islamaumaroc

خطوة حاسمة في نشوء الدولة بالمغرب؛ الدولة الإدريسية

  محمد زنيبر

العدد 274 رمضان/ أبريل 1989

تعددت في السنوات الأخيرة البحوث عن الدولة المغربية، عن نشأتها، عن نمطها، عن قاعدتها الأرضية والبشرية، عن دورها عن الصنف الذي تدخل فيه، حسب النظريات الحديثة. وهو اهتمام جدير بكل تنويه، لا سيما إذا علمنا أن الموضوع لم يحظ بأي التفات جاد ومجد منذ ابن خلدون، صحيح أن هنالك مؤلفين انكبوا على موضوع الإمامة والخلافة، لكن لا ليبحثوا فيها بحثا حرا كما فعل ابن خلدون، وإنما ليرددوا ما هو معروف عند المارودي وغيره من المؤلفين في السياسة الشرعية.
إلا أن تناول هذا الموضع، لكي يصل إلى الهدف المنشود يجب أن يجتنب الشطط والتسرع وأن لا يتعسف في استعمال القياس والمقارنة، فالدولة المغربية لم تنشأ كما نشأت الدولة عند اليونان أو عند الرومان أو عند الجرمان وغيرهم من شعوب أوروبا بالتي انصبت عليها الأبحاث بكثرة هائلة والتي كثيرا ما يتخذ منها بعض المؤلفين عندنا مرجعا يستندون إليه. بل إنه نشأت في ظروف خاصة بها لا يمكن التعرف عليها إلا بمراجعة تاريخية دقيقة ومتأنية.
                                                      ***
والعامل الأول في نشأتها – وهذا على، ما أعتقد، واقع تاريخي لا ينازع فيه منازع – هو دخول الإسلام إلى المغرب, لقد بدأت فكرة الدولة، أول ما بدأت، على شكل الولاية التي استحدثها الأمويون لإدارة الأقاليم العديدة التي أصبحت تضمها المملكة الإسلامية الواسعة الأطراف. والولاية في ذلك العهد، الذي لم تكن فيه وسائل الاتصال والمراقبة متوفرة وسهلة، كانت بمثابة إمارة مستقلة. وكان الوالي، الذي ربما حمل لقب الأمير، يتمتع بثقة الخليفة وينال منه كامل التفويض. والذي كان يضمن تبعية الأول للثاني وولاءه له هو سلطة الإسلام المعنوية على عموم المسلمين، فلم يكن يعقل ولا يقبل أن يخرج الوالي عن طاعة الخليفة، فموسى بن نصير، برغم ما ناله من سطوة ومجد، لم يتردد في التخلي عن منصبه حينما غضب عليه الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك وأمره بالعودة إلى دمشق حيث نزل به أسوأ العقاب.
فالمغرب استأنس فكرة الدولة عن طريق أولئك الولاة الذين كان أولهم هو موسى بن نصير. ما هي مظاهر دلك الاستئناس؟
- التوحيد السياسي المتجلى في الخضوع لسلطة واحدة، فالوالي لم يكن ينظر لإلى القبائل بقدر ما كان ينظر إلى البقعة الأرضية التي تنسحب عليها سلطته والتي يقرر فيها نفس الأحكام ويجرى فيها نفس القواعد والإجراءات الإدارية.
- التمييز بين دار الإسلام ودار الحرب. وهذا مفهوم سياسي كان على درجة كبيرة من الأهمية في تلك الخطوات الأولى نحو إنشاء الدولة، فهو يشعر الخاضعين بامتيازهم وبشرف انتمائهم، فيخولهم حقوق المواطنة الإسلامية ويفسح المجال للتجند في مشروع الفتوح الإسلامية. وهذا ما حصلن بالضبط بالنسبة لبرابرة المغرب حينما نودي عليهم للمشاركة في فتح إسبانيا. فلبوا النداء بحماس وشجاعة.
- التعبير عن الخضوع والولاء عن طريق الجبايات وغيرها من الفروض العامة، بحيث يشعر الفرد أن هنالك رابطة قوية تربطه بجهاز منزه وعال هو الدولة.
- الإسلام كعقيدة وشريعة أعاد تشكيل العقليات السائدة وأحدث فيها تحولات جذرية واتجه بها إلى التوحيد الفكري وإلى إيجاد تطلعات جماعية.
لكن الولاة لم يستطيعوا، كما هو معلوم المحافظة على المثل الأعلى الإسلامي وصدرت منه انحرافات وتعسفات أدت بالبربر إلى التذمر والتشكي..ولا أدل على رغبتهم في الاستمرار على الولاء والطاعة من كونهم حاولوا في مساعيه الأولى أن يتجاوزوا سلطة الوالي ليعرضوا قضيتهم على الخليفة ذاته. وقد أوردت المصادر أحداثا تدل على أن ثورة البربر لم تكن قضية عرقية أو رغبة في بث فوضى وسلوك طريق العصيان، وإنما هي ثورة من أجل الدفاع عن حقوقهم وكرامتهم، طبقا لما استقوه من تعاليم الإسلام أي إنهم كانوا في الواقع كانوا يسعون إلى أن تكون الدولة الحاكمة لهم دولة القانون والنظام.
فمن الشهادات التي نقلها الطبري عن رواة معاصرين أن أهل المغرب، منذ فتحت بلادهم "ما زالوا من أسمع أهل البلدان وأطوعهم إلى زمان هشام بن عبد الملك، أسحن أمة إسلاما وطاعة، وأن خروجهم عن الطاعة فيما بعد إنما نشأ عن تأثير أهل الفرق عليهم، أي تأثير الخوارج، على الخصوص، الذين وردوا إلى المغرب من العراق لينشروا دعوتهم في الأقاليم البعيدة، ولم يستمع البرابرة لأول وهلة للخروج عن الطاعة والثورة على الخلافة، بل اعترضوا على الدعاة القادمين إليهم بقولهم: "إنا لا نخالف الأئمة بما تجنى العمال، ولا نحمل ذلك عليهم" فقال لهم الدعاة: "إنما بعمل هؤلاء بأمر أولئك". فقالوا لهم: "لا نقبل ذلك حتى نبورهم" أي حتى نجربهم.
وحينئذ تألف وفد صغير من رجال البربر على رأسهم ميسرة الذي سيظلمه المؤرخون حين نعتوه بالحقير، مع أن سلوكه كان منطقيا ومتماشيا مع الشريعة. وصل الوفد الذي كان يتألف من بضعة عشر رجلا إلى الشام وطلب مقابلة الخليفة الأموي هشام بن بعد الملك، لكنه لم يستقبلهم، فجاءوا آنذاك إلى أحد المقربين منه، كاتبه الأبرش الطلبي فخاطبوه بقولهم: "أبلغ أمير المؤمنين أن أميرنا يغزو بنا وبجنده، فإذا أصاب، نقلهم دوننا وقال: هم أحق به. فقلنا: هو أخلص لجهادنا، لأنا لا نأخذ منه شيئا. إن كان لنا، فهم في حل. وإن لم يكن لنا لم نرده. وقالوا: إذا حاصرنا مدينة، قال: تقدموا وأخر جنده، فقلنا: تقدموا، فإنه ازدياد في الجهاد. ومثلكم كفى إخوانه. فوقيناهم لأنفسنا وكفيناهم، ثم إنهم عمدوا إلى ما شيتنا، فجعلوا يبقرونها على الخال يطلبون الفراء البيض لأمير المؤمنين. فيقتلون ألف شاة في جلد. فقلنا: ما أيسر هذا لأمير المؤمنين. فاحتملنا ذلك وخليناهم وذلك. ثم إن سامون أن يأخذوا كل جميلة من بناتنا. فقلنا: لم نجد هذا في كتاب ولا سنة، ونحن مسلمون، فأحببنا أن نعلم: أعن رأي أمير المؤمنين ذلك أم لا؟ قال: نفعل.
لكن طال انتظارهم دون الحصول على جواب واضطروا للعودة إلى بلادهم لنفاذ نفقاتهم. فتركوا أسماءهم وأنسابهم في ديوان الخليفة قبل أن يأخذوا طريق الإياب. والواقع أنهم عادوا يائسين وكان ذلك سببا في ثروتهم.                                                         
إننا حين نتأمل هذه القصة التي نقلناها عن الطبري ونحلل كلام الوفد، نصل إلى نتيجة تخالف، تماما، ما ذهب إليه المغاربة المؤرخين الأجانب، وحتى بعض المؤرخين المغاربة حينما حاولوا أن يفسروا ثورة الخوارج بالفوضوية البربرية أو بالعصبية العرقية أو برفض سلطة الخلافة الشرقية. بل إن نية الوفد الأولى كانت هي السعي للبقاء على الولاء للخلافة وتنزيه الخليفة، أمير المؤمنين، عن الموافقة على بعض الأعمال الشنيع التي كان يرتكبها العمال، لكن ولائهم، كما هو متضح من النص، كان مرهونا بقيام الخلافة على الشرع، فهم يبحثون، كما نقول اليوم، عن دولة القانون. ومسعاهم ذلك يمكن أن يدمج في تاريخ الكفاح من أحل حقوق الإنسان.
وربما أثير الشك حول هاته القصة، ولكن، لدينا ما يدعمها في المصادر. فهناك، أولا، السياسة العامة التي تبعها الأمويون منذ البداية والتي كانت تمنح الأولوية للعرب على غيرهم من أبناء الشعوب المفتوحة. بحيث نشأت قضية الموالي التي شرقت وغربت وكانت من أعوص القضايا في المجتمع الأموي، فتحت الباب لجملة من المغامرين السياسيين مثل المختار بن أبي عبيد الثقفي. الذي كانت لهم حجة قوية في الاستناد إلى مبدإ المساواة الذي نادى به الإسلام عصبية الجاهلية. وتفاقمت المشكلة بتكاثر الموالي الذين دخلوا إلى الإسلام الحنيف ووعيهم بالحيف المسلط عليهم. بحيث إن شكوى المغاربة لم يكن بدعاء، بل هو داخل في التذمر العام الصادر عن المسلمين من الموالي شرق وغربا.
وهناك، ثانيا، السياسة الجديدة التي انتهجها عمر بن عبد العزيز ليصحح سلوك الدولة ويعيده إلى النسق الإسلامي الموثق. ومن خلال مراسلاته وتصريحاته نلمس خطورة التعسف التي وصلت إليها تصرفات الولاة والعمال في الأقاليم إزاء الموالي. فهو الذي لم يتردد، مثلا، في عزل أحد الولاة الممتازين الذين اختارهم بنفسه عن إقليم خراسان ونعني به الجراح بن عبد الله الحكمي لأنه تلكأ في السير على منهج العدل تجاه الموالي المستند إلى المبدأ القرآني: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). هو الذي يقول في كتابه إلى أهل الحج:
" أنا معول كل مظلوم. ألا وأي عامل من عمالي رغب عن الحق ولم يعمل بالكتاب والسنة، فلا طاعة له عليكم. وقد صبرت أمره إليكم حتى يراجع الحق وهو ذميم. ألا وإنه لا دولة بين أغنيائكم، ولا أثرة على فقرائكم في شيء من فيئكم....
لكن عمر بن عبد العزيز لم يدم أزيد من سنتين ونصف، بحيث إنه لم يستطع إتمام برنامج الإصلاح والتصحيح الذي أتى به بل إن الخلفاء الذين جاءوا بعده تراجعوا عن خطته وتجاهلوا التعاليم والتدابير التي أقرها في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية. لكن عمله لم يكن سحابة صيف بل ظل شهادة ونموذجا.
يتضح مما سبق أن الشغل الشاغل بالسنة للشعوب التي دخلت إلى الإسلام شرقا وغربا كان هو الحصول على دولة الشرع. وهو تطلع يتماشى مع منطق التاريخ لأن إقبالها على الإسلام كان من أول يوم بدافع تقديرها لما يدعو إليه من عدل ومساواة، لكن قد تكون المبادئ، في جهة، وتكون السياسة المتبعة في جهة أخرى. وهو ما حدث، بالضبط بعد انتهاء دولة الخلفاء الراشدين وقيام الدولة الأموية.
                                                     ***
رحب المغاربة، إذن، بقيام الدولة الإسلامية في بلادهم، ولو على يد الولاة الإقليميين، لكنهم رفضوا الظلم والإهانة حينما انحرف الولاة وعاملوهم بسوء. ولين نفضوا أيديهم من الخلافة الأموي، حينما يئسوا منها، فإن مثال الدولة الإسلامية الصالحة ظل ثابتا في أذهانهم وظلوا يتطلعون إلى تحقيقه، بصورة أو بأخرى. فلما حل بأرضهم دعاة المذهب الخارجي وخاطبوهم بمنطقهم البسيط والواضح المغالي في الديمقراطية، المتشدد في تحديد المسؤوليات والواجبات، لبوا الدعوة بصدق وحسن نية. وهكذا نشأت دولة بني رستم بتاهرت ودولة بني مدرار بسجلماسة. فالأولى إباضية والثانية صفرية. ولم تتما كلاهما بالعنف والتعصب الذي عرفت به حركة الخوارج في المشرق بل انسجمتا مع غيرهما من الدول التي نشأت بالمنطقة كالأدارسة والأغالبة وعرفتا بالتسامح والتفتح.
ومع ذلك، فالخوارج لم يستطيعوا أن يجلبوا نحوهم عطف عامة الملمسين، بل ظلوا يمثلون حركة أقلية، حركة ظل يعوزها دائما السند منم كبار العلماء والفقهاء الذين ظلوا ينظرون إليها شزرا كمذهب منحرف عن السنة الصحيحة. فالخوارج لم يستطيعوا أن يحققوا حولهم الإجماع في أي مكان من العالم الإسلامي، بل ظلوا يعتبرون كفوضويين وكحركة متأثرة بتقاليد البداوة العربية الرافضة لأي سلطة عليا. ولعل موقفهم من علي بن أبي طالب في معركة صفين وبعدها نفر معظم المسلمين منهم وحكم عليهم بأن يصبحوا حركة هامشية.
لذلك، فإن الثورة الخارجية بالمغرب وما نشأ عنها من محاولات لم تشف غليل المغاربة ولم تسد الفراغ الذي بدأوا يشعرون به عمد انفصالهم عن دولة الخلافة في المشرق. والانطباع العام الذي يبقى لنا من قراءة المصادر هو تطلعهم إلى إيجاد دولة مغربية مستقلة تتوفر فيها كل الشروط التي توفرت للدولتين الأموية والعباسية، أي أن تكون دولة متماشية مع رغبة عامة المسلمين وشعورهم أي ا ينطبق علة مفهوم السنة والجماعة...ولا ننسى أن المغاربة احتكوا آنذاك بمذهب أخرى من غير المذهب الخارجي، إذ نجد من بينهم من ينتسب إلى  الاعتزال، مثلا.
وإذا كانت المصادر تشح علينا بأخبار وجود المذاهب في المغرب، فنحن نعلم أن عددا من الفرق كان للحصول على الأنصار والمؤيدين. مما يجعلنا نفترض بكثير من اليقين أن المغاربة استقبلوا آنذاك عددا من الدعاة واستمعوا إليهم واحتكوا بأفكارهم.
                                                      ***
لكن العقلية المغربية أو المزاج المغربي، كما برهن على ذلك التاريخ في فترات مختلفة، يستنكف عن كل ما هو منحرف عن الجادة التي تسلكها الجماعة الإسلامية، فيحرص دائما على البقاء فيها. يكفي أن نشير، على سبيل الميال، إلى ما حصل للمذهب التومرتي نم انقراض سريع ونيسان تام، برغم ما بذل في سبيله من وسائل جبارة لنشره وترسيخه في العقول والقلوب. المزاج المغربي مزاج كلاسيكي يميل إلى النماذج الأصيلة المسلم بها حتى إن نحا إلى التطور والتجديد, إنه ير فض المغامرة ويتسلح بالتبصر والاحتزاز.
لذلك، فإن هذا العصر الأول الذي جاء بعد الفتح والذي امتد إلى ما يقارب ثمانين سنة والذي كان عصر الولاة والثورة الخارجية انتهى بتطلع المغاربة الذين بلغتهم الدعوة الإسلامية وتشبعوا بتعاليمها وجربوا حكم الخلافة والمحاولات الخارجية، إلى إيجاد دولة إسلامية أصيلة في بلادهم.
وهي الفرصة الذهبية التي صادفها إدريس وهو يخترق أرض المغرب مع مولاي راشيد. فارا من نقمة العباسيين، وباحثا في نفس الوقت عن الوسيلة التي تسمح له بالانتقام من خصومه ومواجهتهم في ميدان السياسة، لا شك أن الرجل كان ذكيا. فهو الذي تمكن من بين إخوته، وعددهم سنة، من تأسيس دولة كان بها ذكر واستمرار في بلاد بعيدة عن مسقط رأسه بالحجاز، لم تكن له صلة بأهلها. ولا شك أنه كان ذا معنوية رفيعة وشجاعة نادرة حيث لم ييأس من الدفاع عن قضية العلويين التي كر أريق فيها من دماء وقتل من أشراف ولم يتردد في الإقدام على مغامرة كبيرة محفوفة بالأخطار مهددة بالفشل في كل وقت.
ولا شك أن المغاربة رأوا آنذاك في هذا الرجل الذي ينتسب لآل البيت ويحمل نفحة الشرف خير من يزكي مشروع تأسيس دولة مغربية صميمة. ومن المعلوم أن المغاربة متشبثون بخصوصيتهم غيورون على استقلالهم، متحفظون كثيرا إزاء الأجنبي الطارئ، لا سيما وقد كانوا في ذلك الوقت لا يعرفون إلا لغتهم البربرية، ويقل بينهم من يتكلم العربية. فنجاح إدريس الطريد الشريد الوحيد يظهر لأول وهلة، محدث من قبيل البطولات النادرة والمعجزات المثيرة.
لكنه في الواقع حدث يمكن تفسيره وفهمه بالظروف والملابسات التي أحاطت بتأسيس الدولة الإدريسية. إن بيعة إدريس بن عبد الله لم تأت كحادث اعتباطي أو كمصادفة لم يسقها تهيئ. بل إننا نرى إدريس، أول ما وطئت قدمه أرض المغرب يتجه إلى طنجة، التي يتحدث عنها المؤرخون كحاضرة المغرب، وكانت إقامته بها مرحلة ضرورية ليتعرف على البلاد، ويجس نبض سكانها، على المستوى السياسي، وقد تطلب ذلك سنتين حسبما نستخلصه من المصادر.
فنحن حينما نقرأ السطور وما بين السطور القليلة في المصادر نخرج بالخلاصة التالية: بقد سعى إدريس ليتصل بزعماء القبائل الكبرى، وكانت القبائل آنذاك بعصبيتها وعدد أفرادها هي كل شيء في المغرب, فالمدن، برغم وجودها لم تكن قادرة على أن تكون القوة السياسية الفاصلة في المغرب، بل القوة السياسية كانت توجد، معنويا وماديا لدى القبائل. وتمكن إدريس من ربط الصلة مع أحد رجالها هو إسحاق بن محمد بن عبد الحميد الأوربي، زعيم قبيلة أوربة التي يصفها القرطاس بأنها "كانت في ذلك الوقت أعظم قبائل المغرب وأكثرها عددا وأشدها قوة وبأسا وأحدها شوكة" وهي القبيلة التي كان أحد زعمائها هو كسيلة الذي قتل عقبة بن نافع في خير مشهور. فأقدميتها في الإسلام مسلم بها، ونسب إسحاق المذكور آنفا بدل على ذلك.
اختار إدريس، إذن، إحدى القبائل المرموقة بالمغرب ليتصل بزعيمها ويعرفه بنفسه ونسيه ويخبره بمشروعه السياسي الهادف على تأسيس دولة بمساعدة أهل البلاد، تكون مطابقة لما ورد من مبادئ وتعاليم في الكتاب والسنة في هذا الشأن، متحاشية عن الانحرافات التي سارت فيها الدولة العباسية باسم الهاشميين. وصادف هذا الخطاب استحسانا وتحبيذا من مخاطبه ثم من المغاربة الذين تراكمت في نفوهم مآخذ على الخلافة في الشرق.
هكذا سار المشروع نحو الإنجاز في مراحل متلاحقة، فاختار إسحاق الأوربي شهر رمضان، الذي له منزلة خاصة في نفس المسلمين، ليجمع أبناء قبيلته ويطلعهم على ما دار من حديث بينه وبين إدريس، وليبين لهم الهدف الذي جاء من أجله إلى المغرب, ولعل أهم عنصر كان له الوزن الكبير في أعين المجتمعين هو نسب إدريس، فهو يتميز بانتسابه الصريح إلى سيدنا محمد صلى الله علية وسلم، وفي طبيعة المغاربة وفي تقاليدهم تقدير الأنساب، فبرغم أنفتهم ونزوعهم إلى الحرية، يحتفظون في أنفسهم باعتبار كبير للأصول والأنساب ويميزون "ابن الخيمة الكبيرة" حسب تعبيرهم الدارج عن غيره.
                                                       ***
ثم كيف يتم لهم مواجهة الضغوط العسكرية الآتية من جهة العباسيين على يد ولاتهم بأفريقية إذا لم يبادروا إلى تأسيس دولة تكون رئيسها من بيت يبز العباسيين من حيث الشرف والأحقية بالإمامة؟ فاختيارهم، إن كان، من جهة يراعى النسبة ويدل على نخوة وغيرة على ما أصاب الدولة العلوية من محن مآس، فإنه، من جهة أخرى، يبين أنهم كانت لهم نظرة سياسية خطيرة وذات بعد مصيري. إن قبولهم لعرض إدريس معناه إقامة دولة ذات وزن تجاه العباسيين بالمشرق وتجاه الأمويين بالأندلس، ومعناه، بالتالي، رفض أي تبعية واختيار التمسك بالاستقلال، وهكذا طبع المغرب الأقصى تاريخه الإسلامي منذ أول يوم باختيار لم يحد عنه، ألا وهو التمسك بالاستقلال وكانت الدولة الإدريسية أول م ضرب المثل.
كانت أوربة إذن، أول من صادق على بيعة إدريس كإمام للدولة التي ما زالت في طور المشروع. لكن أعيان القبيلة اعتبروا، ولا شك، أن الاقتصار على قبيلة واحدة لا يمكن أن يضمن بلوغ الهدف. ولعل إدريس كان، هو أيضا يحمل نفس الشعور ويحرص على أن يكون جمع من القبائل المختلفة تلتف حوله وتسانده,. لذلك، كانت الخطوة الثانية هي ضم عدد من القبائل المعروفة لتكون، هي الأخرى، في جانبه، وقد ذكر روض القرطاس تسلسل الأحداث مبينا أن "أول من بايعه قبائل أوربة.. ثم بعد ذلك أتته قبائل زناتة وأصناف قبائل البربر من أهل المغرب منهم زواغة وزوارة ولماية وسدراتة وغياثة ونفرة ومكناسة وغمارة".
يتضح من كل ذلك أن دولة الإدراسة لم تنشأ على أساس إرادة قبيلة واحدة، كما كان الشأن، مثلا، بالنسبة للدولة المدرارية التي ارتكزت على العصبية المكناسية، بل إنها انبنت على قاعدة بشرية واسعة التقت بها قبائل متعددة وأقاليم مختلفة، بحيث إن إدريس سار على الخط الإسلامي المناهض للعرقية والعصبية والمتركز على تعارف الشعوب والقبائل وخلق وحدة تؤلف بين سائر المؤمنين على أساس المساواة والإخاء في العقيدة.
لكن إدريس ومن حوله من المستشارين لم يعتبروا القاعدة البشرية وحدها، بل فكروا، أيضا في القاعدة الجغرافية، فاتجهوا إلى أحسن منطقة في المغرب موقعا وأخصبها وأكثرها موارد وأقدرها على الإشعاع في كل الاتجاهات، وفي المنطقة التي تقع في حوض سبو وما يحيط بها إلى السهولة الغربية. فهي منطقة استقرار وزراعة وثروة، أي إنه توفر عوامل التوازن الاقتصادي والبشري الضروري لضمان القوة والاستمرار للدولة الناشئة, فيمكنها أن تسعى لتوسيع نفوذها في جهات أخرى من المغرب، وهو ما حصل، بالفعل حيث إننا نجد الأدارسة يصلون إلى تلمسان شرقا وإلى البحر المتوسط شمالا وإلى سوس جنوبا، كما نشهد على ذلك المصادر والمسكوكات النقدية التي ترجع إلى تلك العهود.
يبقى عنصر آخر سياسي ومهم داخل في نشأة الدولة الإدريسية ونعني به البيعة الذي هو مفهوم إسلامي يرجع إلى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وينبني على تعاقد واضح بين المبايعين والمبايع له، فبيعة الرضوان، مثلا، التي قرر فيها الرسول، عليه السلام، محاربة فريش إن صح النبأ الذي بلغه بمقتل عثمان، كانت فيها مبايعة من الجهتين: بايع الرسول أصحابه على الموت، كما بايعه أصحابه. وكذلك كانت بيعة الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين تنص على شروط والتزامات بين الطرفين. وكذلك كانت بيعة إدريس، التي لخصها روض القرطاس في هاته العبارة مشير إلى بيعة أوربة: "بايعوه على الإمارة والقيام بأمرهم وصلواتهم وغزوهم وأحكامهم بيعة فيها تفويض للسلطة الدينية والدنيوية معان بما فيها التشريع والتنفيذ والقضاء.
والموضوع واسع إذا أردنا أن ندخل في تفاصيله، يمكننا أن نعود إلى النصوص الجديدة التي نشرها المرحوم علال الفاسي والتي تلقى أضواء أخرى على الظروف التي أحاكت بتأسيس الدولة الإدريسية.
وأهم ما يمكن أن نلاحظه في ختام هذا التحليل هو أن إدريس تجاوب مع رغبة كانت كامنة في نفس المغاربة، وهي رغبتهم في إيجاد جدولة ونظام مستقر مقتبس من نموذج الخلافة الإسلامية. فضرب لهم مثلا لم يكن من الممكن التراجع عنه حتى في أحلك أوقات الأزمات، إذ أصبح السعي للمحافظة على وجود الدولة وتجديدها وتوحيدها شغلا شاغلا للمغاربة على مر العصور. وذلك جانب أساسي في تاريخ المغرب يستحق دراسات ودراسات.


مراجع أساسية :
الطبري: تاريخ الرسل والملوك، دار المعارف، القاهرة.
ابن هشام: السيرة النبوية، القاهرة 1936.
البكري: المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، مكتبة المثنى، بغداد
ابن أبي زرع: الأنيس المطرب، الرباط 1973.
ابن خلدون: كتاب العبر، بيروت 1959.
عبد الوهاب بن منصور، قبائل المغرب، الرباط  1968.
الوثائق: المجموعة الأولى، الرباط 1976.
المناهل، عدد 11، الرباط 1978.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here