islamaumaroc

المكتبة المغربية وذخائرها -1-

  دعوة الحق

31 العدد

كان المغرب ولا يزال غنيا بكنوزه العلمية، وآثاره التاريخية، وآية هذه المكاتب المتسعة الإرجاء المنبتة هاهنا وهناك في حاضره وباديته، في مدنه وقراه.
تلك المكاتب التي تؤخر بالعدد من آثار المؤلفين مغاربة وأندلسيين لا يعرفون التاريخ المقروء بيننا ولا يذكر من أعمالهم شيئا، وليس الذنب  ذنب التاريخ، وإنما الذنب ذنب الآباء الذين أضاعوا آثارهم الفكرية وأعمالهم الإنسانية.
تلك آثارنا تدل عليه                 فانظروا بعدنا إلى الآثار
وأن آفات العلم والجهل والإهمال، حقا لقد خلفت المكتبة الغربية تراثا خالدا، وكنزا ثمينا، وكانت ولا تزال حافلة بآلاف المخطوطات العربية، والإغلاق النفسية التي ربما لا توجد في غيرها من مكاتب العالم، حتى أنه ليذكر بعض المختصين في هذه الناحية أن مكاتب المغرب من حيث قيمة مخطوطاتها تلقى في الدرجة الثانية أن لم تكن في الدرجة الأولى.
ولكننا -مع الأسف- نجهل عنها كل شيء ولا نعرف ولو إحصائيات بما نملك من هذه المخطوطات ونأسف أكثر ‘ذ نرى جل هذه المكاتب مبعثرا في شتى البقاع، مغمورا في زوايا الإهمال مقبورا في خزائن رثة، وأماكن غير مناسبة، مهجورا من القريب والبعيد، بل هناك قسط كبير على حالة يرثى لها، وخصوصا المكاتب الخاصة، وأعني بها مكاتب الزوايا والمساجد، فقد تراكم الغبار على رفوفها وأثرت الرطوبة في أكثرها، وعانت فيها الأرضية فسادا، وكأني بها تناديها أنقدوني، أنقدوني، ولا من مجيب!  ولا نبالغ إذا قلنا أن أسعد مكاتبنا حظا ما كان أمناء يتفقدون أحوالها، وينفضون الغبار عن وجوهها وربما فتحوا لها البواب والنوافذ فتستنشق الهواء، وذلك غاية ما يستطيعون.
أما تنظيمها وفهرستها، أما دراستها ونشرها، أما جعلها منار إشعاع تنير السبيل أمام الباحث والدارس، والقارئ والكاتب -فذاك ما نأمل من كل قلوبنا أن تتجه إليه عناية المسؤولين.. إننا نعتقد أن تاريخ المغرب لم يكتب بعد، وأن هناك أخطاء وأخطاء فيما كتب أو يكتب، وأن المكتبة المغربية هي وحدها تستطيع أن تكتب هذا التاريخ، وهي وحدها تستطيع أن تصحح هذه الخطاء، وتزيل ما ألصق به من هنات.. وإليك بعض الأمثلة:
1) قرأت لبعض المستشرقين ممن كنت أظن به الإطلاع الواسع في تاريخ المغرب وشؤونه الفكرية- في بحث له عن شعر المتنبي، وأثره في المغرب الإسلامي- قال: (إنه لم يكتب أقل شيء عن المتنبي في المغرب الأقصى بعد عبد العزيز القشتالي)- ونحن نقول له أن في المكتبة المغربية كتابات عن المتنبي بعد عبد العزيز القشتالي حتى ممن عاصروا القشتالي نفسه، فقد وقفت في بعض مكاتب تطوان على تأليف (مخطوط) لأبي جمعة المراكشي المعروف بالماغوسي، المتوفى في حدود (1020) وهو كتاب (مقدمة ترتيب ديوان المتنبي) جمع فيه من شعر المتنبي كل شاذرة وباذرة واستوعب كل ما قله وروى عنه رواية صحيحة ورتبة على حروف المعجم عند المقاربة، وهو ترتيب له فلسفته ومغزاه، يمهد فيه لكل قصيدة، ويذكر تاريخها، والسباب التي قيلت من أجلها وقد قدم لهذا الديوان بمقدمة شرح فيها بإسهاب السباب التي جعلته يقحم هذا الميدان وينشر في هذا الصدد إلى أن السلطان أبا العباس المنصور الذهبي هو الذي كلفه بهذا العمل على عادته مع رجال الفكر من أهل دولته، وهو نفسه وضع له الخطة بعد أن هيأ له كل الوسائل وجمع له من الأصول والدواوين الشعرية ما  لم يتهيأ لغيره، ثم يذكر أن بعض معاصريه به حاول هذه المحاولة ولكنه أخفق، وكأنه يعني بذلك معاصره القشتالي آلاف الذكر ثم يحلل الأغراض الشعرية التي عالجها المتنبي، ثم ينتهي بترجمة الشاعر أحمد بن الحسين المتنبي، وهنا يجب أن نشير إلى أن الأديب الماغوسي هذا كان من العلماء الأفذاذ الذين كان لهم مكانهم المرموق في بلاط المنصور السعدي، لما كان يتحف به بين الفينة والأخرى الخزائن المنصورية من المؤلفات العلمية، والأبحاث التاريخية والأدبية..
ويوجد على هامش الديوان تعاليق يرجع أكثرها إلى السرقات الشعرية الني كان يتهم بها المتنبي، والتي كان يجيب عنها فيقول: الشعر ميدان، والشعراء فرسان، فربما وافق الخاطر، كما يقع الحافر على الحافر، ولعل هذه التعاليق للمؤلف نفسه.
وقد قارنت هذا الديوان وما طبع أخيرا من الدواوين المشروحة وغير المشروحة حتى التي أضيفت إليها زيادات شعر المتنبي لعبد العزيز اليمني فألقيت فيه من القصائد والمقطعات الشعرية ما يربو على العشرين لا توجد في غبره من الدواوين على أن المؤلف نفسه يشير إلى ذلك في غضون الكتاب فيقول مثلا هذه القصيدة لم تثبت في أصل الديوان وتبتت النسخ المتداولة، وهذا شعر لم يثبت في الأصول المنتج منها وثبت في أصل كذا وهذه أبيات لو يروها أكثر الرواة، وجاءتنا من رواية كذا وما إلى ذلك من أوجه الرواية وصيغ الإسناد التي امتازت بها كتب الأقدمين، والتي كان لا بد منها في أخذ العلم وروايته حتى في الأدب والشعر، وكان من سنة السلف أن لا يقيلوا رواية شفوية أو مكتوبة إلا بسند يصلها بمصدرها ذا كانوا أصح منا علما، وأوثق فهما..  ولو أن الناس رجعوا إلى هذه السنة لو قروا على الباحث وقتا كبيرا، لخففوا عليه من عبئه الثقيل الشاق ومهما يكن من أمر فإن هذا الديوان الذي يحمل شتى المزايا جدير كل الجدارة بالنشر والتحقيق وأن المكتبة المغربية أحوج ما تكون إلى مثل هذه الأصول التي كلف أجدادنا ثمنا غاليا.
2) ورأيت الذين يؤرخون الأدب العربي على العموم، والأدب الأندلسي على الخصوص يضربون صفحا عن حياة الشاعر أبي البقاء الرندي خاتمة أدباء الأندلس (601/684) ولا يعرضون- لا في قليل ولا في كثير- لإنتاجه الفكري وحياته الأدبية حتى إذا جاء في كلامهم ذكره جاء عرضا، وأتوا به في غير موضعه، وأدرجوه في عصر غيره، وإذا حاولوا أن يذكروا شعره لم يتجاوزا قصيدته المشهورة التي بكى فيها الأندلس  الفردوس المفقود) وأبكى المشرق والمغرب، وكأنه لم يقل غيرها أو لم ينتج سواها ويمكن القول بأنه لولا هذه القصيدة لما عرف الناس الرندي كشاعر، ولما ذكر له في سجل التاريخ ونحن نستطيع أن نقول لهؤلاء أيضا: أن في المكتبة المغربية- عن حياة هذا الشاعر الذي جهله الناس، وجهلوا عنه كل شيء، ومن إنتاجه الفكري والأدبي ما فيه الغناء كل الغناء، ذلك: أن هناك عدة نسخ من كتابه (الوافي في صناعة القوافي) الذي سلك فيه مسلك ابن رشيق في عمدته، وسايره في تربية وأكثر أبوابه وهو كتاب ضمنه فصولا مختارة في محاسن الشعر وآدابه، وأبوابا مختلفة في العروض والقوافي وهو إلى ذلك يضم نماذج حية، وصورا مشرقة من آدابه الرفيع، وأسلوبه الشفيق، تتجلى فيه روح الشاعر، وعبقرية الأديب، وسمو الكاتب، ولأنك لتحدده بتصيد الفرصة، ويخلق المناسبة ليقول فيها شعرا أو ليكتب نشرا حتى إذا تصفحت الكتاب- تجمع لديك ما يشكل باقة من شعره، وما يرسم ألوانا متلفة من نصره وإلى جانب ذلك فقد أورد فيه لآباء مغاربة وأندلسيين شعرا كثيرا من ذلك قصيدة في الغزل للشاعر المغربي مالك بن المرمل وهي من عيون الشعر قال في مطلعها:
 طاف الخيال بوادينا زارا
                     إلا وواقع سرب النوم طارا
لا ذنب للنوم بل للعين تدفعه 
                    بل للحشا بل لمن حشا الحشا نارا
 لا آخذ الله أحبابي بما صنعوا
                   أن العجيب لمحبوب وأن جـارا
وهذه القصيدة من أصل شعره الذي لا عرفه كب الأدب. ويبدو أن الشاعر الرندي عاصر طائفة من أدباء المغرب، وقارضهم الشعر، ومن يدري؟ فلعل أبا البقاء عاش فيها شوقا إلى مسقط رأسه(رندة) قال أنه قالها وهو بمراكش وهذه أبيا منها:
بلغ الأندلس السلام وصف لها
                    ما بي من أشواق وبعد مزار
وإذا مررت ب"رندة" ذا المنى
                    والسراح والديموس واللوزار
سلم تلك الديار وأهلها
                  فالقوم قومي والديار دياري
ومع هذا فإننا نجهل تماما هذه الفترة من حياته التي قضاها بالمغرب، وغاية ما نستطيع أن نقول إنه قلما تجد في هذا العصر عالما وأدبيا بالأندلس لم يزر المغرب أو بالمغرب لم يزر الأندلس. ومن أغرب ما قرأت لصاحب قصة الأدب في الأندلس أن القاضي عياض وجماعة ممن عبروا البحر إلى الأندلس في مناسبا يعتبرون- في نظره- من أعلام الأندلس(لا المغرب) لأنه لم يذكرهم فيمن ذكر من أدباء المغرب الذين لا يتجاوز عددهم رؤوس الأصابع (في قصته). فليكن ذلك وليكن الشاعر الرندي أيضا من أدباء المغرب لأنه عبر البحر إلى المغرب.
ومن كتب الرندي التي احتفظت بها المكتبة المغربية- كتاب"روضة الأندلس ونزهة النفس" الذي كتبه برسم السلطان محمد بن الحمر وهو مجلد كبير في تاريخ الإسلام والخلفاء الراشدين، والدولتين الأموية والعباسية.
وربما كان له غير هذين الكتابين، ولكن الذي أريد أن أقول هو أن كتابه الوافي، الذي احتفظت به المكتبة المغربية بعدد من نسخة – يستطيع أن يفسي بحاجة للباحث أو على الأقل يصح أن يعتبر المفتاح الأول لدراسة حياة أبي البقاء الرندي الذي لا تزال مغمورة حتى الآن.   

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here