فصل الأدب عن الدين فكرة غريبة لا أظنها صالحة بالنسبة إلى عالمنا العربي ذي الطابع والتكوين الخاص والمعتز بدينه الإنساني الخالد، ولا أظن أحدا قال بأنه يجب أن نفصل اللغة عن المعاني الدينية لأن اللغة أداة يمكن استعمالها في الخير والشر في التصوف واللاهوت أو التنجيم والشعوذة، أن اللغة تماما كالعلم الذي أعطانا الطاقة الذرية لنحرك بها المصانع في خدمة الإنسان والقنبلة الذرية لتدمير حضارة الإنسان، ولا أدري معنى لفصل اللغة عن الدين ما دامت اللغة حيادية بطبيعتها. أو لعل الأستاذ يريد منا ألا نعتقد بقدسية نشأة اللغة أي أن اللغة كانت تخدم الدين الذي رفعها إلى مستوى جليل، وهذا الرأي لا يقوله الباحثون إلا بتحفظ إذ أن العربية وجدت قبل القرآن ونزول الإسلام وأن العربية لها قوة ذاتية وأنها ظاهرة اجتماعية والدين ليس إلا إحدى العوامل التي جعلتها تبرز وتنتصر على باقي اللغات السامية الأخرى.
يقترح الأستاذ الكريم أن نتوجه إلى الغرب بحثا عن المضمون الرفيع لأن الشرق العربي أخفق في هذا المجال ولم يعد صالحا ليكون محتذى وقائد المغرب المتحرر. فياله من رأي خطير يا حضرة الأستاذ الفاضل، أنه لصوت نشاز ينطلق في لحن شجي، نحن اليوم نسعى لتكوين عقل واحد من المشرق إلى المغرب والمجهودات ناجحة تبشر بقرب المنشود. فإذا بالأستاذ يطلقها زعقة مدوية مجلجلة بأن أفصلوا بين الشرق والغرب، ومتى انفصل هذا الجسم الحي جسم العالم العربي عن بعضه بعضا حتى تريدوا له هذا المصير؟ ومتى كان الغرب قائدنا في دنيا الأدب وصوت الشرق في أعماق نفوسنا بأسمائه اللامعة وكفاحه الجبار؟  كيف نبحث عن مضمون أدبنا في الغرب ونحن نعيشه هنا في العالم العربي في دنيا البناء والكفاح والتحرر؟ هلا تريد أن نتتلمذ في الأدب على" جيد" ذلك الشاذ جنسيا أو على " سارتر" الهدام للقيم الروحية أو على" سيمون دي بوقوار" التي لا تؤمن بالمرأة كأم وإنما كجم للذة وكفى؟ نحن يا أستاذ نقرأ لهؤلاء جميعا لنطلع على أجواء جديدة ولكن لا نستطيع أن نتتلمذ عليهم لأن هؤلاء لا يعتبرون عن واقعنا الشرقي العربي المحافظ.
أما أدباؤنا العرب فقد عاشوا ظروفنا وامتزج دمهم بدمنا، أن هؤلاء قد يعطونا أفكارا ولكن لن يعطونا روحا تنبض بالحياة، قد يقدمون لنا بعض مواد البناء ولكن المقاول والمهندس منا من أدبائنا العرب في المشرق. نحن نستطيع أن نستجلب من الغرب السيارة المكيفة الهواء وشفرة الحلاقة وأحمر لشفاه، ولكن هيهات أن نجد عندهم أدبا عربيا فصيح الروح واللسان الأدب ليس سلعة تباع إنه ينبع من أبنائه ومن ترابهم وكفاحهم وماضيهم، قد كان الشرق العربي منارة للمغرب ولا عار علينا أن نحن تأثرنا بأدب شوقي وجبران والزهاوي وغنيم لأن هؤلاء سبقونا في الزمن وسمحت لهم ظروف حرمنا منها، وإذا أخذنا اليوم فسوف تعطيهم غدا، فنحن أخوة أشقاء من أسرة واحدة ولن تنجح وسائل الفرقة مهما كانت خفية أو مقنعة.
وختاما لهذا الاعتراض على مقال الأستاذ الحبابي أود أن يكون الأدباء عندنا والمفكرون في المغرب أكثر تحريا في إصدار الحكام وأن يزنوا الكلام وإلا يستخفوا بعواطف الشعب وأن يكونوا بنائين عربا، والشعب العربي لن يقبل منهم سوى عروبتهم وإسلامهم ونضجهم الفكري العميق- ولا شك أن الأستاذ الحبابي له مكانته في عالم الفكر في المغرب فنرجو منه أن يكون أكثر جدية إذا ما تحدث عن الثقافة العربية وعن لغة الضاد، ونصيحتها إليه هي أن ينكب على دراسة هذا التراث العربي الجليل وهو لا شك فاعل أن أراد أن تبقى له حرمته كأستاذ جامعي تجري في عروقه الدماء العربية الصافية.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here