islamaumaroc

ابن خفاجة الأندلسي: نفحات إسلامية في محراب الطبيعة

  منجد مصطفى بهجت

العدد 274 رمضان/ أبريل 1989

ستمضي رحلتنا الأدبية – قارئ الكريم – في جلال وجمال، وبهاء ورواء، مع أثر شعراء الأندلس، ولوعا بالطبيعة، وتعلقا بمجاليها، الذي منح الطبيعة حجما كبيرا من ديوانه، وأخلص لما يحيطه من الكون، ممعنا النظر، متدبرا في ألاء الله سبحانه ذاك هو "أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الفتح بن خفاجة...."
وليس بمستبعد على الأندلس، ولا بمنكر..أن تنجب أمثال ابن خفاجة، وهي التي شهدت بحدائقها الفن، وجنانها الفيح..وقد ولد شاعرنا في مدينة شقر، وعاش في بلنسية – شرقي الأندلس – التي نعته الشقندي ب "مطيب الأندلس" لكثرة حدائقها وخصب أراضيها..فكان ثمرة ذلك لوحة رابعة، تصف وتشف، وتعكس الجمال للأندلس، وصورة فنية خاصة بشقر وبلنسية ! وكان ما كان مما لهج الناس للأندلس:
يا أهل أندلس لله دركـــم
      ماء وظل وأنهار وأشجار
ما جنة الخلد إلا في دياركـم
      ولو تخيرت هذا كنت أختار
لا تحبو في غد أن تدخلوا سقرا
      فليس تدخل بعد الجنة النار
ولأول وهلة أنكر سلطان المغرب أبو عنان المريني الأبيات على روايها، ووجد فيها خروجا من ربقة الدين، لكنه استحسن بعدها، ما قالهن ودفع عنه الملام لأن الأندلس موطن جهاد، ومقارعة للعدو، "الجنة – كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم – تحت ظلال السيوف"...
وكان ما كان مما نعت به بلنسية في قصائد كثيرة إذ يقول:
بلنسية نهاية كل حسن
      حديث صح في شرق وغرب
نشأت شاعرنا متشبعا بحب الجمال، بنفس شفيفة وروح سامية، فارتقى في مراقي الأدب درجات، وكان ذا ملكة مزدوجة، فقرض الشعر، وكتب النشر، وصدر في ديوانه عن آراء نقدية متميزة..وجارة نقاد عصره فيما تطلبوا من الشعراء، واصطنع منهجا خاصا به.
فإذا كان الدارسون قد وقفوا عند الشاعر، موقف الإعجاب، وكشفوا عن مناط البلاغة والجودة فإنه فاتهم أن يلتفتوا إلى النزعة الإيمانية والنفحة الروحية التي صدر عنها في قصيدتين متميزتين في ديوانه بائية وروائية (2)سنفصل القول فيهما في هذا المقام.
إن النظر في الكون، وتدبر المخلوقات والكائنات، صورة من صور البحث عن الذات، والتفكر في الخالق سبحانه وتعلى، وقد دعا القرآن الكريم في مواضع عديدة إلى ذلك كنها قوله: (قل أنظروا ماذا في السموات والأرض)(يونس 101) وقوله: (وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم ألفا تبصرون الطور) (20-21) فانتهت تلك الدعوة بالشاعر إلى الأنس بالطبيعة انس المتدبرين البحثين عن كنه الحقيقة (3).
غيري من يعتد من أنه
      ما نال من ساق ومن كأسه
وشأن مثلي أن يرى خاليا
      بنفسه يبحث عن نفسه
وتحولت تلك الخلوة إلى عبادة، وزهادة ورياضة روحية تهذيبية للنفس، من أدرانها وأوضارها، فكان كما روى الضبي: "يخرج من جزيرة شقر..إلى بعض تلك الجبال التي تقرب من الجزيرة، وحده ! فكان إذا صار إلى جبلين نادى بأعلى صوته: يا إبراهيم تموت !  يعني نفسه، فيجيبه الصوت، ولا يزال كذلك حتى يخر مغشيا عليه !" (4)
إنه الخوف العميق من الله، الذي يدعو إلى الاعتبار والتسليم له...وليس موقفا مرضيا ممن خوفه من الموت كما رأى أحد الدارسين (5).
ونعود إلى أولى القصيدتين، البائية أو "قصيدة الجبل" لقد نص الشاعر في مستهلها على مغزاها، فقال: "وقال في الاعتبار" فالمراد بها إذن ليس الوصف العام على نحو ما جاء في قصيدة أخرى جاءت في الديوان ذاته صدرها بقوله "ومما يتعلق بصفة جبل" (6) فهو لا يقصد الجبل في هيكه وهيأته الخارجية، بل يسير أعماقه، ويتعمق أغواره..في ستة وعشرين بيتا، على نحو فريد، من تكامل عناصر التجربة الفنية، حتى جاءت القصيدة نسقا شرعيا متكاملا، ذا شعاب وافانين، ولو ذهب جميع ما قال ابن خفاجة من الشعر وبقيت وحدها لكانت معجزة إبداعه ودليل تفوقه (7).
تأتي قصيدته مستهلة بقوله:
بعيشك هل تردي أهوج الجنائب
      تخب برحلي أم ظهور النجائب؟
وتمي في أربعة مشاهد وأشواط، مترابطة متعاشقة الأجزاء، يأخذ بعضها برقاب بعض، فإذا أسقطنا أبياتها الأولى، وحسبنا أنها مقدمة تقليدية، لا صلة لها بجوهر القصيدة، فسدت التجربة الشعرية، وفقدت عناصر روعتها.
فالمشهد الأول، يمثل حالة الاضطراب النفسي، والقلق والتوثر، اللذين كان عليهما الشاعر حيث أديا به إلى ضرب أكباد الإبل، والسياحة بين الشرق والغرب، وحيدا فريدا، على نحو ما كان يخرج كما تقدم في رواية الضبي يصور لنا ذلك على نحو فريد:
فما لحت في أولى المشارق كوكبا
      فأشرقت حتى جبة أخرى المغارب
وحيدا تهاداني الفيافي فأجتلـــي
      وجوه المنايا في قناع الغـــياهب
ويمضي في القصيدة في تسعة أبيات، ينتقل بعدها إلى المشهد الثاني: وصف الجبل خارجيا، ولكن مع تشخيص فريد، إذ يسبغ عليه من ملامح الكائن الحي، فإذا به شيخ وقور عركته الأيام، وزادته حنكة وتجربة:
أصخت إليه وهو أخرس صامت
      فحدثني ليل السرى بالعجائب
والصلة بين المشهدين قوية، والوشيجة متينة، إذا أن صورة الاضطراب والقلق الشديدين اللذين كان عليهما الشاعر، وبرمه بم هو عليه، دعاه إلى الضرب في آفاق الأرض، انتهى له إلى الوقوف عند آلائه سبحانه..حيث تستقر هواجه، وتسكن بلابله، مستمدا الدروس والعبر، بعد صراع طويل، آلام محتدمة، ومن الصور الحية التي أوردها، قوله يصور عظمة الحبل وجلاله:
يلوث عليه الغيم سود عمائم
      لها من وميض البرق حمر ذوائب
فإذا كان الجبال بهذا المقام، وذلك الوقار، فلا باس أن يجلس إليه، يقبس من حديثه ويصيخ سمعه إلى حكمته في أدب جم، وتوقير...فيحدث عن الأيام الغاربة، والأمم الماضية عن الفاتك والتائب، والمدلج والمؤوب، والمطى والراكب وآخرين كثيرين..وكل أولئك خسف بهم الزمان، وذهبت لهم الأيام.وفي ذلك عبرة ما بعدها اعتبار...
فما كان إلى أن طوتهم يد الردى
      وكارت بهم ريح النوى والنوائب
ويسجد لنا المشهد الثالث، صورة الجبل، وهو يحتمل بين جوانحه قلبا نابضا، وشعورا حيا لما يجري حوله ممن تغير الأحوال وذهاب الآمال، وحلول الآجال، وقلبه يختلج ويضطرب، أسى وحزنا:
فما خفق أيكي غير رجفة أضلع
      ولا نوح ورقى غير صرخة نادب
وما غيض السلوان دمعي وإنما
      نزفت دموعي من فراق الأصاحب
وإذ يبرم الشاعر بطرائق الحياة، وتضييق عليه شعابها، ينسب ذلك للجيل، ويسوق الحوار على لسانه، فطية الردى ليست هينة ونائبات الزمان تتخطف الألباب، وتطيش لها الحلوم، فيتملكه الرعب والهلع للمصير الذي ينتظره، مما يجري حوله..وليس له إلا أن يرفع كف الضراعة إلى الله تعالى، بعد أن ودع الأصحاب، ورعى النجوم، وصفرت يده من لذائذ الدنيا ومباهجها:
فحتى متى أبقى ويظعن صاحـب
      أودع منه راحلا غـــير آيب؟
وحتى متى أرعةى الكواكب ساهرا
      فمن طالع أخرى الليالي وغارب؟
فرحماك يا مولاي، دعوة ضارع 
      يمد إلى نعمـــاك راحة راغب !
وقبل أن يسدل الستار على رحلته، يأتي المشهد الرابع، موجزا في ثلاثة أبيات هي خلاصة الرحلة، التي يهتدي إليها الشاعر، وفيها الراحة والطمأنينة..إذ يسليه الجبل في حواره، ويسرى عنه، فما يملك بعدها إلا أن يلوى عنان فرسه إذ يجد فيه حلا للغز الحياة:
فأسمعني من وعظه كل عـبرة
      يترجمها عنه لســان التجارب
فسلى بما أبكى، وسرى بما سجى
      وكا على ليل السرى خير صاحب
وقلت وقد نكبت عنه لطيـــة:
      سلام فإنها من مقيم وذاهب
وهكذا تنتهي تجربته الفريدة في عوالم شعر الطبيعة الخصيبة الممرعة، تكشف عن صلة الإنسان بخالقه سبحانه عن طريق الكون، العالم الفسيح الممثل في الجبل لدى الشاعر.
من مظاهر الكون، ذلكم هو "القمر" حيث فاضت شاعريته وهو يمهد لها بقوله في نثر فني رائع، مستخدما ضمير الغيبة في الحديث عن نفسه:
من مظاهر الكون، ذلك هو "القمر" حيث فاضت شاعريته وهو يمهد لها بقوله في نثر فني رائع، مستخدما ضمير الغيبة في الحديث عن نفسه:
"وقد طلع عليه القمر في بعض ليالي أسفاره، فجعل يطرق في معنى كسوفه وإقماره، وعلة إهلاله تارة، وإسراره، ولزومه لمركزه مع انتقاله في مداره، معتبرا، بحسب قوة فهمه واستطاعته، ومعتقدا أن ذلك معدود فيعبادة الله وطاعته، لقوله تعالى: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، لآيات لأولى اللباب) فقال: وقد اقام معانية تلك النصبة واستشرف تلك الحالة والهيأة، مقام المناجاة لمن خلا لنفسه يفكر، ونظر نظر الموفق يعتبر (8).
هكذا يستهل قصيدته الرائية، حيث نلقى القمر يلقن ابن خفاجة درس الحياة، ويبين له سر الكون، فهو يبدأ هلالا، ثم يستوي بدرا، ويأخذ بالتناقص حتى ينتهي بالمحاق، وكذا الإنسان يبدأ رحلته، نطفة، فعلقة، فمضغة مخلقة، وغير مخلقة، فطفلا فصبيا، ثم شابا، فرجلا بالغا أشده، كالقمر ليلة تمامه.
يبدأ قصيدته بقوله:
لقد أصخت إلى نجوك من قمر
      وبت أدلج بين الوعي والنظر
وتبلغ بالشعر حالة الانبهار، أما آية القمر، قمتها، فتصير له إلى حالة العبادة، وهو أمر ليس بدعا فقد صح في الآثر الشريف، أن التفكر في آلاء الله عبادة، وهو يعرض لنا هذه التجربة في وحدة عضوية متكاملة، تبدأ باللمحة العابرة، وتنتهي إلى استغراق كيان الشاعر، وفيها تشترك أكثر ممن حاسة في حوار القمر:
لا أجتلي لمحا حتى أعي ملحـا
      عدلا من الحكم بين السمع والبصر
وقد ملأت سواد العين من وضح
      فقطر السمع قرط الأنس من سمر
فلو جمعت إلى حسن مـحاورة
      حزت الجمالين ممن خبر ومن خبر
فهو إذن يستنطق القمر، ويرجو أن يلهم الحديث معه، وأنه لا مشاحة سيشف أذنه ويمتعه بحديثه المعول، ولكن أتى له ذلك ! وهل ستهدر الصلة الروحية والوشيجة الصوفية باستحالة الحديث مع القمر؟ لا، ذلك لأن القمر الصامت لا يقل شأنا عما تطلع إليه الشاعر في القمر المتحدث:
وإن صمت ففي مرآك لي عظة
      قد أفصحت لي عنها ألسن العبر
فأين تكمن العظة وينطوي الدرس، في مرآي المقر؟
إنها تتجلى في أحواله المتغيرة، وصورته المتبدلة، والشاعر يشير – بذلك – إلى أصل من الأصول التي قام بها الفلاسفة في إثبات وجود الله، هو تعير الكون وتبدله، وعدك استقراره:
تمر من ناقص حوارا ومكتمل
      كورا، وممن مرتق طورا، ومنحدر
وإزاء هذا الواعظ الصامت، الشيخ الحكيم، يرى الناس صنفيه، معرض ذاهل، سادر في لهوه وغيه، وملتفت متعظ، مذكر لعافية أمره:
والناس من معرض يلهى وملتفت
      يرعى، ومن ذاهل ينسى ومذكـر
وينتهي الأمر بشاعرنا، إلى إسبال الدمع ونثر الشؤون والشجون، بعد هذا الاستغراق المتأمل، والدرس البليغ الذي ألهمه إياه القمر:
فإن بكيت وقد يبكي الجليد فعند
      شجو يفجر عين الماء في الحجر
وبعد..
فهل يصح أن ينكر منكر أن يكون ابن خفاجة شاعر الطبيعة، على نحو ما رأى أحد الباحثين..لأن أدب الإفرنج ، ومذاهبهم، أسمى من أدب العرب؟ ! ويذهب الباحث أبعد من ذلك فيزعم أن الجيد نادر في شعر ابن خفاجة.
ومثل هذا الحكم العام، فيه من مبالغة تنطوي على ارتجال في الأحكام، وعدم أناة في استقرار النصوص ودراستها..
فلله در الشاعر الجنان، فيما تأمل من صنع الله في الكون !
ولله در شاعر الطبيعة، فيما فاضت قريحته من شعر ينبض تدبرا ونظرا في عاقبة الأمور !

 

المصادر والمراجع
1- الأدب بين التأثير والتأثر، د. محمد رجب البيومي،
       جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض 1980.
2- بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس، ابن عميرة الضبي (ت 599هـ).
        تاريخ الكتاتب العربي، القاهرة 1957م.
3- تاريخ الأدب الأندلسي، عصر الطوائف والمرابطين، د. إحسان عباس.
         ط- درا الثقافة – بيروت 1971م.
4- ديوان انب خفاجة الأندلسي، تحقيق السيد مصطفى غازي.
        ط. منشأة المعارف، الإسكندرية 1960م
5 – الشوقيات المجهولة، تحقيق د. محمد صبري، القاهرة د.ت
6- نفح الطيب من غصن الأندبس الرطيب، المقري التلمساني ت 1041هـ.د
       ط. دار صادر بيروت 1968م.

-------------------------------------------
1) المقري، نفح الطيب 1-681.
2) الديوان رم 178 ورقم 8. 
3) ديوانه رقم 14 وينظر كذلك: 132.163   ص 205.
4) بغية الملتمس رقم 502  
5) تاريخ الأدب الأندلسي – عصر الطوائف والمرابطين 
6) الديوان رم 107
7) د .محمد رجب البيومي، الأدب الأندلسي بين التأثير والتأثر، ص 78    
8) ديوانه رقم 80.
9) مقدمات الشوقيات المجهولة 1/29

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here