islamaumaroc

الفن الإسلامي بالمغرب زمن الأغالبة

  دعوة الحق

31 العدد

لـقـد أوضحت في المقال السابق المقصود من كلمة "الفن المغربي" هذه التسمية التي تطلق على الفن الذي قام به البربر في ظل الإسلام، سواء كان هذا في افريقية (تونس) أو الجزائر أو المغرب الأقصى، منذ أول فتح للعرب في المغرب حتى بداية ضم المرابطين للأندلس. وهو الطراز (1)  الأول من طرز الفن الإسلامي ببلاد المغرب والأندلس.
على أننا سنقصر هذا المقال على المرحلة  الأولى من مراحل ذلك الطراز المغربي لنتلمس معالمه أيام الأغالبة ونترك الحديث القادم  للطراز المغربي زمن الفاطميين.
ويتمثل الفن المغربي زمن الأغالبة أكثر ما يتمثل  في تحف (2)  ثلاث تعكس علينا صورة صادقة لهذا الفن وهذه التحف هي:
رخام  محراب المسجد الجامع بالقيروان من عهد زيادة الله 221هـ ، ثم اللوحات الخزفية بواجهة ذلك المحراب والتي ترجع إلى عهد أبي إبراهيم احمد الأغلبي 248هـ، وأخيرا المنبر الخشبي بنفس المسجد ويرجع تقريبا إلى أيام هارون الرشيد.
وسنقتصر الآن على دراسة مادتين فقط وهما : رخام جوفة المحراب واللوحات الخزفية بواجهته.

أولا- محراب المسجد الجامع بالقيروان:
ولعل أروع الآثار التي يتجلى فيها هذا الطراز، هو محراب المسجد الجامع بالقيروان، الذي يعد يحق أروع التحف الإسلامية جميعا.
ولقد حضي هذا المحراب بعناية وافرة من المشتغلين بالآثار الإسلامية ، وجل هذه العناية يتصل بتاريخ إنشائه، ولما كان هذا المحراب هو أول محراب مجوف في الإسلام، فلم يكن  هناك بد من أن نتعرض أولا لفكرة اشتقاقه من الكنائس المسيحية ثم نبحث عن الأصل في نشأته قبل أن ندرس زخارفه وقيمته الفنية.
لقد اتفق المؤرخون وعلماء الآثار على أن المحراب لم يدخل في نظام المساجد الأولى ويضطرنا هذا الإجماع أن نشاركهم هذا الرأي، إلا أن أغلبيتهم يذهب إلى أن  هذا العنصر مشتق من الكنائس أو انه محور عن  محاربيها، بينما ليست هناك صلة بين المحرابين،  فمحراب الكنائس فناء كبير في صدر الكنيسة يتسع على الأقل لمنصة تحمل معدات الشعائر الدينية، وفضاء يتحرك فيه القائم بهذه الشعائر، أما محراب المسجد فهو جوفة في حائط القبلة لا تتسع لغير ركوع الإمام. فالاختلاف شديد بين الوظائف والمهام لكل من المحرابين.
هذا وتتلخص حجة المدعين في مرجعين نشك فيهما كل الشك ونكتفي بأن نورد دفاع احد علماء (3)  المسلمين فيما يلي:
الحجة الأولى أخرجها الأب لامانس من مؤلف للسيوطي مخطوط لدار الكتب المصرية عنوانه "كتاب أعلام الأرنب بحدوث بدعة المحاريب" ونشرها في المجلد الرابع من مجلة "الدراسات الشرقية" ويعزو السيوطي إلى النبي أنه قال "أن المحراب من شأن الكنائس وأنه عن إدخاله في المسجد". ويرد الدكتور أحمد فكري العالم المصري، بأننا لا نأخذ بصحة هذا الحديث، وناقله عاش في القرن الثامن الهجري، فهو لم يسمعه بنفسه عن الرسول، كما لم ينقله مؤرخ آخر قبله من طليعة مؤرخي الإسلام 
أما الحجة الثانية فقد أخرجها الكابتن  كريسيويل من "خلاصة" السمهوري الذي ذكر  فيها أن الوليد لما أراد أن يعمر مسجد الرسول كتب إلى ملك الروم ليرسل إليه عمالا وفسيفساء، فبعث إليه بأربعين من الروم وبأربعين من القبط. وانه نقل عن الواقدي أن عمل القبط كان بمقدم المسجد، فاستنتج كريسيويل من هذا أن هؤلاء القبط أحدثوا المحراب المجوف بمسجد المدينة. في حين أن السمهوري لم يذكر هذا مع أن روايته نفسها تحتمل الشك، حيث رواها على ثلاثة أوجه وكلها مختلفة من حيث عدد العمال وجنسياتهم، كما أن السمهوردي ينفرد بذكر رواية القبط ولم يشاركه فيها ثقاة المؤرخين الذين نقلوا تاريخ مسجد المدينة وتطوراته، كابن سعد واليعقوبي والطبري والبخاري وابن بطوطة وغيرهم.
وإذا سلمنا جدلا بصحة رواية السمهودي، فإن هؤلاء العمال القبط أو غيرهم كانوا يعملون تحت إشراف رئيس مسلم اسمه "صالح بن كيسان". وليس من الجائز أن قلة من الأجانب يبدلون من نظام أول مساجد الإسلام وأكثرها اعتبارا، ويدخلون عنصرا جديدا فيه وخاصة إذا كان هذا العنصر أساسيا في نظام المسجد، ويعترف المستشرقون  بأن المحراب هو أكثر مراكز المسجد نقديا وأولاها بالإجلال.
كل هذا يدلنا على أن الحديث الذي عزاه السيوطي إلى النبي ينقصه السند ولا يقبله النقاش وان رواية السمهوري يحوم حولها الشك، وكلا المؤرخين عاش في عصر بعيد عن الحوادث التي ذكرناها، ولم يشر إليها  مؤرخ أقرب منهما لها بل ينقض روايتهما كثير من المؤرخين، ومن هذا يتضح لنا أن الرأي القاتل باشتقاق المحراب من الكنائس لا يقوم على حجة ثابتة ويفتقر إلى برهان.
هذا، ويستخرج لنا الدكتور فكري حجة من مسجد القيروان لنقص آراء المستشرقين.
لقد اجمع المؤرخون على انه في سنة 50هـ خط عقبة مسجد القيروان، وإبان مكان القبلة وأقام محرابه فيه، وظل هذا المحراب طوال السنين موضع إجلال القوم وتقديسهم، ولم يمسه أحد بسوء، بدليل أن زيادة الله عندما أراد هدمه وألح في ذلك لم يجبه أحد وحيل بينه وبين هدمه بل يحدد البكري الكلمات فيقول " لما كان قد وضعه عقبة". وهذا دليل تاريخي، فالبكري أولى بالثقة من الأب لامانس.
وإذا تركنا العناصر المعمارية تتكلم، فإن محراب عقبة الذي رآه البكري قال: "هو على بنائه إلى اليوم". نراه نحن كذلك اليوم خلف اللوحات الرخامية التي أقامها زيادة الله فهي تخفي من ورائها جدارا منحنيا هو عبارة عن جوفة في جدار القبلة.
على كل حال فتجويف هذا المحراب تبطنه حشوات من الرخام(( panels تزدان بزخارف رائعة يمكن أن نلمسها إذا عرفنا أن زخرفة القيروان عامة تنتمي إلى عصرين، الأول يمتاز بغلبة الفراغ. والعنصر الثاني يشتهر بكراهيتهن وتتكون المؤثرات الزخرفية في هذه الفترة الثانية من التناسب والاختلاف بين المسطحات، أي أن عناصرها تستخلص من تجويفات وبروزـ وفوارغ ومنحوتات وكلها تتفرع من فكرة  فنية واحدة.(4)
ومن السهل أن ندرك العوامل  التي تداخلت في نشأة هذه الفكرة، وأنا لتجدها كلها في البيئة الخاصة التي نشأ فيها الأعراب في طبيعة بلادهم وصورة معيشتهم، ونزوة خيالهم وأصول لغتهم وأوزان شعرهم وقد اتفقت كل هذه العوامل على تكوين الفكرة الزخرفية في الفن الإسلامي، بل كأننا نسمع صدى سير الإبل المتتابع الخبيث، وكأننا  نرى انتظام توقيع إخفاقها على الرمال، وامتداده حين نقلب شكلا من أشكال العرب الزخرفية، فإذا بتفكيرهم  الفني مرآة تنعكس فيها حياتهم اليدوية وإذا بخيالهم اتخذ صورة مادية طغت عبيها أصول الهندسة والحساب، فترى أن الأشكال الزخرفية تخضع كلها لقوانين القسمة والطرح والضرب، وغن الوحدة تقبل التكرار والتجزئة معا أما الخطوط الهندسية فإنهما تقبل التشكيل بمركبات لأعد لهاـ اختار نقاش القيروان عنصرين منها، وهما الدائرة والمربع، وصنع منهما أشكالا منفردة تارة وتارة متداخلة والعادة أن الزخرفية النباتية في القيروان   تقتصر على ورقة العنب أو على الأصح تتفرع منها.
وهذه الورقة (5) هي التي تكون العنصر  الأساسي لأكثر المركبات الزخرفية فقد تنقسم إلى قسمين:متساويين كل منهما صورة منعكسة للأخرى، وقد  تكون ورقة العنب ناتعة أو منكمشة أو ملفوفة أو مفصوصة في مواضع، وقد تستبدل بورقة ذات ثلاث شحمات طرفها الأعلى مذنب دائما، كما تخضع هذه الزخارف كلها إلى التعداد والتكرار المستمر، مثل الرسوم الهندسية تمام، وكثيرا ما تتصل الزخارف النباتية بالزخارف الهندسية(6)  فنجد دوائر متصلة بخطوط أفقية تتفرع من وسطها زهرة من ثلاث شحمات
نستخلص من كل هذه الأشكال الزخرفية، تلك الفكرة الأصلية التي حركت نزوة زيادة الله في القرن  الثالث الهجري، الثالث الهجري، وهي فكرة تحكم القواعد  الهندسية في رسم الخطوط والنباتات.
ولعل هذا هو السبب الذي جعل تلك الزخارف النباتية التي تدور حول ورقة العنب لم تبلغ الجمال العجيب الذي نلاحظه في واجهة قصر المشتى بالشام.
كما أن هذه الحشوات الرخامية في الوقت نفسه تكشف عن ناحية تعد من أهم خصائص الفن الإسلامي وزهي الزخارف  المخرمة التي يتخلل الضوء فتحاتها الرشيقة لكي يتجانس مع الظل الناشئ من الفراغ المعتم، ومن الحق لقد بلغ النحاتون من المسلمين في هذا الأسلوب حدا بعيدا من الرقة والإتقان حتى أعجب به كثير من رجال الفن المسيحي في بيزنطة واسبانيا وفرنسا في العصور الوسطى، واخذوا أصوله وادخلوها  على صناعة زخارفهم المنحوتة.

ثانيا- الخزف ذو البريق المعدني بواجهة محراب القيروان:
على أن محراب القيروان هذا لا تقف أهميته عند حد كونه  أول محراب مجوف في الإسلام، أو عند حد كونه أول محراب مجوف في الإسلام، أو عند حد تلك الحشوات الرخامية البديعة التي ألبسته حله   قشيبة من الجمال، ولكن هذه الأهمية تزداد  عندما نجد أنه قد زين أيضا  في واجهته  يقراميد من الخزف ذي البريق المعدني.
زمن المفيد قبل أن نبدأ في دراسة تلك   القراميد الخزافية أن نعرف أولا العوامل التي دفعت بالخزافين المسلمين إلى ابتداع هذا النوع من الخزف التي تتلخص طريقة صنعه في طلاء الأواني أو المنتجات الخزفية المزججة،  ( بعد غمر الفخار في محلول زجاجي) بمادة مكونة من أملاح معدنية من مركبات النحاس أو الفضة أو غيرها.وهذه المركبات الكيمائية تتحلل عند وضع المصنوعات في الفرن في درجة حرارة منخفضة مكونة قشرة معدنية رقيقة تحدث ذلك البريق المعدني .
وعلى الرغم من أن الأستاذ يعتقد بأن  الخزافين المسلمين استمدوا الوحي في تلك  الصناعة من الأواني المستوردة من الشرق   الأقصى لإرضاء رجال  البلاط العباسي وإشباع ذوقهم الفني ـ فإن جمهرة مؤرخي الفنون قد اجمعوا على ابتداع المسلمين للخزف ذي البريق المعدني كان بتوجيه سلبي من الدين الإسلامي الذي حرم اتخاذ الأواني من الذهب والفضة، مما دفع بالصناع إلى التفكير في الطريقة التي  يكسبون بها الأواني الخزفية جمال الذهب والفضة وبريقهما.
حقيقة لم يرد في القرآن نص صريح  يحرم  استعمال الذهب والفضة وجميع الآيات التي تتعلق بهذين المعدنين النفيسين إنما تشير إلى إنهما مما يتمتع به المتقون يوم القيامة ولكنه قد ورد في كتب السنة أحاديث عدة تنظم استعمالهما، بعضها بحرمها ويعضها يحللها يحسب الظروف المختلفة، والملحوظ في التحريم على كل حال هي الرغبة الصادقة في الحيلولة بين الناس وبين الانغماس في الترف ، ولقد كان في تلك الإباحة وهذا التحريم غنم كبير للصناعة والفن يمثل لنا فيما أيدع المسلمون من تحف مختلفةـ وقد انعقد إجماع فقهاء المسلمين على تحريم الأواني المصنوعة من الذهب الخالص أو الفضة الخالصة التي تستعمل في الوضوء أو الغسل أو الأكل أو الشرب، ولقد كان هذا التحريم هو السبب المباشر لاهتداء الخزاف المسلم إلى تلك الطريقة التي استطاع بها أن يوفر للأواني الخزفية جمال الذهب فأخرجت إلينا تلك الأمثلة الرائعة من  الخزفية التي امتزجت فيها دقة الصانع مع عبقرية الفنان، والتي يتمتع من يستعملها بجمال الذهب ورونقه دون أن يخرج على أحكام الدين.
وقد صنع الخزافون من هذا النوع أكوايا وسلطانيت وفناجين وقوارير وكؤوسا وصحونا وغيرها كما صنعوا منه بلاطات ونجوما لكسوة الجدران وتعود الآن إلى التحدث عن البلاطات أو القراميد ذات البريق المعدني التي تكسو واجهة المحراب بالمسجد الجامع بالقيروان.
والحق أن هذه القراميد تبدو للناظر غريبة عن موضعها لم تصنع للغرض الذي استعملت فيه كما لم يراع في استعمالها ما يرسم عليها من زخارف، فتارة نجدها مقلوبة الوضع، وتارة مائلة عن الوضع. 
الطبيعي لها، وهي وإن اتفقت جميعا في الحجم إلا أنها ليست سواء في اللون، فجانب منها متعدد الألوان ( polichrome) بينما جانب آخر من لون واحد
وهذا الأخير يتغير لونه حسب موضعه من الضوء تطورا نجده وردي اللون، وطورا نجده أصفر أو في لون البنفسج والزخارف التي تزين هذه القراميد جميعا، أما ( هندسة من دوائر، وخطوط نكسرة وخطوط متوازنة بقطع  يعضها بعضا) وأما نباتية، ( من وريدات، ذات خمسة فصوص أو سيعة الفصل العلوي  منها في الغالب مديب، بينما  الفص السفلي معكوف ( hookstaped) كما نشاهد فيها زخارف تشبه الكتابة الكوفية بينما هي ليست كتابة ( انظر اللوحة رقم3)
والآن هل صنعت هذه البلاطات مجلسا أم استوردت من الخارج؟ لقد أجاب على هذا السؤال كاتب  من كتاب العصور الوسطى في المخطوط الذي جمعه ابن ناجي والذي أشرنا إليه سابقا . وقد ذكر الكاتب في  صراحة أن هذه القراميد (tiles) قد استوردت معظمها من العراق وأنها قد جلبت لا لكي تزين محراب المسجد الجامع  بالقيروان حيث هي الآن، وبكنها استوردت لتزين في الأصل قاعة في قصر الأمير الأغلبي أبو إبراهيم أحمد. ولعل هذا السر يفسر لنا ذلك القلق الذي تلحظه في وضع هذه القراميد. فهي كما أشرنا تبدو غير متجانسة مع المكان الذي وضعت فيه، وترجع هذه القراميد على أرجح الآراء إلى حوالي 248هـ.
وبعد: أوضحنا في هذه العجالة بعض ملامح الفن الإسلامي بالمغرب زمن الأغالبة وفي المقال القادم إن شاء الله نكمل تلك الصورة التي بدأناها عن الفن الإسلامي المغربي أيام الفاطميين.  
وقع خطأ بالمطبعة في العدد السابق واللوحة المعروضة في صفحة 61 تمثل ضريح سيدي عقبة بن نافع الفهري قرب بسكرة بالجزائر.

(1)-  عثمان  عثمان إسماعيل ، طرز  الفن الإسلامي في بلاد المغري والأندلس ، دعوة الحق عدد مايو 1960 ص 60. 
(2)- انظر اللوحة رقم1. 
(3)-  أحمد فكري- المسجد الجامع بالقيروان. 
(4)- أحمد فكري- الوحدة في الزخرفة الإسلامية : بحث ألقي بالمؤتمر الثالث للآثار بالبلاد العربية. 
(5)- انظر اللوحة رقم 2: م وت المنعقد بفاس 1959.
(6)-  انظر اللوحة رقم 2: ج 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here