islamaumaroc

نظرة الإسلام إلى المال.

  عمر الجيدي

العدد 274 رمضان/ أبريل 1989

لقد نالت السياسة المالية من الشارع الحكيم حظا وافرا من العناية والرعاية، وأولاها العلماء قدرا كبيرا من الإيضاح والبيان، ليكون المسلمون سائرين في معاملاتهم على بينة من أمرهم، وهم يمارسون تبادل المنافع فيما بينهم في ه الحياة، فلم تكل الشريعة هذا الموضوع الخطير لرأي الناس يصرفون فيه أمورهم كيفما شاءوا، وكيفما تشاؤه لهم أهواؤهم، ولكنها حددت لهم أحكامه ووضحت طريقة ومنهاجهن أحكمته بالنصوص، وحاطته بسياج من القوانين التي ينبغي أن يسير الناس على هديها، كي لا يظلموا أو يظلموا....وإذا وقفت الشريعة الإسلامية من المال هذا الموقف، فلما له من الأهمية في نظر الإسلام وحياة المسلمين. فعلى المال تتوقف مصالح الناس، وبالمال يدبرون شؤون حياتهم في دنياهم، وبه تنتظم أمورهم، وتقضى حوائجهم، وترعى مصالحهم، وبسببه تكثر النزاعات والخصومات بينهم، ولأهمية وعظيم منفعته وقدره، تولى الله أمره لنفسه، فبين قيمته، وأبرز خطورته، وحب على طلبه، وأوصى بحفظه وعدم تبذيره أو احتكاره، أو الإسراف فيهن أو البخل به، بذلك على هذا الاهتمام وهذه الرعاية، أن الله ذكره في محكم كتابه في تسع وثلاثين سورة، بدءا بسورة البقرة لدى قوله تعالى: (ولنبولكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات) (1)، وانتهاء بسورة المد، عند قوله تعالى: (ما أغنى عني ماله وما كسب) (2)، ولقد تكررت كلمة "المال" في كتاب الله ستا وثمانين مرة، كلها بلفظ صريح، إفرادا وجمعا ومصدرا، وإذا أضفنا إليها ما ذكر فيه بما بدل عليه فيما عالج من غنائم الحرب، والترغيب في الإنفاق والحث على التجارة، والنهي عن الربا، والأمر بالزكاة وغير ذلك، اتضح لنا مقدار حرص الشريعة على هذا العنصر الحيوي والخطير، الذي تقوم عليه مصالح الناس جميعا، فإذا علمنا بعد ذلك أن الله أضاف المال إلى نفسه تنويها به وتشريفا له في قوله تعالى: (وآتوهم من مال الله الذي أتاكم) (3) ازددنا يقينا بمدى حرص الشريعة على الاهتمام بالمال وشأنه، ولهذا لا نعجب إذا رأينا علماء الإسلام يعتبرون المال من الضروريات الخمس، الواجب مراعاتها في كل الأحوال، وعدوه مقصدا من أهم مقاصد الشريعة، لكن، ومع هذا الاهتمام البالغ بالمال، فإن الإسلام ينظر إليه على أنه مجرد وسيلة لا غاية، وأن المال في حد ذاته ليس خيرا بإطلاق، ولا شرا بإطلاق، وإنما هو أداة خاضعة لمشيئة الإنسان، إن سخره في طريق الخير وسبل النفع، وأدى فيه حق الله وحق العباد فهو خير كله، وإن هو سلك به مسلك الإثم والفساد فهو شر لا خير فيه....وهكذا يجد المتتبع لتعاليم الإسلام، الواردة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الشريعة الإسلامية تناولت شؤون المال بالتنظيم والتوجيه فبينت طرق كسبه، وتنميته واستثماره والمحافظة عليه، وكيفية إنفاقه، ففيما يتصل بطرق اكتساب المال، تجد القرآن يأمر بتحصيله عن طريق التجارة والصناعة والزارعة، وهي المصادر الطبيعية لتحصيل الأموال والأسس القوية التي تقوم عليها كل الحضارات، ويجد القارئ لكتاب الله، إشارات واضحة وصريحة، إلى جمل من الصناعات على اختلاف أنواعها كما يجد فيه الحث على طلب التجارة، وممارسة الزراعة في غير ما أية، ثم جاءت السنة لتؤكد هذا الأمر، وتوضحه وتفصل فيه، وهناك أحاديث تفوق الحصر، جميعها تشيد بأهمية هذه العناصر الثلاثة وترفع من قدرها، وتعلي من شأنها، وتحث الناس على العناية بها، والاهتمام بأمرها ومن ثم ذهب فقهاء الإسلام، إلى أن هذه الأمور الثلاثة هي من فرض الكفاية، بحيث لو تركها كل الناس لأثموا جميعا،  إذ كانت مصالح الناس لا تقوم إلا عليها وبها...
على أن الإسلام لا يكتفي فقط بالحث على تحصيل المال، والتأكيد على طلبه، ولكنه يوجه الأنظار إلى تنمية واستثماره، ويرشد إلى المحافظة عليه، وعدم إضاعته في أمور غير مشروعة...
وقد اعتاد فقهاؤنا وهم يتحدثون عن المال أن يعبروا بالأموال أو الخراج بدلا ممن كلمة الاقتصاد التي أصبحت تشكل المصطلح السائد في عالمنا اليوم، وهكذا رأينا فقهاء الشريعة إذا أرادوا البحث في السياسة المالية استقلالا، بحثوا المال تحت هذين المصطلحين، وسموا مؤلفاتهم بذلك، ولا شك أنهم أثروا في ذلك المصطلح القرآني، كما بحثوه بشكل عام في بعض الأبواب الفقهية، كباب القراض، والمساقاة، والزكاة، والمزارعة، والشركات، والبيوع، والنكاح، والخلع، والنفقة، والحضانة، والصرف، والحوالة، والشفعة، والقسمة، والمعاوضة، والإقالة، والسلم والكراء، والإجارة، والجعل، والعارية، والقرض والعتق، والوصية، والفلس، والغصب والاغتصاب، والإرث، والدماء، والحدود.
ولنقصر حديثنا في هذا العرض القصير على القراض من حيث أهميته في ترويج المال واستثماره وتنميته، ودوره في تحقيق التكافل الاجتماعي في المجتمع الإسلامي وسنرى من خلال ذلك كيف أن الإسلام حرص على تطبيق سياسة المال في المجتمع الإسلامي,
لكن قبل ذلك، لا بد من تحديد القراض لغة وعرفا، وإقامة الدليل على مشروعيته، نقلا وعقلا. فالقراض في أصل اللغة مأخوذ من القرض في الأرض بمعنى قطعها بالسير فيها (4) وقد قارضت فلانا قراضا دفعت إليه مالا ليتجر فيه ومنه حديث الزهري، لا تصلح مقارضة من طعمته الحرام،  (يعني القراض)، واشتق القراض من القرض بمعنى القطع، لأن المالك قطع قطعة من مال ليعمل فيه بجزء من الربح، والعامل قطع لرب المال جزءا من الربح الحاصل بسعيه فالمفاعلة على بابها...
وكما يقال له القراض، يقال له المضاربة، لأن القراض والمضاربة بمعنى واحد إلا أن القراض لغة أهل الحجاز، والمضاربة لغة أهل العراق.
إذا ثبت هذا لغة، وهو ما أقره اللغويون، فإن هذه المعاملة تنعقد بلفظ المغاربة والفراض، لأنهما لفظان موضوعان لها، أو بما يؤدي معناها، لأن القصد هو المعنى، فجاز بما دل عليه، كلفظ التمليك في البيع، غير أن المالكية لا يعبرون إلا بالقراض، وغيرهم يعبرون بالقراض تارة، وبالمضاربة تارة أخرى وأما عند الفقهاء، فهو عقد بين اثنين يتضمن أن يدفع أحدهما للآخر مالا يملكه ليتجر فيه بجزء شائع معلوم من الربح، كالنصف أو الثلث أو نحوهما، بشرائط مخصوصة، وهذا المعنى الفقهي يطابق المعنى اللغوي، إلا أنه مقيد بالشروط التي تجعل العقد صحيحا أو فاسدا في نظر الشرع...
 وللقراض شبه بالمساقاة والمزارعة، لأن هذين الأخيرين عبارة عن عقد بين اثنين تكون الأرض أو الشجر منم جانب أحدهما، والعمل من الجانب الأخر، ولكل من الجانبين نصيب مما تحصل من الثمر، وكذلك القراض، فإنه عقد يتضمن أن يكون المال من جانب ذ، والعمل من جانب آخر، ولكل منهما نصيب من الربح، فثلاثتها تشترك في جنس المعقود وهو الربح، يستوي فيها جميعها الشريكان في المغنم والمغرم إن أخذ ذاك، وإن حرم هذا حرم ذاك/ ورب المال يسمى المقارض (بالكسر) والعامل يسمى مقارض (بالفتح) ويقال للعامل في المضاربة مضارب. والأصل في القراض، على ما ذهب إليه كثير من أهل العلو، أنه شرع بالإجماع لا بالنص لكن هناك من يرى جوازه من القرآن والسنة، مستدلا على ذلك بقوله تعالى:
(ليس عليكم جناح أن تبتغوا فصلا من ربكم) (5) وبقوله تعالى: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله)(6) وبحديث: "ثلاثة فيهن البركة، البيع إلى أجل والمقارضة، وأخلاط البر والشعير للبيت لا للبيع، (7) غير أنه الجمهور ينازع في هذه الأدلة ولا يراها صريحة في المعنى المراد، ونحن إذا تخطينا هذه الأدلة وضربنا صفحا عن أراء الفقهاء من حيث دلالتها على المراد أو عدمه، واتجها إلى الواقع والممارسة التاريخية، لوجدنا أن القراض كان مشهورا بين العرب في الجاهلية، لا سيما عند القرشيين، فإن الأغلب عليهم كانت هي التجارة، وكان أصلحا الأموال يدفعونها إلى العمال لبتاجروا فيها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ممن مارسوا هذا النوع من المعاملة، روى ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق أن خديجة بنت خويلد كانت امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه. بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قوما تجارا فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه، وعظيم أمانته، وكرم أخلاقه، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرا وتعطيه أفضل كما كانت تعطي غيره من التجار مع غلام لها يقال لها ميسرة حتى قدم الشام (8)، والمعروف تاريخيا أن العير التي خرج فيها أبو سفيان كان أكثرها مضاربة، فلما جاء الإسلام أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المعاملة التي كانت شائعة، كما أن الصحابة كانوا يسافرون، بمال غيرهم مقارضةن ولم ينههم عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان حكيم بن حزام إذا أعطى مالا لشخص مقارضة اشترط عليه أن لا يجعل ماله في كبد ربكة، ولا يحمله في بحر، ولا ينزل به بطن سيل، فإذا عل شيئا من ذلك كان ضامنا، وكذلك كان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم يشترط ذلك في المقارضة، وثبت أنه دفع ما شرط إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقره، وبإقراره صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر صار سنة ثابتة، لأن السنة كما نعلم هي أقواله وأفعاله وإقراره (9).
ثم إن الفقهاء ليستدلوا لجوازها أيضا بالأثر المروي عن عمر بن الخطاب مع ولديه كما هو ثابت في الموطأ والذي سنذكره بعد قليل، وروى ابن قدامة في المغني (10) أن عمر بن الخطاب أعطى رجلا مالا يتيم مضاربة يعمل به في العراق، وكان الإمام أحمد يقيس القراض على المساقاة والمزارعة، لثبوتها بالنص، فيجعلها أصلا يقاس عليه، وإن خالف في ذلك من خالف، وقياس كل منهما على الأخرى فإن قيل إن الربح في القراض ليس من عين الأصل، بل الأصل يذهب ويجيء بدله فالمال جعل بنفس العمل بخلاف الثمر والزرع، فإنه من نفس الأصل...قلنا هذا القرض شكلي غير مؤثر، إذ أننا نعلم ضرورة أن المال المستفاد إنما حصل بجموع منفعة بدن العامل، ومنفعة رأس مال الملك، ولهذا يرد إلى رب المال رأس ماله، ويقتسمان الربح، كما أن العامل يبقى بنفسه التي هي نظير رأس المال، وليس إضافة الربح إلى علم بدن هذا بأولى من إضافته منفعة مال هذا، وعلى هذا، فالذين قالوا إن القراض والمساقاة والمزارعة على خلاف القياس ظنوا أن هذه العقود من جنس الإجارة أنه بعوض والإجارة يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، فلما رأوا العمل في هذا المعنى غير معلوم، والربح فيها غير معلوم، قالوا إنها تخالف القياس، وهذا القول فيه نظر، غذ هذه العقود هي من جنس الشركات، لا من جنس المعاواضات الخاصة التي يشترط فيها العلم بالعوضين، والمشاركات جنس غير جنس المعاوضات وإن كان فيها شبه (12)....
ومن تدبر الأصول، تبين له أن المساقات والزراعة والقراض هي أقرب العدل من الإجارة، فإن الإجارة مخاطرة، والمستأجر قد ينفع ولد لا ينتفع بخلاف المساقات والمزارعة والقراض، فإن الشريكين يشتركان في الغنم والغرم فليس فيها ممن المخاطرة من أحد الجانبين ما في المؤاجرة (13).
وهكذا نرى أن القراض أقره الفقهاء اتباعا لما ورد فيه من إقرار الرسول له أولا، ومما جاء فيه عن الصحابة ثانيا، وعليه فإن ما ذهب إليه الجمهور من أن القراض ثابت فقط بالإجماع فيه عندي نظر، والصواب أنه مشروع بالنص والإجماع كليهما، يقول الحفيد ابن رشد في البداية (14).
:لا خلاف بين المسلمين في جاز القراض وأنه مما كان في الجاهلية فأقره الإسلام، وأول قراض وقع في الإسلام هو قراض عبد الله وعبيد الله باني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وحاصل ما ورد في ذلك، كما رواه مالك في الموطأ قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وحاصل ما ورد في ذلك، كما رواه مالك في الموطأ قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر ابن الخطاب في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري وهو أمير البصرة فرحب بهما وسهلن ثم قال: لو أقرر لكما على انفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى ها هنا ما من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المومنين فأسلفكماه فتؤديان رأس المال إلى أمير المومنين ويكون الربح لكما، فقالا وددنا ذلك، ففعل وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال فلما قدما باعا فاربحنا فلما دفعا ذلك إلى عمر قال: أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلكفما؟ قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب ابنا أمير المومنين فأسلفكما، أديا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المومنين هذا، لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه، فقال عمر: أدياه، فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر يا أمير المومنين لو جعلته قراضا، فقال عمر: قد جعلته قراضا فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال (15) وإنما فعل عمر ذلك لأن المضاربة كانت معروفة بينهم والعهد بالرسول قريب ولم يحدث في عهد عمر ما يمكن أن يغير ما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقراض يقوم على أركان خمسة هي:
1- رأس المال، ويشترط فيه أن يكون نقدا معينا معلوما مسلما.
2- العمل، ويشترط فيه أن يكون تجارة غير مضيقة بالتعيين والتوقيت.
3- الربح، ويشترط فيه أن يكون مخصوصا بالعاقدين مشتركا معلوما بالجزئية لا بالتقدير.
4- الصيغة: بأن يقول رب المال قارضتك أو ضاربتك أو عاملتك على أن الربح بيننا، فيقول المقارض قبلت
5- العاقدان: ويشترط فيهما ما يشترط في الوكيل والموكل. (16)
أما أحكام القراض وشرائطه وفسخه والتنازع فيه، والصحيح منه والفاسد وغيرها من التفصيلات فذاك شيء لا يتسع له هذا الحديث، وهو على كل حال مبسوط في كل الفروع...
                                                      ***
والحكمة في مشروعيته القراض، هي حاجة الناس إليه، ذلك بأن النقد لا ينمى إلا بالتجارة، وليس كل من يملك يحسن التجارة، ولا كل من يحسن التجارة ليتوافر على المال، لذلك احتاج الناس إلى هذا النوع من المعاملة رفقا لهم، وتيسيرا عليهم، وهي مستثناة من الإجارة المجهولة والغرر، وما استثنيت ممن الأصل العام إلى لكونها ثبتت فيها مصلحة معتبرة في نظر الشارع، وكل معاملة ثبتت فيها مصلحة فهي معتبرة، ولا شك أن القراض ثبتت فيه المصلحة من حيث إنه الوسيلة المقبولة شرعا لاستثمار الأموال وتنميتها، وتنشيط الحركة التجارية ورواجها بين أفراد الأمة إذ الفرد في المجتمع لا يستطيع أن يعيش وحده، ولا يستطيع أن يقوم بمفرده بما تحتاج إليه الجماعة، فإن كان مع شخص مال ولكنه عاجز عن تنميته واستثماره، وإلى جانبه لا مال هل، وهو قادر على استثمار المال لو وجده، أفلا يكون من الخير لهما في هذه الحالة أن ينتفعا معا هذا بماله، وهذا بعمله؟...
لا نشك في أن الشريعة تبارك هذا التعاون المحمود، وهذا التشارك المفيد، بل الشأن فيها أن ترغب فيه وتحث عليه، لأنه نفع هذه المعاملة لا يقتصر على المتقارضين، بل يتعدى النفع إلى بقية أفراد المجتمع.
                                                   ***
إن النقود هي الوسيلة الكفيلة بإشباع حاجات الإنسان، بل هي ضرورة من ضرورات المجتمع، والإسلام يدعو المسلمين لأن يعملوا على زيادة الإنتاج لينعم المجتمع الإسلامي بالخيرات التي أنعم الله بها عليهم، وهم مأمورون بالعمل، فإن لم يجدوه تعين على الدولة على أن توجده لهم، وعليها نفقتهم حتى تيسر لهم عملا يرتزقون منه، والنظام الإسلامي بحكم قواعده ومنطقه لا يعرف البطالة ولا يقرها، ولا تختفي البطالة إلا حين تنطلق عجلة الإنتاج، وتوجه الأموال الفائضة عن الاستهلاك إلى الاستثمار، بدل اكتنازها وتجميدها، فالإسلام يوصي بتحريك المال ودورانه، واكتنازه تجميدا له، وحجب لمنفعته، وذلك شيء يحاربه الإسلام ويمقته أشد المقت ولقد أوجب الإسلام على المسلم أن يعمل على تنمية ما أنعم الله به عليه من نعم المال حتى لو كان هذا المال وديعة لديهن فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الأوصياء أن يروجوا أموال القاصرين حتى لا تأكلها الزكاة، وفي هذا يقول عليه السلام: "اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة".
فمن امتنع عن استثمار ماله والحال أن المسلمين في حاجة إلى ثمرة ذلك المال وجب على الحاكم أن يعهد به إلى غيره، ومنم البديهي أن المال كلما زادت سرعة تداوله يؤديها، وحيث إن حاجة الإنسان إلى طلب المعاش لا يكاد يحد، وحيث إن المال هو الوسيلة الوحيدة للحصول على هذه الحاجيات، فإنه بمقدار زيادة النقود وسرعتها وانتقالها بمقدار ما يحصل الناس على إشباع رغباتهم واستجابة طلبهم، فلا بد إذن من أن تظل الأموال في التدوال، حتى تتم عملية المبادلة النفعية بين الأفراد، وكل تأخر في سرعة النقد، وكل اكتناز له، معناه تأخر عملية المبادلة، وبالتالي تعطيل الإنتاج وجمود الثروة، وانكماش الاقتصاد، مما يترتب على ذلك تعطيل الدور الذي يقوم به المال.
                                                   ***
فائدة القراض: إن عقد القراض كان وما يزال وسيظل يعتبر ممن المعاملات المهمة في ميدان الاستثمار وتنمية الأموال، وإذا كان قد أدى دورا إيجابيا في تحريك الأموال وتنشيط الاقتصادية، وحقق للمسلم الروجان المادي في العصور المتقدمة، فإن علماء الإسلام اليوم ينتظرون من هذه المعاملة أن تقوم بدور أكثر فاعلية وإيجابية من السابق، ذلك أن رؤوس الأخوال التي كانت توضع تحت تصرف المقارضين في القديم كانت ضئيلة الأهمية، محدودة القدر، أما اليوم وقد راجت السيولة النقدية بين الناس، وتوافر لديهم الفائض المالي ويفعل تطور أسليب استغلال الموارد الطبيعية بفضل التقدم الحضاري والتطور التكنولوجي، وظهرت فكرة إنشاء البنوك الإسلامية، فإن الفقهاء يفكرون اليوم في تطبيق نظام القراض عليهما كنظام قانوني إسلامي يحكم العلاقات بين المودعين ورجال الأعمال كما أنهم يتجهون في أبحاثهم إلى تطوير عقد القراض باستبعاد بعض الشروط التي اشترطها الفقهاء، القدامى في صحة هذا العقد، إذ لا حظوا أن ما درج عليه الأقدمون من اعتبار هذه الشروط إن هو إلا تضييق على الناس، وتحجير على حرية التصرف في المعاملات، فلا معنى للتقيد بالشرط الذي اشترطوه بأن لا ينعقد القرض إلا على صورة محددة هي مشاركة صاحب المال مع صاحب العمل في تجارة، ولا معنى أن يمنع الناس من المقارضة في المجال الصناعي، ولا معنى لاشتراط أن يكون العقد خاليا من شرط الأجل، فلا معنى للتقيد به الشروط، بل ينبغي أن نتخلص منها جميعها إذا أردنا لهذه المعاملة أن تقوم بالدور الفاعل الذي ينتظر منها، أن هذه الشروط التي اشترطها الأقدمون، إن هي إلا اجتهادات فقهية، ولا نص عليها من كتاب ولا من سنة، فإذا كانت تناسب العصر الذي اشترطت فيه واعتبرت لمصحلة في عصرهم فإن مصلحة الناس اليوم تقتضي غير ما شرطوه، والظن بهم أن لو تقدم الزمان بأولئك الفقهاء على عصرنا هذا لعلهم كانوا يغيرون رأيهم، أن هذه الشروط نشأت عن عمل اجتهادي، والقاعدة المقررة: أن الأحكام المبنية على مراعاة الظروف الزمانية وأحوال الناس، تتغير بتغير الأزمان والعادات والأحوال، تطبيقا للقاعدة القائلة "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان وهكذا يرى الفقهاء المعاصرون أن القراض لا معنى لأن يبقى مقصورا فقط على التجارة، بل ينبغي أن يطبق في عقود تجارية وزراعية وصناعية وعقارية ومهنية، وأن يكون للشريكين الحق في تقديم المال والعمل، ولا معنى للتقيد بما قاله القدامى من أن القراض كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة واحد فلا ينبغي أن نتوسع فيها، فهذا تحجير لا مبرر له، وتضييق على الناس لا ضرورة له، والشأن في المعاملات أن يتوسع فيها، ويلتمس للناس الرخص في شأنها، إذ الأصل في الأشياء الإباحة لا التجريح، فكل وجوه الاستثمار مباحة ما دام لم يرد فيها نص يحرم.
                                                      ***
إن نظام القراض يعتبر في عصرنا الحالي من أهم الوسائل التي ينبغي أن تتجه إليها المؤسسات المالية وأموال الخواص الفائضة لاستثمار ما لديها من أموال وهو الحل الإسلامي الصحيح الذي ينبغي للمسلمين أن يحتكموا إليه، ويسيروا في معاملاتهم على وفقه، بدل الاحتكام إلى نظام الربا المطبق في العالم الإسلامي، وهو أمر مجمع على تحريمه كتابا وسنة بجميع صوره وأشكاله، فلا معنى لأن نترك المعاملة المشروعة التي أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمع عليها السلف الصالح من هذه الأمة، ونركب الطرق المحرمة، إذا كنا لا نطمع في أن تتكرم الدول الإسلامية على الأفراد بأن تقرضهم القرض الحسن كما أمر الله، فلا أقل من أن تمنحهم المال قراضا يعود بالنفع عليها وعليهم إنه أمر مؤسف أن نرى التعامل الربوي طبق عالم الإسلام اليوم ولا يخجل المسؤولون عن اقتصادياته من المناداة بأنه الحل الوحيد للرواج الاقتصادي وتحقيق التنمية الاقتصادية، وكأني بهؤلاء يومنون بأن لا علاقة بين المال والدين ويعتقدون بأن المال شيء والدين شيء آخر، والإسلام يرفض هذه الثنائية، إنه لمن الخطأ أن ننظر إلى الإسلام هذه النظرة، فالإسلام وحدة متكاملة لا يقبل التجزؤ، يجب على المسلمين أن يلتزموا بالمفهوم العام للحياة كما ينتظمها المذهب الإسلامي، وكل تعامل خارج هذا النطاق لا يقره الإسلام مهما حاول المتعلقون بالماديات أن يوجدوا المبررات والأسباب لتحليل ما حرمه الله، فالاقتصاد الإسلامي جزء من العقيدة لا يقبل الانفصال عنها، هذا ما نومن به ويومن به كل مسلم مثقف على دينهن ويهمه أن تسير أمور المسلمين في هذه الحياة وفق النظام الرباني الذي ارتضاه الله لهم شرعة ومنهاجا والله يوق الحق وهو يهدي السبيل.

--------------------
(1) سورة البقرة أية 155.      
2) سورة المسد أية: 2.
3) سورة النور أية: 3 
(4) القاموس 3/593 واللسان 7/217.      
(5) البقرة 198. 
6) المزمل 20
7) رواد ابن ماجة وان عساكر وأخرجه السيوطي  في الجامع الصغير.
8) سيرة ابن هشام 1/203.
9) انظر فتاوي شيخ الإسلام الإمام باابن تيمية 19/195.
10) المغنى 5/26.
11) فتاوي – ابن تيمية 29/101.
12) المصدر 20/506.
 13) المصدر 20/356   
14) بداية المجتهد 2/195.
15) الموطأ 2/173.
16) انظر الوجيز للغزالي 2/221.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here