islamaumaroc

في ذكرى شمس الدين أبي عبد الله ابن بطوطة.-1-

  عبد الله العمراني

العدد 274 رمضان/ أبريل 1989

أكاد أجزم بأن الشيخ الجيل، الفقيه النبيل، العالم الأصيل، شمي الدين أبا عبد الله الحاج محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي أصلا الطنجي دارا ومنشأ المعروف بابن بطوطة والملقب بشمس الدين، لم يلق من أهله المغاربة، ولا من قومه العرب، ولا من إخوانه المسلمين، ما يستأهله من حفاوة وتكريم وإكبار، إنك لو حاولت أن تبحث في كتب التراجم والسير لتجد ما يشفي غليلك، ويغطي أخبار هذا الرحالة العظيم، فإنك لا شك ستبوء من محاولتك بخفي حنين إن لم تعد صفر اليدين تماما، وأغتنم هنا حلول الذكرى الخامسة والثمانين والستمائة (1) لميلاده، فأنشر هذا المقال في مجلة (دعوة الحق) الغراء، وأنوه بأولى شخصيتين رفعتا رأس المغرب عاليا بين الأمم، وكان لعاهل المغرب أبي عنان المريني الفضل في رعايتهما. ويعني بالشخصية الأولى ابن بطوطة،  أما الثانية فهو فيلسوف التاريخ ومبتدع علم الاجتماع أبو زيد عبد الرحمن ابن خلدون. وقد كان الثلاثة متعاصرين: ابن بطوطة وابن خلدون وأبو عنان الذي اغتيل في زهرة شبابه.
ولد ابن بطوطة بطنجة يوم الإثنين 7 من رجب الفرد الحرام من عام 703 (24 فبراير 1304)، وشب وترعرع في حضن والديه، وعاش في كنفهما عيشة سعة ويسر وطمأنينة. تعلم على شيوخ بلده وتفقه على النابهين النابغين من علماء قومه، ناهلا من الينابيع الثرة للعلوم الشرعية واللغوية ما قدر له أن ينهله ويعله. وحتى إذا بلغ أشدهن وأحس من نفسه كفاية ما حققه في مضمار العلم والدين والخلق، أراد أن يستكمل أركان دينه، وأن يستجيب للنداء الخالد: نداء إبراهيم عليه السلام : (وأذن في الناس بالحج ياتوك رجالا وعلى كل ضامر ياتين من كل فج عميق) (الأنبياء: 27).
                                                   ***
بعض ملامح الرحلة:
تلبية للأذان المقدس، وإشياعا للرغبة الملحة في نفس أبي عبد الله، خرج من مسقط رأسه طنجة يوم الخميس ثاني رجب الفرد 725 (13.3.1325) "معتمدا حج بيت الله الحرام، وزيادة قبر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام منفردا عن رفيق آنس بصحبته، وركب أكون في جملته، فجزمت أمري على هجري الأحباب من الإناث والذكور، وفارقت وطني مفارقة الطيور للوكور، وكان والدي بقيد الحياة. فتحملت لبعدهما وصيا، ولقيت – كما لقيا – من الفارق نصبا" (تحفة النظار: ج1 ص.4-5 ط. المطبعة الأزهرية بمصر 1928).
وبعد المرور بمدن شمال المملكة، اجتازت الرحلة بالتتابع مدائن تلمسان، ومليانة، والجزائر، وبجاية وقسنطينة وبونة (عنابة) زتونس وسوسة وصفاقس وطرابلس والأسكندرية.
وهنا نقف وقفة قصيرة للتأمل في الظروف الطارئة المتجددة، وفي الملابسات العديدة المتباينة في هذا الجزء المبكر من الرحلة، لنلمح ونلمس نماذج فقط مما صادف هذا الرجل المغامر الشجاع. وبما أننا لا نستطيع في هذه العاجلة أن نلم بجميع وحوادث الرحلة وظروفها، لأن ذلك فوق طاقتنا في الحقيقة، فإن في مكنتنا أن نشير إلى طوارئ تمثل نماذج وملامح من هذه الرحلة الخالدة:
                                                    ***
الرفيق قبل الطريق: هكذا يقول المثل العربي، ولكم ابن بطوطة اتخذ الرفيق أثناء الطريق، إذ وافق وصوله إلى تلمسان خروج رسولي ملك تونس (قاضي الأنكحة بمدينة تونس أبي عبد الله محمد بن أبي بكر النفزاوي وأبي عبد الله محمد بن الحسين الزبيدي) إلى ملك تلمسان، فأشار علي بعض الإخوان بمرافقة الرسولين، فاستخرت الله عز وجل في ذلك وأقمت بتلمسان، ثلاثا في قضاء مآربي، وخرجت أجد السير في أثارهما فوصلت مدينة مليانة، وأدركتها بها".
"وقد لحق الفقيهين مرض أقمنا بسببه عشرا، ثم ارتحلنا وقد اشتد المرض بالقاضي على بعد أربعة أميال من مليانة فأقمنا ببعض المياه ثلاثا، وفي اليوم الرابع مات المريض فعاد ابن القاضي ورفيقه الشيخ الزبيدي إلى مليانة حيث دفنوه". أما رحالتنا فقد واصل الرحلة، ورافق تجارا من تونس (الحاج مسعود بن المنتصر، والحاج العدولي، ومحمد بن الحجر) ووصل الركب إلى مدينة الجزائر، وأقاموا بخارج المدينة أياما إلى أن الشيخ أبو عبد الله الزبيدي ورفيقه ابن القاضي المتوفى، وواصل الركب سيره الحثيث.
أول مشهد الظلم: وحدث أن توفي في الطريق، أيضا أحد الرفقاء وهو محمد بن الحجر، وقبل وفاته وصى لرفيق من الجزائر يدعى ابن حديدة، بأن يوصل إلى ورثته بتونس مبلغ ثلاثة ألاف دينار من الذهب. انتهى الخبر لأمير بجاية أبي عبد اله محمد بن سيد الناس، فانتزعها من بد ابن حديدة انتزاعا غير لائق. يقول رحالتنا: "وهذا أول ما شاهدته من ظلم عمال الموحدين وولاتهم (ص.5-6).
                                                   ***
أول ما فتح به علي: هطل المطر غزيرا أثناء الطريق، فتلوثت ملابس أبي عبد الله ابن بطوطة، فما كان من حاكم قسنطينة الشريف الفاضل أبي الحسن إلا أن أمر بعسلها في داره. وزاد فاستبدل بثوب إحرامه الخلق ثوب إحرام آخر بعلبكيا، وصر في أحد طرفيه دينارين من ذهب. يقول أبو عبد الله: "فكان ذلك أول ما فتح به علي في وجهتي". (ص.6)
                                                  ***
إصابة بالحمى: رحل السفر من مدينة قسنطينة إلى مدينة بونة (عنابة الحالية)، ونزلوا بها، وأقاموا أياما، يقول ابن بطوطة، "يم تركنا ببونة من كان في صحبتنا من التجارة لأجل الخوف في الطريق، وتجردنا للسير. وأصابتني الحمى، فكنت أشد نفسي بعمامة فوق السرج خوف السقوط بسبب الضعف، ولا يمكنني النزول بسبب الخوف". (ص.6)
                                                 ***
عبرات حزن وأسى: وفي تونس أقبل الناس على الدبلوماسيين (الشيخ أبي عبد الله الزبيدي وأبي الطيب ابن القاضي المتوفى) وأوسعوهما ترحيبا وسلاما، بينما لم يسلم على ابن بطوطة أحد، لعدم معرفته؛ فوجد من ذلك في نفسه ما لم يملك معه سوابق العبرة، واشتد بكاؤه، وشعر بحاله بعض الحجاج فأقبل عليه بالسلام والإيناس، وما زال يؤنسه لحديه حتى دخل مدينة تونس، ونزل فيها بمدرسة الكتبيين. (ص.6).
                                                 ***
فكر الساحة عبر العامل: اتصل ابن بطوطة بالإمام العالم الزاهد برهان الدين الأعرج أثناء مقامهم في الأسكندرية، وأضفه الإمام ثلاثا، وذابت يوم دخل الضيف على مضيفه فقال له هذا: "أراك تحب السياحة والجولان في البلاد. أجاب ابن بطوطة: "نعم، إني أحب ذلك. ولم يكن حينئذ خطر ببالي التوغل في البلاد القاصية ممن الهند والصين"، فقال الإمام: " لا بد لك –إن شاء الله – من زيارة أخي فريد الدين بالهند، وأخي ركن زكرياء السند، وأخي برهان الذين بالصين، فإذا بلغتهم فأبلغهم مني السلام". يقول أبو عبد الله ابن بطوطة: "فعجبت من قوله، وألقي في روعي التوجه إلى تلك البلاد. ولم أزل أجول حتى لقيت الثلاثة الذين ذكرهم، وأبلغتهم سلامه. (ص.11)
وبقيت فكرة السياحة عبر العالم تراود صاحبنا حتى اتصل في الأسكندرية بالشيخ أبي عبد الله المرشدي الذي ضيفه وأكرمه وقدمه مرارا ليؤم الصلوات به وبالحاضرين في الزاوي التي كان يشرف عليها الشيخ. وذات ليلة رأى الرحالة المغربي فيما يرى النائم: "كأني على جناح طائر عظيم يطير بي في سمت القبلة: يتيامن ثم يشرق ثم يذهب في ناحية الجنوب، ثم يبعد الطيران في ناحية الشرق، ويظل في أرض مظلمة خضراء ويتركني بها".
ويقص ابن بطوطة رؤياه الصادقة على الشيخ المرشدي فيقول له: "ستحج وتزور النبي صلى الله عليه وسلم، وتجول في بلاد اليمن والعراق وبلاد الترك وبلاد الهند، وتبقى بها مدة طويلة، وستلقى بها دلشاد (2) الهندي. ويخلك منم شدة تقع فيها". وكذلك حصل، (ص، (ص. 15 من الجزء الأول وص. 98 من الجزء الثاني).. 
                                                   ***
تلاوة واعتكاف: وفي وقت متأخر ممن الرحلة، وصل الركب إلى مدينة هنور الهندية، ونزل أبو عبد الله – كعادته للسلام على سلطانها فأكرمه وأنزله بدار، ولم يكن له خديم، وطلب منه السلطان أن يصلي معه الصلوات، قال: فكان أكثر جلوسي في مسجده، وكنت أختم القرآن كل يوم، ثم كنت أختم مرتين في اليوم: ابتدئ القراءة بعد صلاة الصبح، فأختم عند الزوال، وأجدد الوضوء وأبتدئ القراءة، فأختم الختمة الثانية عن الغروب، ولم أزل كذلك مدة ثلاثة أشهر، واعتكفت فيها أربعين يوما". (ح. 2 ص.119).
                                                   ***
نخلص من هذا كله، على القول بأن شمس الدين أبا عبد الله ابن بطوطة لم يكن زير نساء شهوانيا، ولم يكن طالب مال أو جاه، بل رأيناه في رحلته الطويلة يتعب ويرتاح، يسعد ويشقى، ويصح ويمرض، ويفقد بنته المتوفاة بأرض الهند، وينهب الناهبون متاعه، ويذوق في رحلته الطويلة الحلو والمر والأسر ولكنه في كل وقت وحين كان الرجل المؤمن المتفائل الصبور، الذي يتبارى المؤمنون، وشيخ العلم والتصوف، ورجال السلطة في  التعرف عليه، والتشوف لأخباره، والتنافس في ضيافته وإكرامه، ولم يكن أبدا مخلا بالمروءة، ولا مقصرا في فعل الخير، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما لم يكن مفرطا في العبادة وتلاوة أي الذكر الحكيم، ولا ناسيا أو مهملا أخذ السند العالي، وتناول الإجازات العلمية الصوفية كلما أمكنه ذلك.

تريد تكريما لا تجريما
إن شخصية مثل هذه، تستأهل التكريم من كل مغربي وكل عربي وكل مسلم، لأنه في جولاتها عبر العالم كانت خير سفير عن المغاربة والعرب والمسلمين، اتصل بالنخبة الممتازة في كل مجتمع ارتاده، وكان يبخرهم إذا استخبروه، ويفيدهم في أمور دينهم، فكانوا يتقبلون ذلك بصدر رحب، وكان شيوخ العلم ورجال التصوف وأرباب سلطة منهم يتهافتون على لقائه والتعرف على أحواله، وذلك خلال الرحلات الثلاث الطويلة الأمد.
قام في الرحلة الأولى بزيارة بلدان شمالي إفريقية، والأراضي المقدسة (الحجاز)ن وجنوب بلاد العرب، وشرق إفريقية، وفلسطين والشام والعراقين العربي والعجمي وشبه جزيرة الفرم، والقسطنطينية وبلدان آسيا الصغرى، وبلدان آسيا الوسطى وأفغانستان والهند والصين، ثم عاد إلى بلاده عن طريق جاوة وسومطرة وبلاد العرب فطنجة وفاس عاصمة المملكة آنذاك.
                                                   ***
وفي الرحلة الثانية ذهب إلى الأندلس فزار مملكة غرناطة الإسلامية، أما الرحلة الثالثة، فكانت إلى بلدان السودان الغربي من قارتنا السمراء، وفي بلدة تكدا وصله مندوب أمير المومنين أبي عنان حاملا أمره الكريم بالعودة "فقبلته وامتثلته على الفور،. فيما بعد عيد الأضحى لعام 754 (5 يناير 1354) وصل إلى فاس "حضرة مولانا أمير المومنين أيده الله فقبلت يده الكريمة وتيمنت بمشاهدة وجهه المبارك وأقمت في كنف إحسانه بعد طول الرحلة، المسماة (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) التي ترجمت إلى اللغات الفرنسية والألمانية والإنكليزية، وطبعت في باريس 1853- 1859 كما طبعت في مصر –القاهرة 1870، 1929، 1938، وفي بيروت سنة 1950.
قبل ابن بطوطة زار ماركو بولو البندقي (1254-1323م) منغوليا والصين والهند وأقطار شرقية أخرى ثم عاد إلى بلاده عن طريق سومطرة ليدون رحلته التي أدهشت معاصريه واعتبروا بعض مشاهدها بعدية عن التصديق، ولكن رحلته الآن تعد مرجعا لأحوال تلك البلاد في القرون الوسطى. كانت رحلة ابن بطوطة أعم وأشمل من رحلة ماركو بولو. ولكن قوم هذا الأخير تفننوا في تركيمه حتى إنه وضعوا لرحلته أفلاما سينمائية تمثله وكأنه حي يرزق، ولكننا نحن – العرب والمسلمين – بدل أن نكرم رحالتنا العالمي، نجد من الكتاب المعاصرين منم يحاول تجريمه وتحطيمه، ويليته حقه من التكرم والإنصاف والذكر الحسن.
قرأت في العدد 215 من مجلسه (العربي) الغراء ففوجئت بل صدمت، وتمنيت لو بم أقرأ فيه مقال (رحالة الإسلام: ابن بطوطة) أو تمنيت – على الأقل – لو لم يسل قلم الكاتب وهو الأستاذ الدكتور حسين مؤنس بمثل هذا القذف، وبمحاولة التشهير والتشويه وإلصاق كل نقصيه برحالتنا العظيم، سفير العروبة والإسلام، ورافع رأس الجميع عاليا.
تحدث الكاتب خلال بضع صفحات فلم يكلف نفسه ذكر اسم الرحالة أو لقبه أو كنيته كما جرة العادة في العصر الوسيط، فتكنية الإنسان كانت تعبر أنئذ آمارة تكريم وتشريف، بل اكتفى فقط بذكر اسم شهرته (ابن بطوطة) مجردا عن أي وصف. لقد فعل الكاتب الإسباني في كتابه (تاريخ الأدب العربي –الإسباني) ولكن هذا الكتاب يتسم بالاختصار. وهنا أذكر أن الدكتور مؤنس ترجمه بعنوان (تاريخ الفكر الأندلسي) ولما أراد تعريف قرائه بابن بطوطة زاد (أبي عبد الله محمد بن محمد اللوتي الطنجي) وكانت الزيادة خاطئة، فمحمد الثاني هو جد الرحالة لا والده، واللواتي – لا اللوتي – نسبة إلى قبيلة لواته البربرية الشهيرة.
هذه واحدة، والثانية هي أن كاتب المقال يعتبر (الرحلة) من إنشاء أبي عبد الله محمد بن محمد بن جزي الكلبي (721-757هـ)، ويعتبر عنوان الرحلة من وضعه أيضا كما تنبئ بذلك مؤخرة المقال، والحقيقة هي أن عاهل المغرب أبا عنان (752-759هـ) أعجب بأخبار الرحلة وأعاجيبها التي كان الرحالة انتهى من تقييدها في ثالث ذي الحجة 756 هـ فأمر كاتبه الغرناطي الشهير بتدوينها بخطه الجميل، فامتثل ابن جزى للأمر الملكي وانتهى من تحري الرحلة في ثلاثة الأشهر التالية وفي الحق، كان ابن جزي يتحلى بالأمانة والدقة العلميتين، فكان إذا استشهد بشعر، أو أورد حكاية مماثلة نص على ذلك بقوله: قال ابن جزي...أما تأليف الرحلة أو وضع التسمية لها فلم يكن من عمل ابن جزي، ولو كان كذلك لنص على ذلك بالحرف، وهذا لم يحدث تماما.
يفتتح الكاتب المعاصر بمحاولة المس ببعض القيم الإسلامية فيتهجم على المشايخ العباد الزهاد المتصوفة ويسخر من الأولياء "الذين يكاشفونك بما تفرك، دون أن تفتح فمك. بل إن الواحد منهم يعرف المنام الذي رأيته بالأمس دون أن تقول له: إنك حملت بشيء". أليس هذا تزيدا وتشويها يثبت للقارئ أن الكاتب المتحررة من كل تبعة فنية أو أخلاقية، لا يؤمن بحقائق التفسير العلمي للأحلام، ولا يعتقد الاعتقاد اللازم في مهايا الذكاء، والخبرة ودلالة الحال، ولا فيما يعرف آنيا بقراءة الأفكار Thoughtreading أو تبادل الإحساس والشعور Telepathy.
قد لا نكون عابثين أو متجنين إذا تتبعناه وهو يؤاخذ ابن بطوطة لأنه "كان في رحلته لا ينزل بلدا أو قرية، إلا دهب ليزور وليها وصاحب كراماتها، فكأن زيارة الولي ذي الكرامات جريمة لا تغتفر، أو كأنها لا تدل على المحبة والولاء وحسن المعاشرة وحب استطلاع، وهو إحدى الغرائز المركبة قي الإنسان، ثم إن التلهف لرؤية الأولياء دليل على المحبة، وقد ورد في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قاب: "المرء مع من أحب..." ويضيف الكاتب قوله: "وقد يتخلف عن الركب ليزور وليا، وربما غامر بنفسه في رحلات جانبية ليزور شخصا صوفيا انقطع عن الدنيا ونذر نفسه لعبادة الله مكتفيا بثمرة (قصد تمرة) واحدة يأكلها في اليوم أربعين سنة: أو يبعث الله إليه برزقه كل يوم فيجد عند بابه كل ما يحتاج إليه من الطعام في يومه لنفسه ولكل من سيزورونه، لأن الله تعالى يعلم أن ثلاثين رجلا سيزورون وليه الصلاح...المنقطع للعبادة، فيرسل إليهم طعامهم مقدما" أستغفر الله من هذا الكلام الذي ينقصه التأدب مع الله ! وكان الكتب في غنى عنه، وحبذا لو عرف قول رسول الرحمة وتذكره قبل تسطير هذا الفحش من الكلام.." ومن كان يومن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت". صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويتهم الكاتب أولياء الله بأنهم قسموا العالم وجعلوه، مناطق نفوذ بينهم، وأنهم تحالفوا مع السلاطين تغطية لمظالمهم وقوتهم على رعاياهم. ثم يستشهد بالمستشرق الإنجليزي جيب، والهندي فينست سميت فكلاهما تأسف على أن هذه القوة هي التي حالت دون انتشار الإسلام على نطاق واسع، (أو ربما لو كانت صدرت رواية الملحد المرتد سلمان رشدي ولم تكن قامت ضده الضجة، لاستشهد بكلامه أيضا ! ) إن الذي تأسفوا على عدم انتشار الإسلام لسبب القسوة، هم أو أمثالهم الذين اتهموا المسلمين بأنهم نشروا الإسلام بحد السيف، إن الذين يزعمون هذا الزعم يجب أن يقرأوا رحلة ابن بطوطة ليعرفوا أن مغربيا واحدا نشر الإسلام في جزر ذيبة المهل (جزر مالديف( دون اللجوء إلى أي سلاح !
ويواصل الكاتب تجنياته على ابن بطوطة فيقول عنه: "أغراه المال بالاستزادة من المال، وأغرته النساء بالاستزادة من المتاع، وشيئا فشيئا يتغير هذا الرجل الطيب ويصبح طالب مال وجاه ومتاع، ثم يضيف: "وهنا نجد أنفسنا أما بان بطوطة آخر وقد تغيرت شخصيته تغيرا تاما، فهو رجل غني يداخل كبار القوم والسلاطين، وإن لم يكف عن طلب الأولياء، ولكنه من الآن فصاعدا رجل مال ومطامع مادية، وطلب للنساء ورغبة في التقرب من أهل السلطان.
يتكلم الكاتب عن الرحالة العظيم وكأنه يتحدث عن شخص عامي تافه لا يستأهل مخالطة الكبراء. ثم يعرض لحياة ابن بطوطة في جزر المالديف بدعي أنه استغل سذاجة الناس وتدخل في شؤون الدولة وتزوج بنات الوزراء والأثرياء أربعا غير ما ملكت يمينه. ولكن الرحالة العظيم لا ينكر شريعة الله، ولا يغفل عن عوامل البيئة ذات التأثير البالغ، ومن أراد التأكد من هذا فليرجع إلى الجزء الثاني من الرحلة ليعرف الشيء الكثير عن جور ديبة المهل (جزر مالديف) وهنا نسأل الكاتب هذا السؤال: أيهما أحسن؟ مسايرة الأوضاع واتباع السنة والجماعة؟ أو اقتراف الإثم وارتكاب فاحشة الزنى؟
ويمعن الكاتب في التجني على ابن بطوطة قائلا: "ويقيمونه قاضيا فنتبين من أحكامه أنه ليس بذي علم واسع بالفقه، وأحكامه قاسية، وفيها تعسف وقلة فهم، وادعاء للعمل، فيبغضه الناس...وأخيرا وبعد منافسات وحزازات يخرج ابن بطوطة من جزر المالديف شبه مطرود تاركا وراءه كل نسائه وأولاده منهن." تشويه فظيع، وكذب وافتراء، وسوء فهم لما ورد في الجزء الثاني (الصفحات 131، 132، 133 وغيرها)، إن من يقرأ ذلك يعرف تزوج ابن بطوطة وأسبابه، ويعرف ظروف توليه القضاء، وصعوبات تقف ضد تنفيذ الأحكام الشرعية السديدة مما دعاه إلى عزل نفسه وعزمه على السفر، إنه لم يخرج شبه مطرود، بل خرج محتفظا بكرامته، معتدا بنفسه أيما اعتداد.
ونرد على تجهيل الدكتور مؤنس لرحالتنا العظيم بذكر ثلاث حقائق دامغة:
أولاها: أم أبا عبد الله ابن بطوطة تعلم في بلاده وأكمل تعليمه في سن الخامسة والعشرين وهي السن التي يأخذ فيها المجتهدون حاليا شهاداتهم العليا، والدكتواره من الجامعات المعاصرة.
ثانيتهما: أن أبا عبد الله – شأن أبا عبد الله – شأن علماء عصره – لم يكتف بما أحرز عليه من علم، بر نراه يسعى يجد في تحسين مستواه العلمي والحصول على السند العالي والإجازات العملية المتعاهدة. ففي دمشق تتلمذ ابن بطوطة على العالم الشهير (ابن الشحنة) فسمع عليه جميع صحيح البخاري في أربعة عشر مجلسا كان أولها يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان المبارك سنة 726 هـ ونال إجازته وإجازة غيره (الرحلة: ج1 ص 66)، وكذلك سمع بشيراز مسند الإمام الشافعي على العلامة قاضي شيراز، وهكذا: الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنى وجدها.
ثالثتها: أن الرحالة العظيم كان متمكنا من الفقه، خبيرا بالأحكام الشرعية، بدليل أنه لما رجع من الرحلات الثلاث، تولى المغرب قضاء تامسنا (الشاوية)، فكتب له ذو الوزارتين ابن الخطيب المقيم في مدينة سلا طالبا منه أن يعينه ويرشده إلى شراء أرض فلاحية في تامسنا (البلاد التي يحكمها ابن بطوطة).
ويرمي الدكتور مؤنس الرحالة المثالي بالافتراء فيقول عنه: "وهو يحدثنا عن نهر يسمى نهر الحياة يقطع الصين من الشمال إلى الجنوب، من خان ( بالق (بكين) إلى الزيتونTsiuan-Cheu، ويقول إن هذا النهر يشبه نيل مصر والقرى والخضرة على الجانبين.ولا نعرف في الصين نهرا بهذا الوصف أو الاسم، وربما نوافق على مقالته، أما الصين الكثير الخيرات) النهر المعروف بآب حيات، معنى ذلك ماء الحياة، ويسمى أيضا نهر السبر (السرو) كاسم النهر الذي بالهند، ومنبعه من جبال بقرب مدينة خان – بالق تسمى كوه بوزنه معنا جبل القرود.... ويمر في وسط الصين مسيرة ستة أشهر على أن ينتهي إلى صين الصين (الزيتون) وتكتنفه القرى والمزارع والبساتين والأسواق كنيل مصر، إلا أن  هذا أكثر عمارة، (ج2 ص.158) فأي القول نصدق؟ وأسماء الأنهار تتبدل بتبدل الزمان أو المكان؟ وليس هذا فحسب، بل إن المقال لم يصب محز الحقيقة حين اتهم ابن بطوطة بأنه لم يصل إلى الصين. قال: إن شكوكا كثيرة تحوم حول رحلة ابن بطوطة: " هل ذهب إلى جاوة وسومطرة؟ وهل زار الصين؟ هناك قرائن تؤيد صحة ما يقول. وهناك دلائل أقوى تقول: إنه لم يذهب إلى بلاد الصين..." ولم يعرفنا على هذه الدلائل الأقوى.
وبالمناسبة أحب أن أشير إلى أن بعض إخواننا الشرقيين تزلفا منهم لباحثي الغرب وادعاء للتجديد، يقلبون الحقائق ويقذون أبناء قومهم بالكذب والافتراء أو الادعاء. هكذا يفعل الدكتور مؤنس مع ابن بطوطة، وهكذا فعل قبله الدكتور أحمد هيكل حين زعم زعما باطلا أن خطبة طارق ابن زياد منحولة مزورة عفا الله عن الجميع!.
وأخيرا وليس آخرا- يرمي المقال الرحالة العالمي بعدم الدقة في البحث والاضطراب في الأقوال، ولا تتبعنا الأخطاء الواردة في المقال (رحالة الإسلام ابن بطوطة) لطال بنا حبل الكلام، ولا شك أن الكاتب سيرجع الأخطاء إلى مصففي الحروف المطبعية ولكن الحقيقة أن بعض الأخطاء يرتكبها هو نفسه.
وهنا نكتفي بأمثلة، فالوقت لا يتسع، والمجال قد لا يسمح بأكثر مما قلناه.
- فالمقال لا يفرق بين ثمرة (بالثاء) وبين تمرة (بالتاء) مع أن الفرق بين الثنتين كبير واضح.
- المقال يحرف إسم الوالي الهندي إلى "دلشاي" بينما هو في الحقيقة (دلشاد) الذي يقول عنه عالمنا الرحالة: إن الكلمة فارسية ومعناها العربي (القبل الفارح).
- يخلط الكاتب بين آسيا الصغرى وبين أرضروم Erzurum، في حين أن آسيا الصغرى تؤلف الجزء الأكبر من تركيا الحالية، وأن أرض روم تقع بشرقي آسيا الصغرى، وكانت تسمى (قاليقلة). وفتحها البطل حبيب بن مسلمة سنة 25 هـ (645)م, لوما افتتحها السجلوقيون في القرن الحادي عشر الميلادي سموها أرضروم.
- يرمي كاتب المقال ابن بطوطة باختلاط الأشياء في ذهنه، وبالاضطراب في القول، إذ ينص على أن الرحالة العظيم علم في طنجة أن أباه قد توفي من ثلاث عشرة سنة وأن أمه هي الأخرى لحقت به بعد ست سنوات". هكذا قال الدكتور في مقاله، ولكن (تحفة النظار) تنبئنا أن ابن بطوطة عرف في دمشق – من فقيه طنجي مقيم بالمدرسة الظاهرية – أن والده توفي منذ خمسة عشرة سنة وأن والدته بقيد الحياة، وأن ابن بطوطة بقي بدمشق حتى أخر سنة 748 هـ (ح 2 ص.174) وتعرف الرحالة العالمي في مدينة تازة على موت والدته. (ح.2ص.178) ، فمن الذي يضطرب في أقواله حقا وصدقا؟؟
-ونختم بالتنكيت (لا التبكيت) اللغوي: ورد في المقال: "ولا ننسى أن عشر سنوات كاملة، انقضت بين زيارته للصين (كذا ) وقعوده لإملاء ذكرياته....فتضاربت أقواله واختلطت عليه الأشياء"، فكأن ابن بطوطة كان أميا لا يستطيع تدوينا ما يراه ويسمعه في قرطاس !  والتنكيت اللغوي الذي نريده هو عدم الدقة في الاستعمال "لا" فهي هنا ينبغي أن تكون ناهية لا نافية، وقد يحتج الدكتور لقوله: بأن الإنسان لا ينهى نفسه، ولكن الحقيقة أنه ينهى نفسه على حد قول الشاعر المغربي:
إذا ماخرجنا من دمشق فلا نعود
            لها أبد ما دام فيها الجراضم
                                                      ***
فالصواب أن يقول:.. ولا ننس... وختاما لا أنسى أن أطلب من الدكتور مؤنس سعة الخاطر وتقبل الشكر لأنه أتاح لي الفرصة الفريدة للتصحيح ووضع النقط على الحروف كما يقال.

------------------
1) هذا بالتقويم الكريكوري، أما بالتقويم الهجري فذكرى ميلاده الآن هي السادسة بعد السبعمائة.
2) دلشاد – لا دلشاي كما كبتها بعضهم – كلمة فارسية تعنى – كما قال الرحالة – القلب الفارح.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here