islamaumaroc

المغرب ومشاكل الحدود البحرية

  دعوة الحق

31 العدد

يثيــر وجود الدول كوحدات متمايزة كثيرا من المشاكل والتعقيدات التي تختلف صورها وأشكالها لاختلاف الظروف والأحوال والملابسات، ومن بين هذه المشاكل والتعقيدات مشكلة الحدود الموجودة بين مختلف الأقطار والتي تكون بحق الفواصل الطبيعية والجنسية والسياسية وغيرها بلدان العالم وشعوبه، وبقدر ما تتسم به الحدود بين الدول من أهمية بالغة باعتبارها الأساس الضروري لتجسيد الكيان المادي الخاص لكب مجتمع إنساني ذي واقع جنسي أو اتفاقي أو سياسي معين –بقدر ما تثير من معضلات ومصاعب في المحيط الدولي تقود أحيانا على نشوب النزاعات المسلحة ذات النطاق العالمي أحيانا مثل الحرب العالمية الثانية مثلا.
وبما أن حدود دولة ما تعني –مبدئيا- مجموع المواقع التي تحدد نطاقها العام وتميز كيانها المادي عما عداها فإن الحدود بهذه المثابة تشمل جميع نقط التجاوز بين تلك الدولة وبين العالم الخارجي أي مواطن التماس بين أراضينا وبين ما يصاقب هذه الأراضي من دول أجنبية وجبال أو بحار عامة أو غيرها.
والحالة الأخيرة حالة الحدود البحرية هي ادعى الأحوال في هذا الموضوع على الالتفات والاهتمام بالنظر لما تثيره وفي المفاهيم القانونية الدولية من مجادلات موصولة وما تحدثه في الأسرة العالمية من مشاكسات ومصادمات صاخبة وحادة تصل  أحيانا إلى مستويات عنيفة نسبيا.
وليس المغرب –في الواقع- أن يبقى بمعزل عن الاهتمام بالتطورات السياسية والقانونية التي تتصل بهذا الموضوع لأنه يتوفر فعلا على جميع المبررات التي تدعوه لهذا الاهتمام من موقع جغرافي ووضع اقتصادي وارتباط سياسي وغير ذلك،  زيادة على ما يوجد –بصفة عامة- بين مشاكل الحدود البحرية وبين نظام البحار الذي يعني كافة الدول والشعوب من صلات ووشائج أصلية وملحوظة فالخلاف الدولي حول الحدود المائية ليس في جوهره إلا جزءا من خلاف على مستوى أعلى ويتصل بنظام استقلال البحار العامة وما يثيره بين مختلف الشعوب من منافسات ومزاحمات متعددة الصور والإشكال فالبحار والمحيطات وجميع المجالات المائية المشاعة في العالم لم تكن نسبة باستغلال مواردها واستنفاد إمكانياتها في حقبة من حقل التاريخ أعلى مما توجد عليه في العصر الحاضر وهذا ما يفسر العناية البالغة التي تبدنها مختلف الأمم بموضوع قوانين البحار والروح الاستشارية التي تحدو كل أمة إلى التماس أسباب الحصول على أوفر قسطك من الامتياز فيها والسيطرة على أكبر حيز ممكن من مسافاتها وأبعادها.
وقد كان من دواعي تضاعف الاهتمام بأمر البحار وما أصبح لاستغلالها  من ارتباط بمقتضيات التقدم الاقتصادي والمواصلاتي وازدهار الحياة المعيشية والاجتماعية بالنسبة  لكثير من الأقطار، فالبحار والمحيطات تتأكد صفتها –مع الأيام– كمصادر هامة وأساسية لاستخلاص أنواع من عناصر الطاقة واستغلال كثير من الثروات الطبيعية على اختلاف ألوانها وتباين منافعها وصلاحيتها ن كما أن  التقدم الفني الحديث ما فتئ بساهم في تعبيد سبلا هذا الاستغلال وتنويع أساليبه وتوسيع نطاقه وذلك في أشكال عدة تختلف أنواعها باختلاف الغايات  والمرامي التي توجه كل جماعة وجهتها الخاصة فهناك مجال في البحار للمعنيين بالدراسات الجغرافية والجيولوجية وكذلك للمهتمين بالتطبيقات العلمية والفنية وغيرها كما أن هناك في البحار أيضا متسعا للبحث عن مختلف ألوان الثروة من استهلاكية وصناعية وترفيهية  وطلبة وغيرها، بل أن الثروات البحرية بأشكالها المختلفة هذه لم تعد موضوع عناية الأفراد ومرتكز نشاطهم المهني الخاص فقط، بل أصبحت الاستفادة منها -على أوسع نطاق– شأنا هاما من شؤون الدولة تستعين به في بناء هيكلها الاقتصادي وتستند إليه –بالتالي– في ضمان بعض الجوانب في ميزانيتها الأساسية أو الإضافية، فقد إذا النشاط البحري المرتبط بالسمك مثلا يؤلف نواحي هامة من الاقتصاد  القومي لكثير من البلدان   والأقطار وذلك كالمغرب الذي تعتمد فصول ضرورية من موازنته العامة  على حركات اصطياد السردين وتعلبيه وتصديره ونمت كمثال أيضا كثير من الأقطار الأخرى التي تتميز بأحوال مماثلة بل أن من لبن هذه الأقطار ما يكاد اقتصادها القومي ينحصر-بصورة أساسية– في نطاق الموارد الصيدية خاصة ومن أمثلة ذلك :  ايلاندة، تلك الجزيرة النائية التي يعتبر السمك قاعدة رئيسية في بنائها الاقتصادي الوطني سواء في ذلك ما يتصل بمستواها المعيشي الخاص أو يتعلق يتطور تجارتها الخارجية، وهكذا الشأن بالنسبة  للصور الأخرى التي يتمثل فيها الاستغلال البحري كاستخراج الأحجار الكريمة أو غيرها.
وإذا كان أمر البحار يعني بهذه الصورة عموم الدول والحكومات التي تحدوها اهتمامات علمية أو مصالح اقتصادية أو ستراتيجية أو غيرها فإنه يهم بصورة أخص الدول التي تتوفر على امتداد ساحلي خاص نتيجة لموقعها الجغرافي البحري أو المحيطي، فالأمر بالنسبة لهذه الدول ليس فقط استثمارا أو استغلالا بقدر ما هو أمر حفاظ على الحوزة والحمى وتامين للذاتية والكيان، ذلك أن الشواطئ كما هي منفذ للبحث عن الثروات واستخلاص المنافع والمصالح فإنها تبدو كذلك مصدرا لكثير من المتاعب  المعقدة بالنسبة للبلدان التي تنتسب إليها تلك الشواطئ ومن أهم هذه المتاعب ما يتصل بموضوع  السلامة القومية التي هي مناط اهتمام كل شعب يهفو إلى  الحياة المتحررة المطمئنة الكريمة والسلامة القومية هنا براد مفهومها الواسع الذي يعني الحفاظ على جميع العناصر التي تساهم في تأمين استقرار سيادته وكيانه وذلك في مختلف الظروف والحالات وبكافة الوسائل والأسباب.
إن تحقيق مبدأ السلامة القومية هذا يقتضي التوفر على القدر اللازم من العناية بالسهر على الحدود ومراقبة كل  ما يجري وراء هذه الحدود من حركات مبطنة أو مكشوفة واستطلاع أهم ما يمكن أن تنطوي عليه هذه الحركات من استعمالات حسنة أو سيئة.
ومن البديهي أن الاضطلاع لهذه المهام يكلف الدولة -في الغالب– كثيرا من الأعباء الجسيمة، غير أن هذه الأعباء تعدو أكثر جسامة إذا كان الأمر مرتبطا بتأمين الدفاع عن الحدود البحرية وضمان حصانتها، ففي هذه الحالة يكون تأمين السلامة القومية للبلد مهمة دقيقة وعلى جانب لا بأس به من الصعوبة والتعقيد خاصة وأن السواحل تتشكل – في الغالب- مجال انطلاق لقدر من الاحتمالات المثيرة للاهتمام كثيرا.
وليس هناك من تحديد للحالات التي يبدو فيها وجود السواحل كأمر يثير مشاعر الحذر والاهتمام لأن ما قد يترتب عن إهمال مراقبتها لا ينحصر في إطار معين من الاحتمالات بل أن هذا الإهمال يقود –في بعض الحالات– إلى كثير من النتائج التي يوجد بعضها على نسبة من الأهمية والخطورة سواء في ذلك ما يتصل بالناحية المدنية أو العسكرية.
فمن الناحية الأولى فإن الشواطئ قد تغدو أحيانا مجالا رحبا للنشاط التهريبي الذي يسهم –غالبا- في خرق الأنظمة الاقتصادية للدولة بما يعين عليه من حركات تجارية غير لا مشروعة من بينها :
1) تهريب المواد المحظورة (الأفيون مثلا).
2) تهريب البضائع المقننة ( بعض الوسائل الطبية غير المباحة مثلا).
3) تهريب السلع غير الجمركية ( التي لم تؤد عنها واجبات الجمرك).
كما أنه من الجائز أيضا أن تلعب الشواطئ دورا أساسيا في تنقل عدوى الأمراض والأوبئة الوافدة من الخارج.
إن ثمة حالات كثيرة من تسرب الجراثيم الوبائية إلى داخل بلد ما بهذه الصورة البسيطة ومن العادي أن يتم ذلك عن طريق النزول السري في السواحل دون إطلاع المراقبة البوليسية أو الصحية وبالتالي دون لاحق تدخل منها.
وهناك غير هذا من الأمثلة والصور الجائزة الوقوع والتي لها أهميتها واعتبارها في هذا المقام.
أما من الناحية الحربية فإن الشواطئ تعتبر ذات أهمية استثنائية جدا في موازين التقديم عند الاستراتجيين والعسكريين سواء في ذلك ما له ارتباط بالمقتضيات الدفاعية أو ما يتصل أيضا بالترتيبات الهجومية، فالامتداد الساحلي في قطر من الأقطار قد يجوز في بعض الحالات -وخاصة في حالة وجود حرب إقليمية أو دولية أن يكون مصدرا لكثير من المتاعب والصعوبات التي تمس جانب الأمن والاستقرار في ذلك القطر، فقد يفضي بها الأمر إلى أن تصبح منفذا مختارا للتسلل العسكري وخاصة ما يتصل منه بأجهزة الاستخبارات والاستعلامات الأجنبية، بل أنها قد تكون أحيانا ميدانيا منفصلا لعمليات الغزو الأجنبي المفاجئ وما في نوعه كما كان يتم عليه الأمر كثيرا في عديد من المجالات خلال الحرب العالمية الأخيرة، هذا بالإضافة إلى ما يمكن أن تحدثه البوارج المعادية من أضرار بالمنطق الساحلية إذا أتيح لها سبيل الاقتراب منها وخاصة في النفط التي توجد فيها ثغور أو مواقع ستراتيجية هامة، وليس من ريب في أن هذه الاحتمالات  تنطوي على كثير من إمكانيات الوقوع وذلك في حالة الحرب التي  تقع بين دول يوجد بعضها أو كلها  متوفرا على مواقع ساحلية إلا أن هناك حالات أخرى قد تتعرض فيها الدولة الساحلية لآثار حرب  قائمة ولو لم تكن تخوض غمارها بالفعل وذلك إذا كانت سواحل هذه الدولة تقع في منطقة العراك الدائر بين دولتين اخرتين في حالة حرب.
وعلى هذا فيبدو وبديهيا أن تامين مبدأ السلامة القومية بالنسبة لبلد بعد منوطا – في بعض الجوانب – بما بتوفر عليه البلد من كفاءة في مراقبة المناطق الساحلية التي تكتنفه، وكان من شأن هذا بالطبع أن يركز التفكير منذ بعيد في هذا الموضوع الحيوي بكل ما له ارتباط بحياة الإنسان وطمأنينته واستقراره : موضوع الحدود البحرية وعلى الرغم من تشابك المصالح القومية المتناقضة وتعقد أساليب التعامل في مضمار الحياة الدولية العامة فإن فقهاء القانون الدولي قد استطاعوا أن يستخلصوا من الأعراف والقواعد التي درج عليها الناس منذ بعيد مجموعات من الضوابط القارة التي تحدد علاقات الإنسان بالبحار والمحيطات والتي لها الأثر العلمي اليوم على تنظيم هذه العلاقات في إطارها الحالي، إلا أن صورة القانون الدولي في وضعه الراهن لا تحمل على النقيض من ذلك أية حلول حاسمة للمشكلة القانونية الأساسية.. تلك التي تتمثل في الخلاف الدولي الحاد حول تعيين الحدود البحرية، ورغم أن الموضوع يهم على العموم مجموع أعضاء الأسرة الدولية فإنه  يمس على الأخص مصالح الأقطار التي تقع جغرافيا  في مناطق بحرية أو محيطة والتي لها –بالنتيجة لذلك- شواطئ ذات أهمية مختلفة، لقد أثار الموضوع منذ بعيد انتباه الأوساط القانونية والدولية وغيرها، وبم بكن هناك مناص من أن تتباين الآراء حوله وتتناقض في نتائج التقديم   والتقييم، لقد أمكن    للاتجاهات حقا أن تتلاقى على الأقل حول نقطة أساسية في الموضوع وهي الاعتراف بمبدأ السيادة الوطنية لكل دولة على ما يجاوز إقليمها من قطاعات بحرية أو محيطية مباشرة وهذا ما يدعى في العرف الدولي  بالمياه الإقليمية ولا غرو أن التسليم بهذا المبدأ كان شيئا معقولا ومقبولا جدان ولكن هل كان مجرد التسليم  بالمبدأ سبيلا لحل المعضلات القائمة عنه ؟ إلا فماذا يراد بمفهوم المياه الإقليمية بالتحديد الدقيق ؟ ما نسبة امتدادها في عرض البحر؟ وكم يتدرج في مسؤوليتها من حجمه الواسع العريض.
لقد كان من الطبيعي أن بكون الموضوع -وهو بهذه الدرجة من الأهمية البالغة- محط التساؤل والاستفهام وكان طبيعيا أيضا إلا يكون لهذا التساؤل محل معقول لو كان القانون الدولي ينطوي بالفعل على النصوص القارة التي تحدد الموقف الدولي العام من هذا المشكل، إلا أن الأمر –في واقعه- يبدو على النقيض من ذلك، فالمياه الإقليمية في مختلف أنحاء العالم ليس لامتدادها حد مرسوم أو خط معلوم، والآراء الفقهية في الموضوع تتباين فيما بينها كل التباين ويقدر ما يشتد الجدل والاختلاف على الصعيد النظري تقدر ما تشعب هذا الاختلاف وتعنف مظاهرة في الميدان العلمي من الحياة الدولية العامة.
ويتركز الخلاف خاصة حول الحد الأقصى لامتداد المياه الإقليمية فهناك من الدول من يلتزم بمبدأ الحفاظ على ثلاثة أميال بحرية (أخمسة كيلومترات ونصف تقريبا) كحد أعلى بينما بوجد ثمة من الدول الأخرى ممن لا يقر هذا الحد وبتجاوزه على مدى أربعة أو ستة أميال كاملة الامتداد، هذا بالإضافة إلى فريق ثالث من الحكومات... تلك التي تستبيح رفع حدود مياهها الإقليمية إلى مستوى أعلى من ذلك بكثير (اثنا عشر ميلا).
وهكذا يتعقد هذا الجانب الهام من جوانب الحياة الدولية وتتضاعف موجبات نعقده كلما ازداد ارتباطه بالمصالح القومية المتضاربة واشتد تأثيره  على هذه المصالح في أشكالها المختلفة.
والواقع أن القصية خلال هذه السنوات الأخيرة قد تأزمت إلى حد بعيد وزادها تأزما اصطدام المصالح الدولية في ميدان الصيد البحري وخاصة بالنسبة لبعض الدول التي تعتمد في بناء اقتصادها كليا أو جزئيا على هذا القطاع الهام من الحياة الاقتصادية العامة، ومن أمثلة ذلك : النزاع الحاد الذي نشب أواره بين بريطانيا العظمى وايسلاندا حول استغلال مناطق الصيد بالقرب من المياه الإقليمية الايسلاندية  فقد أعلنت حكومة ريكفا جيك ( ايلاندة) في أواخر غشت 1958 عن قرارها القاضي بتوسيع حدود بحرها الإقليمي إلى مسافة اثني عشر ميلا، وبم يكن القرار صادرا عن رغبة تحكمية بل إنه كان ناشئا عن رغبة ملحة اقتضتها رغبة سكان تلك الجزيرة النائية في حماية اسماك بحرهم الإقليمي  من خطر البواخر الصيدية البريطانية !! إلا أن المملكة المتحدة لم تتردد في معارضة القرار الايلاندي فكان ذلك سببا لمناوشات عنيفة بين الصيادين البريطانيين والإيسلانديين كادت تؤدي إلى المس باستقرار الحلف الأطلسي، كما نشب الخلاف بين بريطانيا وايسلاندة سنة 1958 على مشكلة الصيد وما لها من ارتباط بموضوع المياه الإقليمية فقد قامت أيضا من قبل كثير من حالات الخلاف الدولي حول جوانب قريبة من هذا الموضوع كانت تتفاوت في نسبة الأهمية والخطورة ومن أمثلة ذلك : الخلاف الفرنسي الانجليزي حول موضوع الصيد في الأرض الجديد والخلاف الانجليزي الأمريكي المتعلق بمشاكل الصيد في البحر "بهرين" (1893) ولكن مثل هذه الخلافات كانت تفض في الغالب بواسطة التحكيم أو بالتوصل إلى اتفاقات ثنائية خاصة بيد أن أساليب التحكيم والتفاوض من هذا النوع لم يعد لها –في العقود الأخيرة- ما كان لها من فعالية سابقة في فض النزاعات حول هذا الموضوع وذلك بالنظر للتطورات العميقة التي تجد في عصرنا الحاضر والتي تتميز خاصة بما إذا للدول الصغيرة المستقلة من تأثير على مستوى التوازن الدولي.                 
 ولذا كان عاديا أن تبدو المشكلة وهي تكاد تستعصي على الحل الحاسم بالرغم عن وجود محكمة دائمة للتحكيم وبالرغم من تطورات أساليب التفاوض الدولي، ومن البديهي أن هذه الظاهرة ستستمد فترات أخرى مادام أن العامل الأساسي في وجودها لا يزال قائما موجودا ن فمن الجائز جدا أن تنجح مبادرات التحكيم الدولي في تحديد نطاق كثير من مظاهر النزاع  حول هذا الموضوع وبكن مبدأ التحكيم ذاته لا بمكن أن يصلح أساسا لإقصاء العامل الرئيسي الذي يثير النزاع، وهذا العامل هو ناشئ –كما قدمنا– عن عدم التوصل إلى صيغة دولية مقبولة لتحديد المياه الإقليمية تحديدا رسميا وقارا.
وقد  أدرك الرأي العام الدولي بالفعل جوانب هذه الحقيقة فكان من ذلك أن عمد ت -منذ عهد بعيد- بعض المؤسسات الدولية إلى النظر في الموضوع  بصورة جدية واقتراح ما بمكان يكون صالحا من الحلول لتصفيته وكان من ثمرات ذلك: ما أعلنته معهد الحقوق الدولية في جلسة بباريس (1894) من مقترحات تقضي بتمديد المياه الإقليمية إلى مسافة ستة أميال، وقد وقع تطبيق هذا الاقتراح بالفعل في لعض المعاهدات.
وفي سنة 1928 أمكن لمعهد الحقوق الدولية في جلسته باستوكهولم أن يعلن عن تبنيه لنظريات في الموضوع  تغاير ما تقدم بعض الشيء وتقضي بالاقتصاد على ثلاثة أميال كتحديد لمسافة المياه الإقليمية على أن تضاف إليها عند الاقتضاء أميال أخرى إذا  استوجب ذلك ضرورات خاصة كمصالح الجمرك أو غير ذلك وعلى هذا النحو كانت الآراء حول الموضوع تتلاحق وتتوالى باستمرار ويكن دون أن يترتب عنها شيء هام في الميدان العلمين على أن النظر في مجموع المشكلة قد اتخذ بعد ذلك صبغة دولية واسعة النطاق وذلك حينما تم انعقاد مؤتمر لاهاي سنة 1930 للنظر في  المعضلات القانونية وما يتصل لها، والحق أن المؤتمر كان خطوة علمية معقولة في طريق التفاهم الدولي حول موضوع المياه الإقليمية   ولكنه لم بسفر فعلا عن نتائج ايجابية بالنسبة لما يتعلق بالنقطة الأساسية  المرتبطة بتحديد المسافات بالأميال، وإن كان الأعضاء خلاله قد استطاعوا  التوصل إلى المصادقة على صيغ عامة لها مساس بمبادئ المشكل لا بجوهره  (1)
وكان إخفاق مؤتمر 1930 في تحديد مسافات البحار الإقليمية إيذانا باستمرار الجو الفوضوي الذي يسود الحياة الدولية في هذا الموضوع وقد تضاعفت عناصر هذه الفوضوية بالفعل وازدادت عوامل تعقدها الأمر الذي حدا بالأوساط الدولية مرة أخرى إلى التفكير في تناول المشكل بالعلاج على ضوء الحقائق العالمية التي تكشف عنها عالم ما بعد الحرب وانبثق التفكير بالفعل عن بادرة دولية جديدة كانت هي مؤتمر 1958 الذي تم انعقاده بجنيف.
وقد كان المفروض أن بقضي المؤتمر الجديد إلى نوع من الاتفاق العالمي حول الموضوع وذلك بالنظر لما سجلته تطورات ما بعد الحرب من تقدم وسائل التفاهم الدولي (الأمم المتحدة) إلا أن تناقض المصالح المختلفة لم يكن من شانه أن يساعد  على تحقيق خطوة من هذا النوع ولهذا فقد كان على الجو الدولي أن يعاني -بعد ارفضاض المؤتمر– المزيد من المشاكل والمعضلات الناتجة عن استمرار مشكلة تحديد المياه الإقليمية وذلك لما سجلته الأعضاء المعنوية سنة 1958 من عجز وقصور في طريقة حلها على أساس مقبول.
 وبالفعل فلم يكن هناك بد منت ازدياد تشابك المصالح الدولية في الموضوع وبالتالي تضاعف مظاهر الاصطدام بين هذه المصالح وتناقض صورها بشكل عنيف وحاد، وقد بدأ ذلك واضحا في محاولات التوسيع التلقائية من جانب بعض الدول لحدودها المالية وما أثاره ذلك من ردود فعل سريعة من جانب الدول التي تناوئ مبدأ التوسيع.
- وعلى هذا فقد كان ضروريا –أمام هذه الحالة- أن بتجدد التفكير مرة أخرى في اللجوء إلى محاولة توفيقية جديدة أوسع نطاقا وأكثر إحكاما من سابقاتها سنة 1930و1985 وعلى هذا الأساس تم انعقاد مؤتمر قوانين البحار بجنيف  أيضا ( أواسط مارس 1960) ذلك المؤتمر الذي لم تنقض جلساته إلا منذ أسابيع معدودة وقد كان الذي لم تنقض جلساته إلا منذ أسابيع معدودة وقد كان ذلك الجمع الدولي جديرا حقا بالتقدير والاهتمام لات بالنسبة لخطورة المشكل الذي لم تنقض جلساته إلا منذ أسابيع معدودة وقد كان ذلك الجمع الدولي جديرا حقا بالتقدير والاهتمام إلا بالنسبة لعلاقاته بمصالحنا القومية كأمة ذات كيان دولي هام وكجزء أصيل من الجسم العربي الكبير وارتباطه بموقفنا العام من المجموعة الإفريقية ومن عالم باندونغ.
وقد كانتا لنا من قبل مصالح دائمة تحدونا إلى الاهتمام منذ قديم بموضوع المياه الإقليمية وتطوراتها على الصعيد الدولي وذلك بالنظر لما تنعم له من وضع بحري ممتاز، ولكن نظام الحجر الذي كان يلف هذه البلاد في طياته لم يكن بالطبع من العوامل التي تساعدها على البت في هذا الموضوع أو غيره.
إلا أنه أصبح لنا الآن أن نولي قسطا من الاهتمام  بالأمر نتيجة لوضعنا الجديد في العالم الدولي ولمشاركتنا العلمية في مؤتمر قوانين البحار، تلك المشاركة التي تتيح لنا فرصة هامة للإسهام في تقرير الاتجاه الدولي في هذا الموضوع الهام، هذا بالإضافة إلى اعتبارات أخرى تستوجب منا المزيد من الاهتمام بالأمر لأنها تتصل باتجاهاتنا ومصالحنا وأهدافنا اتصالا دوليا ثانيا ومن بين هذه الاعتبارات: 
1) بروز القوى الإفريقية الجديدة كعامل فعال في تقرير الحدود الدولية على النقيض مما كان عليه الأمر قديما.
2) تأكد إرادة الشعوب الصغيرة في مناهضة القوات البحرية الكبرى وتبلور هذه  الإرادة في شكل منظم وصارم.
3) تراجع الدول الكبرى عن غلوائها وقبولها بمبدأ حدود  المياه الإقليمية ستة أميال عوض ثلاثة بالإضافة إلى ستة أميال أخرى للصيد البحري.
لقد كان مؤتمر قوانين البحار الأخير أساسا قويا لتأكيد هذه الحقائق الدولية البارزة وكان إلى ذلك  مجالا فسيحا للتدليل على ما يوجد بين الشعوب الصغيرة على اختلاف هواياتها من تناسق وانسجام في المصالح والأهداف وقد بدا ذلك واضحا في قضية تحديد مسافة المياه الإقليمية ففي نفس الوقت الذي كانت فيه القوات البحرية التقليدية –وفي طليعتها المملكة المتحدة- تجتهد في إقناع الملأ بوجوب الحفاظ على مبدأ الستة أميال كحد نهائي لامتداد الحدود المائية كانت الشعوب الصغيرة من إفريقية وآسيوية وأمريكية لاتينية تعبر عن إرادتها الحازمة في المطالبة بضرورة تمديد هذه الحدود إلى مدى اثني عشر ميلا، ولعله كان من اليسير جدا استجلاء موقف المغرب في خضم هذا الصراع ولم يكن هذا الموقف بالطبع إلا موقف المناصرة المطلقة بمبدأ اثني عشر ميلا.
وبديهي أن مطالبة المغرب بتمديد الحدود البحرية على هذا الأساس لا تعود فقط إلى شعوره بالتضامن الإفريقي الأسيوي، بل إنها ناشئة كذلك عن انسجامها مع مصالحها الخاصة بالإضافة إلى ما لها من  ارتباط بالمصلحة العربية التي هي بالطبع جزء من مصلحتنا القومية العليا، فحدود المغرب الشمالية والغربية هي بالفعل حدود بحرية هامة والشاطئ المغربي يمتد على مجالين مائيين عالميين : المتوسط والأطلسي وهذا مما من شأنه أن يجعل قضية المياه الإقليمية بالنسبة  إلينا فضية حيوية وجوهرية لارتباطها المتين بما ننشده من انتعاش اقتصادي (مقاومة التهريب التجاري) وما نصبو إليه من تضخم في الطاقة الاستهلاكية (الصيد مثلا) ولاتصاله الوثيق كذلك بمقتضيات الحفاظ على أمننا القومي (مقاومة التسلل السياسي والعسكري) وحماية تطورنا الاجتماعي الإنساني ( مراقبة الهجرة غير المشروعة) ومما يزيد في قيمة هذه الاعتبارات ويضاعف من أهميتها : الخصائص الفريدة التي يتميز بها وضع بلادنا من الناحية الجغرافية فمقدراتنا الاقتصادية البحرية قد لا تتوفر لها إذا لم بقع توسيع مياهنا الإقليمية –أسباب التامين ضد النشاط الصيد الأجنبي ( البرتغال مثلا) كما أن وقوعنا على ممر عالمي كمضيق جبل طارق يلقي علينا أعباء باهضة في تامين حيادنا الدولي وخاصة في حالة نشوب حرب عالمية محتملة هذا بالإضافة إلى ما يجوز أن ينشأ عن وضعنا الجغرافي أمام أوروبا وإفريقيا وأمريكا من اتساع نطاق الحركات التسلسلية إلى بلدنا من سياسية واقتصادية واجتماعية "النشاط التجسسي العالمي" ( التهريب التجاري الإقليمي والدولي) (حركات الهجرة الدولية غير المراقبة).
وكما أن هذه الاعتبارات الإقليمية لها وزنها في حمل المغرب على المطالبة بتمديد مسافة المياه الإقليمية فإن هناك من الاعتبارات القومية الأخرى ما من شانه أن يحدو ببلادنا على التشديد على هذه المطالبة ويقودها إلى مضايقة مظاهر الحرص عليها،  ومن أبرز هذه الاعتبارات : ما يتصل بعموم المصلحة العربية الكبرى التي ترتبط قليلا أو كثيرا بموضوع الصراع الدولي حول المياه الإقليمية ومن نافلة القول الإشارة إلى أن أغلبية الدول العربية لم تتردد غداة انعقاد مؤتمر جنيف الأخير في تنسيق مواقفها على أساس تبني نظرية الاثني عشر ميلا كحد أقصى للمياه الإقليمية، وواضح أن اتخاذ هذا الموقف كان ناشئا عن الرغبة في حماية الشواطئ العربية من أخطار التدخل الأجنبي، هذا التدخل الذي يوجد في طليعته بالطبع إمكانيات التسلل الصهيوني بمختلف أشكاله وألوانه ( قضية الملاحة عبر خليج العقبة مثلا) وإلى ذلك فإن إقرار مبدأ الإثني عشر ميلا ينسجم تماما مع صالح الوضع الجغرافي الممتاز الذي تنعم بها أغلبية أجزاء الوطن العربي. ذلك أن البلاد العربية تكون في مجموعها امتدادا فريدا يسيطر فعلا على الضفتين الجنوبية والشرقية للبحر الأبيض المتوسط هذا بالإضافة إلى امتدادها على ضفتي البحر الأحمر والخليج العربي وبعض الأجزاء الشمالية  الشرقية من المحيط الهادي مع إشرافها على الممرات العالمية الهامة كمضيق طارق وقناة السويس ومضيق باب المندب.
ووضع جغرافي من هذا الطراز يتيح بالفعل  كثيرا من الميزات الأساسية لساكني الوطن العربي، إلا أن تمديد مسافة المياه الإقليمية ليس من شأنه بالطبع إلا أن يعزز عناصر الاستفادة من هذه الميزات ويوسع من  نطاقها، وذلك بما يوفره للبلاد العربية من فرصة الحصول على نطاق ضخم من البحر المتوسط يمتد على طول ضفته  الجنوبية هذا بالإضافة إلى البحر الأحمر الذي تعتبر ضفتاه عربيتين خالصتين ، وهكذا  الشأن بالنسبة إلى الشواطئ العربية الأخرى. كان مؤتمر قوانين البحار الأخير أساسا لاستخلاص كثير من الحقائق الدولية المثيرة وكان من أبرز هذه الحقائق وأهمها : تطابق وجهات النظر المغربية والعربية تطابقا تلقائيا مع اتجاهات دول باندونغ والشعوب الصغيرة الأخرى التي تواضع الناس على تسميتها بالشعوب المتخلفة، ومن هنا كان على المغرب أن يلتقي في صعيد واحد مع العديد من الأقطار الآسيوية ( برمانيا الهند واندونيسيا) والإفريقية ( غينيا)  واللاتينية ( الشيلي  الإيكواتور المكسيك وبيرو) والاشتراكية ( يوغوسلافيا) وغيرها  ومن هنا أيضا كان مصدر التباين الواسع في وجهات النظر بين هذه التكثلات الدولية الفتية وبين التوسعين البحريين في الغرب وفي طليعتهم : بريطانيا والولايات المتحدة.
لقد كان الخلاف بين الجانبين خلافا عميق بين الجانبين خلافا عميق الجذور، بعيد الأغوار لأنه لم يكن ناشئا عن أسباب سطحية عابرة وإنما كان تجسيما للصراع الكبير الذي يحتد كل يوم في كثير من جوانب الحياة العالمية بين القوة البحرية التقليدية في الغرب ومن يسبح في فلكها وبين القوى الجديدة الناشئة في البلاد المدعوة بالمتخلفة اقتصاديا.
ولا ريب أن الأخلاق على عدد الأميال البحرية لم  يكن إلا مظهرا لبواعث الصراع الكبير الذي يستحر بين الدول الصغيرة والكبيرة حول حدود المياه الإقليمية، إن وراء ذا الصراع تكن بالفعل كثير من الحقائق الضخمة التي لها دلالها، ومن بينها : التحدي الكبير الذي تواجه به الدول الكبيرة عالم الشعوب المختلفة اقتصاديا ولا يكتسي هذا التحدي - في الواقع- صبغة مباشرة وسافرة وإنما يتبدى في  أشكال أكثر دقة وعمقا ويرتكز أغلبها في نسق معنويات الشعوب الصغير ة والتشكيك في كفاءتها وقدرتها على ممارسة شؤون الحياة العامة في نطاقها  الواسع الكبير، ومن هنا كان منشأ المدعيات الغربية التي ما فتئ الغربيون يرددونها للتدليل على عجز الشعوب الإفريقية الآسيوية وقصورها عن إدارة بحار إقليمية موسعة، وإذا كان لهذه المدعيات فعلا بعض المظاهر الواقعية فإنها لا يصح أن تتخذ أساسا معقولا لاستمرار أوضاع بحرية دولية لا تتفق اقتصاديا وعسكريا مع حقائق العالم الحديث وضرورات الحياة المعاصرة بكل ما يستوجبه تأمينا من وسائل ضخمة وإمكانيات واسعة.
إن المسافات الضيقة التي يجتهد الغرب في إقرارها كحدود نهائية للبحار الإقليمية لا يمكن أن تنسجم معطيات السلامة القومية كما نعرفها اليوم، وإذا كانت الدول البحرية في الغرب تناصر الأخذ بنظرية هذا التحديد الضيق فلان ذلك لا يساهم فعلا في المس بمصالحها ما دام أنها تتوفر على وسائل جبارة قاهرة من فرض العمل المباشر بالقرب من حدود الدول الأخرى  التي لا تقوى ماديا على مقاومتها مقاومة فعالة ولعله من المفيد لنا أن نتذكر أن الدول البحرية الكبرى في الغرب لم تنجح في بناء كياناتها الإمبراطورية إلا عن طريق الوسع البحري المتواصل الذي كانت تمارسه بأشكال عدة على حساب الأقاليم المتخلفة في إفريقيا وآسيا، ولهذا كان جديرا بشعوب هذه الأقاليم -وقد استردت حريتها- إن تولى قدرا غير يسير من العناية والاهتمام بمستقبل  شواطئنا وتأمين هذا المستقبل تأمينا كاملا وفعالا، وهذا هو محور النزاع الدولي الراهن حول موضوع البحار الإقليمية، وليس أمام المغرب -في الواقع- إلا أن يكون طرفا في هذا النزاع، ولكن أساس  الانسجام مع مصالح الشعوب الصغيرة التي ينتسب إليها ويندمج حاضره بمستقبلها. وبعد فقد انتهى- في أواخر أبريل الماضي مؤتمر جنيف لقوانين البحار دون أن يفضي إلى أية نتيجة إيجابية كما كان الشأن بالنسبة لمؤتمر لاهاي (1930 ومؤتمر جنيف الأول 1958) وإذا كان لهذا المؤتمر من نتائج فهي مساهمته في التدليل على أن الخلاف الدولي حول موضوع المياه الإقليمية ليس –في جوهرة- مجرد خلاف عابر ومحدود المدى، بل إنه ينطوي -كما يبدو- على كثير من الاعتبارات التي تستعصي تصنيفها -في الوقت الحاضر- على وسائل التوفيق الدولية العادية وعلى هذا فإن الأساس الذي تنطلق عنه عوامل التصادم حول هذا المشكل سيبقى قائما فعالا قوي التأثير بعيد المدى وسوف لا يكون لذلك من نتائج  بالطبع إلا استمرار الجو الفوضوي الذي يسود الاتجاهات القانونية الدولية في موضوع حيوي كهذا، ومن شأن ذلك كله أن يؤدي في المستقبل إلى المزيد من مظاهر اللجوء إلى طريقة القرارات الانفرادية في توسيع مجالات البحار الإقليمية هذه الطريقة التي بدأت بعض الدول تلجأ إليها كالصين الشعبية ويخشى أن تصبح قاعدة متعبة مع كل ما تحمله من عناصر التوتر والحدة في الجو الدولي.
وإذا كان لنا نحن في المغرب أن نعبر عن حرصنا على احترام المشروعية الدولية فإن ذلك لا يجوز أن يكون على حساب مصالحنا الحيوية التي ترتبط بحاضرنا ومستقبلنا أوثق الارتباط.
إن هناك من الإرهاصات ما يوجد بأن الدول البحرية الكبرى في الغرب ومن يوجد متأثرا بها قد تلجأ إلى إقرار اتفاق فيما بينها حول موضوع البحار الإقليمية، وذلك -حسبما يلوح- على أساس اعتبار مبدأ الستة أميال كحد أقصى ويبدو أن الهدف الأساسي من اتخاذ هذه الخطوة هو العمل على اصطناع سوابق مبدئية معينة يمكن أن تصبح بالتدريج أعرافا دولية قارة، وهذه الأعراف هي التي يجوز أن تتخذ في المستقبل أساسا لاستدراج الرأي العام العالمي إلى اعتناق وجهة النظر الغربية في تحديد المياه الإقليمية، ولهذا فإنه سيكون في إمكانات -استنادا إلى كل ما تقدم- أن نتخذ خطوة مماثلة فنعمد- بالتعاون مع الأشقاء العرب -إلى الاتفاق مع الدول العديدة التي تشاطرنا الرأي  في موضوع حديد المياه الإقليمية وذلك على أساس اعتبار النظرية المشتركة التي تتبناها جميعا: نظرية الإثنى عشر ميلا، وأن هناك من تعدد هذه الدول التي يجوز الاتفاق معها، ومن تصاعد نسبة أهميتها العالمية وأصالة مواقعها الجغرافية وإمكانياتها الاقتصادية ما يمنح مثل هذا الاتفاق صبغة ذات قيمة خاصة ويزوده بالعناصر المعنوية اللازمة التي تسبغ عليه رداء الاحترام والاعتبار.
 وخطوة من هذا النوع سوف لا يكون من نتاجها بالطبع زيادة من هذا المشكل أو مضاعفة أسباب شبعه لأنه يوجد بالفعل على درجة من التعقد والتشعب لم تفلح معها جهود ثلاثين سنة في ضمان تصفيته أو تخفيفه، إن هذه الخطوة يجب أن تستهدف فقط إقرار أوضاع دولية ثابتة نوعا ما يعم مفعولها أكبر قطاع ممكن من الأقطار التي تعنيها مشاكل المياه الإقليمية وتحل محل الأوضاع الفوضوية التي تسود المجتمع الدولي في هذا الميدان.
ولعله يصبح من الممكن جدا -بعد أن تحدد المواقف الدولية في الموضوع على هذه الصورة الحاسمة-  أن يتم التوصل في المستقبل إلى طريقة لتقريب وجهات النظر المتضادة وإنجاز حل عالمي شامل ترتضيه كافة الأطراف المعنية، وذلك على أساس مراعاة الحقائق الضخمة التي يزخر بها عالم الشعوب المختلفة وما ينبثق عن هذه الحقائق من مفاهيم جديدة في أساليب التعامل الدولي. إن دور هذا الشعوب في تقرير مصابر الأمور بالنسبة لهذا الموضوع أو غيره شيء يجب أن يكون له اعتباره.
وتلك حتمية أساسية يفرضها منطق التاريخ المعاصر.

  
(1)- من بين هذه الصيغ تلك التي تتعلق بتعريف البحر الإقليمي وقد جاء فيها: " أن بشمل  إقليم الدولة منطقة من البحر بطلق عليها اسم البحر الإقليمي تمارس فيها الدولة جميع أعمال السيادة وفقا لقواعد القانون الدولي.... 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here