islamaumaroc

موقع المغرب في التاريخ.

  محمد العثماني

العدد 274 رمضان/ أبريل 1989

ذكرني هذا العنوان بحوار جاء في بعض الأخبار أنه وقع في الزمن القديم بينت عالم مغربي ووزير في الشرق، والقصة كما وردت في بعض المراجع هي أن الوزير أراد أن ينكت على العالم المغربي، وأن ينتقص من موقع المغرب التاريخي والجغرافي فقال:
(إن الدنيا – يعني العالم الإسلامي – تشبه الطائر رأسه بلاد الحجاز وجناحخ الأيمن اليمن، وجناحه الأيسر العراق والشام، وصدره مصر، وذنبه المغرب).
فقال له العالم المغربي على البديهى: (صدق حضرة الوزير، ولكن الطائر هو الطاووس).
فبهت الوزير والحاضرون معجبين بالجواب، لأنه أثبت للمغرب موقعا ممتازا في الطائر الجغرافي على أساس أنه الطاووس، وأحسن ما في الطاووس، وأحسن ما في الطاووس الذنب.
سواء كانت القصة واقعية صحيحة، أو كانت رمزا لما هو ثابت في الواقع والتاريخ، وسواء كان الحوار فيها للوزير أو أحد الخلفاء كما هو في بعض الروايات، فإن مغزاها صحيحـ يغني بالتلميح عن التصريح، فموقع المغرب في التاريخ كموقعه الممتاز في الأرض.
جغرافيا: لأنه يطل غربا وشملا على بحرين، وتمتد على حدوده الشرقية والجنوبية صحراء شاسعة، وفي وسطه جبال شامخة غنية بالماء، وسهول مخصبة معطاء.
قاريا: فهو جسر بين قارتين، عليه نقلت الحضارة علما وفنا وفلسفة إلى أوروبا، في الوقت الذي كانت تتلمس طريقها في الظلام، وتبيع لها الكنيسة صكوك الغفران.
بشريا: حيث نبغ إنسان المغرب المتميز بخصائص التعمير والبطولة والحفاظ على مقوماته التي جعلت له موقعا متميزا في التاريخ.
أي إنسان ذلك الإنسان؟ إن الجواب يعطينا في أمانة وثقة أسماء لامعة كالنجوم، ونماذج راسخة في ضمير التاريخ كالجبال، فمنذ اثني عشر قرنا لم يفتأ المغرب ينجب صانعي التاريخ وحارسي الحضارة الإسلامية، وبالضبط من منذ عهد إدريس الأول إلى عهد الحسن الثاني.
أما موقعه الآخر فنجده إذا رجعنا إلى الوراء لنرى أن المغرب كان أحد مواقع الخلافة الإسلامية في العالم، حتى لم يبق بعد انهيار الخلافة العباسية إلا دولتان قويتان أو العظيمان – كما يقال اليوم – دولة المغرب في مستوى الخلافة العثمانية، فقد كفانا التاريخ تلمس الدلائل والشهود، فمنذ أن بايع المغرب إدريس الأول على الحكم بشريعة الإسلامي حتى اليوم، لم يتخل العرش المغربي عن طابع الإسلام، والالتزام بشروط البيعة الشرعية ولولا ذلك لما خضغ المغرب لإدريس المجرد من الحول والقوة، فلا جيش لديه ولا سلاح، ولكن المغاربة بايعوا منذ ذلك العهد على الإسلام، واعتبروا العرش منارا مؤسسا على الهدى، وعلى تقوى من الله ورضوان.
ومن يتتبع تاريخ المغرب يدرك أنه لا تقوم دولة فيه إلا إذا ابتعدت التي سبقتها عن شروط البيعة والوفاء للعرش، وما كان يقع بين ساقة ولاحقة من الفوضى والاضطراب منشؤه الفراغ والإرهاص بقيام من يقد على حلم الأمانة ومسؤولية العرش، ويقيم أمر الله وعدله بين الناس.

في عهد الأدارسة توحد المغرب في جل أقاليمه، وانتشر الإسلام في ربوعه إلى جانب اللغة العربية والتربية على أخلاق القرآن.
ثم قامت بعدهم، وبعد فراغ واضطرا أعظم دولة إسلامية في العالم بعد الخلافة العباسية الأولى هي دولة المرابطين التي أسسها أحد علماء جزولة هو الإمام عبد الله بن ياسين الذي لم يعطه التاريخ حتى اليوم حقه من الدراسة والتحليل، بالرغم من كون حركته الإسلامية امتدادا لحركة الفاتحين السابقين رضوان الله عليهم، فاستحق بذلك أن يكون مجدد المائة الخامسة في عداد الأئمة المجددين، وعمل الدولة المرابطية وجهادها لفائدة الإسلام وامتداد رقعته وإطالة عمره بالأندلس مما يعلمه الخاص والعام.
                                                       ***
ثم استأنف العرش جهاده في عهد الموحدين، فكانت دولتهم أقوة دولة في العالم في ذلك العهد، فاستمرت في الجهاد كسابقتها شرفا وغربا، فكانت رقعة الأرك كأختها الزلاقة في عهد المرابطين، وكانت إغاثة بحرية ممن يعقوب للمجاهد صلاح الدين في الحروب الصليبية المشهورة.
كل ذلك إلى جانب التمدن والعمران، وجلال الفن الإسلامي.
وعلى هذا النهج جاءت دولة بني مرين تحافظ على المكاسب، وتضيف إليها مراكز العلم ومعاهده.
                                                   ***

ثم اشتدت الحاجة إلى الجهاد مع القرن العاشر الهجري بعد احتلال الشواطئ المغربية من طرف الصليبيين، فقامت حركة الجهاد في الجنوب أيضا على أيدي الأشراف السعديين، فبدأت مقاومة الغزاة من "أكادير" حتى شملت شواطئ المملكة كلها.
وهكذا قامت الدولة السعدية بحق العرش في الجهاد على أحسن صورة، فكانت المعركة الفاصلة على أرض المغرب بين الهلال والصليب وقعة وادي المخازن التي تحكمت بعدها القوة الصليبية والأولى في العالم.
                                                   ***
وبعد الأشراف السعديين جاء الأشراف العلويون ليحملوا راية الجهاد، ويوحدوا البلاد التي توزعتها رؤساء القبائل والكيانات المنفصلة والزوايا، فكل قائم باسم الجهاد، ولكن الوحدة التي هي المقوم الأول لكل تنظيم بشرى تفتقده الكيانات والزوايا، فكأن القدر هيأ للمهمة المزدوجة الأسرة العلوية لتقود مسيرة النضال، ولتعيد إلى العرش هيبته ومهمته في التحرير والجهاد، ووضع البلاد من الأمن على مهاد.
                                                   ***
عبر المغرب هذه القرون تحدى الأحداث في خطرها وحجمها الهائل، وتحدى غزاة الشعوب والحضارات، فهم لا يقدون على تركيع شعب صمم على رفع رأسه، وأراد أن يحيا حياة الكرامة والانعتاق.
..وتاريخ المغرب حافل بالتحديات، فقد تحطمت على صخره كل القرون التي تحاول أن تنال منه عبر تاريخه الممتد على اثني عشر قرنا في دائرة الحضارة الإسلامية.
كان تحدي المغرب الأكبر ماضيا وحاضرا هوة تمسكه بموقعه في التاريخ، ومقاومته للتيارات الخارجية فيما يتعلق بانتمائه وهويته – تراثا وعقيدة وحضارة، فبقي بين الشعوب بمميزاته أروع تألقا ونضارة، فلم يتنكر لماضيه وأصالته، ولا أنكر متطلبات الحاضر، ولا أهمل تأملات المستقبل الذي ينظر إليه يأمل عريض وتفاؤل كبير، دون أن يخاف على نفسه وانتمائه الحضاري، فهو يحمل مناعة ضد:
- محو الهوية، فتاريخه حافل بالنضال والدفاع عنها.
- تمزيق الوحدة الفكرية، فقد انتصر على أشد عوامل التشتيت والضياع,
- الهجمة الشرسة للحضارة المادية، فما استطاعت أن تحوله عن خصائص حضارته.
- الاستلاب المنظم الذي يجعل الشعوب العريقة مستهدفة له.
ليس معنى هذا أن المغرب جامد لا يتحرك ولا يتطور كالشعوب الحية، بل هو حريص على أن يربط بين الماضي والحاضر، وأن يوفق بين الدين والدنيا، كما هو منهج الإسلام الذي يعتبر المغرب أحد مواقعه وقلاعه.
وقد عبر عن هذه الظاهرة الاجتماعية الأصيلة جلالة الحسن الثاني حفظه الله في كتابه: (التحدي) فقال:
(إن المغرب يحترس من أن يعيش في الماضي، وكلنه مع ذلك يأخذ من ماضيه العبر الكبيرة والدروس التي تقوده في الحاضر، والتي يمكن أن ترسم خطاه في المستقبل).
وأكد جلالته أن المحافظة على هذه الظاهرة الحضارية م أهم المسؤوليات التي يرعاها العرش ويتضمنها عقد البيعة الذي هو أيضا من أروع المظاهر الحضارية.
وقد جاء في خطاب العرش للذكرى الخامسة والعشرين لجلوس جلالته على عرش أسلافه العظام هذا التأكيد فقال: حفظه الله:
(إن أعمالنا هذه المسخرة لصالح التطوير والتحديث لم تستبد باهتمامنا ولا بتفكيرنا، فقد وجهنا عناية موازية إلى المحافظة على ما تجب المحافظة عليه، ذلك أننا حرصنا حرصا شديدا على أن يتمسك المغرب بالقيم والخصائص والمميزات التي تمنحه ما ينفرد به من طابع، ويختص به من عبقرية، وما كنا لنترك المغرب الذي تألقت فيه الحضارة على امتداد العهود والقرون، وتكونت ملامحه الحضارية أحقابا بعد أحقاب، ينفرط عقده بانفراط الأيام، وتؤول ملامحه إلى الشحوب والضمور، والانحلال والانقراض).
                                                   ***
الواقع أن المغرب – بفضل العرش – لم يستطع أي غاز أو مؤثر خارجي أن يغير موقعه في التاريخي، ولا أن يسلبه سيادته وكيانه الدولي، لذلك اصطدم الاحتلال بعد فرض الحماية على المغرب بهذه الخصوصية التي فاجأته وهو يحاول أن يوطد وجوده فيه، فكان بعض العقلاء من رجاله يصارحون الحكومة الفرنسية بالواقع، وينصحون لها بأن تعتدلا في معاملة المغاربة وتحترم عقد الحماية الذي ينص في بعض بنوده على الاعتراف بسيادة المغرب وحماية نظامه ومؤسساته الدينية والإدارية، وعلى رأسها مؤسسة العرش العليا.
وفي أرشيف التاريخ شواهد ناطقة بالحقائق لمن يعي ويتدبر.
لما عينت الحكومة الفرنسية (هنري بونصو) على رأس الإقامة العامة بالرباط سنة 1933م فوجئ بتجاوزات المعمرين ومن ورائهم من المدبرين العانين، فوجئ بتجاوزات المعمرين ومن المدبرين العامين، فوجد فراغا واسعا بين نصوص عقد الحماية والممارسات العملية لهؤلاء المعمرين، فحاول أن يحد من شططهم تحذير حكومته من إطلاق الحرية لهؤلاء على هذه الطريقة، لأن ذلك مخالف لنصوص عقد الحماية الذي هو مكلف بتطبيقه.
ومما فوجئ به أيضا جريدة أو مجلة كانوا يصدرونها مع المنصرين سموها: (المغرب الكاثوليكي) فقال لهم: إننا هنا في بلد له تقاليده وعقيدته، فرحمها – كما قيل – من الإعانة التشجيعية، لذلك لم تطل إقامته بالمغرب، فقد عزلته حكومته تحت ضغط المعمرين والمنصرمين سنة 1936.
وإنما أشرت إلى هذا لكي لا ننسى أن الخصوم العقلاء كانوا يشهدون مرغمين بأن المغرب ليس أرشا مواتا أو شعبا بلا نظام ولا تاريخ، بل هو دولة نظام ملكي عريق، ومؤسسات ذات ترتيب إداري دقيق.
وقبل هذا المقيم العام كان للماريشال اليوطي أول مقيم عام بالمغرب بعد الحماية موقف مشابه، فكتب ذلك التقرير السري المعروف إلى حكومته ينبهها فيه إلى خصائص الشعب المغربي، ويصفه بأنه حركي نشيط مؤطر تحت إشراف دولته ونظامه.
تلك بعض الشواهد على أن المغرب كان – وما زال – في موقع ممتاز من التاريخ، وأنه يتحدى الغزاة الذين حاولوا زحزحته عن ذلك الموقع، منذ دخل دائرة الحضارة ومتى دخل إليها؟
سؤال يجيبه جلالة الحسن الثاني في آخر خطاب العرش للذكرى الخاصة والعشرين فقال حفظه الله:
(لقد دخل المغرب دائرة الحضارة يوم دخل في دين الله، ويم جعل كتاب الله وسنة نبيه ورسوله دليل حياته الذي لا يخطئ ولا يزيغ، وما دام كتاب الله وسنة رسوله الأمين المصباح الذي يضيء مساكنه بنوره والوقاد، فلن يضل ولن يخيب).
أما المغرب الجديد فهو امتداد المغرب العريق الأصيل، ولكنه مغرب الإنسان الجديد الذي يعيش في حاضره، ويساهم في نشر المحبة والسلام، وينظر إلى المستقبل بأمل وإصرار على تنمية خصائصه وطاقته الفاعلة، فهو كما قال أيضا جلالة الملك في آخر كتاب التحدي:
(إن المغرب الجديد قد ولد على طريق العيون، إنه مغرب السلام، ومغرب التعاون، ومغرب الصداقة، ولكنه كذلك مغرب الحرية، ومغرب الطاقة القادرة، ومغرب العزيمة والمضاء، وهذه هي خصائص مغرب المستقبل).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here