islamaumaroc

الواقعية في الفكر الإسلامي.

  أحمد الكتاني

العدد 274 رمضان/ أبريل 1989

إن الذي تسمح له الظروف وتواتيه الفرص للبحث، ويقتفي آفاق الفكر الإسلامية منطلقا من مصادره الأصيلة لا مما يروج في أدمغة قوم اختلط عليهم الحابل بالنابل، يتبين له بوضوح، أن الإسلام في حقيقته ووجوده الفعلي، ثورة عارمة ضد كل تخلف، وتغيير كامل شامل أطاح بأوضاع الإنسان الفاسدة، ليحل محلها ما يلائم الإنسان شخصيا واجتماعيا وماديا في إطار إسلامي، وأن ممارسة الإسلام تستوعب تحولا مستمرا من صور العبادة وأشكالها البارزة إلى آثارها المتميزة بالإيجابية، ومن الانحصار في قوقعة المثالية الخيالية، إلى اقتحام معترك الحياة الواقعية، والارتماء في زحمتها والاستفادة ممن تجاربيها الناجحة، بل التدين في جوهره تحول دائم من الجمود إلى الحركة، ومن التقليد إلى الأصالة، ومن الغباء إلى الإنتاج، ومنن الكسل إلى استمرارية النشاط والحركة، ومن الإحساس بالملل والسآمة إلى تغطية الفراغ بمباهج الحياة والاستمتاع بها، وهذا يعني أن التدين لا يكاد يستقر في ذهن الإنسان ويهيمن على أعماقه حتى يحفزه إلى الشعور القوي بفعالية التدين الإيجابية، وواقعيته في مختلف الأطوار، وتباين الفترات، ومهما طهرت العقيدة وشرفت الأحاسيس، فلا يعتد بها ما لم تفرغ في حركة مستمرة وكفاح متواصل ومسيرة طويلة، لأن الإنسان خليفة الله في أرضه، وهو قادر على بناء هذا الكون العظيم، وتعميره واستخراج ما فيه من مقومات الحياة، وروافدها، وأن مجرد أحساس الإنسان بعظمة دوره في الخلافة عه ربه، ليهيئه إلى العمل الصالح، والإنتاج المثمر، كما أن شعوره بعبء الخلافة يدفع بعجلة السير نحو التقدم والازدهار.
ويؤكد له أن وجوده في هذا الكون ليس عبثا قال تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون).
واشتراط الإيمان بالعمل الصالح، يبرز قيمة العمل الصلاح، بل يثبت للعمل الصالح وجوده، ولا بد من العمل الصالح لتكون للإيمان ثمرته، بل لتثبت للإيمان حقيقته، غير أن مفهوم العمل الصالح يختلف لدى بعض يهرفون بما لا يعرفون، حيث يقصرونه على الشعائر الدينية، والتعبد بالذكر، ويخطئون في مفهوم قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). متغافلين على أن العمل الصالح هو غير رسوم العبادة المجردة، وغير أشكالها المعتادة، والذين يفهمون ذلك يضعون الإسلام في مكان ضيق لا يتسع لكافة الناس، ويحصرون تعاليمه في إطار لم يأذن به الله، ويسلخون عن واقع الحياة, وبذلك يوهمون الناس بسلبية المتدينين في نظام هذا الوجود.
وإظهار القيمة للعمل وطابعه المتميز في الإسلام على الرسوم والأشكال، أذكر بالآية الكريمة: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلى الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين). وإنما ذكرت بهذه الآية الكريمة، لأبين أن مراكز العبادة في الإسلام هي مراكز إشعاع وإبداع، فلا غرو إذا كانت العبادة ذات دلالة إيجابية، وكان العمل شموليا، وأن ذلك ليرتد بدءا وختاما إلى الشخص نفسه عند ما يقبل على العبادة في مكان ما، أما العبادة فمقصودة لغايات أبعد مكن شكلها، وأما المراكز فترمز إلى تلك العبادة التي هي وسيلة للصلاح والقرب من الله تعالى.
لقد وصف الله تعالى بناة المساجد بأوصاف نبيلة، ذات أبعاد ودلالات، وصفهم بالإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وخشية الله أي التقوى، هذا هو المقياس في عمار المساجد.
فالإيمان بالله يعني تحرر البشرية من كل عبودية لأية سيطرة وأي سلطان إلى عبودية الله التي تشد البشرية إلى مثلها العليا، فيعيش الناس جميعا في حظيرة المساواة يعبدون ربا واحدا ويتعاملون بشريعته، وقد وحدوا اتجاهم وعرفوا غايتهم، وخلصوا أنفسهم من كل فوضى. فالإنسان بدون إيمان بخالقه بيتيه في الضلال والجهالة، وتتخطفه الغواية، لا يعرف لنفسه قصدا واضحا ولا غاية معينة، ولا يعرف الملاذ الذي يعصمه من العواصف أنه لا يعرف نقطة التحول والارتكاز، لتجمع حولها في محاولة الإشفاق على نفسه.
والإيمان باليوم الآخر يوحى بأن على الإنسان أن يؤمن بأن هذه الحياة الدنيا ساعة تنتهي إليها لتحل محلها حياة أخرى يبعث الله خلالها الخلائق بعثا، وبأن حياة الإنسان على هذه الأرض ليست سدى، ولا فوضى، فيتبع الإنسان هواه، دون مبالاة بالمعايير الخلقية، وإنما الحياة الدنيا لها ارتباط وثيق بالحياة الأخرى، وأن الخير ليس هو الشر. وإقامة الصلاة تعود صاحبها كثير من المزايا، وتطهر النفس من النقائص، وتؤهل المصلي لمناجاة الله تعالى. وإيتاء الزكاة كضريبة اجتماعية جعلها الله في أموال الأغنياء للفقراء لحكم أنه هو صاحب المال. وهو الذي ملكه للفرد بعقد منه، والتقوى هي امتثال الأوامر اجتناب النواهي، وهي أساس الخير وحائل بين الشر، قال ابن العربي: لم يتكرر لفظ في القرآن مثلما تكرر لفظ (التقوى) اهتماما بشأنها.
تلك الأوصاف هي القاعدة في استحقاق عمارة المساجد فالعبادة تعبير عن العقائد، فإذا لم تصح العقيدة لم تصح العبادة، وممارسة الشعائر وعمارة المساجد ليست بذات بال، ما لم تعبر القبلة بالاعتقاد الإيماني الصحيح، وبالعمل الواقع الصريح، وبالتجرد لله في العمل والعبادة على السواء، ومن ثم قال الله تعالى: (أجعلتهم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم والآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله). ومن سماحة الإسلام أنه لم يشترط في قبول الصلاة، كونها في المسجد قال تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله، إن الله واسع عليم). وقال صلى الله عليه وسلم: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهرن وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأي ما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل.
ولقائل أن يقول: لماذا بادر صلى الله عليه وسلم وهو في هجرته إلى المدينة ببناء مسجد جامع في (قباء)؟
ثم لماذا بنى مسجده بالمدينة بعد أن دخلها. ثم اسمر في بناء المساجد. والحث على بنائها؟
والجواب أن المسجد عند عدم وجوده لا يعتبر شرطا للعبادة وصحتها، لكن أهميته تبرز متى وجد وتيسر، إذ كان المسجد فوق أنه معبد، مدرسة دينية تعنى بتحفيظ القرآن الكريم ومدارسة قواعد الدين، قال تعالى: (وفي بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار).
وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر القارئين بأن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا، وثبت ايضا أنه صلى الله عليه وسلم قال: وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسون فيما بيتهم إلى نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفت بهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده.
وكان المسجد مدرسة دنيوية تعنى بالتعليم والإرشاد وإعداد الشخص وتوجيهه وجهة صالحة: فقد روى أنه صلى الله عليه وسلم أمر عبد الله بن سعيد به العاص – وكان خطاطا – بأن يعلم في المسجد النبوي الكتابة والخط لأبناء المسلمين، وأنه خرج ذات يوم إلى المسجد فرأى مجلسين في أحدهما قوم يدعون الله تعالى ويعبدونه، ويرغبون إليه، وفي الثاني يعلمون الناس، فقال صلى الله عليه وسلم: أما هؤلاء فيألون الله عز وجل فإن شأن أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيعلمون الناس وإنما بعثت معلما، وأما منهم ثم عدل إليهم وجلس معهم.
وكما كان المسجد مدرسة للتربية والتعليم، فإنه كان أيضا مؤسسة للاجتماع والتنظيم والقضاء، وإصلاح ذات البين، ولكي تتبين مفهوم الواقعية في (الفكر الإسلامي) أرى من الضروري أن ننظر إلى ملكوت الله نظرة فاحصة، وإلى ذات الإنسان الذي يرتبط به كثير من ذلك الملكوت العظيم: فالإنسان يتميز بتركيبه الخاص وحسن تقويمه وقدرته على ممارسة ما يؤهله للحياة الراضية، قال تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن مذكورا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا).
ولا شك أن لهذه الآية الكريمة، إيحاآت لا تخفى: فالإنسان مخلوق لغاية، ومشدودة إلى محور، ومزود بالمعرفة، فمسؤول عنها ومحاسب، وأنه خلق ليبتلي ويجتاز الابتلاء، فهو إذن في فترة ابتلاء وامتحان يقضيها على الأرض لا في فترة كل وإهمال.
والنظر في ملكوت الله أهاب بالعلماء إلى اكتشاف ما يحمل على الاندهاش ويدعو إلى العجب، ويطلق اللسان بقول الله الكريم (قال إني أعلم ما لا تعلمون)، ولقد بلغ من عناية القرآن الكريم بتوجيه الأنظار والعقول إلى الكون أن تجاوزت آياته الكونية عدد سوره، ومن هذه الآيات قوله تعالى: (قل انظروا ماذا في السموات والأرض) في السموات مجرات ونجوم وأشباه النجوم وشهب وكواكب وفيها الملائكة، ولمنافع النجوم وعظم خلقها ودلالتها على قدرة الله العظيمة وحكمته البالغة ورحمته بالناس، أقسم الله بمواقعها فقال تعالى: (فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم) كما أقسم بالنجم الثاقب، وأقسم بالنجم إذا هوى، وفي هذه الأقسام المتعددة، تنبيه للعقول، وتوجيه لأنظار إلى مواقع النجوم، وهي اما مساقطها وغروبها واما منازلها، فإن كان المراد المعنى الأول، فللدلالة على وجود مؤثر يحرجها بقدرته العظيمة وهو ثابت لا يتغير، وذلك هو الله تعالى كما استدل إبراهيم عليه السلام بأن أفول الكوكب وغروبه يجعله لا يصلح للربوبية، لأن من صفات الربوبية وجود مؤثر لا يزول أبدا، وإذا كان المراد بمواقع النجوم هو منازلها ومجاريها، فإن المسافات التي بينها بعيدة جدا يبلغ تباعدها حد لخيال، وكمثال: أن أقرب مجموعات النجوم، التي تكون طريق (التبانة) في مجرتنا القريبة منا، يصل إلينا ضوئها في بضع سنين، وهناك كثير من النجوم في طريق (التبانة) يبعد عنا بمسافات يقطعها الضوء في نحو ألف سنة ضوئية، وليس طريق (التبانة) إلا جزءا صغيرا من القرص العظيم الذي يكون مجرتنا وتنتشر النجوم وتتعدد في الفضاء الواسع الهائل، وتقبل إلينا أضواؤها خافتة لشدة بعدها منا، وتتخللها غازات ملتهبة، كما تتوهج فيها نجوم براقة ونجوك فوق البراقة.
من هذا يتبين سبب أقسام الله بمواقع النجوم وسبب التنبيه على أن القسم بمواقعها قسم عظيم من الخالق، لا يعقله إلا العالمون، الذين يعلمون مواقع النجوم ويعلمون أن الله قد سخرها للناس ليهتدوا في ظلمات البر والبحر، قال تعالى: (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر).
هذا بالنسبة إلى السماء، أما بالنسبة للأرض، فإن الله يقول: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) والسير في الأرض يفتح العين والقلب على المشاهد الجديدة التي لم تألفها العين ولم يملها القلب، وهي فتة عميقة إلى حقيقة دقيقة، وأن الإنسان ليعيش في المكان الذي ألفه، فلا يكاد ينتبه إلى شيء من مشاهده أو عجائبه حتى إدا سار في الأرض، وتنقل وساح، استيقظ سحه وقبله إلى كل مشهد وإلى كل مظهر في الأرض الجديدة، مما كان يمر على مثله أو أروع منه، في موطنه دون التفات ولا انتباه، وربما عاد على موطنه بحس جيد وروح جديد ليبحث ويسأل ويتأمل، ويعجب لما لم يكن يهتم به قبل تنقلاته، وعادت مشاهد وطنه وعجائبها تنطلق له بعد ما كان غافلا عن حديثها أو كانت لا تفصح له بشيء ولا تناجيه.
ولكيلا يحيلنا القرآن على مصادرنا البشرية المحدودة وحدها، وهي غير كافية ولا وافية، يعرض علينا نموذجا من نماذج هذا الخلق الأول مشفوعا بالأرقام، مقرونا بذكر الأيام لميلاد الأرض وجبالها الراسيات، وما فيها من المعادن والخيرات والأقوام، ثم للسموات السبع الطباق، وهي دخان وغاز وغبار، قال تعالى: (قل أئنكم تفكرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا، ذلك رب العالمين. وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين، ثم استوى إى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض إئتيا طوعا أو كرها، قالتا أنيا طائعين. فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها،, وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا دلك تقدير العزيز العليم.).
وما هذه الأيام المذكور إلا من أيام الله التي لا يعلم مداها إلا الله تعالى، فهي إذن لا تقاس بأيام الأرض، وأقرب ما نستطيع تصوره أن الأيام هي الأزمان التي مرت بها الأرض طورا بعد طور، حتى استقرت وصلبت وأصبحت صالحة للحياة التي نعلمها، وقد قدر العلماء عمر الأرض بنحو ألفي مليون سنة من سنوات أرضنا، إلى أنه مما لا شك فيه أن أيام الله مهما يبلغ طولها ومداها، ليست تحديدا للزمان، فالله تعالى لا يحده زمان ولا مكان، ولكنها عناية بالدراسة المعمقة من حساب وأعداد ومقادير، وما هو في إطار ذلك.
وإشارة القرآن الكريم على الأعداد والحساب والمقادير، فتح للمسلمين مسالك البحث والتنقيب، وأعدهم إلى عملية النظرة كيلا يمروا على آيات الله غافلين، كما أعدتهم للمساهمة في بناء حضارة الإنسان، فأنجزوا ما يحتاج تدوينه إلى أسفار، ولعل ما خلفه الفكر الإسلامي من تراث حضاري مجيد في مختلف القطاعات، لمما ساعد إنسان القرن العرشين على قطع أشواط بعيدة في عالم الحضارة والتقدم، ما كان له أن يقطعها لولا عنايته بالرياضيات المشار إليها في القرآن الكريم.
وكما كانت واقعية الإنسان في نفسه مستوحاة من علمية النظرة القرآنية، كانت واقعيته أيضا مستوحاة بدورها من طبيعة هذه النظرة ذاتها، خاصة في مجالات التطبيق بعد التنظير عند تحديد العلاقة بين الإنسان وخالقه، الكبير المتعال، أن هذه العلاقة تقوم باعتبار تعامل الإنسان مع خالقه الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، والذي خلق كل شيء فقدره تقديرا، والذي يعلم خائنه الأعين وما تخفى الصدور.
وهكذا تكون علاقة الإنسان الواقعي بالحقيقة الإلهية، علاقة واقعية إيجابية، تستقطب كل عوامل الحركة والتأثير، والفاعلية المنتجة، في هذه الحياة بتوازن واعتدال، لا يطغى جانب على جانب مصداقا لقوله تعالى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض. إن الله لا يحب المفسدين).
وهكذا هو المنهج الإلهي يحقق التعادل والتناسق في حياة الإنسان وهو يتيحه السمو الروحي المستمر من خلال حياته الطبيعية المتعادلة، التي لا حرمان فيها ولا إهدار لمقومات الحياة الفطرية البسيطة، وفي قوله تعالى: (وأحسن كما أحسن الله إليك) تتجلى علاقة الإنسان بمجتمعه وهي علاقة واقعية، لأنها مستمدة من واقعيته ذلته، ومن واقعية شعوره بماله من حقوق طبيعية، ومن واقعية علاقته بخالقه، فالإنسان لا يمكنه أن يعيش معزولا عن الآخرين، لأنه مدني بطبعه: فهو يعيش لأسرته ولقومه ولبني جنسه، الذين هم البشر جميعا، قال صلى الله عليه وسلم: "خير الناس أنفعهم للناس".
ولكي يشهد الوسط للإنسان شهادة عملية بواقعيته الإيجابية الفعالة، فإنه لا مناص من أن ينصرف بمجموع طاقاته ليلائم بين حياته الشخصية، وما يتوفر عليه من حرمات وتصرفات وسلوك، وفي هذا الإطار بالذات يشعر الإنسان بكرامته المجسمة في تحمه في هذا الكون المدهش، لإسعاد بين الإنسان جميعا، ويتذكر حينئذ أن الله قد سخر له الكون كله ومنحه القدرة على الانتفاع بما في قال تعالى: (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه). فالكل مسخر للإنسان إما مباشرة وإما بموافقة ناموسه لحياة البشر ومصالحهم، وقال تعالى: (وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار، وسخر لكم الشمس والقمر ذائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الإنسان لظلوم كفار).
فالله تعالى جعل نواميس هذا الكون ملائمة لفطرة الإنسان وطاقاته، ولو اختلفت فطرته وتركيبه عن نواميس هذا الكون، ما استطاع الحياة على الأرض، فضا على الانتفاع بها وبما فيها، وقوله تعالى: (إن الإنسان لظلوم كفار) يوحى بأن على الإنسان أن يربط هذا الكون بين الإيمان الصادق، وبين الجهاد في الحياة بأشمل معاني الجهاد، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده). والجهاد الذي انتدب الله له هذه الأمة يشمل جهاد الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ويشمل هاد النفس وجهاد الشر والفساد بجميع أشكاله وأنواعه وصوره.
وستبقى الأمة الإسلامية حيث بوأها الله ما تمسكت بالمنهج الرباني وطبقته في حياتها الواقعية، حتى إذا زاغت، وتخلت عن مكانتها، ردها الله عن مكان القيادة إلى مكان التابع في القافلة. ولن تزال كذلك إلى أن تعود إلى الجادة في الواقعية تعبدا وسلوكا وعملا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here