islamaumaroc

الزحف الحضاري الإسلامي

  محمد كمال شبانة

العدد 274 رمضان/ أبريل 1989

كانت سياسة العالم عند نشأة الدولة الإسلامية موزعة بين دولتين كبيرتين، ملكتا مصير العالم،  وتحكمتا في شؤونه، إحداهما دولة الروم صاحبة النفوذ في أوروبا الجنوبية. وفي جزء كبير من الشرق الأدنى وشمال إفريقية. هذه الدولة كانت قد حطمتها الحروب والمصادمات مع دولة الفرس، وهي ثانية الدولتين، وكان له نفوذ كبير في آسيا، وكانت بدورها تشهد نهايتها.وكانت أوروبا في ذلك الوقت أسوأ حالا من دولتي الفرس والروم؛ لأنها كانت فريسة لقبائل من الهمج الذين كانت أمورهم فوضى، ومكان الأوروبيون يعانون ممن الانقسامات التي نشرت الدمار في كل مكان، ولم يكترثوا بشيء من المبادئ القويمة، ويقال: إن الوطنية أو الدين أو الاستقلال أو الأمة أو غير ذلك من المثل العليا التي تحرص عليها الشعوب المتمدنة لم تكن ذات معنى ثابت في أذهانهم، وربما كانت خيالا بعيد التحقيق.
وفي الوقت الذي أبدع فيه الإسلام كثيرا من المثل العليا التي اهتدى بها الشعب العربي كانت الأمم ذات الحضارة السالفة قد فقدت مثلها العليا، فلم يبق لحب الوطن أو لأمجاد الدينية أثر في نفوس أبنائها الذين غلبت عليهم مصالحهم الذاتية، وشغلتهم عن كل شيء.
لم يلبث الإسلام أن منح العرب مصالح مشتركة، وآمالا متماثلة، ووجه جهودهم نحو الهدف واحد، مما أدى إلى تجانسهم الروحي في وقت كانت أركان العالم فيه متداعية، وفوق ذلك كانت أمة العرب تتمتع بصفات حربية ممتازة، ولم ينقصها نما يحتاجه الفاتحون من الشجاعة وحب القتال، فقد خبروا ذلك منذ كانوا يمارسون الحروب القبلية، ثم ازدادوا بالإسلام حبا في الشهادة، أملا في الجنة التي وعدوا بها.
قوبل الدين الإسلامي في انتشاره بالكثير من ضروب المقاومة والتعويق، شأن أي مبادئ جديدة تقدمية تعمل على أن تحل مخل تقاليد متوارثة ومثل بالية، وقد كتب للدين الإسلامي أن يخرج ممن كل معارك المقاومة والتعويق منتصرا، ولم يكن الدين الإسلامي في انتصاره مدينا للزحف البشري المدعم بالقوة الحربية – كما ذهب إليه بعض الدارسين – بل إن الباحث المنصف يرى أن المثل العالية والمبادئ الإنسانية الرفيعة – التي نادى بها الإسلام، وعمل على تطبيقها في المجتمعات التي افتتحها – كانت هي العوامل الحاسمة التي حققت الانتصار.
انتشر الإسلام وبسط سيادته على مناطق شاسعة بالدعوة، وبالدعوة وحدها اعتنقت الشعوب – التي قهرت العرب كالأتراك والمغول – الإسلام، وبالدعوة انتشر الإسلام في الهند وغيرها من الأقطار التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل، وبالدعوة ماانفك عدد المسلمين يزيد يوما.
حينما اتصل العرب – منذ الوقائع الأولى – بسكان البلاد المجاورة وجدوهم على استعداد لتقبلهم؛ لأنهم كانوا يأملون فيهم العدل، ثم إن قادة المسلمين أحجموا تماما عن حمل أي فرد بالقوة على الإسلام، ولكن جعلوا حسن السياسة رائدا لهم، وابتعدوا عن الالتجاء إلى السيف، وأعلنوا احترامهم لديانات الشعوب وعادتهم، مكتفين في مقابل حماية هذه الشعوب بضريبة مالية لا تقارن في بساطتها بالضرائب التي كانت تدفع للسادة السابقين، والتزم العرب بالشروط التي عقدوها مع المغوليين، وتمكنوا بحسن سياستهم من حمل الكثيرين على اعتناق الإسلام عن عقيدة واقتناع، وتعلم لغة الدين الجديد.
ظل نفوذ العرب الديني واللغوي ثابتا في البلاد التي افتتحوها حتى بعد أن نزعت سيادتهم السياسية منها، ورسخ النفوذ الديني بخاصة في الأقطار التي فتحوها رسوخا لم يستطع فاتح أن يزعزعه.

الحضارة العربية والإسلام
تعنى الحضارة عموما تقصى مظاهرها المادية والمعنوية، تلك المظاهر التي يتألف من مجموعها تاريخ الأمة، ومدى ما بلغته حضاريا باعتبار مستوى الأمم الأخرى المعاصرة، ولن يكون بلوغها هذا المستوى فجأة أو قفزة واحدة، وإنما تبلغ ذلك على مدى الأجيال التي تتوالى، ويتكفل كل جيل منها بما تفرضه ضرورة الحياة نحو مستقبل أفضلن وعليه فالحضارة سلسلة متصلة الحلقات، كل منها ثمرة لسابقتها، وهذا ما نلحظه جليا في حضارة الأمة العربية منذ القدم، حتى جاء الإسلام فكان نقطة ارتكاز لتطور حضاري جديد، وذا تأثير على جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى سبيل المثال - لا  الحصر طبعا – هذه الجوانب.
نرى الإسلام من الوجهة السياسية قد دعا إلى حرية الرأي والشورى، وحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ومن الوجهة الاجتماعية نراه قد حارب التعصب للجنس أو العقيدة، ونادى بالمساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات، وبحرية العقيدة في ظل القانون، كما حارب استعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وبالنسبة لقيمك المجتمع وهو المرأة نراه يضعها حيث أهلتها الطبيعة، موصيا بشأنها أيما إيصاء، منظما للعلاقة بينها وبين الرجل – ومن الوجهة الاقتصادية نرى الإسلام يحترم الملكيات العامة لصالح المجموع، ولم يفته أن ينبه على الالتزامات الواجبة على الإنسان نحو فئات معينة في المجتمع، كما وضع نظاما محددا ودقيقا للميراث، موضحا كافة مستحقيه.. إلى غير ذلك.
وهكذا نلمس بوضوح وجلاء أن مثل هذه القوانين وتلك المبادئ قد صاغت الأمة العربية في تقويم ما بعده تقويم، وأهلتها لدور حضاري عشنا على ترائه، واستقى ممن نبعه غير العرب كما سنرى في هذا العرض. لكن لا مناص من القول أن بعض ه المبادئ قد كان لدى العرب، تبعا لما قررناه ممن نظرية التطور الحضاري قبل الإسلام في صورة اتجاهات أو تقاليد، فإن نسبناها إلى الإسلام فإنما لأنها – أي هذه المبادئ – قد اكتسبت في هذا الدين طابعا خاصا، وتميزت بروح جديدة.
قلنا إن العالم آنئذ كانت تتنازعه دولتان لهما حجمهما ووزنهما، تتحكمان في شؤونه، أولاهما: دولة الفرس ذات النفوذ العظيم في آسيت، وذات النزاع الطويل المدى مع دولة الروم وهي الدولة الأخرى، التي بطست نفوذها في أوروبا الجنوبية، وفي مساحة عظيمة من الشرق الأدنى والشمال الإفريقي، وكلا الدولتين كانت تسدوهما علاقات سيئة للغالية، بحيث قد نالت الحروب الطاحنة من كليهما بفعل الاحتكاكات المباشرة. ولم تكن أوروبا عامة حينئذ حالا، إذ كانت تعاني من عوامل انتشار الفوضى والانقسامات المذهبية ففقدت تلك الأمم ميلها العليا، وسادت بينهما المبادئ الذاتية والأنانية.
في الوقت الذي منح الإسلام فيه أهله المثل العليا، والأهداف السامية، تجانس روح وحب أوطان ووحدة كفاح، وقد نمى كل هذا لدى العرب استعداد فطرى لما تنشده النفس البشرية نحو سعادتها في الدارين، مروءة وشجاعة، وفروسية بلورها الإسلام، فأصبحت حبا في أن ينال أصحابها شرف الشهادة، أملا في جنات عدن، "وعد الله، لا يخلف الله وعده".
ولم تكن الطريق أمام الدعوة الإسلامية مفروشة بالورود والرياحين، شأ أي دعوة تقدمية في مثل تلك الظروف العالمية، والتقاليد البالية المتوارثة، وهكذا كان لا بد للإسلام من معوقات ومصادمات، ومع هذا فقد عقد الله للوائه النصر المبين. وغنى عن البيان أن دينا يبشر بمثل هذه المبادئ الرفيعة السامية لصالح البشرية جمعاء – لجدير له أن يحقق الانتصار المنشود على المدى البعيد، لا سيما وأن تطبيقه تلك المبادئ لين المجتمعات التي فتحها كان رائده الأول، ومن هذا المنطلق نستنتج ضعف بل بطلان نظرية بعض المستشرقين، تلك التي تقول: إن الدين الإسلامي مدين لانتصاراته بالزحف البشري المدعم بقوة السلاح.
لقد أدى الرسول صلى الله عليه وسلم دوره كمؤسس للدولة الإسلامية في الجزيرة العربية. وكانت الوحدة السياسية بين ربوع الجزيرة نتيجة حتمية للوحدة الدينية التي غرس الرسول بذورها فأنبتها الله نباتا حسنا، وتعهدها الخلفاء الراشدون بما أتوا م حكة الرأي، ورباطة الجأش والقدوة المثلى، بحيث لم تبزغ شمس القرن السابع الميلادي إلا وقد نشأت في العالم دولة عظيمة لأول مرة في التاريخ، حاملة لواء حضارة إنسانية فريدة، وأقبل البشر يدخلون في دين الله أفواجا، واتسعت رقعة الأمبراطورية الإسلامية فشملت بقاعا فسيحة الأرجاء، مترامية الأطراف تجمعها وحدة الدين واللغة والهدف، وفي ظل هذه الوحدة خفق لواء الحضارة العربية في طول البلاد وعرض الأقطار ما يقرب ممن تسعة قرون، كان العرب والمستعربون خلالها يبذلون قصارى جهودهم في سبيل إسعاد الإنسانية قاطبة.
فخلال القرن الأول... استطاع الخلفاء الراشدون فتح أقاليم فارس وسوريا والعراق ومصر، وشارفت جيوش الخليفة عثمان أقاليم الهند، ثم جاء معاوية مؤسس دولة بني أمية واتخذ من دمشق عاصمة، ومن هذه البقعة بالشام زحفت جيوشه إلى إفريقيا الشمالية، وتمكن بأسطوله من الاستيلاء على عدد من جزر البحر المتوسط، وتبعه خلفاؤه من بعده لتصل جيوشهم حدود الصين، كما تم لهم فتح إسبانيا التي ظلت دول الإسلام بها نحوا من ثمانية قرون، كما توغلوا في جنوبي فرنسا، وليم يثنهم عن متابعة الفتوح في أوروبا إلا نداء الخليفة في دمشق بإيقاف الزحف، لسبب أو لآخر..
ويأتي القرن الثاني.. لنجد العرب قد صرفوا همهم إلى تنظيم وتنسيق الدولة، وأضحت بغداد عاصمة الخلافة العباسية التي أنشأها الخليفة المنصور عام 762 م، وفي هذه الفترة بلغت الفتوحات أوجها، ولا سيما بعد أن فتح المسلمون شطرا لا بأس به من آسيا، واتجهت الجهود العباسية وخاصة في العصر الأول – إلى الارتقاء بمركز العرب الحضاري، وهكذا نرى العلوم والفنون والآداب وقد ازدهرت أيما ازدهار في عصري الرشيد والمأمون، وثم ما لبثت بعدهما روابط الأمة الإسلامية تنحل عراها، وتجلى هذا في استقلال الأقطار الإسلامية الواحدة تلو الأخرى، وإن ظلت الحضارة العربية في مسيراتها، وتنافست الشعوب الإسلامية في سبيل ازدهارها.
ويأتي القرن الثالث...ليشهد تطورات هامة، لعل أبرزها أن الخضوع المفروض للسلطة المركزية في المدينة أو دمشق أو بغداد قد أصابه انسلاخ عن هذه المركزية، وأضحى العمال يستولون على السلطة، ومن ثم يستقلون بالأقاليم التي يهيمون عليها, فمن هذه الظواهر قيام الدولة الأموية الجديدة في الأندلس (أوائل العقد الخامس من القرن الثاني الهجري/منتصف الثامن الميلادي). وماتلا ذلك شمال الجزيرة، من ظهور الحسن بن زيد على الشاطئ الجنوبي لبحر قزوين، وتأسيسه دولة علوية هناك، وفي الجنوب كانت حركة الدعى العلوى صاحب الزنج، الذي قاد حركة قوامها طبقة العبيد الكادحين، فكانت ثورة مدمرة، ظهرت بادئ ذي بدء بالبصرة، وسرعان ما استولت على البلاد المجاورة. أما في مصر فقد استقل أحمد بن طولون بحكمها، بعد صراع عنيف مع الخليفة الموفق بالله العباسي، ويكاد يكون القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)..امتدادا للانقسامات التي أصابت العالم الإسلامي، بحيث فقدت بغداد مركزها القيادي، وتلفقت الراية القاهرة لتكون قاعدة الإسلام، ومنطلقا له. وفي ثنايا القرن الخامس (الحادي عشر الميلادي) يأتي الأتراك السلاجقة لينتزعوا السلطة من خلاء بني العباس، وتدور رحى الحرب الصليبية، فتتضاعف المحن على الشرق الإسلامي خاصة، ويتقلص جسم الإسلام في بعض مناطقه، لا سيما في صقلية والأندلس.

وخلال القرن السادس والسابع (الثاني عشر والثالث عشر الميلادي)..يتمكن المسلمون من طرد الصليبيين بعد صراع مرير، ولكن سرعان ماداهم المسلمين خطر المغول، بعد أن استولوا على بغداد (عام 656هـ/1258م) وبذا سقطت الخلافة العباسية، بعد أن عمرت نحوا من خمسة قرون.
وفي القرن الثامن (الرابع عشر الميلادي)..يدخل المغول في صراع عنيف للاستئثار بالسلطة في المشرق العربي، ويتميز القرن التاسع (الخامس عشر الميلادي)، بانحسار دولة الإسلام عن الأندلس، بعد أن عمرت به نحو ثمانية قرون، وذلك سقوط غرناطة بالتسليم في يد الملكين الكاثوليكيين فرناندو وإيزابيلا (2يناير 1492م).
وهذا، ينبغي ألا يغرب عن أفكارنا أن هذه الحركات الاستقلالية في العالم الإسلامي، وتلك التطورات السياسية في هذا القطر أو ذاك، إنما هي على المدى البعيد تعبير جلي عن الأحاسيس القومية والإقليمية؛ فمن المعلوم أن الإسلام انتشر انتشارا قويا وسريعا على مسافات جد فسيحة واسعة، وبسط سلطانه بمبادئه على أقوام ذوي عراقة حضارية مشهورة كالفرس والمصريين، فوجد هؤلاء وأولئك في قومياتهم – إبان خضوعها للسلطة المركزية في دمشق ثم في بغداد – متنفسا في الحركات الاستقلالية التي تهت في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) وما تلاه، ومن الإنصاف القول هذا بأن هذه الحركات كانت خيرا وبركة من الوجهة الحضارية لا أكثر؛ فقد أضرمت نيران التنافس بين البيئات الإسلامية فكرا وإنتاجا في شتى ألوان المعرفة، ذلك التنافس الذي بشر بالنهضة العربية الشاملة عندما بلغت الدولة أوجها في هذا المجال الإنساني، ولا أدل على ذلك ممن تلك الحضارة التي ظلت ماثلة للعيان، ومرتعا خصبا للدراسات العالمية.

----------------------
1 –راجع في هذا التفصيل "تاريخ والحضارة والفكر الإسلامي" للدكتور أو زيد  شلبي (ط 2. القاهرة)

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here